مثقفون مصريون يحتجون على ما سموه «أخونة وزارة الثقافة»

قابلوا رئيس الوزراء مطالبين بإقالة الوزير الحالي وإصلاح الوضع الثقافي

وزير الثقافة المصري عبد الواحد  النبوي،  محمد عبلة، أحمد مجاهد، خالد يوسف
وزير الثقافة المصري عبد الواحد النبوي، محمد عبلة، أحمد مجاهد، خالد يوسف
TT

مثقفون مصريون يحتجون على ما سموه «أخونة وزارة الثقافة»

وزير الثقافة المصري عبد الواحد  النبوي،  محمد عبلة، أحمد مجاهد، خالد يوسف
وزير الثقافة المصري عبد الواحد النبوي، محمد عبلة، أحمد مجاهد، خالد يوسف

يبدو أن الأزمات المتلاحقة التي تعصف بوزارة الثقافة المصرية منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 لن تتوقف أو تهدأ، رغم تعاقب 7 وزراء خلال 4 سنوات. ويخوض المثقفون المصريون حاليا معركة ضد ما سموه «أخونة وزارة الثقافة» ومحاولة تغييب دورها وتحويلها إلى كيان باهت. تفجرت الأزمة الجديدة بعد قرار وزير الثقافة المصري عبد الواحد النبوي، بإقالة رئيس الهيئة العامة للكتاب د. أحمد مجاهد، وتكليف الكاتب حلمي النمنم رئيس دار الكتب والوثائق، قائمًا بأعمال رئيس الهيئة العامة للكتاب، لحين تعيين رئيس جديد للهيئة. ذلك القرار الذي جاء عقب قرارات الوزير السابقة بإقالة د. محمد عفيفي من المجلس الأعلى للثقافة، ود. أنور مغيث من المركز القومي للترجمة، فضلا عن إقالة رئيس المركز القومي للمسرح ومديرة مركز الهناجر للفنون خلال الأشهر الماضية.
من جانبه، صرح وزير الثقافة المصري بأن «الأزمة مفتعلة» وأن الوزارة في حاجة لأشخاص يتميزون بأفكار جديدة من أجل ضخ دماء جديدة تتفهم طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصا أن هيئة الكتاب عليها أعباء ضخمة وكبيرة مثل ضرورة الانتشار في الجنوب، «فلدينا كتب مكدسة منذ سنوات طويلة لم تصل إلى صعيد أو شمال مصر». وأضاف: «هناك ضرورة وأهمية التحول الرقمي للنشر الحكومي، ولا بد أن تكون سياسة النشر الجديدة لها رؤية تتفق مع ماهية المعارف التي يحتاج إليها المجتمع المصري في هذه المرحلة وتوزيع النشر بما يتفق مع هذه الاحتياجات».
وعلق أحمد مجاهد في تصريحات تلفزيونية بأنه «تعامل مع الدكتور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة منذ قدومه للوزارة كان يتخلله معوقات مستمرة في ما يتعلق بعمل الهيئة، «الأمر الذي أضر بشكل مصر خارجيًا في بعض منها وعطل مسيرة الهيئة»، مشددًا على أنه يمتلك الوثائق والمستندات الدالة على ذلك.
وتفاقمت الأزمة وما زالت حدتها تتصاعد على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الوسط الثقافي، وسط مطالبات بإقالة الوزير الحالي تحت شعار «ارحل» واتهامات له بـ«الإخوانية» و«السلفية»، ومحاولته تنفيذ خطة علاء عبد العزيز، وزير الثقافة الأسبق في عهد حكومة محمد مرسي الإخوانية.
وتداولت جبهة «ألتراس وزارة الثقافة» وصفحة «لا لأخونة الثقافة المصرية» عدة بيانات تشير إلى زيارة وفد من حزب النور السلفي للوزير عقب تولية منصبه. وتأتي تلك الأزمة عقب أيام من توقيع عشرات المثقفين المصريين على بيان يرفض ما وصفوه بـ«رجعية» وزير الثقافة، بعد أن أقدم على اتفاق مع وزارة الأوقاف يقضي بنشر الثقافة بالمساجد، وعقد الندوات الثقافية بها بدلا من تجديد الخطاب الديني، واعتبروها محاولة علنية لـ«تديين الثقافة».
وفي تصعيد جديد، التقى وفد من المثقفين المصريين مساء الاثنين رئيس الحكومة المصرية إبراهيم محلب احتجاجا على أوضاع وزارة الثقافة. وحضر اللقاء المخرج خالد يوسف، والكاتب وحيد حامد، والشاعر سيد حجاب، والروائي يوسف القعيد، رئيس لجنة التفرغ بالمجلس الأعلى للثقافة، والمخرج محمد فاضل، والمخرج داود عبد السيد، والفنان التشكيلي محمد عبلة، والروائي إبراهيم عبد المجيد، والمخرج عمرو عبد العزيز رئيس اتحاد النقابات الفنية، والفنانة فردوس عبد الحميد، ومسعد فودة نقيب السينمائيين، والشاعر جمال بخيت، والمخرج المسرحي عصام السيد، والمنتج محمد العدل، عضو غرفة صناعة السينما، والفنانة ليلى علوي عضو غرفة صناعة السينما، والسينمائي فوزي العوامري، والسينمائي أنسي أبو سيف، بينما تغيب عن الحضور لظروف قهرية: الروائي بهاء طاهر، والروائي جمال الغيطاني، والموسيقار عمر خيرت، والفنان حسين فهمي، والفنان محمود قابيل.
