المنتدى السعودي للإعلام يرسم ملامح المواكبة الواعية لتحولات القطاع

وزراء يؤكدون ضرورة بناء خطاب متزن بلا تلميع أو رتوش

وزير الإعلام السعودي (تصوير: بشير صالح)
وزير الإعلام السعودي (تصوير: بشير صالح)
TT

المنتدى السعودي للإعلام يرسم ملامح المواكبة الواعية لتحولات القطاع

وزير الإعلام السعودي (تصوير: بشير صالح)
وزير الإعلام السعودي (تصوير: بشير صالح)

رسم المشاركون في المنتدى السعودي للإعلام ملامح المواكبة الواعية لتحولات البيئة الإعلامية التي فرضت مشهداً مغايراً في أدواته ومضامينه، وحددت وسائل تطوير الخطاب الإعلامي وأداء المؤسسات والأفراد بما يتوافق مع توقعات الجمهور، الذين تحولوا مع التقنيات المعاصرة إلى عنصر مؤثر وفاعل في الصناعة الإعلامية.

حضور كثيف ولافت في اليوم الأول من المنتدى السعودي للإعلام (تصوير: بشير صالح)

وقال محمد بن فهد الحارثي، الرئيس التنفيذي لهيئة الإذاعة والتلفزيون، إن التطوير هو اللغة الحتمية للعصر، وإن لم تستجب المجتمعات لذلك فستكون خارج التاريخ؛ لافتاً إلى أن جوهر رؤية السعودية 2030‬ هو تطوير الإنسان، وأن الإعلام جزء أصيل في عملية التطوير، والرهان على صناعة المستقبل وتشكيل خريطته ورسم ملامحه، مشدداً على أن عالم اليوم واضح بين أن تبادر أو تغادر.

دعا المشاركون إلى ضرورة بناء استجابة إعلامية واعية لمتغيرات المرحلة (تصوير: بشير صالح)

وانطلقت أمس (الاثنين) فعاليات المنتدى السعودي للإعلام في يومه الأول، في مدينة الرياض، وسط حضور دولي وإقليمي، تحت شعار «الإعلام في عالم يتشكل»، وامتلأت قاعات المنتدى بحضور نخبة من الخبراء وقادة الإعلام والفكر؛ حيث يشارك أكثر من 1500 إعلامي من مختلف دول العالم.
ورحّب الحارثي، في كلمته الافتتاحية، بضيوف المنتدى من مختلف دول العالم، وأنه يُعقد في لحظة تنموية مهمة بالنسبة إلى السعودية، مشدداً على أن استخدام مفهوم حرية الإعلام لا يعني تمرير خطابات الكراهية والإساءة للأديان والرموز الدينية.
وخلال جلسات اليوم الأول من المنتدى الذي يستمر ليومين، استعرض المشاركون مرتكزات تطوير القطاع الإعلامي ومواكبته للمتغيرات، في حين شدد مسؤولون سعوديون شاركوا في جلسات خاصة خلال المنتدى، على ضرورة إنشاء خطاب إعلامي حاذق ومتزن، يؤدي دوره في جلاء الحقيقة من دون تلميع.

تناول المنتدى موضوعات متعلقة بجميع أشكال الإعلام المرئي والمسموع والمطبوع والرقمي (تصوير: بشير صالح)

