الإنسان المعولم باحثاً عن المعنى في القرن الحادي والعشرين

بعد سقوط جدار برلين في 1989 تغير كل شيء

الإنسان المعولم باحثاً عن المعنى في القرن الحادي والعشرين
TT

الإنسان المعولم باحثاً عن المعنى في القرن الحادي والعشرين

الإنسان المعولم باحثاً عن المعنى في القرن الحادي والعشرين

لعلّ معظمنا يتفق على أنّ لودفيغ فيتغنشتاين هو أحد أعظم العقول الفلسفية في القرن العشرين؛ بل قد يكون أهمّها، كما يرى برتراند راسل. كان فيتغنشتاين سليل عائلة أوروبية فاحشة الثراء، وبعدما مات أبوه، قطب صناعة الفولاذ الأوروبية، ترك له ولأشقائه ثروة طائلة تعدُّ بمليارات الدولارات بمقاييس زماننا هذا. الغريبُ أنّ فيتغنشتاين آثر أن يتنازل عن كلّ ثروته لإحدى أخواته، ثمّ مضى يعمل في أعمال بسيطة، مثل معلّم في مدرسة قروية قريباً من سفوح الألب، ثمّ عمل بعض الوقت بوّاباً في عمارة سكنية! حتى راسل الذي أعجب بمقدرة فيتغنشتاين الفلسفية رأى في سلوكه فعلاً أخرقَ عصياً على الفهم.
هل كان سلوك فيتغنشتاين فعلاً عبثياً يفتقد إلى المعنى؟ لا أظنّ ذلك. قد يكون فعله مفتقداً للمعنى من وجهة نظرنا نحنُ؛ لكنّه رأى فيه فعلاً منطقياً كاملاً؛ بل رآه واجباً. يصعبُ على المرء أن يعتقد بافتقاد حياة فيتغنشتاين – وهو الفيلسوف اللامع – إلى المعنى.
ثمّة تسجيل فيديوي يتحدّث فيه المخرج العالمي وودي آلن Woody Allen، يقول فيه: «كلّ شيء سبق لك أن حقّقتَه مصيره إلى زوال محتوم. الأرض ستزول، والشمس ستنفجر، والكون سينتهي، وكلّ أعمال شكسبير ومايكل أنغلو وبيتهوفن ستختفي في يوم ما، مهما قدّرناها وأسبغنا عليها من عظمة ورفعة. إنّ من الصعب إقناع الناس بأي شيء إيجابي حول هذا الأمر».
هنا مكمنُ السؤال الوجودي الأكثر أهمية بين كلّ الأسئلة: كيف أمكن للوجود البشري أن يتواصل وسط هذا العماء الوجودي المفتقد إلى معنى وغاية؟
يبدو لي أنّ سؤال «معنى الحياة»، رغم كونه أحد الأسئلة الوجودية الأساسية، يختلف عن سواه من الأسئلة الوجودية الخاصة بأصل كلّ من الوعي والحياة والكون، من حيث الاعتبارات التالية:
أوّلاً: يتداخل معنى الحياة بطريقة عضوية مع كينونتنا ونظرتنا إلى الحياة. الحياة بذاتها تركيب محايد ليس معنياً بأن يكون له معنى. نحن من نخلع المعنى على الحياة، وهذا المعنى يتلوّن بلون أمزجتنا العقلية ودوافعنا الذاتية: الروائي مثلاً يرى في الحياة لعبة تخييلية صالحة دوماً لتكون ساحة لفعالية روائية. والفيزيائي يرى في الحياة تركيباً يعجّ بسحر الصياغات الرياضياتية المبهرة التي تحمل في طياتها كل خزين العالم من معنى وغاية. ويسري الأمر ذاته مع الآخرين، وكلٌّ حسب مزاجه وثقافته وتدريبه المهني، وممارسته الحِرَفية، وتشكّله الفلسفي والذهني.
ثانياً: يبقى «معنى الحياة» موضوعاً لمباحث ذات طبيعة ميتافيزيقية، وليست علمية خالصة، على العكس من الأسئلة التأصيلية الثلاثة الأخرى التي يشكّلُ العلم حجر الزاوية في الجهود البحثية عن طبيعتها. السبب يكمنُ في أنّ العلم غير معني بسؤال «لماذا؟»؛ بل بسؤال «كيف؟» وحده. سؤال المعنى ليس مكانه المباحث العلمية، وإن كانت هذه المباحث يمكن أن تساهم بطريقة غير مباشرة في الكشف عن بعض المناطق المظلمة في بحثنا لاكتشاف المعنى.
ثالثاً: ثمة تصوّر بوجود اقتران شرطي بين معنى الحياة وغايتها ووجود أخلاقيات حاكمة فيها. قد لا يُبدي بعض المنافحين عن وجود معنى وغاية للحياة ولعاً بالتفاصيل الفلسفية والرياضية والفيزيائية؛ بل يكتفون بتلك الحجة الأزلية: كيف يمكن تصوّر العيش في عالم غير ذي غاية ولا معنى؟ وهل ثمة إمكانية لوجود أخلاقيات في مثل هذا العالم؟ هذا الربط الشرطي بين المعنى والأخلاقيات فعلٌ ينطوي على سوء مستطير. الأخلاقيات يجب أن تتعالى على كلّ الأوضاع البشرية حتى نضمن سموّها وعلويتها وقدرتها على الفعل في الحياة البشرية.

