تينوبو... «صانع زعماء» السياسة النيجيرية

التصويت الطائفي والعرقي يؤرق المرشح «الأوفر حظاً» للرئاسة

تينوبو... «صانع زعماء» السياسة النيجيرية
TT

تينوبو... «صانع زعماء» السياسة النيجيرية

تينوبو... «صانع زعماء» السياسة النيجيرية

لا يميل السياسيون كثيراً إلى لغة الأرقام، فالأرقام يُفترض أنها «لا تكذب»، بينما الكذب - حسب قول السياسي البريطاني الشهير وينستون تشرشل - من أدوات السياسة. لكن يبدو أن المرشح البارز في الانتخابات الرئاسية النيجيرية بولا أحمد تينوبو وجد سبيلاً للتوفيق بين الأرقام وبين السياسة، بعدما صار المحاسب الذي تخرّج بشهادة عليا في المحاسبة من إحدى الجامعات الأميركية، و«صانعاً للزعماء» في السياسة النيجيرية على مدى عقود طويلة، وبات على بُعد خطوة واحدة من بلوغ سُدة الرئاسة، في أكثر بلدان أفريقيا سكاناً، وربما ثراءً ومشاكل أيضاً. يبدو الغموض إحدى الصفات اللصيقة بشخصية تينوبو. ولا يقتصر هذا الغموض على حياته السياسية، بل يمتد إلى حياته الشخصية أيضاً، فالرجل المولود في 29 مارس (آذار) عام 1952، لأم تمتعت بشخصية قيادية هي الحاجة حبيبة موغاجي، التاجرة التي حازت حتى وفاتها على لقب «زعيمة سوق ولاية لاغوس». وفي المقابل، لا معلومات وافية عن والده، والكثير من الأوراق التي قدّمها عن نفسه وتعليمه تبدو متناقضة ومكتوبة بخط اليد، وهو ما منح خصومه الكُثر فرصاً قائمة للطعن والتشكيك بشأن نشأته ومسيرته الأكاديمية والسياسية. ولكن المؤكد أن بولا أحمد ورث عن أمه قوة الشخصية، والطموح الذي أتاح له إكمال تعليمه الثانوي والجامعي خارج البلاد، إذ تخرّج في جامعة شيكاغو الحكومية (شيكاغو ستايت) عام 1979، حاملاً شهادة البكالوريوس في المحاسبة. بيد أن المناصب التي تولاها الشاب النيجيري الطموح في عدة شركات أميركية لم تشبع نهمه للثروة والسلطة، فعاد إلى نيجيريا بعد خضوعه لتحقيق من قبل السلطات الفيدرالية الأميركية بشأن ارتفاع دخله بشكل مثير للريبة. وهذه قضية لا يزال خصومه حتى اليوم يحاولون إثارتها للنيل منه.
التحق بولا أحمد تينوبو بعد عودته من أميركا إلى نيجيريا عام 1983 بشركة «موبيل نيجيريا» النفطية، وترقى في المناصب حتى وصل إلى منصب المدير التنفيذي للشركة.
ولدى تينوبو مهارات ستلازمه لبقية حياته، أبرزها توظيف كل المتغيرات لصالحه. وحتى في تلك اللحظات التي تبدو قاسية، ويتصور المرء معها أن النهاية تطل برأسها، استطاع تينوبو تحويلها إلى انطلاقة جديدة. وبالتالي، بين النهايات الوشيكة والبدايات المتجددة، صنع النجم الصاعد في سماء السياسة النيجيرية اسمه الذي ظل عصياً على الانزواء طيلة عقود، تبادل فيها العسكريون والمدنيون السلطة.
لقد استفاد تينوبو من رئاسته لشركة «موبيل نيجيريا» في بناء صلات بالحكومة. وبدأ أولى خطواته في أروقة السياسة عبر حزب «الجبهة الشعبية النيجيرية»، الذي جمع قادة وأعضاء بارزين في تلك الفترة من ثمانينات القرن الماضي. ثم وصل إلى الصف الأمامي في «الحزب الديمقراطي الاجتماعي»، وفاز عام 1992 بمقعد في مجلس الشيوخ، غير أن رياح التغيير هبّت عنيفة على النائب الذي كان يعد نفسه لخطوات أكبر يصعد بها سلم السياسة في بلاده.
هذه المرة جاءت الضربة عبر الجنرال ساني أباتشا، الذي قاد انقلاباً عسكرياً يوم 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1993 بعد خمسة أشهر فقط من إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها موشود (مسعود) أبيولا، وهو مرشح الحزب الذي كان تينوبو من أبرز قياداته. وهكذا، بدلاً من أن تُفتح أمام الرجل أبواب المجد السياسي، وجد أبواب المنفى في استقباله. وبالفعل، تسلل عبر الحدود إلى دولة بنين المجاورة، وبقي هناك مدة خمس سنوات عجاف، لكنها لم تفقده شغفه ولم يفتر فيها طموحه إلى العودة. وتحققت هذه العودة عام 1998 بعد زوال الحكم العسكري، وتأهب نيجيريا لاستعادة الحكم الديمقراطي.
في تلك اللحظة كان تينوبو على موعد مع المحطة التي ستصنع تاريخه الحقيقي في السياسة النيجيرية، وسيظل مرتبطاً بها رغم مغادرته إياها رسمياً منذ ما يزيد على 16 سنة. واللافت أن تلك المحطة لم تكن سوى لاغوس، مدينة الأقدار بالنسبة لتينوبو... ففيها ولد وعلى أرضها صنع مجده، الذي جعل منه إلى اليوم رقماً مهماً في معادلة السياسة النيجيرية.