«جلد سميك» لمواجهة
بعض طروحات الإعلام
ورأى الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، أن المرء ينبغي أن يتمتع بمرونة لتقبل النقد وتعدد الآراء والاختلاف مع الآخر، وتابع قائلاً: «نحن في السعودية لدينا رؤية عمل كبيرة، نحتاج معها أن يكون لدينا جلد سميك تجاه الطروحات المختلفة، نرحب بالمشجع، ونتقبل صاحب الرأي الجاد، ولا نلقي بالاً لكل من يشكك، ونستمر في العمل وتنفيذ ما نسعى إليه».
وشدد الأمير عبد العزيز على أن المسؤول يجب أن يكون في حالة إفصاح مستدام، لتعزيز الثقة مع الرأي العام، مع الإبقاء على الواقعية وفهم التوجهات المختلفة التي تتفق أو تختلف مع المسؤول، وأن الإعلام الصادق هو مرآة المسؤول، معها يتوقف لفهم المحيط العام، مضيفاً: «الانتقاد هو عملية تقييم لنشاط ما أو مسؤول ما، وإذا أُخذ النقد بهذه النظرة الإيجابية من طرف صانع الرسالة الإعلامية والمسؤول من جهة أخرى، فسيتحقق النفع العام».
وشدد الأمير عبد العزيز بن سلمان على أن المسؤول بحاجة لتوطين النفس، لأنه يمثل الدولة قبل تمثيل نفسه، وأن الأشخاص يتغيرون، وقيمة المكان تبقى، وهو مسعى يحتّم على المسؤول أن يفكر قبل أن يتحدث، انطلاقاً من هذه المسؤولية.
واستشهد الأمير عبد العزيز بالنشاط الإعلامي الذي وُجّه ضد السعودية على خلفية قرار «أوبك»، مشيراً إلى أن القرار جرى تضخيمه وتوجيه كثير من الاتهامات والتحريض والتلفيق ضد القرار والمنظمة، كاشفاً أن السعودية وُوجهت بأطروحات إعلامية ناقدة وغير عادلة، وأن القرار صدر بدافع فني صرف، معتمداً على الإحصاءات والتحليلات والدراسات العلمية الدقيقة والخبرة العميقة، بمعزل عن أي تجاذبات أو تأثير سياسي، مضيفاً أن كل ذلك التضخيم كان مجرداً عن الصواب والحقيقة، وأن السعودية مارست الصبر، مشدداً على أن المسؤول السعودي في نهاية المطاف يرعى مصالح دولته، مع مراعاة شركائه الدوليين.

القطاع الإعلامي السعودي
واعد وفرصه مشجعة
من جهته، قال ماجد القصبي، وزير الإعلام السعودي المكلف، إن العالم أضحى متصلاً بعضه ببعض من دون توقف، تواصلاً فورياً نافياً عنه البعد الجغرافي، وإن قطاع الإعلام في السعودية واعد ومؤهل بالفرص، وتعمل منظومته المتكاملة المكونة من 4 كيانات على تحقيق نقلة نوعية، مواكبةً للتحولات العميقة والواسعة التي تشهدها السعودية، مؤكداً على أن قطاع الإعلام في المملكة يمثل فرصاً استثمارية وتطويرية واسعة للإبداع وصناعة المحتوى.
واستطرد الوزير القصبي أن زمن الإعلام المركزي والاتجاه الواحد انتهى، وأن الإعلام اليوم لا مركزي، وكل فرد مؤهل ليكون إعلامياً بطريقة ما، فضلاً عن تحولات أنماط العمل، والسلوك الاستهلاكي وتمكين البعد التقني، نتيجة تأثيرات جائحة «كوفيد 19».
وبشأن تحديات الصناعة الإعلامية، عدّد الوزير القصبي مجموعة من التحديات التي يجري العمل على حلّها. منها تعدد الجهات المسؤولة عن القطاع، ودرجة توفر البنية التحتية، وبناء الأنظمة والقوانين الملائمة، وبناء برامج تدريبية للكفاءات الناشئة، ودعم إمكانات الإبداع والابتكار لديهم، في طريق صناعة محتوى جاذب ومؤثر وموثوق، بالإضافة إلى مزيد من تمكين هذه القطاعات وجذب الاستثمارات، وتغيير الواقع وتأهيل المستقبل. كما كشف عن أهداف المنظومة التي تعمل في القطاع الإعلامي السعودي، وأنها تتركز على بناء شركات إعلامية رائدة، وتطوير كوادر محلية متميزة، ورفع جودة المحتوى المحلي، وتشجيع رواد الأعمال والاستثمار الجريء في قطاع الإعلام، وتعزيز الهوية الوطنية والثقة وزيادة انتشار الرسالة إلى خارج الحدود، بالإضافة إلى تطوير الإعلام الناعم، الذي يصل إلى الرأي العام العالمي من دون ترجمة، وزيادة منسوب المزيج الإعلامي الذي يغطي جميع اهتمامات الجمهور والمجالات التي لم تكن مطروقة من قبل.