غلاف «أزمة العالم العربي»

رابعاً: موضوعة معنى الحياة، وبخلاف الموضوعات الأخرى، ليست موضوعة سكونية؛ بل تتباين أشكالها مع نموّ الفرد الجسدي والعقلي. يحصل في الغالب أن يقترن معنى الحياة بمشخصات مادية في أطوار النمو الأولى، ثمّ تنزاح القيمة المادية باتجاه أهداف ميتافيزيقية يصعب وضعها في إطار التقييس، كلّما تقدّم المرء في سنوات حياته.
نُشرت كتب كثيرة تتناول معنى الحياة من منظورات متعددة: فلسفية أو فيزيائية أو لاهوتية أو نفسية. ربما يحضرنا في هذا المقام كتاب فيكتور فرنكل «بحث الإنسان عن المعنى» الذي صار في عداد الكلاسيكيات الرفيعة. تبدو كتابات المختصين بعلم النفس الإكلينيكي بشأن معنى الحياة ذات أهمية اعتبارية كبرى؛ لأنهم يكتبون في سياق الصراع الوجودي للإنسان في هذا العالم، ومن واقع خبرتهم الحقيقية.
يفعل الدكتور كارلو سترينغر Carlo Strenger الأمر ذاته عندما يقدّمُ كتابه «الخوف من الأفول: البحث عن المعنى في القرن الحادي والعشرين» Fear of Insignificance Searching for Meaning In the Twenty First Century الذي ترجمه الدكتور حميد يونس إلى العربية عام 2022. مؤلف الكتاب ومترجمه يتوفران على معرفة رصينة بأدوات علم النفس الإكلينيكي، يضاف لها شغف طاغٍ بالمباحث الفلسفية المقترنة بالوجود البشري المكتنف باشتباكات صراعية متعددة الجوانب. الدكتور سترينغر عالم نفس سويسري (مولود عام 1958)، وهو فيلسوف متمرّس بتاريخ الأفكار وفلسفة وتاريخ العلم، ويُعرَفُ عنه في أبحاثه المنشورة التركيز على موضوعة تأثير العولمة على معنى الوجود البشري، وتشكيل الهويات الفردية والجمعية. نشر سترينغر ما يقارب الأحد عشر كتاباً. أما الدكتور حميد يونس فهو ناشط ترجمي، وقد قرأت له من بين ترجماته الكثيرة كتاباً عنوانه (الدماغ الخلاق: علم أعصاب العبقرية) إضافة لكتابه المترجم أعلاه. للدكتور يونس اهتمامات روائية أيضاً، ظهرت خلاصتها في روايته «آخر أمراض الكوكب».
يمكن وضع صيغة إطارية لكتاب سترينغر عنوانها «مكابدات الإنسان المعولم Homo Globalis في عالم معلوماتي وترفيهي تحكمه الأسواق الحرّة». يبدأ المؤلف كتابه بمقدمة ثرية يكشف عنوانها الدرامي «لحظتنا التاريخية» عن ماهية مادتها:
«بعد سقوط جدار برلين في 1989 تصاعد تأثير مؤيدي الأسواق الحرّة الذين تولّوا زمام الاقتصاد إبان حكم رونالد ريغان ومارغريت ثاتشر، وعاشوا نشوة الانتصار بعد زوال الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفياتي... حتى باتت الأسواق الحرّة هي الدين العالمي الوحيد الذي يتمتّع بالصلاحية العالمية المطلقة. تغيّرت بعد ذلك قيم كلّ شيء بدءاً من الشركات إلى الأديان، ومن التسجيلات الموسيقية إلى الأفكار. لم يعُد ثمة شيء محدّد إلا أنظمة التصنيف، مثل أسواق البورصة والمال، وقوائم أفضل الكتب مبيعاً... كانت مسألة وقت قبل أن تطول أنظمة التصنيف البشر، وتتحوّل إلى مرحلة تسليعه. ومما لا شكّ فيه أنّ النظام المعلوماتي والترفيهي عجّل من هذا التسليع... وهكذا اختُزِلت الحياة الهانئة في أنموذجين: الثراء (بوصفه التقييم الكمي لما لديك)، والشهرة (بوصفها التقييم الكمي لمدى معرفة الناس بك)».
هذا هو حجر الزاوية في كامل الخريطة المفاهيمية للكتاب، وليست الفصول اللاحقة سوى هوامش تفصيلية دقيقة ومثيرة لهذا المتن الذي يختزل صراع الإنسان في عالمنا المعاصر، تلك الحالة الصراعية الناجمة عن تسليع متعاظم ما فتئ يتسبب في خلخلة احترام الذات، وتشكك متزايد في عيش حياة تستحق عبء عيشها؛ فكانت النتيجة المتوقعة قلقاً وجودياً مستداماً، نجهد لعلاجه باستخدام الأدوية النفسية والنصائح الروحانية السطحية من قبل نجوم التنمية البشرية الذين صاروا أبطالاً علينا اقتفاء خطواتهم المبشرة بالنجاح. هذا في أقلّ تقدير ما تبشرنا به الوسائل الإعلامية ذات السطوة الضاربة.
يضمّ الكتاب ثلاثة أجزاء، لكلّ جزء منها ثلاثة فصول. يتناول الجزء الأول وعنوانه «هزيمة العقل» تشخيص محنة الإنسان المعولم؛ أما الجزء الثاني وعنوانه «من سوق الأنا إلى دراما الفردانية» فيحاول فيه المؤلف تقديم بديل وجودي لمفهوم الذات التي روّجت لها الثقافة الشعبية السائدة، والمتجوهرة بعبارة «افعلها وحسب. أنت تستطيع فعل كل شيء وأي شيء». أما الجزء الثالث وعنوانه «المطالبة بعقولنا»، فيدعو فيه المؤلف لإعادة تأسيس ثقافة المنطق بوصفها ترياقاً للعبثية التي يقدمها نموذج ثقافة النسبوية Relativism، وخصوصاً في حقل الثقافة والأخلاقيات.
أستطيع القول، بعيداً عن النبرة الأكاديمية، إنّ الخلاصة الفلسفية لمعنى الحياة قد تكون متجوهرة في العبارات القليلة التالية:
يكمن معنى الحياة وغائيتها في عقولنا وأرواحنا فحسب. قل كلمتك وافعل الخير، وابذل أقصى جهودك في فعل ما تحبّ وتهيم به شغفاً، ولا تنتظر مكافأة فورية أو مؤجّلة لكل فعل طيب تفعله، ولا تدنّس ضميرك الحي بصغائر الأفعال، واحرص على ربط بواعث سعادتك بمسببات ميتافيزيقية رفيعة عوضاً عن مُشخّصات مادية سريعة التبدّل والعطب. هذا هو ما يخلع معنى على الحياة، وليس كل ما سواه إلا سفسطات مترسبة في دواخلنا بفعل سطوة القناعات الزائفة أو الراحة الموهومة الناجمة عن الارتكان لأمثولات سائدة لم نختبر قيمتها الحقيقية في حياتنا.


