أصيلة تناقش «الحرب الباردة الثانية» و«العرب: نكون أو لا نكون»

الدورة السابعة والثلاثون لموسمها الثقافي تكرم الفنان التشكيلي الراحل فريد بلكاهية

فنانون ينجزون جداريات في أزقة المدينة القديمة في أصيلة
فنانون ينجزون جداريات في أزقة المدينة القديمة في أصيلة
TT

أصيلة تناقش «الحرب الباردة الثانية» و«العرب: نكون أو لا نكون»

فنانون ينجزون جداريات في أزقة المدينة القديمة في أصيلة
فنانون ينجزون جداريات في أزقة المدينة القديمة في أصيلة

ينتظر أن تكون الدورة السابعة والثلاثون من موسم أصيلة الثقافي الدولي وفية لروح وتوجه هذه التظاهرة الثقافية والفنية المتميزة، سواء من حيث نوعية وتنوع برنامجها أو قيمة المشاركين فيها. وعلى غرار المواسم الثقافية الماضية، حرص القائمون على هذا الحدث السنوي، الذي ينظم تحت رعاية العاهل المغربي الملك محمد السادس، على التجديد النوعي والكمي، ضمن خيار الاستمرارية والمحافظة على الهوية الفكرية التي طبعت الموسم منذ انطلاقه نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي، كتظاهرة هادفة غير مسبوقة في المجال الثقافي المستقل (غير حكومي) في المغرب، ما أكسب الموسم مصداقية متجددة، فصار موعدا ثقافيا دوليا بامتياز، تقصده النخب السياسية والثقافية المغربية والأجنبية، وخصوصا من دول الجنوب، على أساس أنه من الواحات الفكرية النادرة في العالم وعالم الجنوب، فيها يجري نقاش خصب بين الفاعلين ومنتجي الأفكار بخصوص قضايا وإشكاليات لها اتصال بصميم الراهن الثقافي والمعيشي العام.
وسيمثل حفل الافتتاح والاستقبال، الذي يقام اليوم (الجمعة) بمعلمة أصيلة الثقافية والعمرانية «مكتبة الأمير بندر بن سلطان» اللحظة القوية في الموسم الثقافي، الذي يتواصل حتى التاسع من أغسطس (آب)، حيث جرت العادة أن توجه الدعوات لعدد من الشخصيات المغربية من الدولة والحكومة والهيئات الحزبية والنقابية وهيئات المجتمع المدني، وممثلي وسائل الإعلام، فضلا عن أعضاء السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي.
وما بين الندوات واللقاءات المبرمجة، ذات التوجه السياسي والفكري والفني والأدبي، وشواغل الفنون التشكيلية، وجداريات ومعارض الموسم، ومرسم ومشغل كتابة وإبداع الطفل، والعروض الغنائية والموسيقية، ستعيش مدينة أصيلة موسما آخر يزيدها توهجا، مؤكدا قيمتها كمدينة للفنون والثقافة، اختارت توجه الاحتفاء بفضيلة النقاش والحوار.
ويتضمن برنامج الجامعة الصيفية ثلاث ندوات هي: «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة»، و«الإعلام العربي في عصر الإعلام الرقمي»، و«الفيلم والرواية في سينما الجنوب».
وتطرح ندوة «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة»، التي تنظم بالتعاون مع مركز العلاقات الدولية والتنمية المستدامة (صربيا)، فرضية إن كانت الحرب الباردة الثانية أطروحة قابلة للبرهنة، وانعكاساتها على الأمن، وعلى الاستقرار العالمي، وعلى جهود الاستقرار والتنمية بدول ما يسمى العالم الثالث، وإن كانت ستعي هذه الدول حيوية استقلال قرارها السياسي أم ستتواصل الصراعات الإقليمية والحروب بالوكالة، وإن كانت هذه الحرب الجديدة، بطبيعتها الاقتصادية، ستجعل هذه الدول تتصرف بصورة مستقلة وبرغماتية، أم أنه ما زالت هناك حاجة لاستدعاء الآيديولوجيا لتبرير ما لا يستسيغه العقل ولا المصالح، وهل يمكن النظر بصورة إيجابية إلى هذه الحرب باعتبارها البديل الموضوعي عن الحرب الشاملة؟ وهل تستطيع التوازنات الحالية أن تبقيها في مستواها الناعم، من دون أن ترفع من حرارتها؟ وهل تخضع هذه الحرب لمنظومة معايير تحول دون توسعها أو تفاقمها أو أنها تبقى مجهولة المآلات؟ وهل هذه المراوحة بين الحروب الصلبة والحروب الناعمة قدرٌ لا مردَّ له، أم أن هناك إمكانيات فعلية لإرساء نظام عالمي جديد، يعيد ترتيب العلاقات الدولية، ويضع معايير أكثر أمنا وعدالة للعلاقات بين الدول، ويكرس الحق في تنمية متوازنة، ويؤهل عالمنا لمواجهة التحديات الطبيعية والاقتصادية التي تترصده؟
وستبحث برنامج الندوة ثلاثة محاور هي: إلى أي درجة تصح فرضية الحرب الباردة الثانية؟ وإلى أي درجة يمكن اعتبارها بديلا إيجابيا عن الحروب التقليدية؟ وأطراف الحرب الباردة الجديدة: خلفياتهم، أهدافهم وخطاباتهم، والحرب الباردة الثانية والنظام الدولي الجديد.
وستخصص ندوة «الإعلام العربي في عصر الإعلام الرقمي»، التي تنظم بالتعاون مع وزارة الإعلام ووزارة الدولة لشؤون الشباب الكويتية ومساهمة مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام السعودي، لمناقشة مجموعة من الأسئلة، من قبيل ماذا تفعل وسائل الإعلام في الجمهور؟ وماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟ وكيف لم تعد هناك «نخبة» بالمفهوم التقليدي، بعد أن صار الجمهور هو من يصنع المنتج الإعلامي أو الثقافي، وهو الذي يستهلكه، ويتفاعل معه، ويتصرف فيه كيفما شاء، فيما حطم الإعلام الرقمي هيبة المؤسسات المتصرفة في شؤون النشر وبث الرسائل والأفكار، ودعاها إلى «التواضع» وإعادة النظر في مواقعها في المستقبل؟ دون تناسي معطى تجاوز حدود التشريعات والقوالب الجامدة.
وستتناول محاور الندوة موقع الإعلام العربي من التحولات الجديدة في بيئة الإعلام الرقمي، ومدى تمكّن العرب من مسايرة تلك التطورات التقنية في جوانبها المختلفة، والتغير الطارئ في علاقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية العمومية والأهلية ومدى قدرة المجتمعات العربية على المواءمة بين التطورات المجتمعية والمظاهر التقنية للإعلام والاتصال، وأيهما الأبلغ تأثيرا في الجمهور اليوم: الإعلام التقليدي أم الإعلام الرقمي؟
ومن جانبها، تناقش ندوة «الفيلم والرواية في سينما الجنوب»، المنظمة بالتعاون مع اتحاد المخرجين والمؤلفين المغاربة، كيف أنه في الوقت الذي عرف توهجا ورواجا في بلدان الشمال وفي الدول الغربية على الخصوص، كان اللقاء بين الأدب والسينما، سواء على مستوى ما أسفر عنه من إبداع أو ما أثير بشأنه من نقاش، محتشما جدا في بلدان الجنوب.
وفي سياق هذا التناول، ستركز الندوة على بعض تجارب الدول المغاربية والعربية والأفريقية الفرنكوفونية، بمشاركة نخبة من الأدباء الذين اقتبست أعمالهم الروائية إلى السينما، ومخرجين اعتمدوا نصوصا أدبية في إبداعاتهم الفيلمية.
وتعبر باقي ندوات الموسم عن روح التظاهرة، بطرحها لنقاش متنوع يلامس مختلف الانشغالات، ومن ذلك إشكال «حالة الشعر والشعراء اليوم» وسؤال «العرب: أن نكون أو لا نكون».