السعودية أكبر قصة لم تروَ بعد
من جانبه، قال خالد الفالح، وزير الاستثمار السعودي، إن السعودية هي أكبر قصة لم تروَ بعد، وباستثناء معرفة نخبة السياسيين والشركات، فإنها بالنسبة إلى الرأي العام العالمي ما زالت عبارة عن صندوق غير مكتشف، مشدداً على أن الإعلام له دور كبير في فتحه وإظهار المملكة على حقيقتها، من دون حاجة إلى تلميع أو إضافة مبالغة إلى القصة الحقيقية للبلاد.
وعن الإعلام الاقتصادي المتخصص، قال الوزير الفالح: «نحن بحاجة إلى عدد كبير من الكوادر والمتخصصين في نشر الأخبار الاقتصادية الدقيقة، وتحليل المعلومات والعمل في الميدان، ومواكبة حجم الفرص والاستثمار ووعود المستقبل الذي تتطلع إليه السعودية».
وأضاف: «كما أننا بحاجة إلى قنوات ومنصات منافسة للمؤسسات الإعلامية العالمية في المجال الاقتصادي، بكل القدرات التحليلية والعلمية والإعلامية المؤثرة، وأن يكون الطرح معتدلاً منصفاً دقيقاً عاكساً للحقيقة ولجاذبية الاستثمار في السعودية من دون تلميع ولا رتوش، وعلى يد كوادر محلية متطورة وبكفاءة عالية»، مؤكداً أن السعودية لديها إمكانات مميزة يمكن استثمارها.
وعن قطاع الاستثمار وضرورة المواكبة الإعلامية لمستقبل هذا المجال، أكد الوزير الفالح أن هدف المملكة أن تكون منصة متكاملة لقطاعات اقتصادية متعددة، توفر الربحية والتنافسية والتكامل بين كل أجزاء الاقتصاد السعودي والإقليمي والدولي، مشدداً على أن الاقتصاد السعودي مرتبط بمحيطه الإقليمي والعالمي، ولا يمكن عزل الشركات داخل السعودية عن المحيط خارجها، وهو ما ينبغي أن ينعكس على الأداء الإعلامي.
وأشار الوزير الفالح إلى أن رؤية 2030 تتحدث عن الجانب الاقتصادي ببعد دولي، وتدعم الريادة في التقنية والابتكار وقطاعات أخرى، وأن واحداً من العناصر الأساسية في ذلك هو استقطاب مراكز صنع قرار كبرى الشركات إقليمياً، إلى وسط هذا الحراك الذي تشهده المملكة، لتبادل الفائدة، وتحقيق التكامل مع السوق السعودية والفرص الاستثمارية التي تتمتع بها. وكشف الوزير الفالح عن تضاعف عدد الشركات التي نقلت مقراتها الإقليمية إلى السعودية إلى 44 شركة أُعلن عنها سابقاً، مشدداً على ضرورة أن يتزامن هذا مع مواكبة إعلامية متخصصة وواعية ترتقي إلى مستوى هذا الموقف.


مقالات ذات صلة

إيطاليا تستدعي سفير روسيا بعد إهانة مذيع تلفزيوني جورجيا ميلوني

أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في روما يوم 15 أبريل 2026 (رويترز)

إيطاليا تستدعي سفير روسيا بعد إهانة مذيع تلفزيوني جورجيا ميلوني

انتقد السفير الروسي لدى إيطاليا الحكومة في روما، الأربعاء، بعد استدعائه بشأن تعليقات مسيئة من جانب مذيع تلفزيوني روسي بحق رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص صحف ورقية كانت تصدر بالسودان قبل اندلاع الحرب (أرشيفية - وكالة السودان للأنباء)

خاص بعد توقُّف 3 سنوات... مصير مجهول يُغلِّف الصحافة الورقية بالسودان

منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل (نيسان) 2023، لا تزال الصحف الورقية في احتجاب كامل، دون أفق أو مؤشرات على عودتها في القريب العاجل.

وجدان طلحة (الخرطوم)
إعلام مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة.