صانع «معجزة لاغوس»
عاد تينوبو من المنفى إلى الحكم، مدفوعاً بشعبية طاغية، فانتخب حاكماً لولاية لاغوس في مايو (أيار) 1999 تحت راية حزب «التحالف من أجل الديمقراطية». واستمر حكمه لمدة 8 سنوات عبر فترتين انتخابيتين، استطاع خلالهما أن يحوّل أضخم مدن نيجيريا، من ساحة تسيطر عليها العصابات والفوضى إلى مدينة غنية يفوق اقتصادها ما تمتلكه دول بأكملها.
في تلك الفترة أكد تينوبو سمعته كرجل دولة قادر على تحقيق المنجزات. وحتى اليوم يرى النيجيريون سجلّه إعجازياً بالقياس إلى ما كانت تواجهه تلك التجربة من تحديات، إذ إنه خلال فترتي حكمه قاد إصلاحات جذرية لتحسين كفاءة الخدمة المدنية، وتحديث البنية التحتية، والأهم أنه وضع مخططاً بعيد المدى للمدينة والولاية، لم يستطع أي حاكم خلفه أن يطرح أفضل منه.
لقد نجح تينوبو، صاحب الشعبية الجارفة، في تحويل مدينة لاغوس، العاصمة التجارية للبلاد، من مدينة يتعثر زوارها وسكانها البالغ عددهم 13 مليون نسمة في أكوام القمامة، ويهدرون في تنقلاتهم الساعات وسط الأزمات المرورية والفوضى إلى مدينة حديثة تتمتع بمرافق وانضباط جعلت مؤيدي تينوبو وخصومه، على السواء، يقرون بنجاحاته. وحقاً، بدأ المستثمرون يتنبهون لإمكانيات المدينة، بعدما طوت صفحة الجريمة والفساد سمعتها، واعتمدت فيها سياسات ضريبية بعيدة المدى عززت بنيتها التحتية، فتدفقت الاستثمارات وتحسنت سمعة المدينة، التي كانت قد فقدت دورها كعاصمة سياسية بعد انتقال السلطة إلى مدينة أبوجا. وهكذا أعادت سياسات تينوبو للمدينة القوة الاقتصادية لتغدو عاصمة الاستثمار في الغرب الأفريقي كله.
غادر تينوبو الحكم في لاغوس عام 2007، لكنه لم يستطع حتى الآن الانفصال عن المدينة، فلا يزال كثيرون يؤمنون بأنه يتحكم دائماً في اختيار حكام الولاية. وهذا اتهام لم يحاول الرجل أن ينكره، بل لعله يشعر بالفخر عندما يوجه إليه. إذ قال لوكالة «رويترز» عام 2015 عندما سئل عن الأمر أثناء انتخابات حاكم لاغوس: «أنا صائد للمواهب... أضع أصحاب المواهب في مناصبهم، وأساعدهم. أنا أستخدم أفضل يد وأفضل عقل وأفضل تجربة للوظيفة».
وحتى عندما قرر تينوبو الانتقال من موقع «صانع الرؤساء» للترشح يوم 10 يناير (كانون الثاني) 2022 إلى السباق الرئاسي الحالي، بقيت تجربته في لاغوس أبرز البنود على لائحة مؤهلاته للترشح. فالبرنامج الانتخابي الذي يخوض به الانتخابات يكاد يكون محاولة أوسع لتطبيق «تجربة» لاغوس على المستوى الوطني. إذ يتعهد تينوبو ببناء دولة تتيح لجميع النيجيريين، وخصوصاً الشباب، الوظائف الكافية بأجور لائقة، وتقلل من هجرة العقول، بالإضافة إلى دفع عجلة التصنيع، وتعزيز التصدير وتقليل الاستيراد. وهذا علاوة على مساعدة المزارعين، وتحديث وتوسيع البنية التحتية العامة، إلى جانب تسخير القطاعات الناشئة، مثل الاقتصاد الرقمي والترفيه والثقافة والسياحة، وغيرها لبناء نيجيريا المستقبل.