مقالات ذات صلة

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

كتب «نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

في الوقت الذي يؤكّد فيه المؤلف على الأهمية المركزية لمفهوم الطاقة فإنّه لا يتغافل عن التصريح بأنّ كتابه ليس كتاباً مخصوصاً عن الطاقة بذاتها.

لطفية الدليمي (بغداد)
كتب ليدي إيفلين كوبولد

«من لندن إلى مكة»... أول رحلة حج لامرأة بريطانية

تفاصيل ومشاعر فياضة بالروحانية تصف بها الكاتبة البريطانية رحلتها للحج التي أصرت على خوضها بعد أن أشهرت إسلامها في أربعينات القرن الماضي لتكون بذاك أول امرأة أوروبية تقدم على هذه الخطوة

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «درب زبيدة»... أقدم طريق للحج بين العراق والسعودية

«درب زبيدة»... أقدم طريق للحج بين العراق والسعودية

يقدم هذا الكتاب، تعريفاً لطريق الحج البري القديم بين العراق والسعودية وكيفية اكتشافه وما لحقه من إهمال ونسيان، ويوضح جهود الحكومتين العراقية والسعودية في ثلاثينات القرن العشرين بالسعي إلى إحيائه وتجديد محطاته لأهميته التراثية.

علاء المفرجي (بغداد)
كتب «أطروحات في قلب رؤية 2030»

«أطروحات في قلب رؤية 2030»

يُوثِّق الكتاب أثر رؤية السعودية 2030 في تجاوز أكثر من 15 تحدياً تنموياً مرتبطة بقطاعات مختلفة في المجتمع، من بينها صحية وتأمينية ومالية كانت تواجهها قبل إطلاق رؤية 2030؛ وكيف تم تجاوزها بعد إطلاقها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون القراءة كقصة عاطفية

القراءة كقصة عاطفية

يروي بروست في هذا الكتاب عن محبته للقراءة وطقوسه التي تصاحبه في ذلك وكأنه يروي عن طفولته فيتذكر نفسه وهو الصبي الذي يقتنص ويتحيّن الفرص للاختلاء بكتاب جديد ليغنم هذه المتعة

منى أبو النصر (القاهرة)

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير
TT

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

«أخبار النِّساء» لأُسامة بن مُنقِذ.. كتاب فريد جمع بين التاريخ والأدب والسِّير

صدر حديثاً (2024) عن «مركز الملك فيصل للبحوث والدّراسات الإسلاميَّة»، كتاب «أخبار النِّساء» للأمير مجد الدولة أُسامة بن مُنِقذ الشَّيزريّ الكنانيّ (488 - 584هـ)، ضمن سلسة تحقيق التُّراث (52)، من مخطوطات المركز المحققة. عدت مخطوطة الكتاب نسخة فريدة منها بالعالم، مِن مواضيعه: كتاب الأُمهات، كتاب الزَّوجات، كتاب البنات، والأخوات، والجواري، كتاب مراثي النِّساء، كتاب أوصاف النِّساء، كتاب الخطبة والتَّزويج والتَّطليق، كتاب أحكام النِّساء. بلغ عدد صفحات المطبوع (700) صفحة متضمنة الفهارس المفصلة.