وقال المخرج خالد يوسف، رئيس لجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة وعضو لجنة الخمسين، إن «قرار المثقفين بلقاء رئيس الوزراء جاء بسبب عدم وجود رؤية واضحة لعمل الوزارة أو وجود استراتيجية فعالة للتعامل مع الإرهاب». وأعلن يوسف عن البيان الذي أصدره وفد المثقفين عقب لقائهم برئيس الحكومة أمس، والذي جاء فيه: «انتهى منذ قليل اجتماعنا مع السيد رئيس مجلس الوزراء الذي استمع باهتمام بالغ لمجموعة من المثقفين والمبدعين الذين استعرضوا كل الإشكاليات التي تحول دون وجود رؤية ثقافية شاملة تساهم في بناء الإنسان المصري وقدرتنا كمجتمع في التصدي لتحديات المرحلة، كما تم شرح تفاصيل المشهد الثقافي وسوء إدارته من قبل القائمين على المؤسسات الثقافية المختلفة. وقد تفهم سيادته كل المحاور التي تحدث عنها مجموعة المثقفين والمبدعين ووعد بدراستها جيدا والعمل على حلها حلا ناجزا. ويشكر المثقفون والمبدعون سيادته لرحابة صدره ويعربون عن تقديرهم العميق لتفهمه ووعيه الكامل بأهمية دور الثقافة والإبداع في بناء الإنسان والوطن».
من جانبه يرى الفنان التشكيلي محمد عبلة أن «التغييرات الممنهجة التي يقوم بها وزير الثقافة سواء في الوزارة أو القطاعات التابعة لها هدفها واضح وهو تكبيل الوزارة وتحويلها لجثة هامدة. إن 80 في المائة من المثقفين يتعاملون مع الوزارة ويدركون أن الوزير ليس على المستوى في هذه المرحلة الحرجة من تعامل الدولة مع موجة إرهاب ضارية».
وقالت الكاتبة إقبال بركة: «رغم النشاط الذي أبداه وزير الثقافة عبد الواحد النبوي وتجوله في قرى ونجوع مصر لكنني أجد أنه أخطأ بسبب التغييرات الكثيرة والمتتالية في قيادات الوزارة، فقد بدأ تغييراته بإقالة مديرة العلاقات الثقافية الخارجية ثم أعادها لفشل بديلتها، والغريب أنه أقال أحمد مجاهد دون بديل، وإعطاء مؤسسة بحجم الهيئة العامة للكتاب لحلمي النمنم عبء كبير عليه إضافة إلى مسؤولياته». وأضافت: «التغييرات الكثيرة تدل على عدم الاستقرار، وكمثقفين مصريين نتعامل طوال الوقت مع وجوه جديدة في فترات قصيرة جدا، ما إن نستقر على وضع حتى يتم تغييره، ونتفق معهم على مشروعات لا تتحقق بسبب التغيرات المتتالية مما يؤثر على المشهد الثقافي واستقراره بوجه عام».
وقال الفنان التشكيلي مصطفى عبد الوهاب إن «الوزير منذ توليه الوزارة وهو يرفض حضور أنشطة وزارة الثقافة الفنية تحديدا من منطلق معتقداته الشخصية، حتى إنه رفض وضع اسمه كراعٍ لمعرض فني بحجة أن المعرض يتضمن صورا عارية!».
أما الشاعر والناقد شعبان يوسف فيرى أن «أزمة المثقفين مع وزارة الثقافة تأخذ أشكالا عدة بسبب التغييرات المتلاحقة منذ ثورة يناير»، ولمح إلى أن «التغييرات التي يقوم بها وزير الثقافة عبد الواحد النبوي لا تتم وفق رغبة شخصية منه وإنما أرضاء لميول الحكومة الحالية التي أطاحت بالناقد جابر عصفور بسبب سياسته التنويرية التي أغضبت التيارات الدينية السلفية، والتي تريدها الحكومة ظهيرا دينيا للدولة، حتى تتجنب أقاويل الإخوان بأن الحكومة كافرة وما إلى ذلك، خصوصا أن الدول مقبلة على انتخابات نيابية. وبالتالي فإن الوزير يقوم بإقالة كل من لديهم فكر تنويري، وللأسف لم يقدم الوزير البديل الملائم، بل وجوه جديدة تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع المشهد الثقافي ونحن في وقت حرج لا يحتمل ذلك».
واستنكر يوسف إخضاع وزارة الثقافة للإشراف الديني المتمثل في وزارة الأوقاف، في ظل الاتفاقية التي عقدها وزير الثقافة مؤخرا حول تنظيم الندوات الثقافية في المساجد، مشيرا إلى أن ذلك «سوف يؤجج الانقسامات في المجتمع المصري بين المثقفين المسلمين والمسيحيين، فسوف تناقش أعمال الأدباء المسلمين في المساجد والمسيحيين في الكنائس، في حين أن الثقافة المصرية تخص كل المصريين».



هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران
TT

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر» أو «رواد النهضة العربية»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد والدارسين، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران. واللافت في الأمر أن السجالات التي اتخذت أشكالاً حادة في كثير من الأحيان، لم تقتصر ساحتها حول الريادة الأدبية والفكرية لصاحب «العواصف»؛ بل إنها طالت كل نأمة في حياته وسلوكياته وسيرته الشخصية، وبخاصة تلك المتصلة بالشأن العاطفي وعلاقته بالمرأة.

ومع أن مسألة التطابق بين نتاج الكاتب الإبداعي وبين سلوكه، كانت على الدوام مثاراً للجدل وتباين وجهات النظر، فإن شيئاً من الحياة الحقيقية لا بد من أن يتسرب إلى الأدب والفن، وينعكس في مراياهما التعبيرية.

ففي «الأجنحة المتكسرة» تظهر لنا صورة جبران اليافع والحالم الرومانسي، الذي روى قصة حبه الفاشلة لسلمى كرامة، مستخدماً لغة عاطفية تفطر قلوب القراء، وتستدرُّ دموعهم على نحو ميلودرامي.

وفي «الأرواح المتمردة»، تتحول مريم التي لجأ إلى بيت أمها راحيل، والتي شعر «بتموجات روحها حول روحه»، إلى نسخة معدلة من المجدلية. وفي «عرائس المروج» تقع الفتاة اليتيمة مرتا البانية ضحية شاب ثري يغرر بها ويعدها بالزواج، حتى إذا حملت منه اضطرت لممارسة البغاء لإطعام ولدها وثمرة حملها الآثم، لتموت في نهاية الأمر مُهانة ومرذولة. وفي هذه القصة وغيرها يعري جبران الأسس الفاسدة لنظام القيم، ويكشف عن الجوهر الروحي للكائنات، الذي لا تملك خطايا الجسد أن تنال من براءته.

