الصين مترددة في دعم إيران رغم التحالف الظاهري بينهما

(تحليل إخباري)

الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 14 فبراير (أ.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 14 فبراير (أ.ب)
TT

الصين مترددة في دعم إيران رغم التحالف الظاهري بينهما

الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 14 فبراير (أ.ب)
الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 14 فبراير (أ.ب)

قبل وقت قصير من مغادرته إيران متوجهاً إلى الصين في أول زيارة رسمية، الثلاثاء الماضي، وجه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي انتقادات مستترة لحليفه القوي، قائلاً إن العلاقات بين البلدين الشقيقين لم ترقَ إلى مستوى التوقعات. وحرص رئيسي، الذي يعدُّ أول رئيس إيراني يزور الصين في زيارة رسمية خلال العقدين الماضيين، على إبلاغ بكين بأنها لم تقدم الدعم الكافي لطهران، تحديداً في الجانب الاقتصادي.
وقال رئيسي: «لسوء الحظ، فقد تخلفنا كثيراً عن اللحاق بالمستوى المفترض للعلاقات»، مشيراً إلى العلاقات التجارية والاقتصادية. وأضاف أن جانباً من مهمته يتمثل في تنفيذ «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الصينية الإيرانية»، وهي الاتفاقية التي ستستثمر بموجبها بكين نحو 400 مليار دولار في الاقتصاد الإيراني على مدار الأعوام الخمسة والعشرين القادمة مقابل إمدادات ثابتة من النفط الإيراني. وأضاف رئيسي أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد تراجعت، وأنه يتعين على البلدين العمل على تعويض ذلك.
- خيبة أمل طهران
وأظهرت انتقادات رئيسي العلنية خيبة أمل إيران من حليف بات من نواحٍ عديدة أحد شرايين الحياة الاقتصادية القليلة بالنسبة لها. وفي هذا السياق، نقل موقع «سي إن إن» الأميركي عن هنري روم، من «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى» قوله إن الخطاب «أظهر إحباط طهران من تردد الصين من تعزيز علاقاتها الاقتصادية بإيران»، مضيفاً: «يبدو أن المشكلات نفسها، التي أعاقت تطور العلاقات بين الصين وإيران لسنوات لا تزال قائمة».
وقال محللون إن خطاب رئيسي كان دعوة واضحة للصين بأن ترتقي من جانبها إلى مستوى العلاقات، وأظهر أنه يبحث عن ضمانات اقتصادية من العملاق الآسيوي بحيث يعود إلى بلاده وفي جعبته ما يبديه في خضم موجة الاحتجاجات الشعبية وتفاقم العزلة الدولية. وفي السياق ذاته، قال تريتا بارسي، نائب رئيس «معهد كوينسي» في العاصمة واشنطن، لموقع «سي إن إن»: «إن الفائدة التي ستعود على رئيسي من هذه الزيارة ستكون محدودة للغاية حال لم تسفر الرحلة عن شيء. فحال الإيرانيين الآن لا يجعلهم يكتفون بالزيارة في حد ذاتها. فهم يتطلعون إلى أكثر من ذلك».
لم يتضح بعد ما إذا كانت إيران راضية عما عرضته الصين، حيث أضاف بارسي قائلاً: «رغم أن المزيد من النتائج الملموسة يمكن أن يتحقق بعد الزيارة، فإن الواقع يقول إن رئيسي في حاجة إلى نتائج فعلية وإلى الإعلان عن توقيع اتفاقيات ملموسة. على الجانب الآخر، يبدو أن الصين تميل إلى تحجيم علاقاتها بإيران، إذ تسعى إلى موازنة علاقاتها بدول الخليج العربي، فضلاً عن علاقات الصين المتوترة بالولايات المتحدة».
- اتفاقية الشراكة