كذلك كان «أخبار النِّساء» فريداً في منهجه ومحتوياته، جمع بين التاريخ، والأدب، والسِّير لأشهر النِّساء، جاء زاخراً بالمنثور والمنظوم، والأحكام الفقهيّة؛ فقد صُنفت كتبٌ غير قليلة في أحوال النِّساء، رصدتها مقدمة التّحقيق، لكن ليس لأيٍّ منها الشُّموليّة التي امتاز بها كتاب ابن مُنقذ، وهو أحد أبرز أمراء الحرب مع الإفرنج وما عُرف بالحروب الصّليبيّة، وكان كتابه «الاعتبار» سيرة ذاتية لنفسه، وربّما عُدَّ ابن منقذ أولَ من أهتم بكتابة سيرته بقلمه، وبعده ابن خلدون (ت 808هـ)، وكتابه «التّعريف».

التقى السُّلطان صلاح الدِّين الأيوبيّ (ت 589هـ)، متأخراً، فلم يتمكن من مرافقته في الحروب التي خاضها الأيوبيّ، وذلك لكبر سنه، وقد تجاوز الثمانين، حين التقاه، وتُوفي مناهزاً السادسة والتسعين. كان صلاح الدِّين شغوفاً بشعر ابن منقذ، فضَّل ديوانه على دواوين بقية شعراء تلك الفترة، جمعه له نجله مُرْهف بن أُسامة بن منقذ، وكانت له حظوة عنده، بعد وفاة والده (ابن شامة، كتاب الرَّوضتين في أخبار الدَّولتين النُّوريّة والصّلاحيَّة). كان والد وإخوة أسامة شعراء وأدباء، وكذلك ولده أبو الفوارس مُرْهف (ت 613هـ) كان شاعراً وكاتباً وجامعاً للكتب، وحصل أن اشترى منه ياقوت الحموي (ت 622هـ) مجموعة كتب (الحمويّ، معجم الأدباء). لأبي الفوارس شرح لديوان المتنبي، قُدمت مخطوطته أطروحة في الجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة ، وهي من محفوظات مكتبة الملك فهد الوطنيّة بالرياض.

على الرّغم مِن انشغاله في الحروب، لكن ابن منقذ كان غزير التأليف، فمن غير «أخبار النّساء»، وكتاب «الاعتبار»، له عشرات الكتب مِن المنشورات والمفقودات، و«أخبار النساء» كان مفقوداً، حتّى عُثر عليه بين أكوام مِن الأوراق المخطوطة. كان للمؤرخ تقي الدّين المقريزي (ت 845هـ) فضله في جمع شتات مصنفات ابن منقذ؛ في قائمة ضمنها كتابه «المقتفى الكبير»، شملت أسماء كتبه وعناوين مواضيعها، ما وصَلَنا منها، وما ظلّ مفقوداً، وبينها «أخبار النّساء»، وما ذكره المقريزي عن محتويات الكتاب، جاء مطابقاً لما ورد في المخطوط.

لكنّ باباً مِن أبواب الكتاب، والخاص بالجواري، كان ضائعاً، فالمخطوط فُقدت منه أوراق غير قليلة، من بدايته ونهايته، غير أنَّ جلال الدّين السِّيوطيّ (ت 911هـ) اقتبسه في كتابه «المستطرف مِن أخبار الجواريّ»، ووثّق ذلك بالقول: «قال أُسامة بن مرشد في (أخبار النِّساء)». فمِن غير الوارد أنْ يُصنف ابن منقذ كتاباً في النّساء، وبهذه الشّمولية، ويغفل أخبار الجواريّ، بينما الكتب التي اقتبس منها كانت ملأى بأخبارهنَّ. يمكن إضافة ذلك إلى ما ذكرناه في مقال سابق، على صفحات «الشّرق الأوسط» «خزانة التُّراث.. كُتب تنقذ كُتباً مِن الضِّياع».