أما في كتاب «النبي» فنقف على النسخة الأكثر نضجاً من شخصية جبران ومواقفه الإنسانية. فهو حين يُسأل عن الحب، يجيب بلسان بطله المصطفى، بأن على البشر أن يتبعوا صوت الحب ونداءاته، حتى لو كانت الطريق إليه وعرة وشائكة. ومع أنه لا يُظهر موقفاً سلبياً من الزواج، فإنه يرفض تحويل العلاقة إلى قيد، مؤكداً على فكرة المسافة التي ينبغي أن تفصل بين الطرفين، إضافة إلى أنه يرفض فكرة التوحد، والحلول في الآخر، كما في قوله: «غنوا وارقصوا معاً وافرحوا، ولكن ليبق كلٌّ منكم وحيداً». وحين يُسأل عن اللذة، فهو لا يرفض نشدانها ولا يدين طالبيها، شرط ألا يفقدوا قلوبهم في غنائها، وألا يهملوا الروح ويسيئوا إليها.

على أن المواقف النظرية الواضحة التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح، لم يكن لها أن تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بنساء حياته الكثيرات. فميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، لم يكتفِ بإنزال صديقه من مكانه السماوي إلى أرض الواقع؛ بل راح ينزع عنه صفتَي الروحانية والزهد الجسدي اللتين طالما ادَّعاهما، مؤكداً على الجانب الشهواني من شخصيته، وبخاصة في علاقته بميشلين، التي عرَّفته بها ماري هاسكل، ليخلص إلى القول بأن صديقه كان موزَّعاً بين عقل هاسكل وجسد ميشلين.

أما توفيق صايغ الذي يتهم نعيمة بالإساءة إلى صديقه، راداً الأمر إلى غيرته منه، فلا ينفي في كتابه «أضواء جديدة على جبران» أن تكون لجبران علاقات متعددة مع النساء، وبينها علاقة انجذاب شهواني مع ميشلين، إلا أنه -وهو المنذور للكتابة والخلق الإبداعي- كان يعرف كيف يضع في الوقت المناسب حدوداً لها. ويشير صايغ إلى أن علاقة هاسكل بجبران لم تكن روحانية خالصة ولا جسدية خالصة؛ بل ظلت تتأرجح بين النزعتين؛ حيث كانا يكتفيان بتبادل القبلات، رغم ما كان يتسبب فيه الأمر من أذى نفسي وجسدي للطرفين.

ولعل من يتتبع سيرة جبران العاطفية لا يلحظ عنده إقبالاً على الجنس يصل إلى حدود التهالك، ولا نفوراً منه يلامس حدود التبتل؛ بل هو يُظهر قدراً من الاعتدال يجعله أقرب إلى الإنسان الطبيعي، منه إلى الانحراف واللاسوية. أما عزوفه عن الزواج فقد كان عائداً إلى رغبته في التفرغ لكتابته وفنه. ولم تكن أناه النرجسية المبدعة لتقبل التنازل عن نفسها لأي شأن عابر، وهو الذي تنقل عنه هاسكل قوله لها عام 1922: «إن حضور عقل آخر مهما كان هذا الحضور طفيفاً، يدمر الأشياء بالنسبة لي. إني أفعل أفضل ما أستطيع فعله وأنا وحيد، والمرء يكون قريباً إلى كل إنسان عندما لا يكون قريباً إلى أي إنسان».

والواقع أن جبران قد حرص أشد الحرص على ألا يُفرغ طاقاته الحيوية العالية في مجال الجنس والرغبات الشهوانية البحتة؛ بل أراد أن يدَّخر جانبها الأكبر لشحن أعماله الفنية والإبداعية بأسباب القوة والتفجر. ولعل أكثر ما يؤكد ذلك قوله لهاسكل، في معرض تبرير اقتصار علاقتهما الجسدية على بعض القبلات والعناقات المتقشفة: «إن فيَّ رغم ضعفي الجسماني دفئاً وفيراً من الناحية الجنسية، وأعتقد أن فيَّ دون شك شيئاً حيوياً أيضاً؛ لأني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الناحية الجنسية يتحول وينصبُّ في نتاجي».

