ينتظر أن تكون الدورة السابعة والثلاثون من موسم أصيلة الثقافي الدولي وفية لروح وتوجه هذه التظاهرة الثقافية والفنية المتميزة، سواء من حيث نوعية وتنوع برنامجها أو قيمة المشاركين فيها. وعلى غرار المواسم الثقافية الماضية، حرص القائمون على هذا الحدث السنوي، الذي ينظم تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، على التجديد النوعي والكمي، ضمن خيار الاستمرارية والمحافظة على الهوية الفكرية التي طبعت الموسم منذ انطلاقه نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي، كتظاهرة هادفة غير مسبوقة في المجال الثقافي المستقل (غير حكومي) في المغرب، ما أكسب الموسم مصداقية متجددة، فصار موعدا ثقافيا دوليا بامتياز، تقصده النخب السياسية والثقافية المغربية والأجنبية، وخصوصا من دول الجنوب، على أساس أنه من الواحات الفكرية النادرة في العالم وعالم الجنوب، فيها يجري نقاش خصب بين الفاعلين ومنتجي الأفكار بخصوص قضايا وإشكاليات لها اتصال بصميم الراهن الثقافي والمعيشي العام.
وسيمثل حفل الافتتاح والاستقبال، الذي يقام اليوم (الجمعة) بمعلمة أصيلة الثقافية والعمرانية «مكتبة الأمير بندر بن سلطان» اللحظة القوية في الموسم الثقافي، الذي يتواصل حتى التاسع من أغسطس (آب)، حيث جرت العادة أن توجه الدعوات لعدد من الشخصيات المغربية من الدولة والحكومة والهيئات الحزبية والنقابية وهيئات المجتمع المدني، وممثلي وسائل الإعلام، فضلا عن أعضاء السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي.
وما بين الندوات واللقاءات المبرمجة، ذات التوجه السياسي والفكري والفني والأدبي، وشواغل الفنون التشكيلية، وجداريات ومعارض الموسم، ومرسم ومشغل كتابة وإبداع الطفل، والعروض الغنائية والموسيقية، ستعيش مدينة أصيلة موسما آخر يزيدها توهجا، مؤكدا قيمتها كمدينة للفنون والثقافة، اختارت توجه الاحتفاء بفضيلة النقاش والحوار.
ويتضمن برنامج الجامعة الصيفية ثلاث ندوات هي: «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة»، و«الإعلام العربي في عصر الإعلام الرقمي»، و«الفيلم والرواية في سينما الجنوب».
وتطرح ندوة «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة»، التي تنظم بالتعاون مع مركز العلاقات الدولية والتنمية المستدامة (صربيا)، فرضية إن كانت الحرب الباردة الثانية أطروحة قابلة للبرهنة، وانعكاساتها على الأمن، وعلى الاستقرار العالمي، وعلى جهود الاستقرار والتنمية بدول ما يسمى العالم الثالث، وإن كانت ستعي هذه الدول حيوية استقلال قرارها السياسي أم ستتواصل الصراعات الإقليمية والحروب بالوكالة، وإن كانت هذه الحرب الجديدة، بطبيعتها الاقتصادية، ستجعل هذه الدول تتصرف بصورة مستقلة وبرغماتية، أم أنه ما زالت هناك حاجة لاستدعاء الآيديولوجيا لتبرير ما لا يستسيغه العقل ولا المصالح، وهل يمكن النظر بصورة إيجابية إلى هذه الحرب باعتبارها البديل الموضوعي عن الحرب الشاملة؟ وهل تستطيع التوازنات الحالية أن تبقيها في مستواها الناعم، من دون أن ترفع من حرارتها؟ وهل تخضع هذه الحرب لمنظومة معايير تحول دون توسعها أو تفاقمها أو أنها تبقى مجهولة المآلات؟ وهل هذه المراوحة بين الحروب الصلبة والحروب الناعمة قدرٌ لا مردَّ له، أم أن هناك إمكانيات فعلية لإرساء نظام عالمي جديد، يعيد ترتيب العلاقات الدولية، ويضع معايير أكثر أمنا وعدالة للعلاقات بين الدول، ويكرس الحق في تنمية متوازنة، ويؤهل عالمنا لمواجهة التحديات الطبيعية والاقتصادية التي تترصده؟
وستبحث برنامج الندوة ثلاثة محاور هي: إلى أي درجة تصح فرضية الحرب الباردة الثانية؟ وإلى أي درجة يمكن اعتبارها بديلا إيجابيا عن الحروب التقليدية؟ وأطراف الحرب الباردة الجديدة: خلفياتهم، أهدافهم وخطاباتهم، والحرب الباردة الثانية والنظام الدولي الجديد.