وفي بيان مشترك، قالت الصين وإيران إنهما يتطلعان إلى العمل سوياً لتنفيذ «اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الصينية الإيرانية» ومواصلة تعزيز التعاون في مجالات التجارة، والزراعة، والصناعة، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية وغيرها من المجالات. وصرح وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الذي رافق رئيسي في رحلته إلى الصين، بأن البلدين اتفقتا على إزالة العقبات التي تعترض تنفيذ الاتفاقية، مضيفاً أن «إيران متفائلة بشأن نتائج المباحثات»، وفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إيرنا».
كما قبل الرئيس الصيني شي جينبينغ دعوة لزيارة إيران في موعد لاحق. وتأتي زيارة رئيسي للصين في وقت تعزز فيه بكين علاقاتها بالسعودية، وفي وقت يهدد فيه النفط الروسي الرخيص صادرات إيران من النفط الخام إلى الصين.
وبعد أقل من عامين على توليه السلطة، شهدت فترة ولاية رئيسي عزلة متزايدة عن الغرب، خاصة بعد أن زودت إيران روسيا بطائرات «درون» لاستخدامها في حربها مع أوكرانيا، وفشلت الجهود لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أزال بعض العوائق أمام التجارة الدولية مع إيران.
وفي الوقت الذي أصابت فيه العقوبات الغربية اقتصادها بالشلل، ساعدت بكين على إبقاء الاقتصاد الإيراني واقفاً على قدميه. فالصين تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ تشتري النفط زهيد السعر، في حين أن غيرها من الدول لا تجرؤ على الاقتراب منه. ورغم ذلك، فإن روسيا، حليفة طهران الأخرى، تضغط على أسواق النفط الآسيوية، حيث تشتري الصين المزيد من النفط الروسي، الخاضع أيضاً للحظر من الغرب، بسعر زهيد، مما يهدد أحد آخر شرايين الحياة للاقتصاد الإيراني.
- عزلة متزايدة
لذلك، وفق المحللين، فإن الزيارة تعدُّ استراتيجية وتعدُّ محاولة من إيران لسحب نفسها بعيداً عن حالة عدم الاستقرار الداخلي والعزلة المتزايدة التي فرضها الغرب. وبحسب هنري روم، «فهي فرصة لرئيسي لجعل الناس يتناسون الاضطرابات الداخلية التي شهدتها البلاد على مدار الشهور الخمسة الماضية، وإظهار شعور بعودة الحياة الطبيعية في الداخل والخارج».
لكن جاكوب سيتا، من مؤسسة «بروز أند بازار فونديشن» في لندن، قال إنه لا يتوقع أن تسفر الزيارة عن أكثر بكثير من الاعتراف بشراكة الصين مع إيران، حيث قال في تصريح لـ«سي إن إن»: «رئيسي لن يحصل على الكثير من الناحية الاقتصادية، باستثناء عدد من اتفاقيات التفاهم وبعض الصفقات الصغيرة».
وقال بارسي إن إيران تذكر شعبها أن النظر شرقاً هو الطريق الصحيح تجاه الانتعاش الاقتصادي في ظل تلاشي احتمالات العودة إلى الاتفاق النووي. وقال إن الحكومة حريصة على إظهار أن لديها «خياراً شرقياً داعماً ومربحاً»، مشيراً إلى أنه من غير المرجح أن ترتقي الصين إلى مستوى توقعات إيران.
وأضاف بارسي: «لا أعتقد أن بكين بإمكانها تقديم ضمانات لطهران باستثناء التعهد بمواصلة استيراد الحد الأدنى من النفط الخام بصرف النظر عن حالة السوق العالمية والطلب الصيني المحلي». وتابع بارسي قائلاً إنه حال لم تسفر الزيارة عن نتائج ملموسة خلال الأيام القادمة، فإن تحرك إيران شرقاً قد يثبت أنه «خطأ استراتيجي جسيم سارعت إليه حكومة رئيسي».