أشواك في الطريق
من ناحية أخرى، ثمة أمران عززا صورة بولا أحمد تينوبو كأب روحي لكثيرين من الساسة النيجيريين، هما تجربته في لاغوس، ومعركته ضد الرئيس السابق أولوسيغون أوباسونجو الذي حاول الحد من نفوذ خصومه السياسيين في جنوب غربي نيجيريا، وهي المنطقة التي ينتمي إليها تينوبو. ولقد رد الأخير بأنه لعب دورا حاسما في توحيد أكبر ثلاثة أحزاب معارضة في نيجيريا من الشمال والجنوب والشرق تحت مظلة «مؤتمر جميع التقدميين» الذي أُسس عام 2013، ونجح في حكم نيجيريا منذ عام 2015 بقيادة الرئيس محمد بخاري، والذي يُعزى انتصاره جزئيا إلى نفوذ تينوبو الواسع في جنوب غربي نيجيريا، حيث معقل شعب اليوروبا، خصوصا في لاغوس. وهذا الدور البارز، ضمن لتينوبو اكتساح معركة التصويت على مرشح الحزب الحاكم، إذ حصل على 1271 صوتاً من بين 2300، وهو ما يزيد على مجموع الأصوات التي حصدها منافسوه، بمن فيهم من سياسيين وقيادات بارزة في الدولة، بينهم ييمي أوسينباجو، نائب الرئيس الحالي، إلا أن تينوبو، الذي عرك السياسة طيلة أربعة عقود، يدرك أن الطريق إلى الأحلام لا تُفرش دائما بالورود، وأن على الطامحين أن تُدمى أقدامهم بأشواك الطريق... وأولى تلك الأشواك تلك التركيبة العرقية والطائفية المعقدة للنيجيريين.
يدرك تينوبو جيدا أن التركيبة التقليدية للسياسة النيجيرية تلعب لصالحه في الانتخابات الحالية، وأن الدور لتولي منصب الرئاسة هذه المرة يُفترض أن يكون من نصيب شعبه (أو قبيلته) اليوروبا وموطنه في الجنوب، وفق عُرف «غير مكتوب» بين القوى السياسية النيجيرية منذ نهاية الحكم العسكري عام 1999، وبموجب هذا العرف يجري تقاسم السلطة بين الشمال الذي تقطنه غالبية مسلمة، والجنوب الذي يغلب المسيحيون على سكانه، فضلا عن تداول الرئاسة بين الشعوب (أو القبائل المكونة) لنيجيريا، التي يزيد عددها على 250 جماعة، أكبرها بالترتيب ثلاث مجموعات تمثل أكثر من 60 في المائة من السكان هي: الهاوسا واليوروبا والإيبو.
ولأن تينوبو ينتمي إلى الجنوب، وهو من مسلمي اليوروبا (الذين ينقسمون مناصفة تقريباً بين المسيحيين والمسلمين)، فإن الدور الآن لهذا الشعب في تولي الرئاسة، وهذا ما شجعه خلال أحد مؤتمراته الانتخابية على اعتبار نفسه «الرئيس المقبل»، وبالتالي اندفع إلى الهتاف «Emi Lokan» التي تعني في لغة يوروبا «إنه دَوْري». هذا التصرف أثار انتقادات واسعة من جانب منافسيه، الذين يعتبرون أن الوصول إلى الرئاسة النيجيرية يجب أن يكون على أسس الديمقراطية، والقدرة الصحية والعقلية، والكفاءة الإدارية، وامتلاك الحلول العملية للقضايا الوطنية.
في أي حال، يشعر هذا السياسي المخضرم بمتغيرات تهب على دروب السياسة التي خبرها جيدا، فأكثر من 40 في المائة من الناخبين البالغ عددهم 94 مليون شخص، لم يبلغوا بعد 35 سنة. وهؤلاء لا يبدون ميلا كبيرا نحو المرشح السبعيني، الذي يواجه صعوبات صحية جمة. وحقاً، لم تفلح صوره وهو يمارس الرياضة في منزله بتغيير قناعات قطاعات واسعة من الناخبين الشباب. هؤلاء يبدون الآن دعماً متزايداً للمرشح الأصغر سناً، بيتر أوبي، الذي بات يحظى بدعم معلن من جانب شباب وفنانين ومؤثرين نيجيريين تتزايد أعدادهم مع اقتراب موعد التصويت يوم 25 من فبراير (شباط) الحالي.