علاء حموده (القاهرة)
يوميات الشرق الكلمات التي كُتبت يومها كانت تمشي نحو ما سيحدث (رويترز)

صفحات تعود إلى زمن لبناني واكبت فيه الكتابة قلق مشهد يتبدَّل

لا يبدو اختيار الباحثة والصحافية الدكتورة بسكال عازار شلالا لموضوعها سهلاً. فالاقتراب من تلك المرحلة يحتاج إلى جهد بحثي شديد الحساسية...

فاطمة عبد الله (بيروت)
أوروبا شعار «هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي BBC) خارج مقر الشركة في لندن، 12 نوفمبر 2025 (أ.ب)

«بي بي سي» تعتزم إلغاء ألفَي وظيفة

أفادت وسائل إعلام بريطانية نقلاً عن مصادر الأربعاء، بأن هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) تعتزم إلغاء نحو ألفَي وظيفة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تقرير: لبنان سيطلب في المحادثات مع إسرائيل غداً تمديد الهدنة شهراً

حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

تقرير: لبنان سيطلب في المحادثات مع إسرائيل غداً تمديد الهدنة شهراً

حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)
حفارات تزيل أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية بحثاً عن ناجين مدفونين تحتها في مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يعتزم لبنان أن يطلب خلال المحادثات المرتقبة مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن الخميس، تمديد وقف إطلاق النار شهراً، وفق ما أفاد به مصدر رسمي «وكالة الصحافة الفرنسية» الأربعاء.

وقال المصدر، من دون الكشف عن هويته: «لبنان سيطلب تمديد الهدنة لمدة شهر، ووقف إسرائيل عمليات التفجير والتدمير (في المناطق التي يوجد فيها)، والالتزام بوقف إطلاق النار» الذي بدأ سريانه منذ الجمعة لمدة 10 أيام، وجاء بعد اجتماع بين سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن، هو الأول بين البلدين منذ عقود.

وأعلن الرئيس اللبناني، جوزيف عون، من جهته، الأربعاء، أن «الاتصالات جارية لتمديد مهلة وقف إطلاق النار، ولن أوفر أي جهد في سبيل إنهاء الأوضاع الشاذة التي يعيشها لبنان حالياً»، في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية تنفيذ عمليات هدم للوحدات السكنية في بلدات عدة جنوب لبنان.

إسرائيل للبنان: التعاون مطلوب من جانبكم

إلى ذلك، دعا وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، لبنان، في كلمة أمام دبلوماسيين خلال فعالية لمناسبة الذكرى الـ78 لـ«استقلال إسرائيل»، الأربعاء، إلى التعاون وبذل جهود مشتركة لمواجهة «حزب الله».

وقال ساعر: «غداً تُستأنف المحادثات المباشرة بين إسرائيل ولبنان في واشنطن. أدعو الحكومة اللبنانية إلى أن نتعاون ضد دولة الإرهاب التي بناها (حزب الله) على أراضيكم».

وأضاف: «هذا التعاون مطلوب من جانبكم أكثر مما هو مطلوب منا. إنه يتطلب وضوحاً أخلاقياً وشجاعة في المجازفة. لكن لا يوجد بديل حقيقي لضمان مستقبل من السلام لكم ولنا».

ولبنان وإسرائيل في حالة حرب رسمياً منذ عام 1948.

وسيطرت إسرائيل على مناطق إضافية في جنوب لبنان بعدما أطلق «حزب الله»، المدعوم من إيران، صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لطهران في 2 مارس (آذار) الماضي.

وأسفرت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل عن مقتل أكثر من 2400 شخص ونزوح نحو مليون من الجانب اللبناني.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، فإن القوات الإسرائيلية لا تزال تحتل مناطق في جنوب لبنان وتتحرك فيها.

والأسبوع الماضي، توعد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بأن تستخدم بلاده «كامل قوتها» في لبنان في حال تعرض جنوده للتهديد.

وبموجب شروط الهدنة، فإن إسرائيل تقول إنها تحتفظ بحق التحرك ضد «هجمات مخطط لها أو وشيكة أو جارية».

وأعلن الجيش الإسرائيلي الأسبوع الماضي إقامة «خط أصفر» فاصل في جنوب لبنان على غرار الخط الذي يفصل قواته عن المناطق التي تسيطر عليها حركة «حماس» في غزة.


