بعد عام على الحرب الروسية - الأوكرانية... من انتصر إعلامياً؟

زيلينسكي يحترف «السيلفي» وبوتين ليس من هواة الإنترنت

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقط فيديو «سيلفي» (رويترز)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقط فيديو «سيلفي» (رويترز)
TT

بعد عام على الحرب الروسية - الأوكرانية... من انتصر إعلامياً؟

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقط فيديو «سيلفي» (رويترز)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يلتقط فيديو «سيلفي» (رويترز)

في ميزان الحروب، لا تُقاس الانتصارات والخسائر بأعداد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي ولا بالشعبية الإعلامية، فوحدَها الدماء وأرقام الضحايا تتكلّم على أرض المعركة لتعلن الرابح والمهزوم. لكنّ الحرب الروسية - الأوكرانية أثبتت أن الحروب بين الدول في زمن «السوشال ميديا» والذكاء الصناعي، ما عادت تُخاض في الميادين فحسب، بل في الفضاءات الافتراضيّة كذلك. مقابل جنود الميدان، تتأهّب جيوش إلكترونية لتخوض حرباً من نوع آخر.
وإذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد سنة على بداية الحرب، متقدماً حسب مقياس الحديد والنار، فإنّ غريمَه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يمتطي صاروخ الإعلام الرقمي الحديث، مغرّداً خارج سرب الصحافة التقليدية التي اعتادها سيّد الكرملين.
قد يعزو البعض تقدُّم زيلينسكي في لعبة الإعلام، إلى كونه احترف التمثيل قبل أن يصبح رئيساً، أو إلى صغر سنه مقارنةً مع بوتين. غير أن الرئيس الأوكراني لم يستعِن بسلاحَي العمر والدراما فحسب، بل اعتمد استراتيجية العفوية والقرب من الناس. تكفي المقارنة بين تلك الصورة التي تُظهره داخل أحد الخنادق وسط مجموعة من الجنود يتناول الطعام معهم، ولقطة بوتين جالساً على رأس طاولة لا تنتهي، تفصل بينه وبين جنرالاته أمتارٌ وأمتار.


زيلينسكي يتناول الطعام مع جنوده في الخندق (تويتر)


بوتين مجتمعاً بجنرالاته في الكرملين (أ ب)
غرفة عمليات... إلكترونية
حرب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بين بوتين وزيلينسكي غير متكافئة في الأساس. منذ البداية، بدا الرئيس الروسي غير مكترث بها، فمن المعروف عنه أنه نادراً ما يستخدم الإنترنت، ولا توجد صفحات رسمية خاصة به على منصات التواصل. أما الرئيس الأوكراني فقد استطاع أن يجمع حتى اللحظة نحو 17 مليون متابع على «إنستغرام»، وأكثر من 7 ملايين على «تويتر».
لم يدخل زيلينسكي قائمة السياسيين الأكثر شعبيةً على وسائل التواصل الاجتماعي لمجرّد احتدام الحرب بين بلده وروسيا، بل لأنه تبنّى استراتيجيةً قرّبته من المتابعين، وراقت للمجتمع الدولي ولا سيّما للغرب، داعمه الأساسي. منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب، دحض الأخبار المضللة التي حاول الإعلام الروسي إطلاقها، فنزل إلى شوارع العاصمة مصوّراً نفسه على طريقة «السيلفي»، وصارخاً: «أنا هنا وباقٍ معكم في كييف». بعد ساعة من نشره على «فيسبوك»، كان ذلك الفيديو قد حصد أكثر من 3 ملايين مشاهدة.