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

«هرمز»... بين طموحات ترمب والنفوذ الإيراني

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)
TT

«هرمز»... بين طموحات ترمب والنفوذ الإيراني

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

لا يزال الجمود يسيطر على المحادثات حول إنهاء الحرب وحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، دون مؤشر على اقتراب الأطراف المتحاربة من إنهاء الصراع الذي بدأ في 28 فبراير (شباط).

ودعت إيران، يوم السبت، الولايات المتحدة إلى قبول الهزيمة، في حين وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران بأنها «شريرة للغاية»، وحث الأميركيين على الاستعداد لتحمُّل استمرار ارتفاع أسعار الوقود نتيجة للحرب. وفي هذا السياق، قال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، في منشور على «إكس»: «لن يُفتح هذا المضيق أو يُغلق إلا بأمر من إيران. ستواصل طهران فرض الحصار ما دام الأميركيون يرفضون تقبل حقيقة الهزيمة، ولا يكفون عن الانغماس في الأوهام».

كما قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن إيران لم تتخذ قراراً بعد بشأن استئناف المحادثات مع الولايات المتحدة. وأضاف، في مقابلة نشرها موقع «شهرآرا نيوز» الإيراني، أن على واشنطن تلبية الشروط المتعلقة بالمضيق من أجل استئناف حركة الملاحة في الممر المائي الذي كان يمر عبره خُمس شحنات النفط العالمية قبل الحرب.

وتعثر اتفاق مبدئي أُبرم في يونيو (حزيران) لإنهاء الحرب، في حين قال عراقجي: «لم يكن لدينا وقف لإطلاق النار من الأساس حتى نسعى الآن إلى تمديده... كنا نتطلع إلى (نهاية الحرب)، والآن يوجد وضع جديد».

تحمُّل ارتفاع أسعار الطاقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

وحث ترمب الأميركيين على تحمل ارتفاع طفيف في أسعار البنزين نتيجة استمرار الصراع مع إيران. وفي تجمع سياسي في جاردن سيتي بولاية نيويورك، يوم الجمعة، قال ترمب إن دفع «مبلغ ضئيل إضافي لشراء البنزين» يستحق التضحية به لضمان عدم حصول «دولة شريرة للغاية» (يقصد إيران) على سلاح نووي، وهو أحد الأسباب التي ساقها الرئيس لتبرير الحرب.

وقال ترمب أيضاً: «بعد أن ننتهي من هزيمة إيران... سأعلن قريباً جداً أن مضيق هرمز إقليم تابع للولايات المتحدة». وتأرجحت تصريحات الرئيس ترمب طوال الصراع بين التهديد بالتصعيد، وتأكيد أن التوصل إلى اتفاق سلام مع طهران بات وشيكاً.

وقالت الجمعية الأميركية للسيارات إن متوسط سعر جالون البنزين في الولايات المتحدة بلغ نحو 4.08 دولار؛ أي بزيادة 29 في المائة عن مستواه قبل عام، مما أدى إلى تأجيج التضخم واستياء الناخبين.

وكان ترمب قد خاض حملة إعادة انتخابه بتعهد بخفض تكاليف الطاقة، في حين يسعى أعضاء الحزب الديمقراطي المعارض إلى جعل التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران قضية رئيسية في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وارتفعت العقود الآجلة للنفط الخام دولاراً للبرميل يوم الجمعة، في حين اتجهت العقود الآجلة لخام برنت البريطاني وخام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى مكاسب أسبوعية بلغت 6 في المائة و5.4 في المائة على الترتيب.

لا نفط يعبر المضيق

وزادت طهران أيضاً من حدة لهجتها في الأيام القليلة الماضية، في حين تبدو المحاولات الرامية إلى إنهاء الحرب بصورة دائمة متعثرة.

وقال غريب آبادي: «لا يمكن السيطرة على مضيق هرمز بتغريدة، أو حاملة طائرات، أو بإصدار أمر، أو بإلقاء خطاب انتخابي».

ورغم نبرة التحدي التي تتبناها إيران، توجد مؤشرات على تكبّدها تكلفة اقتصادية كبيرة. وفي تصريحات بثها التلفزيون الحكومي، أرجع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ارتفاع معدلات التضخم في إيران إلى الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، والعقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.

وتوعّد كل من ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت بإلحاق المزيد من الأضرار المالية والخناق الاقتصادي بإيران. وقال بيسنت لبرنامج «روب شميت تونايت» على قناة «نيوزماكس»، يوم الخميس، إن قرارات بمزيد من الإجراءات ضد إيران ستُعلن خلال الأيام المقبلة.

وتصف إيران الإجراءات التي تفرضها على حركة المرور في المضيق بأنها «حصار»، في حين تستخدم الولايات المتحدة المصطلح نفسه لوصف تهديداتها للسفن التي تغادر الموانئ الإيرانية. وقال ترمب: «ما نقوم به هو خدمة عظيمة للعالم، وليس لنا فقط... ونحن نقوم بعمل عظيم حقاً».