من النفط إلى القماش… كيف تعيد أزمات الشرق الأوسط تشكيل صناعة الأزياء عالمياً؟

موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)
موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)
TT

من النفط إلى القماش… كيف تعيد أزمات الشرق الأوسط تشكيل صناعة الأزياء عالمياً؟

موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)
موظفة ترتّب بكرات الخيوط في مصنع نسيج في هايان بمقاطعة جيانغسو - الصين (رويترز)

لم يعد ارتفاع أسعار النفط مجرد خبر في أسواق الطاقة، بل بات مؤثراً مباشراً على تكلفة الملابس التي يرتديها المستهلك. فمن المصانع البتروكيميائية إلى خطوط إنتاج الأقمشة، ثم إلى متاجر الملابس، تمتد سلسلة معقدة لتنقل آثار ارتفاع النفط بسرعة لتصل في النهاية إلى سعر القطعة.

وبحسب تقرير «سوق المواد 2025» الصادر عن منظمة «تبادل الأقمشة»، يشكل البوليستر نحو 59 في المائة من إجمالي إنتاج الأقمشة عالمياً، بينما يعتمد نحو 88 في المائة من إنتاجه على مصادر نفطية غير معاد تدويرها، مما يضع الصناعة في مواجهة مباشرة مع تقلبات أسعار الطاقة.

وقفزت أسعار النفط منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) بنحو 32 في المائة لتصل إلى مستويات قريبة من الـ100 دولار للبرميل.

الأقمشة تحت ضغط النفط

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة أمل صقر، استشارية تصميم المنسوجات، لـ«الشرق الأوسط» أن «الصناعات النسيجية تُعد من أكثر القطاعات حساسية لتقلبات أسعار النفط، نظراً لاعتمادها الكبير على الألياف الصناعية».

وتضيف أن «أكثر من 60 في المائة من الأقمشة المستخدمة في صناعة الملابس عالمياً تعتمد على ألياف صناعية مشتقة من البترول، مثل البوليستر والنايلون والأكريليك»، مشيرة إلى أن «كل قفزة في سعر برميل النفط تُترجم مباشرة إلى ارتفاع في تكلفة القماش».

واستشهدت أمل صقر بأزمة عام 2008، حيث «ارتفعت أسعار البوليستر عالمياً بنحو 30 في المائة خلال ثلاثة أشهر مع وصول النفط إلى مستويات قياسية»، مضيفة أن «مصانع الغزل في آسيا خفضت إنتاجها بنسبة تراوحت بين 20 و25 في المائة نتيجة ضغوط التكلفة».

كما تشير أمل صقر إلى أن «اضطرابات البحر الأحمر خلال الفترة 2023 - 2024 أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن بنحو 300 في المائة، مما انعكس مباشرة على تكلفة المواد الخام وسلاسل الإمداد».

وكانت جماعة الحوثي اليمنية بدأت في استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستخدام طائرات مسيَّرة وصواريخ.

الأقمشة الطبيعية... بديل غير محصَّن

ورغم أن الأقمشة الطبيعية مثل القطن والكتان لا تعتمد على النفط كمادة خام، فإنها لا تزال تتأثر بشكل غير مباشر، بحسب صقر، التي توضح أن «زراعة هذه الألياف تعتمد على الأسمدة والوقود والنقل، وجميعها مرتبطة بأسعار الطاقة»، وفق صقر.

وأضافت أن «أزمة الأسمدة العالمية في 2021 أدَّت إلى ارتفاع أسعارها بنحو 80 في المائة، مما انعكس على أسعار القطن التي ارتفعت بنحو 40 في المائة»، مشيرة إلى أن «تعطل مضيق هرمز لاحقاً تسبب في زيادة إضافية بنحو 40 في المائة في أسعار الأسمدة نتيجة تأخر الشحنات».

طالبات أوزبكيات يقطفن القطن خلال موسم الحصاد (أ.ب)

وبحسب تقرير «تبادل الأقمشة»، بلغ إنتاج القطن عالمياً نحو 24.5 مليون طن في 2024، أي ما يمثل نحو 19 في المائة من إجمالي إنتاج الألياف، مما يجعله خياراً أقل انتشاراً من الألياف الصناعية، لكنه أكثر استقراراً نسبياً من حيث التسعير.

