ناشرون مغاربة: جمالية الغلاف تثير فضول القارئ لاكتشاف الكتاب

غلاف الكتاب العربي في سوق نشر ضعيفة (2-2)

عبد القادر عُرابي   -    يوسف كرماح
عبد القادر عُرابي - يوسف كرماح
TT

ناشرون مغاربة: جمالية الغلاف تثير فضول القارئ لاكتشاف الكتاب

عبد القادر عُرابي   -    يوسف كرماح
عبد القادر عُرابي - يوسف كرماح

في الحلقة الأولى من هذا الملف، تحدث ناشرون من مصر ولبنان عن الأهمية الاستثنائية التي يحظى بها غلاف الكتاب باعتباره «العتبة» التي يخطو عبرها القارئ إلى مضمون العمل، و«الهوية البصرية» التي ترسم ملامحه، وتشكل عنصر الجذب الذي يساعد على اتخاذ قرار الشراء من عدمه، وتناولوا في الوقت نفسه التحديات الجدية التي تواجه صناعة أغلفة الكتب في سوق نشر ضعيفة مقارنة بالغرب.
هنا الحلقة الأخيرة التي يشارك فيها ناشرون من المغرب والسعودية:

يتفق الناشرون المغاربة على أهمية الغلاف في صناعة الكتاب والترويج له؛ لأنه البوابة الأولى والعتبة المهمة لدخول المتن واكتشافه، بل يذهبون إلى أن الأغلفة المميزة تكون مستفزة، وجماليتها تبث الفضول في القارئ لاكتشاف الكتاب. إن الأغلفة قد تصبح، في بعض الأحيان، كما يقولون، علامة تجارية تميز دار نشر عن أخرى.
ولا شك أن للكتاب، بوصفه نصاً، علاقة بكاتبه الذي يحرص على الصيغة التي سيجري اقتراحه بها على قارئه، ما دام الغلاف عتبة يتداخل فيها الإبداع والسلعة، وفق رأي الكاتب المغربي عبد الكريم جويطي؛ أي «بين ما لا يمكن تقويمه مادياً وما له ثمن في السوق»، مما يعني أن للغلاف «عيناً على النص وعلى السوق». ويتحدث جويطي، في هذا السياق، عن «أشكال لا حصر لها من الأغلفة، تبدأ من الخجول والمتكتم، لتصل إلى المتبرج والصارخ»، قبل أن يشدد على أن «الغلاف شيء مهم جداً»، و«أول تحية يوجهها الكتاب للقارئ»، ولذلك «على هذه التحية أن تكون حارّة ومضيافة».
ونظراً لأهمية أغلفة الكتب، في علاقتها بالإبداع والتسويق، فقد تحوَّل تصميمها إلى تخصص مهم ضمن تخصصات مهن صناعة الكتاب. بشأن الأهمية التي يعطيها الناشرون المغاربة لأغلفة كتبهم لجذب اهتمام القارئ، وكيف ينعكس ذلك على قيمة الإصدار، وإن كان يجري تكليف فنانين معينين للقيام بالمهمة، أم يتم الاكتفاء بلوحات أو رسومات جاهزة، وأحياناً أجنبية عند وضع الغلاف، استقينا رأييْ ناشريْن مغربيين في الموضوع.
- كرماح: الأغلفة علامة تجارية
يرى يوسف كرماح، صاحب دار النشر «أكورا»، بطنجة، أن الغلاف من العتبات المهمة للكتاب، وأنه المحفز الأساس لاكتشاف المتون.
يشير كرماح إلى أن جُلّ دُور النشر تسعى جادة لابتكار أسلوب جديد يميّز أغلفتها، إلى حد أن هذه الأغلفة تصبح، في بعض الأحيان، علامة تجارية تميز دار نشر عن أخرى، من حيث الشكل والتصميم والتنسيق، الشيء الذي يجعل المتلقي يستطيع تمييز أغلفة الدار من رمزها. وكما هو ملاحَظ ولهذه الأسباب، يسعى جُلّ دُور النشر إلى توحيد شكل أغلفتها، لحفظ خصوصية الدار ورمزيتها.
ينطلق كرماح من تجربة «دار أكورا للنشر والتوزيع»، فيقول: «نركز كثيراً على الغلاف؛ لأنه يبقى، شئنا أم أبينا، البوابة الأولى والعتبة المهمة لدخول المتن واكتشافه. الأغلفة المميزة تكون مستفزة، وجماليتها تبث الفضول في القارئ لاكتشاف الكتاب، حتى وإن كان صاحب الكتاب كاتباً لامعاً. هناك كتب تسهم أسماؤها اللامعة في تسويقها، ولكن عندما تكون أغلفتها منفّرة أو ليست بجودة عالية، لا تترك أي خيار للقارئ العادي أو القارئ الذي لم يتعرف بعدُ على هذه الأسماء».