ولعلنا نستطيع -في ضوء ما تقدم- أن نفهم السبب الحقيقي الذي أبقى علاقته بمي زيادة في إطارٍ لغوي وجداني، تكفلت بحمله عشرات الرسائل المحمولة عبر المحيطات. فالواضح أن جبران كان يبحث عبر مي عن وقود إضافي لمنع جذوة الإبداع في داخله من الضمور، وهو ما لم يكن ليتوفر إلا عبر رفع مي إلى خانة المتخيل الطيفي الذي يؤلفه من عندياته. وجبران الذي يقول في كتابه «رمل وزبد» ما حرفيته: «كل رجل يحب امرأتين: واحدة يخلقها خياله، والثانية لم تولَد بعد»، كان يدرك في قرارته أن هذه الجذوة الإبداعية التي ولدتها علاقته الأفلاطونية بامرأة التخيل، كانت مرشحة للانطفاء السريع لو التقى بامرأة اللحم والدم.

المواقف النظرية التي أطلقها جبران بشأن المرأة والحب والزواج والجسد والروح لم تحجب البلبلة المتأتية عن الطبيعة الفعلية لعلاقته بالنساء

أما الذين رأوا في رسوم جبران العارية، والخالية من أي دلالة شهوانية، ما يدل على نقص في ذكورته، أو على تبرمه من النوازع الجسدية، فهم يخلطون عن عمد -أو عن غير عمد- بين الفن والحياة؛ لأن تلك الرسوم كانت تعكس توق صاحبها إلى التسامي الروحي والتجرد من حاجات الجسد الترابي، دون أن يعني أنه كان يعاني من الوهن الجنسي، أو من ارتفاع في منسوب الأنوثة، كما ذهب بعض الدارسين.

وقد لا يكون الباحث اللبناني خريستو نجم بعيداً عن الحقيقة حين أشار في كتابه «المرأة في حياة جبران»، إلى أن علاقة الحدب والحنو المفرط التي ربطت الأخير بأمه كاملة رحمة، قد جعلته يبحث عن صورها في ملامح نسائه الكثيرات، بما يفسر أن معظم اللواتي ارتبط بهن كنَّ يكبرنه سناً. فحلا الضاهر كانت تكبره بعامين، وماري هاسكل تكبره بعشر سنوات، وسلطانة ثابت تكبره بخمس سنوات، وجوزيفين بيبودي تكبره بست سنوات، وحتى ميشلين عشيقته الأثيرة، كانت تكبره ببضعة أشهر.

إلا أن ما توصل إليه نجم من خلاصات حاسمة حول «أنثوية» جبران ونفوره من الجنس، وصولاً إلى رميه بالعجز الجنسي، ليس في مكانه أبداً؛ إذ ليس يكفي أن يستشهد نجم بكتابَي «دمعة وابتسامة» و«الأجنحة المتكسرة» المفرطين في لغتهما الوجدانية وانكسارهما الحزين، لكي يرى فيهما «نمط جبران الأنثوي الذي يخلو من كل أثر للاقتحام الرجولي»؛ لأنه في هذه الحالة سيضع في دائرة الأنوثة عشرات من الكتاب والفنانين والشعراء الرومانسيين. ثم لماذا لم يدر في خلد نجم أن يستشهد بأعمال مغايرة تظهر فيها «ذكورية» جبران وفحولته الغاضبة على نحو واضح، كما هي الحال في «الأرواح المتمردة» و«العواصف» وغيرها؟

صحيح أن جبران قد قال لماري هاسكل: «إن المرأة في نفس الفنان هي مصدر قوته»، وأنه شبَّه نفسه بالمرأة الحامل، مضيفاً ما حرفيته: «أشعر أني كنت أُمًّا غير مرة»، إلا أنه لم يكن يقصد بالتأكيد المعنى الفيسيولوجي للكلمة؛ بل المعنى الرمزي الذي يُكسب الكاتب صفات الرقة والصبر، والإصغاء المرهف إلى الأشياء والكائنات، ويجعل من الكتابة بحد ذاتها حالة من أحوال الأنوثة.