تكلفة الإنتاج

وتوضح أمل صقر أن «ارتفاع أسعار الطاقة لا يؤثر فقط على المواد الخام، بل يمتد إلى جميع مراحل الإنتاج، من تشغيل آلات الغزل إلى عمليات الصباغة والتجفيف».

وتضيف: «مصانع النسيج تعمل بهوامش ربح ضيقة، ومع ارتفاع التكاليف تصبح أمام خيارين: إما رفع الأسعار أو تقليل الإنتاج، وكلاهما ينعكس على المستهلك النهائي».

ووفقاً لتقارير البنك الدولي، ارتفعت تكاليف تشغيل مصانع النسيج في عدد من الدول بنحو 18 في المائة عقب ارتفاع أسعار الطاقة خلال السنوات الأخيرة.

عمال يعملون على خط إنتاج لتصنيع الملابس لصالح شركة «شي إن» في مصنع بمدينة قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ - الصين في 1 أبريل 2025 (رويترز)

الأسواق المستوردة

وتشير أمل صقر إلى أن «الأسواق المستوردة تتأثر بشكل سريع بأي اضطرابات في الشحن أو الطاقة»، موضحة أن «ارتفاع تكاليف الشحن من آسيا أدَّى إلى زيادات في أسعار الأقمشة الصناعية تراوحت بين 10 و18 في المائة، بينما ارتفعت أسعار القطن المستورد بنسب تتراوح بين 15 و25 في المائة».

وتضيف أن «تغيير مسارات الشحن من مضيق هرمز الذي تعرقلت فيه حركة الشحن نتيجة للحرب إلى رأس الرجاء الصالح زاد زمن النقل بين 10 و14 يوماً، مما تسبب في نقص بعض المنتجات وتقلبات في توفر الأقمشة والملابس».

صورة توضيحية لجغرافية مضيق هرمز (رويترز)

إعادة تشكيل سلاسل القيمة

من جانبه، يرى بوراك شاكماك، الرئيس التنفيذي لهيئة الأزياء السعودية، أن تأثير أسعار النفط على الأزياء «ليس مباشراً أو فورياً»، موضحاً أن «سعر المنتج النهائي يتأثر بسلسلة قيمة متكاملة تشمل الإنتاج والتسويق والتوزيع، وليس فقط تكلفة المواد الخام».

ويضيف: «بدلاً من نقل التكاليف إلى المستهلك، تعيد العديد من العلامات التجارية التفكير في كيفية خلق القيمة، سواء من خلال تحسين العمليات أو العمل بكفاءة أكبر مع الموردين».

كما يشير إلى توجُّه متزايد نحو النماذج المحلية، حيث «تسعى العلامات التجارية إلى العمل بالقرب من أسواقها وإدارة المخزون بشكل أفضل، مما يساعد على التحكم في التكاليف وبناء نماذج أكثر مرونة».

دمى عرض تحمل شعارات شركة «شي إن» تظهر في مصنع للملابس بمدينة قوانغتشو بمقاطعة غوانغدونغ - الصين في 1 أبريل 2025 (رويترز)

الاستدامة

وفيما يتعلق بالاستدامة، يؤكد شاكماك أنها «لم تعد مجرد خيار بيئي، بل أصبحت مرتبطة بالكفاءة والاستدامة الاقتصادية على المدى الطويل».

ويضيف: «القطاع يشهد تحولاً نحو نماذج الاقتصاد الدائري، بما يشمل إعادة التدوير وتقليل الهدر، وهي ممارسات لم تعد اختيارية، بل ضرورية لتحسين الكفاءة التشغيلية».

جيل جديد من المصممين

على مستوى التعليم، ترى آنا زينولا، مديرة معهد مارانجوني في الرياض، أن «ارتفاع أسعار النفط لا يعيد تشكيل تفكير المصممين بقدر ما يعزز توجهاتهم الحالية نحو اختيار مواد أكثر وعياً».

وتضيف: «الاستدامة جزء أساسي من العملية التعليمية، حيث يتم تدريسها كمنهج متكامل يُبنى عليه كل قرار تصميمي، وليس كمادة منفصلة».

