في الحرب الأوكرانية - الروسية... كيف تُستخدم المعلومات كسلاح؟

بعد عام من الحرب الأوكرانية أصبح من المرجح أن يؤدي الصراع إلى مزيد من المعلومات المضللة (رويترز)
بعد عام من الحرب الأوكرانية أصبح من المرجح أن يؤدي الصراع إلى مزيد من المعلومات المضللة (رويترز)
TT

في الحرب الأوكرانية - الروسية... كيف تُستخدم المعلومات كسلاح؟

بعد عام من الحرب الأوكرانية أصبح من المرجح أن يؤدي الصراع إلى مزيد من المعلومات المضللة (رويترز)
بعد عام من الحرب الأوكرانية أصبح من المرجح أن يؤدي الصراع إلى مزيد من المعلومات المضللة (رويترز)

يُعد الغزو الروسي لأوكرانيا الصراع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، والأول الذي يشهد وجود وسائل التواصل الاجتماعي جنباً إلى جنب مع الطائرات المقاتلة والدبابات.
وظهرت مشاهد القتال عبر الإنترنت على شاشات الكومبيوتر والهواتف الذكية في جميع أنحاء العالم، حيث استخدمت روسيا المعلومات المضللة والدعاية ونظريات المؤامرة لتبرير غزوها وإسكات المعارضة المحلية وزرع الفتنة بين خصومها، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس».
الآن، مع دخول الحرب عامها الثاني، من المرجح أن يؤدي الصراع إلى مزيد من المعلومات المضللة، حيث تتطلع روسيا إلى كسر إرادة أوكرانيا وحلفائها.
السؤال الطبيعي هو: ماذا سيأتي بعد ذلك؟ قالت سامانثا لويس، محللة استخبارات التهديدات في شركة الأمن السيبراني «ريكوردد فيوتشر»: «نحن نعلم أن روسيا تستعد لصراع طويل الأمد... يكاد يكون من المؤكد أن الروح المعنوية الأوكرانية هدف رئيسي للعمليات النفسية الروسية. وهناك خطر التراخي الدولي».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1628365738275635200?s=20
وهنا نلقي نظرة على حرب التضليل الروسية منذ بدء الصراع:

 استراتيجية «فرق تسد»

بدأت جهود الدعاية التي يبذلها الكرملين ضد أوكرانيا منذ سنوات عديدة، وزادت بشكل حاد في الأشهر التي سبقت الغزو مباشرة، وفقاً لكسينيا إليوك، خبيرة التضليل الأوكرانية التي تتبعت عمليات المعلومات الروسية.
صممت روسيا الرسائل لجماهير محددة حول العالم.
في أوروبا الشرقية، نشرت روسيا شائعات لا أساس لها من الصحة عن ارتكاب اللاجئين الأوكرانيين جرائم أو تولي وظائف محلية. في أوروبا الغربية، كانت الرسالة مفادها أنه لا يمكن الوثوق بالقادة الأوكرانيين الفاسدين، وأن حرباً طويلة يمكن أن تتصاعد أو تؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء والنفط.
في أميركا اللاتينية، نشرت السفارات الروسية المحلية ادعاءات باللغة الإسبانية تشير إلى أن غزوها لأوكرانيا كان صراعاً ضد الإمبريالية الغربية. انتشرت رسائل مماثلة تتهم الولايات المتحدة بالنفاق والعداء في آسيا وأفريقيا وأجزاء أخرى من العالم لها تاريخ من الاستعمار.
أغرقت وكالات الإعلام الروسية أوكرانيا بالدعاية، واصفة جيشها بالضعيف، والقادة بغير الفاعلين والفاسدين. وقالت إليوك إنه إذا كانت الرسالة تهدف إلى الحد من مقاومة الغزاة، فإنها تأتي بنتائج عكسية في مواجهة التحدي الأوكراني.
وتابعت: «الدعاية الروسية فشلت في أوكرانيا. الدعاية الروسية والمعلومات المضللة تشكل تهديداً بالفعل ويمكن أن تكون معقدة للغاية. لكنها لا تعمل دائماً. فهي لا تجد دائماً جمهوراً».

لوم الضحية

تحاول العديد من التلفيقات الروسية تبرير الغزو أو إلقاء اللوم على الآخرين في الفظائع التي ارتكبتها قواتها.
بعد أن قام الجنود الروس بتعذيب المدنيين وإعدامهم في بوتشا الربيع الماضي، أخافت صور الجثث المتفحمة والأشخاص الذين تم إطلاق النار عليهم من مسافة قريبة العالم. ومع ذلك، زعم التلفزيون الروسي الحكومي أن الجثث كانت تابعة لممثلين، وأن الدمار كان مزيفاً. وشاهد صحافيو وكالة «أسوشييتد برس» الجثث بأنفسهم.
احتفلت روسيا في البداية بضربة صاروخية على محطة سكة حديد في بلدة كراماتورسك الأوكرانية، حتى ظهرت تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين. وفجأة، أصرت وسائل الإعلام الروسية على أن الصاروخ ليس ملكهم.
قال رومان أوسادشوك، باحث مشارك في مختبر أبحاث الطب الشرعي الرقمي التابع لمجلس أتلانتيك، الذي تتبع معلومات مضللة روسية: «عندما أدركوا مقتل وجرح مدنيين، قاموا بتغيير الرسائل، محاولين الترويج لفكرة أنه صاروخ أوكراني».
ساعدت روسيا أيضاً بنشر واحدة من أكثر نظريات المؤامرة شيوعاً حول الحرب. وفقاً للادعاء، تدير الولايات المتحدة سلسلة من المعامل السرية للحرب الجرثومية في أوكرانيا - وهي مختبرات تقوم بأعمال خطيرة بما يكفي لتبرير الغزو الروسي.
مثل العديد من نظريات المؤامرة، فإن الخدعة متجذرة في بعض الحقيقة. موّلت الولايات المتحدة أبحاثاً بيولوجية في أوكرانيا، لكن المختبرات ليست مملوكة للولايات المتحدة، ووجودها بعيد كل البعد عن السرية.
يعد العمل جزءاً من مبادرة تسمى برنامج الحد من التهديدات البيولوجية، التي تهدف إلى تقليل احتمالية تفشي الأمراض القاتلة، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان. تعود جهود الولايات المتحدة هذه إلى تسعينيات القرن الماضي لتفكيك برنامج الاتحاد السوفياتي السابق لأسلحة الدمار الشامل.

