معارك ضارية حول باخموت... وروسيا تقطع إمدادات الجيش الأوكراني عنها

موسكو تحذر من تنامي «تهديد إرهابي» تديره الأجهزة الغربية

قوات أوكرانية في باخموت مع دخول المعركة للسيطرة عليها مرحلة حاسمة (رويترز)
قوات أوكرانية في باخموت مع دخول المعركة للسيطرة عليها مرحلة حاسمة (رويترز)
TT

معارك ضارية حول باخموت... وروسيا تقطع إمدادات الجيش الأوكراني عنها

قوات أوكرانية في باخموت مع دخول المعركة للسيطرة عليها مرحلة حاسمة (رويترز)
قوات أوكرانية في باخموت مع دخول المعركة للسيطرة عليها مرحلة حاسمة (رويترز)

دخلت معركة باخموت مرحلة حاسمة الثلاثاء مع احتدام المواجهات الضارية في محيط المدينة الاستراتيجية، وإعلان القوات الروسية أنها نجحت في تطويق نقاط إمدادات الجيش الأوكراني. وتحولت المعارك في بعض المناطق إلى حرب شوارع مباشرة وسط توقعات بأن سقوط المدينة المحصنة يفتح الطريق أمام موسكو للتقدم سريعا في مناطق سهلة ومكشوفة لإحكام سيطرتها على كل إقليم دونيتسك.
وأعلن حاكم دونيتسك دينيس بوشيلين الذي عينته موسكو أن الوحدات الروسية تخوض معارك عنيفة لـ«السيطرة على بلدة باراسكوفيفكا، التي سيؤدي الاستيلاء عليها إلى قطع آخر طريق إمداد للقوات المسلحة الأوكرانية في أرتيموفسك (باخموت)». وقال إن أوكرانيا لم تبد أي إشارة على أنها ستتنازل عن المدينة التي وصفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنها «حصن». ونقلت عنه وسائل الإعلام الروسية قوله: «نحن ندرك أنه ليس هناك أي احتمال حاليا لتخلي الخصم عن مواقعه من دون قتال».
وزاد أنه بعد مرور يوم واحد على «تحرير» كراسنايا غورا بدأت عملية واسعة لتطهير المنطقة وملاحقة فلول القوات الأوكرانية فيها. مشيرا إلى انتقال القوات المهاجمة نحو البلدة المجاورة باراسكوفيفكا، «وهذه بدورها تسمح لنا بالتقدم سريعا وإغلاق الطريق المؤدية إلى غاسوف يار، آخر طرق إمداد القوات الأوكرانية». وأضاف بوشلين أن الجانب الروسي «لا يتوقع أن يستسلم العدو من دون قتال».

جندي أوكراني في المدينة التي تحولت فيها المعارك في بعض المناطق إلى حرب شوارع (رويترز)