وستخصص ندوة «الإعلام العربي في عصر الإعلام الرقمي»، التي تنظم بالتعاون مع وزارة الإعلام ووزارة الدولة لشؤون الشباب الكويتية ومساهمة مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام السعودي، لمناقشة مجموعة من الأسئلة، من قبيل ماذا تفعل وسائل الإعلام في الجمهور؟ وماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟ وكيف لم تعد هناك «نخبة» بالمفهوم التقليدي، بعد أن صار الجمهور هو من يصنع المنتج الإعلامي أو الثقافي، وهو الذي يستهلكه، ويتفاعل معه، ويتصرف فيه كيفما شاء، فيما حطم الإعلام الرقمي هيبة المؤسسات المتصرفة في شؤون النشر وبث الرسائل والأفكار، ودعاها إلى «التواضع» وإعادة النظر في مواقعها في المستقبل؟ دون تناسي معطى تجاوز حدود التشريعات والقوالب الجامدة.
وستتناول محاور الندوة موقع الإعلام العربي من التحولات الجديدة في بيئة الإعلام الرقمي، ومدى تمكّن العرب من مسايرة تلك التطورات التقنية في جوانبها المختلفة، والتغير الطارئ في علاقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية العمومية والأهلية ومدى قدرة المجتمعات العربية على المواءمة بين التطورات المجتمعية والمظاهر التقنية للإعلام والاتصال، وأيهما الأبلغ تأثيرا في الجمهور اليوم: الإعلام التقليدي أم الإعلام الرقمي؟
ومن جانبها، تناقش ندوة «الفيلم والرواية في سينما الجنوب»، المنظمة بالتعاون مع اتحاد المخرجين والمؤلفين المغاربة، كيف أنه في الوقت الذي عرف توهجا ورواجا في بلدان الشمال وفي الدول الغربية على الخصوص، كان اللقاء بين الأدب والسينما، سواء على مستوى ما أسفر عنه من إبداع أو ما أثير بشأنه من نقاش، محتشما جدا في بلدان الجنوب.
وفي سياق هذا التناول، ستركز الندوة على بعض تجارب الدول المغاربية والعربية والأفريقية الفرنكوفونية، بمشاركة نخبة من الأدباء الذين اقتبست أعمالهم الروائية إلى السينما، ومخرجين اعتمدوا نصوصا أدبية في إبداعاتهم الفيلمية.
وتعبر باقي ندوات الموسم عن روح التظاهرة، بطرحها لنقاش متنوع يلامس مختلف الانشغالات، ومن ذلك إشكال «حالة الشعر والشعراء اليوم» وسؤال «العرب: أن نكون أو لا نكون».
وستكون الندوة الأولى، التي تنظم يوم 5 أغسطس، مدعوة لمناقشة الأزمة الكبرى والشاملة التي يتخبط فيها الشعر، ومعه الشعراء والنقاد والقراء، بل والأدب عموما، فيما لا ينبغي لصعود الثقافات الشعبية وشيوع الاهتمام بالسرد أن ينسي الشعراء وظيفتهم الكبرى تجاه فن القول الرفيع، مع التشديد على أن هذا التشخيص ليس المقصود منه رفع الألحان المأتمية، بل دفع الشعراء إلى الوقوف بوضوح أمام حقيقة الأزمة، والتدخل للإعلاء من صوته وأدواره الكثيرة والمتنوعة سواء داخل الأدب أو خارجه.