متحف فن صناعة الصوف الذي يعرض فنون صناعة الصوف في ستيا بإيطاليا (نيويورك تايمز)

وتوضح أن المعهد يركز على إعداد الطلاب لمتطلبات السوق، قائلة: «نعرِّض الطلاب لتحديات حقيقية تتطلب تحقيق التوازن بين التكلفة والاستدامة واحتياجات المستهلك، مع تعريفهم بابتكارات المواد التي تثبت إمكانية الجمع بين الاستدامة والجدوى التجارية».

توقعات الأسعار

وبحسب تقارير «ماكينزي» و«يوراتكس»، من المتوقع أن ترتفع أسعار الملابس عالمياً بنسبة تتراوح بين 8 و12 في المائة خلال العام المقبل، في ظل استمرار الضغوط على سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن.


«المركزي» التركي يثبت الفائدة عند 37 % مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
TT

«المركزي» التركي يثبت الفائدة عند 37 % مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

قرر البنك المركزي التركي تثبيت سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة عند 37 في المائة، مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة المرتبطة بالتوتر الناجم عن حرب إيران، وبما يتماشى مع التوقعات.

وأبقت لجنة السياسة النقدية للبنك، في اجتماعها الأربعاء، على سعر الفائدة على الإقراض لليلة واحدة عند 40 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض لليلة واحدة عند 35.5 في المائة، دون تغيير.

ولفت البنك، في بيان عقب الاجتماع، إلى مستويات مرتفعة وتقلبات كبيرة في أسعار الطاقة نتيجة حالة عدم اليقين الناجمة عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة.

التطورات الجيوسياسية والتضخم

وأضاف: «جرى رصد آثار هذه التطورات وأسعار الطاقة المحلية على توقعات التضخم عن كثب من خلال قناة التكلفة والنشاط الاقتصادي، وسيتم تشديد السياسة النقدية حال حدوث تدهور كبير ومستمر في توقعات التضخم».

رغم تراجع التضخم تواصل الأسعار ارتفاعها في الأسواق التركية (إ.ب.أ)

وذكر البيان أن التضخم الأساسي سجل تراجعاً في مارس (آذار) الماضي، وتراجع التضخم السنوي إلى 30.87 في المائة، وأن المؤشرات الرائدة تشير إلى ارتفاع طفيف في التضخم الأساسي في أبريل (نيسان) الحالي.

وتابع البنك المركزي التركي، في بيانه، أنه بينما تشير المؤشرات إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي، فإن الآثار الثانوية المحتملة للتطورات الأخيرة على توقعات التضخم ستكون مهمة.

وأكد البيان أن لجنة السياسات النقدية ستحدد الخطوات التي يتعين اتخاذها فيما يتعلق بسعر الفائدة من خلال نهج حذر، وبطريقة تعمل على الحد من الاتجاه الأساسي للتضخم وتوفير الظروف النقدية والمالية التي من شأنها أن تهبط بالتضخم إلى الهدف المنشود على المدى المتوسط، وهو 5 في المائة، مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات المتأخرة لتشديد السياسة النقدية.

وشدد على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.

انتقادات للفريق الاقتصادي

وعقد اجتماع لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي وسط انتقادات حادة لأداء وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشيك، ورئيس البنك المركزي، فاتح كاراهان، من جانب وسائل إعلام قريبة من الحكومة.

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك (أ.ب)

ووجهت صحيفة «يني شفق»، وهي واحدة من أقرب الصحف إلى الحكومة، انتقادات شديدة للإدارة الاقتصادية، عبر تقرير تصدّر صفحتها الأولى، الاثنين الماضي، بعنوان: «انهيار البرنامج الاقتصادي لمحمد شيمشيك».

وقبل ساعات من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، الأربعاء، خرجت الصحيفة بعنوان رئيسي يقول: «أسعار الفائدة في انتظار قرار كاراهان التعسفي».

وقالت الصحيفة إن كاراهان، الذي رفع أسعار الفائدة بمقدار 5 في المائة قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2024 في اجتماعات مغلقة، على الرغم من غياب توقعات السوق، يتردد في خفض الأسعار، ويزيد من حالة عدم اليقين.

