هل تنجح عملية إعادة هيكلة الجيش الروسي وسط الحرب؟

(تحليل إخباري)

جنود يرتدون بزات عسكرية للجيش الأحمر في الذكرى 80 لانتصار القوات السوفيتية في ستالينغراد التي صادفت يوم الخميس الماضي (أ.ب)
جنود يرتدون بزات عسكرية للجيش الأحمر في الذكرى 80 لانتصار القوات السوفيتية في ستالينغراد التي صادفت يوم الخميس الماضي (أ.ب)
TT

هل تنجح عملية إعادة هيكلة الجيش الروسي وسط الحرب؟

جنود يرتدون بزات عسكرية للجيش الأحمر في الذكرى 80 لانتصار القوات السوفيتية في ستالينغراد التي صادفت يوم الخميس الماضي (أ.ب)
جنود يرتدون بزات عسكرية للجيش الأحمر في الذكرى 80 لانتصار القوات السوفيتية في ستالينغراد التي صادفت يوم الخميس الماضي (أ.ب)

في ظل تعثر الجيش الروسي في حربه الراهنة بأوكرانيا في مواجهة المقاومة العنيفة من القوات الأوكرانية التي تدافع عن أرضها، كشف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووزير الدفاع سيرغي شويغو، الشهر الماضي، عن خطة جديدة لإعادة هيكلة الجيش الروسي بعيداً عن نموذج الألوية، والعودة إلى هيكل الفرق الكبيرة الذي كان متَّبعاً قبل عام 2008، وجرى الإعلان عن هذه التفاصيل في الوقت الذي يكافح فيه الجيش الروسي للحفاظ على الزخم في أوكرانيا، ومع اقتراب انضمام فنلندا والسويد إلى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) في العام الحالي (2023).
ورغم أن تنفيذ هذه الإصلاحات في الجيش ليس جديداً على تاريخ الجيشين السوفياتي والروسي، تستهدف محاولات إعادة الهيكلة الجديدة هذه إنشاء جيش جديد جاهز لحماية المصالح الروسية في مواجهة «الناتو»، ليعكس بشكل وثيق التصور السوفياتي لتهديد حرب واسعة النطاق. وقال الباحث خورخي ريفيرو المتخصص في الشؤون الخارجية، وتحديداً أوروبا وأوراسيا، لصالح مشاة البحرية الأميركية، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية، إنه، رغم أن المقترحات الروسية ونتائجها، غالباً ما تكون مختلفة تماماً، سيقوم المحللون الغربيون قريباً بالتشكيك في جدوى هذه الإصلاحات، وكيفية تأثيرها على وضع القوات الروسية في شرق أوروبا. وسيتعين على القوات المسلحة الروسية القيام باستثمارات كبيرة في رأس المال البشري، وفي القوة العاملة والتدريب، من أجل تزويد هذه التشكيلات الجديدة بالمعدات. وبعد الخسائر الضخمة في أوكرانيا، سيكون تحقيق هذه الأهداف أمراً صعباً بالنسبة لـ«الكرملين». وفيما يتعلق بالإصلاحات السوفياتية والروسية، قال خورخي الذي يركز على العمليات العسكرية الروسية إن بحث تاريخ إصلاحات الجيشين، السوفياتي والروسي، وأهداف هذه الإصلاحات ونتائجها بشكل موجز أمر أساسي لمتابعة ما يمكن أن يحدث. وأشار إلى أنه، خلال أواخر العصر الستاليني، كان تركيز قوة الجيش السوفياتي ينصب على قوة برية ضخمة.
وبعد الحرب العالمية الثانية، تصور السوفيات حرباً عالمية ثالثة تشبه الحرب العالمية الثانية، ولكن معزَّزة بأسلحة نووية. وشهد الجيش السوفياتي تغييرات كبيرة، أواخر الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وفي الفترة بين عامي 1968 و1987، زادت القوات البرية السوفياتية من 138 فرقة إلى 220 فرقة. وبعد كارثة الشيشان في تسعينات القرن الماضي، اضطرت هيئة الأركان العامة الروسية إلى تشكيل وحدات مختلطة من كل المناطق العسكرية للانتصار في صراع محدود نسبياً، مما سلَّط الضوء على تدهور قوتها مقارنة بماضيها السوفياتي. وفي عام 1992، بدأت وزارة الدفاع في الاتحاد الروسي في تقليص التشكيلات الروسية مع انهيار الاقتصاد الروسي. ورغم أن المسؤولين العسكريين وصانعي السياسة كانوا يستهدفون إعادة هيكلة الجيش الروسي المتدهور؛ فقد شهدت فترة التسعينات تخفيضات في عدد القوات وليس إصلاحات عسكرية حقيقية. وبين عامي 1992 و2000، تراجع عدد أفراد القوات البرية الروسية من 4.‏1 مليون جندي إلى 348 ألف جندي. وفي عام 2008، ومع الأداء الضعيف للقوات البرية الروسية في جورجيا، بدأ أناتولي سيرديوكوف، وزير الدفاع الروسي السابق، في إجراء تخفيضات كبيرة في عدد القوات المسلحة الروسية، والعودة مجدداً، من نموذج الفرق، إلى نموذج الألوية، وتقليل حجم فيلق الضباط بنسبة 7.‏57 في المائة. وأسفرت «إصلاحات سيرديوكوف»، المعروفة باسم «إصلاحات المظهر الجديد»، أيضاً عن خفض حجم القوات المسلحة بمقدار 278 ألفاً و500 فرد. وعندما بدأ الهجوم الروسي على جورجيا، كان 80 في المائة من أسلحة الجيش الروسي ترجع إلى العصر السوفياتي. وكانت «إصلاحات سيرديوكوف» تهدف إلى تقليص حجم الجيش لضمان الاستثمار المناسب في برامج التسلح الروسية.