إضافة إلى شهرة أُسامة بن منقذ، التي سارت بها البغال الشُّهب مثلما يُقال؛ إلا أنّ اختياره الكتابة في «أخبار النّساء» يلفت النّظر، فقرون ولا تُعرف فهارس خزائن المخطوطات، إلا كتاب «أخبار النّساء» لأبي فرج عبد الرّحمن بن الجوزيّ (ت 597هـ)، الذي عاصر ابن منقذ، مع وجود الأول ببغداد، والأخير بين مصر والشّام، وقد نُسب كتاب ابن الجوزيّ هذا خطأً وتوهماً إلى الفقيه شمس الدين بن القيم الجوزيَّة (ت 751هـ)، بل هناك مَن ظنّه جزءاً من كتاب ابن منقذ، وقد حوى أوصاف النساء، وما يتعلق منهن بالزواج، والأشعار فيهنَّ، وما يتعلق بالغيرة وأخلاقهنَّ، هذا ما أشار إليه الباحث محمد عزيز شمس متوهماً، عندما قال: «هذا كتاب (أخبار النساء) لابن منقذ» (مجلة المجمع العلميّ العربي / العدد 2 السنة 1990). قال ذلك، ولم يطّلع على كتاب «أخبار النساء» لابن منقذ، وكان معروفاً بالاسم فقط، وإلا فالكتابان مختلفان، كتاب ابن الجوزي عنوانه الأصل «أحكام النساء»، واقتصرت موضوعاته على التعاليم والوصايا؛ من الحلال والحرام في معاملتهنَّ، وهو ما يناسب ابن الجوزي الفقيه، لا ابن منقذ الأديب والشَّاعر.

صُنفت، مثلما ذكرنا، مئات الكتب في أحوال النِّساء، وكان أغلبها بأقلام الرّجال، حتّى فترة متأخرة، بدأت النّساء الكتابة عن بنات جنسهنَّ، وربّما كان السّباقَ إلى التصنيف في النساء صاحبُ «كتاب بغداد» الشهير، أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر بن طيفور الكاتب (ت 280هـ)؛ «بلاغات النساء».

لكنَّ كلَّ ما صُنف وظهر مطبوعاً، في أحوال النِّساء، لا يجاري كتاب ابن المنقذ، الذي أرّخ للمرأة الأمّ والأخت والبنت والزوجة، وبالأسماء، وفي أزمان مختلفة، ومن غير ما نقله ابن منقذ مِن الكتب التي سبقته، أضاف حوادث عاشها. عندما يأتي على باب الأمهات، أو «كتاب الأمهات»، يتفرع إلى بركاتهنَّ، وخلاف الأبناء معهنَّ، وما تعرضنَّ إليه مِن مِحن، وأخبار الأبناء معهنَّ، وأخبار الآباء مع البنات، وهكذا كان منهجه مع كلّ فئة يتعرض لها، دون إغفال ما يتعلق بالجدات والخالات.

على ما يبدو، ظل الكتاب تتداوله الأيدي حتَّى القرن العاشر الهجري، فمثلما تقدَّم، اقتبس منه جلال الدّين السّيوطي، وهو من أعلام القرنين العاشر والحادي عشر، وبسبب عدم وصول المختصين بفهرسة المخطوطات إليه، فكان بيد أفراد لم يعرفوا قيمته، ولا موضوعه، لا تجد أثراً له عند كبار المفهرسين، مثل كارل بروكلمان (ت 1956) وكتابه «تاريخ الأدب العربيّ»، حتى وقع بيد المحقق والمهتم بالمخطوطات العربيَّة، الباكستاني الدكتور أحمد خان، الذي اشتراه مع مجموعة من الأوراق، وظل يستفسر عن هويته، فاكتشف أنه «أخبار النساء» لابن منقذ، وقد راسلتُ أحمد خان، وعرفتُ منه قصة وصول الكتاب إليه، ومنه إلى خزانة المخطوطات في «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات».

هذا، ولكلِّ كتاب قصته، في الضياع والعثور عليه، والأوهام والحقائق التي تدور حول هذا الكتاب أو ذلك، فلسنواتٍ كان المحقق مصطفى جواد يعتقد أن كتابَ «الحوادث» هو كتاب «الحوادث الجامعة والتجارب النّافعة في المائة السَّابعة» للمؤرخ ابن الفوطي (ت 723هـ)، وكان مؤلفه الأقرب لواقعة اجتياح بغداد مِن قبل المغول، لكن بعد المقابلة بين أسلوب الكتاب وكتب الفوطي اكتشف جواد نفسه، ما حققه ونشره (1932)، ليس لابن الفوطي، فأعيد نشره، بعد حين، بعنوان «كتاب الحوادث» بتوقيع: مؤلف مجهول.