 


ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
TT

ألواح فسيفسائية من قصر الحلابات

فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له
فسيفساء فناء قصر الحلبات الداخلي تقابلها فسيفساء الرواق المجاور له

تحوي الأراضي الأردنية مجموعة هائلة من المواقع الأثرية تتميّز بحللها الفسيفسائية المتعددة الأشكال، وتعود إلى الحقبة البيزنطية، وتشهد لتقليد فني ازدهر وراج بشكل واسع في هذه البقاع. ظلّ هذا التقليد كما يبدو حياً في الحقبة الأموية؛ حيث اعتمد في تزيين العمائر المدنية التي شُيّدت في نواح عديدة من البادية الأردنية. يحضر هذا الفن بشكل محدود في قصير عمرة، في شمال هذه البادية، ويحضر بشكل واسع في قصر الحلابات، في الناحية الشمالية من الطريق المعبدة التي تربط مدينة الزرقاء بواحة الأزرق.

تعود أسس قصر الحلابات إلى حصن دفاعي محلّي، شيّده الغساسنة خلال الحقبة البيزنطية. تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي في الحقبة الأموية؛ إذ أعيد تشييده مع تعديلات كبيرة في تكوينه، إلا أن أسسه الهندسية الأولى بقيت ثابتة، وتمثّلت في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. يبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذا المسقط الأربعة 44 متراً، ويبلغ عرض واجهة كل برج من أبراجه نحو 6 أمتار. يقع مدخل القصر الرئيسي وسط الواجهة الخارجية الشرقية، وينفتح على ردهة كبيرة مستطيلة تؤدي مباشرة إلى الفناء الرئيسي الذي يحتل وسط البناء.

يتألف القصر من مجموعة غرف وقاعات مستطيلة، تتوزع على جهات البناء الأربع. من جهة الشرق، وعلى يمين ردهة المدخل ويسارها، قاعتان واسعتان. ومن جهة الجنوب، ست قاعات وغرف مختلفة المساحات. في الزاوية الشمالية الغربية للقصر، جناح سكني كبير منفصل عن باقي أجزاء القصر، ندخل إليه عبر باب في واجهته الجنوبية المطلة على الفناء الرئيسي الواسع. يحوي هذا الجناح المستقل ثلاثة أجنحة تحيط بفناء صغير. يحوي كل من الجناحين الغربي والشمالي قاعتين واسعتين، ويحوي الجناح الشرقي ثلاث غرف. في الطرف المقابل، في موازاة الضلع الشمالية للفناء الرئيسي للقصر، ثلاث قاعات، أكبرها الوسطى، وتنقسم عبر عقدين نصف دائريَّين إلى ثلاثة أجزاء. في أسفل أرض الفناء الرئيسي، بُني خزان كبير كان يتلقّى مياه الأمطار عبر قنوات متصلة بقسطل القاعات التي تحتل ضلع القصر الشرقية. وفي فناء الجناح الشرقي الذي يحتل زاوية القصر الشمالية الغربية، بُنيَ خزان مشابه.

تطلّ معظم قاعات القصر على الفناء الرئيسي الكبير من خلال أبواب تعلوها سواكف حجرية مستقيمة، ونوافذ تحدها أطر مزينة بشبكات من النقوش المصنوعة بتقنية الجص، ضاع القسم الأكبر منها للأسف. على الصعيد الفني، يتميّز قصر الحلابات في المقام الأول بمجموعة الألواح الفسيفسائية التي تزين قاعاته، غير أن القسم الأكبر من هذه الألواح تصدّع واندثر، وما بقي منها يتمثّل في أجزاء سمحت للمختصين بإعادة تخطيط شبكاتها الهندسية الأصلية. نُقل بعض هذه البقايا إلى متحف خاص بهذا الموقع افتتح في عام 2008، وبقيت في الموقع الأجزاء الأكثر اكتمالاً، ومنها فسيفساء الفناء الداخلي الصغير، وفسيفساء الرواق المجاور له.