مخاطر عبور المضيق

ووفقاً لتحليل من شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن، لم تمر عبر مضيق هرمز سوى سفينتين يوم الجمعة، ولم تظهر شحنات من النفط الخام. وقد تعبر بعض السفن المضيق دون رصدها مع إيقاف تشغيل أجهزة الإرسال والاستقبال بها، لكن هذه الأرقام لا تقترب بأي شكل من معدل أكثر من 130 سفينة كانت تعبره يومياً قبل الحرب.

وتتعرض السفن التي تجرؤ على الإبحار عبر المضيق دون تصريح من إيران لخطر التعرض لضربات بصواريخ أو طائرات مسيّرة. وذكرت وكالة الأنباء الإماراتية أن إيران هاجمت سفينة ثالثة تشغلها «شركة بترول أبوظبي الوطنية» (أدنوك) خلال عبور المضيق، مساء الجمعة، وذلك بعد أن حمّلتها المسؤولية عن واقعتين أخريين شملتا سفينتين تابعتين لـ«أدنوك» في المضيق مساء الخميس.

ومن جانبها، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن سفينة شحن للبضائع السائبة أُصيبت في هيكلها بمقذوف مجهول في مضيق هرمز يوم الجمعة.


استئناف الرحلات في مطار بندر عباس الإيراني

الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)
الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)
TT

استئناف الرحلات في مطار بندر عباس الإيراني

الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)
الرحلات شهدت انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة (أرشيفية - رويترز)

أعلنت وسائل إعلام رسمية إيرانية استئناف الرحلات الجوية في مطار بندر عباس الواقع على الساحل الإيراني، السبت، بعدما شهدت تلك الرحلات انقطاعات متكررة بسبب الحرب مع الولايات المتحدة.

ونقلت وكالة «إرنا» الإيرانية للأنباء عن المدير العام للمطارات في محافظة هرمزغان كاظم توسلي قوله: «استؤنفت اليوم الرحلات الجوية المجدولة في مطار بندر عباس الدولي على الخطوط الداخلية التي تشهد حركة كثيفة».

وأضاف أن إعادة فتح المطار جاءت «بعدما شهدت الأيام الأخيرة تسيير رحلات محدودة فيه»، مؤكداً للمسافرين أنه بات بإمكانهم حالياً شراء تذاكر للرحلات بين طهران وبندر عباس، ومشهد وبندر عباس، وبندر عباس وأصفهان، في الاتجاهين.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، لفت توسلي إلى أن المطار كان يستقبل قبل الحرب «ما بين 35 و40 رحلة جوية داخلية ودولية يومياً».


هدنة على حافة السقوط... واشنطن وطهران في سباق «من يرمش أولاً»

سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)
TT

هدنة على حافة السقوط... واشنطن وطهران في سباق «من يرمش أولاً»

سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)
سفينة قرب مضيق هرمز (رويترز)

مع اقتراب انتهاء مهلة مذكرة وقف إطلاق النار الأميركية - الإيرانية، الاثنين، لا تبدو واشنطن وطهران منشغلتين بصياغة تسوية بقدر انشغالهما باختبار قدرة الخصم على الاحتمال.

وأوضحت عدة تقارير إخبارية أن الولايات المتحدة تراهن على الحصار والعقوبات وخنق صادرات إيران واقتصادها، فيما تراهن طهران على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وإبقاء أسعار الطاقة مرتفعة بما يضغط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس.

وبينما وصف مسؤول أميركي المفاوضات بأنها «جامدة»، نفى مسؤول إيراني كبير وجود محادثات فعلية لتمديد الهدنة، مطالباً واشنطن أولاً بالعودة إلى التزامات اتفاق يونيو (حزيران). وهكذا تحولت المواجهة من البحث عن حل للملف النووي إلى معركة إرادات اقتصادية وسياسية، تحاول فيها كل جهة شراء الوقت، ولكن وفق توقيتها هي.