على طريقة السيلفي طمأن زيلينسكي مواطنيه بأنه باقٍ معهم (يوتيوب)
واظب زيلينسكي على التقاط فيديوهات لنفسه، معتمداً إطلالة موحّدة بالقميص الزيتي اللون، في ما يشبه التحية والتماهي مع الجنود المنتشرين على جبهات القتال. لكن في تلك الأثناء، كان الجيش الإلكتروني الروسي يحاول الإيحاء بأن حربه ليست حرباً، بل مهمة إنقاذ للأوكرانيين الناطقين بالروسية. وقد لجأت السلطات الروسية إلى حجب مواقع عدة، منها «فيسبوك» و«تويتر».
كلما ضاقت مساحات التواصل في روسيا، كانت الفضاءات التفاعلية تتّسع في أوكرانيا. أصرّ زيلينسكي على قيادة الحملة شخصياً، مسنوداً من غرفة عمليات إلكترونية تضمّ فريقاً من المستشارين الضالعين في خفايا السوشيال ميديا واستراتيجياتها الذكية. ها هو نائبه يطلق نداءً علنياً عبر «تويتر» إلى إيلون ماسك لتزويد البلاد بقنوات اتصال بالإنترنت عبر أقمار «ستارلينك» الصناعية. وها هي وزارة دفاعه تتسلّم دفّة الفيديوهات الطريفة على «تويتر»، التي تسخر من روسيا حيناً، وتغازل الحلفاء أحياناً. لا تبخل بالموسيقى الرومانسية ولا بالمؤثرات الخاصة ولا بالنكات.
على مشهد استهداف الجيش الأوكراني لدبابات روسية، يعلّق الحساب قائلاً: «اقترب موسم الصيد».
https://twitter.com/DefenceU/status/1622607708812713984?s=20
وللجنود الروس الواقعين تحت النيران الأوكرانية، تهدي وزارة الدفاع أغنية «اركض يا أرنب».
https://twitter.com/DefenceU/status/1565037514888560641?s=20
أما للسلطات الفرنسية فتوجّه رسالة بعطر الورد ونكهة الشوكولاته، متمنيةً تزويد كييف بمزيد من الأسلحة.
https://twitter.com/DefenceU/status/1580090899228418048?s=20
ليست وزارة الدفاع الأوكرانية وحدها التي باتت خبيرةً في الفيديوهات الطريفة، فالأوكرانيون تحوّلوا إلى شعبٍ يحترف لعبة «الميمز» (memes). يخففون من وطأة المأساة باختراع وتبادل النُكات الساخرة من موسكو. حتى إن حسابات كثيرة نشأت على صفحات التواصل منذ بداية الحرب، وتجنّدت لتلك الغاية؛ منها على سبيل المثال «قوات الميمز الأوكرانية» التي توثّق الحرب على طريقتها الهزليّة.
https://twitter.com/uamemesforces/status/1625547099004715028?s=20
حرب عبر الفيديو
بتصويره لنفسه بواسطة كاميرا هاتفه والتوجّه مباشرةً إلى شعبه والرأي العام العالمي، وبنشاطه الرقمي الكثيف، أوحى زيلينسكي بأنه يدير حساباته شخصياً. وبإظهار نفسه رأس حربة في الصراع الإعلامي، أسهم الرئيس الأوكراني في إخماد البروباغندا الروسية. حسب مراقبين، تحوّل زيلينسكي إلى أيقونة الحرب، وقد اختارته مجلة «تايم» الأميركية شخصية عام 2022.


مجلة "تايم" اختارت زيلينسكي شخصية عام 2022
إلى جانب نزوله الدائم إلى الشارع وزياراته الجبهات والملاجئ، لم يوفّر زيلينسكي فرصةً إلا وأطلّ على المجتمع الدولي من خلال فيديوهاته المسجّلة أو المباشرة. حتى إنه حلّ ضيف شرف على الاحتفالات الفنية، مثل مهرجان برلين السينمائي، وحفل جوائز «الغولدن غلوبز»، و«الغراميز»، ومهرجان كان السينمائي. صفّق له النجوم كما قادة العالم. أمام البرلمان البريطاني، استشهد بوليام شكسبير، وعلى مسامع الكونغرس الأميركي استرجع حادثة «بيرل هاربور». أجاد إضفاء طابع شخصي إلى مداخلاته، كما اعتمد السرد القصصي فتحوّلت الحرب على لسانه إلى رواية إنسانية لا تخلو من التفاصيل القاسية عن الضحايا والخسائر.
حصد أداء زيلينسكي هذا إشادات إعلامية لا سيّما من أوروبا وأميركا. في المقابل، وُجّهت الانتقادات إلى أنشطة بوتين المصوّرة. على سبيل المثال، لم تلقَ زيارته الأخيرة إلى جسر «كيرتش» على الحدود مع القرم للاطّلاع على أعمال إعادة البناء هناك، الأصداء المرجوّة. صُوّر الرئيس الروسي وهو يقود السيارة بنفسه. تحدّث عن انطباعاته كما لو كان مراسلاً ميدانياً، ثم التقى عمّال البناء لبرهة. لكنّ كل تلك الجهود افتقدت صفة العفوية حسب المراقبين، فبدت الزيارة كأنها خاضعة للإخراج والمونتاج.


بوتين مطّلعاً على إعادة إعمار جسر "كيرتش" (أ ب)
ربما انتصرت أوكرانيا في حرب السوشال ميديا والعواطف، لكنّ الميدان أقسى من صورة «سيلفي» ومن فيديوهاتٍ طريفة تحصد ملايين المشاهدات، فعلى أرض المعركة أرقام الضحايا وحدَها تتكلّم.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

إعلام مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
إعلام شعار "ميتا" (رويترز)

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية

إيمان مبروك (القاهرة)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق لا أحد في الهامش... الجميع داخل الإطار نفسه (منظّمة «كير»)

«كرامة بلا مساومة»: إعادة صياغة خطاب الحماية في لبنان

العنف قد يتسلَّل عبر عبارة أو نظرة أو سلوك داخل بيت يُفترض أنه مساحة أمان...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

منصة «لينكد إن» المهنية ملاذٌ جديد للباحثين عن علاقات عاطفية والسبب المصداقيّة في مواصفات المستخدمين، والإرهاق من تطبيقات المواعدة.

كريستين حبيب (بيروت)

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.