تُعتبر فسيفساء الفناء الداخلي أكبر هذه الأرضيات، وهي على شكل لوحة هندسية مستطيلة، رُصفت بخطوط محورية مزدوجة، تتقاطع وتكوّن شبكة تعتمد عنصراً هندسياً واحداً يُعرف بالمُعين، وهو على شكل مربع مائل، أضلاعه متساوية الطول، وقطراه متعامدان ومتناصفان. تتألف هذه الشبكة من 375 معيناً، رُصفت بشكل متواز، مع سلسلة من 17 معيناً عرضاً، تقابلها سلسلة من 21 معيناً طولاً. تتساوى هذه التقاسيم في الحجم، وهي بيضاء، وتحدّها خطوط تجمع بين الرمادي والعسلي والزهري، ويبلغ عرض ضلع كلّ منها 20 سنتيمتراً. وسط كل معين، معين منمنم صيغ بهذه الألوان. وحول هذه الشبكة المستطيلة، يمتد إطار على شكل شريط بسيط، تزينه سلسلة زخرفية، تعتمد كذلك هذا المعين المنمنم.

في المقابل، تجمع أرضية الرواق المجاورة بين التأليف الهندسي المحكم والعناصر التصويرية المحوّرة. يتألف هذا الرواق من ردهتين متلاصقتين، يغطي كلاً منهما لوح فسيفسائي مستقل. يزين الردهة العليا لوح زخرفي يتكون من أربع خانات متماثلة، تشكّل معا شبكة زخرفية مربعة، يغلب عليها الطابع التجريدي. تأتي كل خانة على شكل أربع دوائر، تتقاطع فيما بينها، مشكّلة إطاراً يحتضن في وسطه زهرة محوّرة هندسياً، تحدها أربع بتلات متساوية صيغت على شكل نجم. اعتُمد اللون الأحمر الخمري بشكل أساسي في صوغ الحلّة التشكيلية الخاصة بهذه الخانات، إلى جانب مساحات حلّ فيها الأبيض الناصع والأزرق السماوي. أُحيط هذا اللوح بإطار مزخرف، قوامه سلسلة من مثلثات مسنّنة، رُصفت كأسنان المشط، واعتُمدت الصياغة اللونية الخاصة بهذا الإطار على الأحمر الخمري والأبيض الناصع.

تتميّز لوحة الردهة السفلى بعناصرها التصويرية، وتتكوّن من ثماني دوائر كبيرة الحجم، وثمانية مربعات أصغر حجماً، تترابط بشرائط مجدولة، وتشكّل معاً شبكة متناسقة متقنة. في القسم الأعلى، تحضر إوزتان متواجهتان في وضعية جانبية، تستقرّ كل منهما في دائرة مستقلّة. وفي القسم الأدنى، تحضر إوزة ثالثة في وضعية مماثلة، وتستقرّ كذلك في دائرة خاصة بها. يتكرّر هذا التأليف في وسط اللوح، وتحلّ سلّتان متواجهتان، منهما سلة تعلوها عروة عريضة. في المقابل، تحلّ سمكة وسط إناء كبير يستقرّ في وسط الدائرة الثالثة. في القسم الأسفل من اللوح، يحلّ طائران متواجهان في تأليف مماثل، وهما من عائلات الدجاجيات، والأرجح أنهما من صنف الحجل الذي يحضر بقوة في الميراث الفني الأموي.

يتبنّى هذا اللوح طرازاً راج في الكنائس المحلية، ويعكس هذا الأثر حضور السمكة التي تعلو الإناء، وتستقرّ وسط سلّتين كبيرتين، في تأليف يعيد إلى الذهن صورة من أشهر الصور الفسيفسائية الفلسطينية. تعود هذه اللوحة إلى كنيسة تقع في قرية الطابغة، على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبريا، وتختزل بحسب التقليد معجزة تكثير الخبز والسمك التي ورد ذكرها في الأناجيل الأربعة بشكل متقارب. ونقع على لوح آخر مشابه، كشفت عنه أعمال التنقيب في كنيسة تقع في مدينة هيبوس الأثرية في الجولان، وتُعرف باسم «الكنيسة المحروقة».


رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر
TT

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

رواية فلسطينية في دائرة الحب والخطر

تنطلق رواية «الفراديس الملغومة» -الصادرة في 400 صفحة عن دار «طباق» برام الله، للكاتبة نسب أديب حسين- من مفارقة العنوان الذي يُبرز التناقض بين الجمال الفطري الأبدي في أرض فلسطين كملاذ للحب والمشاعر من ناحية، وبين الخطر والخوف من ناحية أخرى، عبر بنية فنية تضع الشخصيات في مواجهة أسئلة المكان والهوية والذاكرة والحب والخوف.

تدور الأحداث في عام 2017؛ حيث تتسع خريطة السرد لتشمل مدناً وقرى فلسطينية متعددة داخل الضفة الغربية وغزة؛ لا سيما طولكرم ونابلس، بحيث لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الشخصيات ومصائرها.

تجمع الرواية 14 شخصية فلسطينية في إطار مشروع بحثي ميداني، إلى جانب صحافي من غزة، ودليل سياحي مقدسي، في تركيبة تحمل تناقضات نفسية وإنسانية؛ فالمقدسي يعيش مأزقاً مختلفاً عن الغزِّي، وابن الداخل يواجه أسئلة غير تلك التي يواجهها ابن الخليل أو رفح.

ومن هنا يتحول سؤال الهوية إلى سؤال يومي: من أنا؟ وإلى أي مكان أنتمي؟ وما الذي يبقى من هوية الإنسان حين يتغير المكان من حوله أو يُنتزع منه؟ كما تتحول العلاقات الإنسانية البسيطة إلى مدخل مختلف لفهم الواقع الفلسطيني المعقد، فالحب -على سبيل المثال- لا يظهر بوصفه مساحة منفصلة عن السياسة والجغرافيا؛ إذ يمكن للحاجز أو التصنيف القانوني أو الانتماء الجغرافي أن يتدخل في علاقة عاطفية ويغير مصيرها.

ومن القضايا اللافتة كذلك حضور الأسرى بعد التحرر، وآثار الحرب والاستشهاد، والصدمة النفسية، إضافة إلى تجربة غزة والحواجز والجدار؛ حيث يتعامل النص مع هذه التفاصيل من زاوية الإنسان الذي يعيش نتائجها في حياته اليومية، ما يجعل العمل يخرج من الحدود الضيقة المباشرة للرواية السياسية، ليصبح نصاً إنسانياً مفتوحاً على أفق بيئة اجتماعية شديدة التعقيد.

فنياً، لا تنتمي «الفراديس الملغومة» إلى البناء الروائي التقليدي الصارم ذي البطل المركزي والحبكة الواحدة، وإنما تقوم على تعدد الأصوات والشخصيات وتداخل الأزمنة والأمكنة، بينما تستخدم المؤلفة ضمائر سرد متعددة، فتنتقل بين المتكلم والغائب، وتستدعي الماضي داخل الحاضر، ما يمنح العمل طبيعة متشعبة تتناسب مع تعدد التجارب داخل الحبكة الدرامية. كما حرصت على منح كل شخصية مساحة خاصة بها في التعبير والسرد.

من أجواء الرواية:

«كلما شرد ذهني وجدتني أنظر إلى النقش المحفور في الجدار المقابل وأجده على حاله. لا أعلم هل يثير هذا الألم في نفسي أم يبعث الطمأنينة؟

منذ كنت في الخامسة عشرة من عمري وأنا أساعد أبي في هذه المكتبة، وها قد مر من عمري مثلها، وكلما غاب رواد المكتبة والزبائن وسئمتُ القراءة، أنتبه أني في الجلسة هنا وأمام ذات النقش. صحيح أني درست خلال هذه الفترة في الجامعة، وتزوجت وصرت أباً، ولكن كأن الزمن لم يمر، لا على النقش في الخارج ولا على هذه المكتبة.

أغمض عيني وأصغي إلى حديث الجيران في السوق، هديل الحمام في النافذة، ومرور شاب بعربته فجأة صارخاً (أوعا أوعا). أرفع نظري إلى الرف فوق الباب، الكتب التي ترقد عليه هي نفسها منذ وضعها أبي فوقه، كي يضمن عدم بيعها».