لذلك، لا يبدو الجمود دليلاً على غياب الاستراتيجية، بل هو الاستراتيجية نفسها، وفق ما يرى عدد من الخبراء. فترمب يشتري الوقت حتى الانتخابات، وإيران تشتريه حتى تصبح كلفة مضيق هرمز أعلى من كلفة تقديم تنازلات لها. والسؤال لم يعد من يملك القوة الأكبر، بل أي النظامين السياسيين أقل قدرة على تحمّل الألم حتى «يرمش الخصم أولاً»؟

انقسام أم توزيع أدوار؟

تعزو الإدارة الأميركية جانباً من تعثر المفاوضات إلى وجود ثلاثة مراكز قرار داخل إيران: «الحرس الثوري»، والمؤسسة الدينية، والقيادة الحكومية. وبحسب رواية مسؤول أميركي نقلها موقع «بوليتيكو»، فإن الاتفاق مع أحد هذه المراكز لا يضمن موافقة الآخرين، ما يجعل المفاوض الإيراني يبدّل شروطه أو يعجز عن تقديم التزامات قابلة للتنفيذ.

غير أن توصيف المشهد بأنه مجرد «صراع أجنحة» قد يكون مبالغاً فيه. فالخلافات داخل النظام الإيراني حقيقية، وخصوصاً بين حكومة معنية بإنقاذ الاقتصاد، ومؤسسات أمنية تنظر إلى الحرب باعتبارها معركة بقاء. لكنها لا تعني بالضرورة وجود ثلاث سياسات متعارضة. الأرجح أن هناك تنافساً على النفوذ والصلاحيات، يقابله توافق على الخطوط الحمراء: عدم إظهار الاستسلام، والحفاظ على ورقة هرمز، ورفض تقديم تنازلات نووية من دون رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة.

وكانت وكالة «رويترز» قد تحدثت في أبريل (نيسان) عن تزايد نفوذ «الحرس الثوري» في إدارة الحرب والمفاوضات، لكنها أشارت أيضاً إلى تماسك النواة المتشددة حول شروط المواجهة. لذلك يمكن فهم التباين الحالي بوصفه مزيجاً من اختلاف مؤسسي حقيقي وتوزيع للأدوار: الحكومة تترك باب الوساطة مفتوحاً، والمؤسسة الدينية تمنح الموقف شرعيته الآيديولوجية، بينما يستخدم «الحرس الثوري» القوة لرفع كلفة رفض المطالب الإيرانية.

وقد يكون الحديث الأميركي المتكرر عن «انقسام إيران» جزءاً من التكتيك التفاوضي أيضاً؛ إذ يسمح لواشنطن بتحميل طهران مسؤولية الجمود، فيما تستخدم القيادة الإيرانية تعدد مراكزها لتقول إن أي اتفاق يحتاج إلى ثمن أكبر كي يصبح قابلاً للتسويق داخلياً.

هرمز ورقة إيران الأخيرة

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عبور مضيق هرمز (أ.ب)

بات مضيق هرمز جوهر المواجهة، لا مجرد ملف إضافي فيها. فإيران تستطيع من خلاله إلحاق ضرر اقتصادي بالولايات المتحدة وحلفائها أكبر بكثير من حجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية التقليدية.

وتظهر بيانات تتبع السفن التي نقلتها صحيفة «وول ستريت جورنال» أن 13 سفينة فقط عبرت المضيق، الخميس، مقارنة بأكثر من 130 يومياً قبل الحرب، وأن معظم السفن استخدمت المسار الشمالي الخاضع للإدارة الإيرانية.

كما اتهمت الإمارات إيران بمهاجمة سفينة تابعة لشركة النفط «أدنوك»، في ثالث حادث مماثل خلال أسبوع، داعية إلى وقف الهجمات وإعادة فتح الممر كاملاً. ولم تعلن طهران مسؤوليتها عن الحادث، لكن تكرار استهداف السفن يثبت أن الحصار الأميركي لم ينتزع منها القدرة على التحكم بالمخاطر الأمنية للملاحة.

لهذا، رفعت إيران مطالبها من رفع الحصار وتحرير الأصول المجمدة إلى التعويض عن أضرار الحرب ووقف التهديدات ضدها وحلفائها. كما تسعى إلى تكريس حقها في تنظيم المرور أو فرض رسوم، وهو ما تعدُّه واشنطن «خطاً أحمر»: لا رسوم ولا قيود ولا اعتراف بسيطرة إيرانية منفردة.