وأكدت وزارة الدفاع في اليوم السابق الاستيلاء على بلدة كراسنايا غورا من قبل مفارز مجموعات «فاغنر» بدعم ناري من القوات الصاروخية والمدفعية للمجموعة الجنوبية من القوات. وقال رئيس مجموعة فاغنر المسلّحة يفغيني بريغوجين الثلاثاء إن مدينة باخموت الأوكرانية لن تسقط قريبا رغم التقدم الروسي الأخير. وكتب مكتبه الإعلامي على قناته في تليغرام «لن نحتفل في أي وقت قريب» بسقوط المدينة. وأضاف «لن يتم الاستيلاء على باخموت غدا لأن هناك مقاومة قوية وقصفا مستمرا، مطحنة اللحم تعمل»، في إشارة إلى الخسائر الفادحة في ساحة المعركة. وتقود مجموعة فاغنر الهجوم على باخموت منذ الصيف، وسيطرت أخيرا على سلسلة من البلدات القريبة في محاولة لتطويق المدينة. وتابع بريغوجين «العدو يعزز صفوفه ويرسل باستمرار جنود احتياط إضافيين. كل يوم، يصل 300 إلى 500 مقاتل إلى باخموت من كل مكان، نيران المدفعية تتكثف يوميا».
في المقابل نبهت أوكرانيا إلى وجود محاصرين مدنيين داخل المدينة، وقال بافلو كيريلينكو، حاكم منطقة دونيتسك، إنه لا يزال هناك نحو 5 آلاف مدني داخل بلدة باخموت المحاصرة شرق البلاد.
وقال كيريلينكو، الحاكم العسكري للمنطقة، للتلفزيون الأوكراني في وقت متأخر مساء الاثنين، إنه يتعين «خفض عدد الأشخاص الموجودين في باخموت إلى الحد الأدنى». وأضاف كيريلينكو أنه سيتم تأمين الإمدادات لمن تبقى من المواطنين بداخلها.
يشار إلى أنه من شأن الاستيلاء على باخموت أن تقترب موسكو من السيطرة على منطقة دونيتسك بأكملها، وهو أحد الأهداف المعلنة للكرملين في الحرب التي انطلقت قبل نحو عام.
في غضون ذلك، تحدثت بيانات عسكرية روسية عن تكبد القوات الأوكرانية خسائر فادحة خلال المعارك في الساعات الـ24 الماضية. وأفادت وزارة الدفاع الروسية في إيجاز لمجريات القتال صباح الثلاثاء بأنه في اتجاهي كوبيانسكي وكراسنوليمانسكي، فقدت كييف نحو 170 من الأفراد العسكريين في يوم واحد. وعلى محوري جنوب دونيتسك وزابوروجيا، قالت الوزارة إن أكثر من مائة جندي أوكراني لقوا حتفهم خلال مواجهات عنيفة. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها أسقطت طائرة «ميغ - 29» ومروحية «مي - 8» الأوكرانيتين في أجواء دونيتسك.
على صعيد آخر، أعلن مدير هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي ورئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب ألكسندر بورتنيكوف أن بلاده تواجه «تناميا للتهديدات الإرهابية من قبل أجهزة المخابرات الأوكرانية والغربية». وخلال اجتماع للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب، الثلاثاء، أفاد بورتنيكوف بأن الهجمات التي تشنها الأجهزة الخاصة في كييف على البنية التحتية العسكرية ومجمعات الوقود والطاقة والنقل والمواصلات في روسيا قد زادت.
وأشار إلى أنه «في سياق العملية العسكرية الروسية الخاصة بأوكرانيا، فقد شهدت التعديات الإرهابية من قبل الأجهزة الخاصة والتشكيلات القومية المتطرفة الأوكرانية، بدعم من الغرب الجماعي، زيادة ملحوظة، حيث يبذل العدو جهودا لإنشاء حملات دعائية لتوريط المواطنين الروس، وإشراك الشباب في عدد من الأنشطة الإرهابية والمتطرفة».
وأضاف المسؤول الأمني أن بلاده تتخذ إجراءات إضافية لحماية المنشآت وتكثيف إجراءات الوقاية، فيما أظهرت مجريات الاجتماع أن مسؤولي الأجهزة الأمنية شددوا خلال مناقشاتهم على الحاجة إلى تعديل نظام الإجراءات الذي سبق تطويره لمواجهة التهديدات الإرهابية في الوقت المناسب.
وكانت لجنة مكافحة الإرهاب قد أفادت نهاية العام الماضي، بأنه تم إحباط 123 جريمة إرهابية في روسيا خلال 2022، بما في ذلك 64 هجمة إرهابية،
وأشار بورتنيكوف إلى أن عدد المظاهر الإرهابية قد زاد بشكل كبير، ولا سيما في المناطق الحدودية في المقاطعات الفيدرالية الوسطى والجنوبية.


مقالات ذات صلة

أوروبا مسيرة أوكرانية (رويترز)

مقتل شخص في هجوم بمسيرة أوكرانية في تاجانروج بجنوب روسيا 

قال يوري سليوسار حاكم منطقة روستاف ​الروسية، إن هجوماً بطائرة مسيرة أوكرانية، اليوم (الأحد)، أدى إلى مقتل شخص وإشعال حرائق في ‌مدينة تاجانروج.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».