فيما تناقش الندوة الثانية، التي تنظم ما بين 6 و8 أغسطس، إشكالية الوجود العربي في ضوء مستجداتِ ومخاوف الحاضر والمستقبل، عبر طرح أسئلة تهم انشغالات مصيرية، من قبيل: كيف يمكننا أن نتكيف مع الوضع العالمي الجديد؟ وما الأدوات والقدرات التي يملكها العرب لإحداث هذا التكيف؟ وما الطرق المؤدية إلى تحقيق هذا التكيف؟ وكيف يمكن للدولة أن تستجيب للإصلاحات التي تطالب بها مجتمعاتها بطرق سلمية وفي أجواء الوئام الوطني، تفاديا لتكرار ما أصاب دول الربيع العربي من حروب وتمزق وانهيار لثوابت الدولة؟ وهي أسئلة سيتناولها المشاركون عبر ثلاثة محاور: كيف انهارت بعض الأنظمة العربية فجأة؟ وما الأسباب الداخلية والخارجية لهذا الانهيار؟ والدين والدولة والمسألة الطائفية في العالم العربي: الإشكاليات والبدائل، والأوضاع العربية وتحديات النظام العالمي الجديد.
وتعود خلال هذا الموسم جائزة «بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، في دورتها الخامسة. وهي تستهدف مكافأة شاعر أو شاعرة من الشعراء العرب الشباب (أقل من 35 سنة) الذين تشكّل أعمالهم إضافة نوعيّة داخل الحركة الشعريّة العربيّة الحديثة. فيما سيتضمن برنامج الفنون التشكيلية والكتابة مشغل صباغة الجداريات والحفر والصباغة، وفقرة المعارض، فضلا عن مرسم ومشغل كتابة وإبداع الطفل. وستعرف فقرة «خيمة الإبداع»، المبرمجة يوم 4 أغسطس، تكريم الفنان التشكيلي الراحل فريد بلكاهية، الذي عرف بوفائه لأصيلة وموسمها. وقد أريد لهذا التكريم أن يكون احتفاء بفنان متفرد وبأعمال فنية شامخة، كما أنه احتفاء بروح وعمل الفنان، يقوم به أصدقاؤه ومجايلوه، وتحتضنه المدينة التي ترك فيها أثر حضوره وإبداعه منذ الدورة الأولى لموسمها الثقافي الدولي سنة 1978.
وسيكون جمهور التظاهرة ضمن فقرة المعارض، مع معرض «محطات للذاكرة»، الذي سيحتفي بأعمال ثلاثة فنانين راحلين من مملكة البحرين، هم عبد الكريم البوسطة وناصر اليوسف وأحمد باقر، فضلا عن معرض جماعي للفنانين الزيلاشيين الشباب: بثينة الظريف ورشيد البحري وعثمان الهواري وطارق فيطح وهند المرون وربيع المسناني.
كما ستعرف الدورة برمجة عرض للأزياء، بالتعاون مع مجلة «نساء من المغرب»، فضلا عن عروض موسيقية وغنائية، ينتظر أن تزيد ليل أصيلة جمالا وبهجة، بمشاركة الفنانة المغربية سلوى الشودري وفرقة الهلال الموسيقية من تطوان، وفرقة محمد العربي التمسماني للمعهد الموسيقي بتطوان برئاسة محمد الأمين الأكرامي، بمشاركة الفنانة زينب أفيلال، ومنوعات من الطرب الأصيل مع شباب أصيلة، وإحسان الرميقي ومجموعة «زمان الوصل»، وفرقة أهل أصيلة للمديح والسماع، والحضرة الشفشاونية برئاسة رحوم البقالي، وثلاثي العود المغربي: نبيل الخالدي وناصر الهواري وكريم القاديري.
أصيلة تناقش «الحرب الباردة الثانية» و«العرب: نكون أو لا نكون»
الدورة السابعة والثلاثون لموسمها الثقافي تكرم الفنان التشكيلي الراحل فريد بلكاهية
فنانون ينجزون جداريات في أزقة المدينة القديمة في أصيلة
أصيلة تناقش «الحرب الباردة الثانية» و«العرب: نكون أو لا نكون»
فنانون ينجزون جداريات في أزقة المدينة القديمة في أصيلة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