التصويت الديني - الطائفي
في سياق متصل، يدرك تينوبو أن التصويت الديني - الطائفي ربما يكون له تأثير واضح، فالانتماء الفئوي للمرشح الرئاسي يؤثر في قاعدة الدعم والتعبئة الشعبية لصالحه. وهنا قد يمثل عتيقو أبو بكر، مرشح «حزب الشعب الديمقراطي» المعارض، والصديق القديم لتينوبو، تهديداً حقيقياً على حظ الأخير من أصوات الناخبين المسلمين. إذ تتصاعد حملات التشكيك من جانب بعض الشماليين في مدى الالتزام الديني الإسلامي لدى تينوبو، المتزوج من السياسية المسيحية أولوريمي تينوبو، عضو مجلس الشيوخ الحالي، وزادت حدة تلك الحملات بعد انسحاب بعض السياسيين الشماليين من حملته الانتخابية، وأعلنوا دعمهم لعتيقو أبو بكر.
في المقابل، لا تبدو أصوات الناخبين المسيحيين مضمونة بالكامل لصالح تينوبو الذي اختار صديقه المقرّب كاشيم (قاسم) شيتيما، وهو مسلم شمالي من شعب الكانوري، ليكون نائبه في الانتخابات الحالية، الأمر الذي أثار حفيظة كثيرين ممن رأوا في ذلك الاختيار «خرقا» للاتفاق «غير المكتوب» بشأن التوازن العرقي والديني، والقائم على تداول الرئاسة بين الشمال والجنوب، وبين المسلم والمسيحي (في حال كان الرئيس مسلما يكون نائب الرئيس غير مسلم).
وحقاً، أدى اختيار تينوبو المسلم ترشيح مسلم آخر ليكون نائبه إلى إطلاق حملة إدانات واسعة، شاركت فيها مؤسسات المجتمع المدني المسيحية، التي هاجمت «تذكرة مسلم - مسلم» التي يطرحها تينوبو على الناخبين. وبلغت الحملة حد التخوّف من تأجيج صراع ديني، لا سيما وقد بدأت تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي النيجيري مصطلحات من عينة «خطة أسلمة» نيجيريا، و«الاستقطاب الديني».