شبكة إعلامية

بينما كانت الحكومات الأوروبية وشركات التكنولوجيا التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها تبحث عن طرق لإيقاف مكبرات الصوت الدعائية للكرملين، وجدت روسيا طرقاً جديدة لإيصال رسالتها.
في وقت مبكر من الحرب، اعتمدت روسيا بشكل كبير على وسائل الإعلام الحكومية مثل «آر تي» و«سبوتنيك» لنشر نقاط الحوار الموالية لروسيا، بالإضافة إلى الادعاءات الكاذبة حول الصراع.
استجابت منصات مثل «فسبوك» و«تويتر» بإضافة تسميات إلى حسابات وسائل الإعلام الحكومية الروسية والمسؤولين الحكوميين. عندما دعا الاتحاد الأوروبي إلى حظر وسائل الإعلام الحكومية الروسية، رد موقع «يوتيوب» بحجب قنوات «آر تي» و«سبوتنيك». فعلت «تيك توك»، المملوكة لشركة صينية مقرها الآن في سنغافورة، الشيء نفسه.
ثم تحولت روسيا مرة أخرى للاستفادة من دبلوماسييها، الذين استخدموا حساباتهم على «تويتر» و«فيسبوك» لنشر روايات كاذبة عن الحرب والفظائع الروسية. تحجم العديد من المنصات عن فرض رقابة على الحسابات الدبلوماسية أو تعليقها، ما يمنح السفراء طبقة إضافية من الحماية.
بعد تكميم أفواه وسائل الإعلام الحكومية، وسعت روسيا من استخدامها لشبكات حسابات التواصل الاجتماعي المزيفة. كما تهربت من الحظر المفروض على حساباتها من خلال إزالة ميزات التعريف - مثل شعار «آر تي» من مقاطع الفيديو قبل إعادة نشرها.
كانت بعض الجهود معقدة، مثل شبكة مترامية الأطراف من الحسابات المزيفة المرتبطة بمواقع الويب التي تم إنشاؤها لتبدو وكأنها صحف ألمانية وبريطانية حقيقية. حددت «ميتا» تلك الشبكة وأزلتها من منصاتها الخريف الماضي.
كان البعض الآخر أكثر فظاظة، حيث استخدموا حسابات مزيفة تم اكتشافها بسهولة قبل أن يتمكنوا حتى من جذب متابعين.

استباق الادعاءات

حققت أوكرانيا وحلفاؤها انتصارات مبكرة في حرب المعلومات من خلال التنبؤ بخطوات روسيا التالية والكشف عنها علناً.
قبل أسابيع من الحرب، علم مسؤولو المخابرات الأميركية أن روسيا تخطط لشن هجوم ستلقي باللوم فيه على أوكرانيا كذريعة للغزو. وبدلاً من حجب المعلومات، قامت الحكومة بنشرها كوسيلة لتعطيل خطط روسيا.
من خلال «التثبيط المسبق» لمزاعم روسيا، كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يحاولون تخفيف تأثير المعلومات المضللة. في الشهر التالي، فعل البيت الأبيض ذلك مرة أخرى عندما كشف عن شكوك في أن روسيا قد تسعى إلى إلقاء اللوم على أوكرانيا بهجوم كيميائي أو بيولوجي.
دفع الغزو شركات التكنولوجيا إلى تجربة استراتيجيات جديدة أيضاً. أطلقت «غوغل»، مالكة موقع «يوتيوب»، برنامجاً تجريبياً في أوروبا الشرقية مصمماً لمساعدة مستخدمي الإنترنت على اكتشاف وتجنب المعلومات الخاطئة حول اللاجئين الفارين من الحرب. استخدمت المبادرة مقاطع فيديو قصيرة عبر الإنترنت تعلم الناس كيف يمكن للمعلومات الخاطئة أن تخدع الدماغ.
كان المشروع ناجحاً للغاية لدرجة أن «غوغل» تخطط الآن لإطلاق حملة مماثلة في ألمانيا.
قالت إليوك، باحثة المعلومات المضللة الأوكرانية، إنها تعتقد أن هناك وعياً أكبر الآن، بعد عام من الغزو، بالمخاطر التي تشكلها المعلومات المضللة الروسية، وتفاؤل متزايد بإمكانية السيطرة عليها.
أوضحت: «الأمر صعب للغاية، خصوصاً عندما تسمع القنابل خارج نافذتك... كان هناك إدراك كبير بأن هذا التضليل الروسي يشكل تهديداً. هذا شيء يمكن أن يقتلنا حرفياً».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».