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان (إعلام تركي)

وأضافت: «يُثار تساؤل حول طبيعة القرار الذي سيعلنه كاراهان اليوم. فالبنك المركزي، الذي يتخذ عند رفع أسعار الفائدة قرارات تتراوح بين 500 و700 نقطة أساس، يعزز حالة عدم اليقين حين يكتفي بتخفيضات لا تتجاوز 100 نقطة أساس. وبعد أن أنهى عام 2025 بتخفيضات رمزية في أسعار الفائدة، استهل عام 2026 بنبرة متشائمة، ما يزيد من تعقيد المشهد أمام قطاع الأعمال الذي يكافح لاستشراف المستقبل».

وتابعت الصحيفة انتقاداتها قائلة إنه «بسبب موقف كاراهان (المتحفظ للغاية)، الذي لاقى انتقادات من قطاع الأعمال، يواجه قطاع الصناعة صعوبة في استمرار الإنتاج، في حين يفقد المصدرون قدرتهم التنافسية أمام منافسيهم».

رحيل نائب رئيس المركزي

وشهد البنك المركزي، عشية اجتماع الأربعاء، تغييراً مهماً في إدارته قبل يوم واحد من اتخاذ قرار حاسم بشأن سعر الفائدة؛ إذ انتهت ولاية الدكتور عثمان جودت أكتشاي، الذي عُيّن نائباً لرئيس البنك في 28 يوليو (تموز) 2023، قبل عامين من موعد انتهائها، لبلوغه السن القانونية (65 عاماً).

وفي هدوء، جرى يوم الثلاثاء حذف اسم أكتشاي من قائمتي لجنة الإدارة ولجنة السياسة النقدية على الموقع الإلكتروني الرسمي للبنك المركزي، من دون أي إعلان رسمي، كما حذفت سيرته الذاتية من الموقع.

ولم تُنشر أي رسالة وداع له على موقع البنك المركزي. وكان أكتشاي قد عُيّن عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 2023 ضمن إدارة رئيسة البنك السابقة، حفيظة غاية أركان، بموجب مرسوم رئاسي وقّعه الرئيس رجب طيب إردوغان.

نائب رئيس البنك المركزي التركي السابق عثمان جودت أكتشاي (إعلام تركي)

وتصدّر أكتشاي، مؤخراً، عناوين الأخبار، بسبب حديثه في إحدى الفعاليات في إسطنبول؛ حيث قال إن التضخم كان عند نحو 48 في المائة وقت توليه منصبه، وانخفض الآن إلى 31 في المائة، مؤكداً أن هذا الانخفاض لا ينبغي تقييمه بمعزل عن غيره.

وأضاف: «لو لم تُتخذ هذه الخطوات، لكان التضخم قد ارتفع إلى ما بين 150 و200 في المائة».

وقلل أكتشاي من تأثير فترات الانتخابات على أسعار الفائدة، قائلاً: «لا تشغلني فترات الانتخابات إطلاقاً؛ فإذا توسعت السياسة المالية، فسأشدد السياسة النقدية أكثر». ولفت إلى ضرورة التنسيق مع وزارة الخزانة والمالية.

وساهم أكتشاي، وهو أستاذ اقتصاد عمل في جامعتي بوغازإيتشي وكوتش، وكان من ضمن مخططي السياسة في بنك «يابي كريدي»، في إعادة صياغة السياسة النقدية لخفض التضخم وإنعاش اهتمام المستثمرين.

وعدّ الخبير الاقتصادي التركي، أوغور غورسيس، أن أكتشاي كان بإمكانه الاستمرار في منصبه، في ظل غياب نص واضح ينظم مدة ولاية رئيس البنك المركزي ونوابه حالياً.

وأوضح أن القانون كان ينص سابقاً على ولاية مدتها 5 سنوات، قبل أن يُلغى هذا النص بمرسوم رئاسي «غير قانوني»، ثم قضت المحكمة الدستورية بإبطاله، ما أبقى فراغاً تشريعياً قائماً. وبناءً على ذلك، كان من الممكن تطبيق النص الأصلي للقانون، بما يتيح له الاستمرار في منصبه لعامين إضافيين.