مقالات ذات صلة

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

العالم المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

كشفت موجة المعلومات المضللة التي تستهدف حاليا لجنة الانتخابات وقضاة المحكمة العليا في نيجيريا، وهما الجهتان المسؤولتان عن الفصل في الانتخابات الرئاسية، عن تشويه سمعة المؤسسات في أكبر بلد في إفريقيا من حيث عدد السكان، وفقا لخبراء. في حين أن الانتخابات في نيجيريا غالبا ما تتميز بشراء الأصوات والعنف، فإن الإخفاقات التقنية والتأخير في إعلان النتائج اللذين تخللا انتخابات 25 فبراير (شباط)، أديا هذه المرة إلى انتشار المعلومات المضللة. وقال كيمي بوساري مدير النشر في منظمة «دوبابا» لتقصّي الحقائق إن تلك «مشكلة كبيرة في نيجيريا... الناس يسخرون من تقصّي الحقائق.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
العالم 8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

تمكنت 8 تلميذات خطفن على طريق مدرستهنّ الثانوية في شمال غربي نيجيريا من الإفلات من خاطفيهن بعد أسبوعين، على ما أعلنت السلطات المحلية الأربعاء. وأفاد صامويل أروان مفوض الأمن الداخلي بولاية كادونا، حيث تكثر عمليات الخطف لقاء فدية، بأن التلميذات خطفن في 3 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (كانو)
الاقتصاد هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

بينما يعاني الاقتصاد النيجيري على كل المستويات، يستمر كذلك في تكبد خسائر تقدر بمليارات الدولارات نتيجة سرقة النفط الخام.

العالم مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

يبدو مخيم الحج للوهلة الأولى شبيهاً بسائر مخيمات النازحين في شمال نيجيريا؛ ففيه تنهمك نساء محجبات في الأعمال اليومية في حين يجلس رجال متعطّلون أمام صفوف لا تنتهي من الخيم، لكن الفرق أن سكان المخيم جهاديون سابقون أو أشخاص كانوا تحت سيطرتهم. أقنعت الحكومة العناصر السابقين في تنظيم «بوكو حرام» أو تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا بتسليم أنفسهم لقاء بقائهم أحراراً، على أمل وضع حد لحركة تمرد أوقعت عشرات آلاف القتلى وتسببت بنزوح أكثر من مليوني شخص منذ 2009. غير أن تحقيقاً أجرته وكالة الصحافة الفرنسية كشف عن ثغرات كبرى في آلية فرز المقاتلين واستئصال التطرف التي باشرتها السلطات بعد مقتل الزعيم التاريخي لحرك

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري)
العالم «قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

«قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

أثارت تغريدات لمنصة إعلامية على موقع «تويتر» جدلاً في نيجيريا بعد أن نشرت أوراق قضية تتعلق باتهامات وُجهت من محكمة أميركية إلى الرئيس المنتخب حديثاً بولا أحمد تينوبو، بـ«الاتجار في المخدرات»، وهو ما اعتبره خبراء «ضمن حملة إعلامية تديرها المعارضة النيجيرية لجذب الانتباه الدولي لادعاءاتها ببطلان الانتخابات»، التي أُجريت في فبراير (شباط) الماضي. والاثنين، نشرت منصة «أوبر فاكتس (UBerFacts»)، التي تعرّف نفسها على أنها «منصة لنشر الحقائق الموثقة»، وتُعرَف بجمهورها الكبير على موقع «تويتر»، الذي يقارب 13.5 مليون متابع، وثائق ذكرت أنها صادرة عن محكمة أميركية (متاحة للجمهور العام) في ولاية شيكاغو، تقول


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.