وتحول خورخي في تقريره، كما جاء في تحقيق الوكالة الألمانية، إلى «إصلاحات بوتين»، قائلاً إن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا لم تحقق نتائجها المرجوة بالنسبة لـ«الكرملين». وبعد هجوم شمالي كارثي صوب كييف من بيلاروسيا، حولت روسيا أهداف عملياتها إلى هجوم على دونباس، في أواخر مارس (آذار) الماضي. وفي تحول واضح في إدراك التهديد، ولتوسيع القدرة القتالية الشاملة للقوات المسلحة الروسية، كشف بوتين عن خطة لزيادة حجم الجيش بنسبة 30 في المائة سترفع تعداد الجيش الروسي من 15.‏1 مليون فرد إلى 5.‏1 مليون فرد، فضلاً عن 300 ألف فرد متعاقد. وبشكل إجمالي، ستزيد خطة بوتين حجم القوات الأرضية بمقدار 22 فرقة، وتضم فرقتين جديدتين في القوات الجوية الروسية، لتصل القوات الجوية إلى حجمها أثناء العصر السوفياتي.
وقد تم بالفعل تشكيل إحدى فرق القوات الجوية، وهي فرقة «الحرس الجوي الهجومي 104»، على خلفية لواء الحرس الجوي الهجومي الـ31 السابق، وتعمل الفرقة الجديدة حالياً في إقليم زابوريجيا أوبلاست. وأخيراً، سيتم تشكيل خمس فرق مشاة بحرية من خمسة ألوية مشاة بحرية موجودة حالياً.
ووفقاً لشويغو، سيتم تشكيل فرقتين للمشاة الراكبة في الأراضي المحتلة في خيرسون وزابوريجيا. كما تعيد الخطة الجديدة أيضاً إنشاء منطقتي موسكو ولينينغراد العسكريتين، مقابل حلف «الناتو»، بدلاً من المنطقة العسكرية الغربية الحالية، التي ربما كانت إخفاقاتها خلال العملية العسكرية الخاصة قد ساهمت في سقوطها. وسلط شويغو الضوء أيضاً على إنشاء فيلق عسكري في كاريليا، مقابل الحدود الفنلندية مع روسيا، وألوية وأفواج دعم طيران ستدعم جيوش الأسلحة المشتركة.
وعلى عكس «إصلاحات سيرديوكوف» عام 2008، التي ضحَّت فيها روسيا بعدد القوات من أجل الاستثمار في تطوير الأسلحة، تظهر الإصلاحات الجديدة زيادة كبيرة في عدد القوات مع الاستثمار، في الوقت نفسه، في أسلحة جديدة، وتزويد القوات الحالية بمعدات جديدة، وأيضاً فرق جديدة. وقد وفرت «خطة سيرديوكوف» جيشاً روسياً قادراً على مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، وبعيداً عن حرب واسعة النطاق في السهل الأوروبي أو الصين. وقد أدَّت هذه التشكيلات بشكل جيد، وهو ما أكّدته إمكاناتها القتالية في عام 2014، وفي سوريا.
واختتم خورخي تقريره بالقول إنه، رغم ذلك، لم يأتِ الاختيار الحقيقي إلا في العام الماضي، عندما غزت روسيا أوكرانيا. وبهذه الخطوة، أوضحت روسيا أن التهديد الأولي تحول من عمليات قتالية محدودة النطاق اعتبرت الإرهاب هو التهديد الرئيسي لها، إلى صراع واسع النطاق عاد فيه «الناتو» مجدداً ليكون هو الخطر الرئيسي، إلا أن روسيا ليست الاتحاد السوفياتي، وهناك عوائق عديد تمنع وزارة الدفاع الروسية من تنفيذ هذه الإصلاحات بنجاح، على الأقل بالطريقة التي يتصورها «الكرملين». إن قدرة روسيا على استخدام كل الوسائل المتاحة لإدارة هذه التشكيلات سوف تسفر على الأرجح عن توفير عناصر كافية. ولكن المشكلة تكمن في أنه ستكون هناك معاناة في تحديث وشراء الأنظمة القائمة والجديدة، مما سيؤدي إلى إنشاء جيش سيكون أقل، من حيث العتاد، من قوات «الناتو».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيّرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه لا ينبغي للدول الأجنبية الراغبة في شراء طائرات مسيّرة أوكرانية أن تتمكن من التواصل مباشرة مع الشركات المصنعة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.