غير أنَّ «أخبار النِّساء»، إضافة إلى اعتراف ابن منقذ به، وعدِّه ضمن قائمة كتبه، وما نُقل عنه مِن نصوص، فأسلوبه أسلوب بقية كتب ابن منقذ، ولولا الصّدفة أن يعرض أحد باعة الأوراق القديمة، على مالكه الأول، لربّما راح مستعملاً مِن قِبل البقالين، وكمْ مِن كتب تلفت في الدكاكين للجهل بها، فكان يُصيب الكتب، التي ضمّتها خزائن مكتبات الملوك والوزراء الأقدمين، ما يصيبهم مِن عوادي الزّمان.

حوى الكتاب مادة غزيرة، يستفيد منها المؤرخ الاجتماعي، ومؤرخ الأدب، وما يتعلق بالفقه ومعاملة النّساء، وتراه يرفع شأن النّساء، على خلاف كثير مِن المصنفين الذين تناولوا أحوالهنَّ، إلى جانب ما امتاز به الكتاب من أسلوب المصنف الرشيق في الكتابة، ومادته الثّرية.

لم نقف، بسبب ضياع الصفحات الأولى والأخيرة مِن الكتاب، على دافع ابن منقذ في تصنيف الكتاب، وهو الأديب والشّاعر والمحارب، وقد اعتاد، في مقدمات كتبه، ذِكر دافع التصنيف، فنجده مثلاً ذكر سبب تصنيفه كتابه «المنازل والدّيار»، قائلاً: «ما دعاني إلى جمع هذا الكتاب، ما نال بلادي وأوطاني مِن الخراب، فإن الزَّمان جرَّ عليها ذَيله، وصرف إلى تعفيتها حوله وحِيله، فأصبحت كأنْ لم تَغْنَ بالأمس، مُوحشة العرصات بعد الأُنس، قد دثر عمرانها، وهلك سُكانها، فعادت مغانيها رسوماً، والمسرّات بها حسراتٍ وهموماً، ولقد وقفتُ بعد ما أصابها مِن الزَّلازل ما أصابها، وهي أولُ أرض مسَّ جلدي تُرابها، فما عرفتُ داري، ولا دُور والدي وإخوتي...» (المنازل والدِّيار، دمشق 1965). هذا، وكان تصنيفه «أخبار النِّساء» قد سبق أهم كتبه، كـ«الاعتبار»، و«المنازل والدِّيار»، و«التّاريخ البدريّ»، ويقصد بدر الكبرى (2هـ)، وهذا واضح مِن تضمين هذه الكتب نصوصاً مِن «أخبار النّساء».

تضمّن كتاب «أخبار النّساء» لابن منقذ، بعد أخبار السيدات الأُول؛ مِن حواء، وأمّ النّبي موسى، والسيدة مريم، وزوجة النبي أيوب، وآسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وبلقيس، والسيدة خديجة الكبرى، وغيرهنَّ، ثم فصل أحوال النِّساء، كأمهات وزوجات وبنات وأخوات، وصفات النساء، بذكر أوصاف الأسنان، والعيون، والأنوف، والحواجب، والأرداف، والمعاصم، والشَّعر، مع الأقوال والأشعار.

عموماً، يُعدّ الكتاب معجماً لكلّ ما يتعلق بالنساء، وقد يكون المفقود مِن أوراقه فيه الكثير، وكان فصل الجواري منه بحكم المفقود، لولا أنَّ السّيوطي حفظه في كتابه «المستطرف مِن أخبار الجواريّ»، على أمل إلحاقه في طبعة جديدة من الكتاب، وإتمام الضائع مِن المظانّ التي أخذ عنها ابن منقذ.