وستكون الندوة الأولى، التي تنظم يوم 5 أغسطس، مدعوة لمناقشة الأزمة الكبرى والشاملة التي يتخبط فيها الشعر، ومعه الشعراء والنقاد والقراء، بل والأدب عموما، فيما لا ينبغي لصعود الثقافات الشعبية وشيوع الاهتمام بالسرد أن ينسي الشعراء وظيفتهم الكبرى تجاه فن القول الرفيع، مع التشديد على أن هذا التشخيص ليس المقصود منه رفع الألحان المأتمية، بل دفع الشعراء إلى الوقوف بوضوح أمام حقيقة الأزمة، والتدخل للإعلاء من صوته وأدواره الكثيرة والمتنوعة سواء داخل الأدب أو خارجه.
فيما تناقش الندوة الثانية، التي تنظم ما بين 6 و8 أغسطس، إشكالية الوجود العربي في ضوء مستجداتِ ومخاوف الحاضر والمستقبل، عبر طرح أسئلة تهم انشغالات مصيرية، من قبيل: كيف يمكننا أن نتكيف مع الوضع العالمي الجديد؟ وما الأدوات والقدرات التي يملكها العرب لإحداث هذا التكيف؟ وما الطرق المؤدية إلى تحقيق هذا التكيف؟ وكيف يمكن للدولة أن تستجيب للإصلاحات التي تطالب بها مجتمعاتها بطرق سلمية وفي أجواء الوئام الوطني، تفاديا لتكرار ما أصاب دول الربيع العربي من حروب وتمزق وانهيار لثوابت الدولة؟ وهي أسئلة سيتناولها المشاركون عبر ثلاثة محاور: كيف انهارت بعض الأنظمة العربية فجأة؟ وما الأسباب الداخلية والخارجية لهذا الانهيار؟ والدين والدولة والمسألة الطائفية في العالم العربي: الإشكاليات والبدائل، والأوضاع العربية وتحديات النظام العالمي الجديد.
وتعود خلال هذا الموسم جائزة «بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب»، في دورتها الخامسة. وهي تستهدف مكافأة شاعر أو شاعرة من الشعراء العرب الشباب (أقل من 35 سنة) الذين تشكّل أعمالهم إضافة نوعيّة داخل الحركة الشعريّة العربيّة الحديثة. فيما سيتضمن برنامج الفنون التشكيلية والكتابة مشغل صباغة الجداريات والحفر والصباغة، وفقرة المعارض، فضلا عن مرسم ومشغل كتابة وإبداع الطفل. وستعرف فقرة «خيمة الإبداع»، المبرمجة يوم 4 أغسطس، تكريم الفنان التشكيلي الراحل فريد بلكاهية، الذي عرف بوفائه لأصيلة وموسمها. وقد أريد لهذا التكريم أن يكون احتفاء بفنان متفرد وبأعمال فنية شامخة، كما أنه احتفاء بروح وعمل الفنان، يقوم به أصدقاؤه ومجايلوه، وتحتضنه المدينة التي ترك فيها أثر حضوره وإبداعه منذ الدورة الأولى لموسمها الثقافي الدولي سنة 1978.
وسيكون جمهور التظاهرة ضمن فقرة المعارض، مع معرض «محطات للذاكرة»، الذي سيحتفي بأعمال ثلاثة فنانين راحلين من مملكة البحرين، هم عبد الكريم البوسطة وناصر اليوسف وأحمد باقر، فضلا عن معرض جماعي للفنانين الزيلاشيين الشباب: بثينة الظريف ورشيد البحري وعثمان الهواري وطارق فيطح وهند المرون وربيع المسناني.
كما ستعرف الدورة برمجة عرض للأزياء، بالتعاون مع مجلة «نساء من المغرب»، فضلا عن عروض موسيقية وغنائية، ينتظر أن تزيد ليل أصيلة جمالا وبهجة، بمشاركة الفنانة المغربية سلوى الشودري وفرقة الهلال الموسيقية من تطوان، وفرقة محمد العربي التمسماني للمعهد الموسيقي بتطوان برئاسة محمد الأمين الأكرامي، بمشاركة الفنانة زينب أفيلال، ومنوعات من الطرب الأصيل مع شباب أصيلة، وإحسان الرميقي ومجموعة «زمان الوصل»، وفرقة أهل أصيلة للمديح والسماع، والحضرة الشفشاونية برئاسة رحوم البقالي، وثلاثي العود المغربي: نبيل الخالدي وناصر الهواري وكريم القاديري.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».