أما إعلان ترمب أنه سيجعل المضيق «أرضاً أميركية» بعد هزيمة إيران، فقد قال مسؤول في البيت الأبيض لصحيفة «وول ستريت جورنال» إنه جاء على سبيل المزاح. لكنه يعكس، حتى بصفته استفزازاً خطابياً، عمق المأزق: واشنطن تقول إنها تسيطر على الممر، فيما تثبت أرقام الملاحة أن السفن لا تزال تتصرف على أساس أن الإذن الإيراني هو العامل الحاسم.

ساعتان مختلفتان

ترمب يريد إبطاء الحرب حتى الانتخابات النصفية وتجنب جولة عسكرية واسعة قد ترفع أسعار النفط والبنزين. فقد بلغ متوسط سعر غالون البنزين 4.08 دولار، بينما أقر الرئيس بأن الأميركيين قد يضطرون إلى دفع المزيد، قائلاً في خطاب له، مساء الجمعة، في بنيويورك، إنه لن يعتذر عن الحرب؛ لأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يستحق دفع ثمن هذه الحرب.

لكن ترتيب الأولويات داخل الإدارة الأميركية أصبح لافتاً. فقد عد نائب الرئيس جي دي فانس، خفض أسعار الطاقة «الهدف الأول»، بينما منع إيران من امتلاك سلاح نووي جاء في المرتبة الثانية، وذلك قبل أن تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن الهدفين متساويان. وهذا يوحي بأن الحاجة إلى إنجاز سريع في مضيق هرمز باتت تتقدم عملياً على التسوية النووية الشاملة.

في المقابل، تراهن طهران، وفق عدة تقارير إخبارية، على أن الزمن الانتخابي الأميركي أقصر من قدرتها على الاحتمال. صحيح أن الحصار خفّض صادراتها النفطية وعمّق نقص الوقود والعملات الأجنبية، لكنها انتقلت إلى «اقتصاد البقاء» الذي يقوم على التقنين وتحميل الأسر كلفة الأزمة وحماية الموارد الضرورية لاستمرار الدولة. ومنطقها في ذلك أن الألم الاقتصادي الأميركي، وإن كان أقل حجماً، فإنه أكثر حساسية سياسياً.

أما استبدال حاملة الطائرات «جورج واشنطن» بـ«أبراهام لينكولن»، بعد انتشار في البحار تجاوز ثمانية أشهر وتقارير عن تدهور ظروف الطاقم، فيظهر أن واشنطن تستطيع مواصلة الحشد، ولكن ليس بلا كلفة بشرية ولوجستية. ونفي ترمب لوجود مشكلة لا يلغي أن التبديل أصبح ضرورياً.

تمديد صامت أم انفجار؟

الوفد الإيراني في أثناء مشاركته في إحدى جلسات المفاوضات بباكستان (الخارجية الإيرانية)

وبناءً على مسار المفاوضات وتقديرات المسؤولين والخبراء، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات. السيناريو الأقرب ليس اتفاقاً نهائياً ولا عودة فورية إلى الحرب الشاملة، بل استمرار «الهدنة - الحصار»: لا إعلان رسمياً عن التمديد، مع تجنب ضربات مباشرة واسعة، واستمرار العقوبات والهجمات المحدودة على السفن والضغوط عبر الوسطاء. فهذا الوضع، كما يقول السفير الأميركي السابق جيمس جيفري، أقل سوءاً للطرفين من البدائل؛ واشنطن لا تريد قبول المطالب الإيرانية الجديدة، وطهران لا تريد العودة إلى مذكرة ترى أن الولايات المتحدة انتهكتها.

السيناريو الثاني هو تمديد تقني قصير عبر باكستان أو قطر، مقابل إجراء محدود مثل الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة أو توسيع ممرات الملاحة، بما يسمح لكل طرف بالقول إنه لم يتراجع.

أما السيناريو الأخطر، فيبدأ بخطأ حسابات: إصابة سفينة أو سقوط قتلى أميركيين أو خليجيين قد يدفع ترمب إلى تنفيذ تهديده باستخدام «كل الخيارات»، ثم ترد إيران بتوسيع استهداف الملاحة والقواعد والحلفاء. عندها تفقد لعبة الانتظار قابليتها للضبط.