وعن تكليف فنانين لإنجاز أغلفة الكتب، يقول كرماح إنه ليس بالضرورة أن يكون المصمم فناناً، بل يكفي أن يمتلك من ينجز الغلاف الحس الفني، وأن يكون على دراية بالمجال الثقافي لكي يصمم أغلفة تتلاءم مع مضمون الكتاب. ويقول كرماح إن «دار أكورا» تعتمد، في الغالب، على مصمم واحد موظف لدى الدار أو مستقل بذاته، ينجز أغلفة مقابل مقدار مادي حتى يجري الحفاظ على خصوصية الدار الفنية والجمالية والرمزية.
وعن اختيار الغلاف يرى كرماح أن هذا الاختيار يختلف من دار لأخرى، وفق تدابير وخصوصيات كل دار.
وعن تجربة «دار أكورا»، يقول: «نرحب باقتراحات الكُتاب أولاً، إذا كان الكاتب يفضل لوحة معينة لكتابه، فهذا جيد. وإن لم تكن لديه أي فكرة، نترك للمصمم حرية الإبداع ليبتكر لنا أربعة أو خمسة أغلفة متنوعة، ليختار منها الكاتب الغلاف الذي يناسبه، لنناقش تفاصيله، قبل أن نستقر في النهاية على غلاف بإمكانه فرض حضوره في سوق الكتاب».
- عُرابي: الغلاف واجهة
أما عبد القادر عرابي، مدير مؤسسة «آفاق للدراسات والنشر» بمراكش، فيرى أن النشر من الصناعات المكونة من تخصصات مختلفة، بدءاً بالمؤلف أو المترجم، مروراً بالراقن والمصحح أو المراجع، والمصفف الفني، ومصمم الغلاف، وراسم لوحته، أو الخطّاط كاتب عنوان الكتاب إذا كان الأمر يتطلب خطاً يدوياً، ثم المطبعي، ثم الناشر والموزع، والمسوِّق التجاري، والمروِّج الثقافي، والكتبي، وصولاً إلى القارئ، إلى غيرها من الصنائع المختلفة، وهي أشغال وصنائع تتطلب التخصص والمعرفة والدراية.
ويتساءل عُرابي: «هل لدى منشأة النشر المغربية الإمكانيات والكفاءات لجمع هذه الصنائع داخل مقاولاتها لتتمكن من إنتاج كتب تحترم الصناعة؟ وهل هذه المهن قائمة بذاتها منظمة ومستقلة وتختص بعملها؟»، ويجيب بـ«لا».
وفي المجمل، يضيف عُرابي أنه يجري تكليف شخص قد يكون هو مدير المنشأة أو موظفاً بها، بأعمال المصحح والمراجع والمصفف ومصمم الغلاف والموزع ومتابع العمل مع المطبعة وغيرهم. وهذا طبعاً لا يحقق تميزاً للدار الناشرة في سوقها الوطنية، فبالأحرى في الأسواق التنافسية، حيث تقدم الكتب في حُلَل جميلة تعكس مهارة صُناعها.
ويتفق عرابي مع الرأي القائل إن الغلاف واجهة صناعة الكتاب كلها، ورغم ذلك فإن صناعته تعتمد على تقنيين وليس على فنانين أو متخصصين خريجي معاهد فنون، مشيراً إلى أن السبب يعود إلى ندرة هؤلاء وارتفاع متطلباتهم، في حين أن موارد دُور النشر محدودة، وعائدات مبيعاتها ضعيفة، لذلك تنتج كتباً وأغلفة بما هو متوفر.
بدوره يشدد كرماح على أن موضوع الأغلفة يثير أمراً آخر مهمّاً يتعلق بمسألة حقوق الملكية الفكرية؛ ذلك أن ما ينتجه التقنيون أو الفنيون أو الخطاطون أو أصحاب اللوحات المستعملة لا يتقاضون أجوراً أو عائداتٍ محترمة عنه، كما تنتشر القرصنة والقطع واللصق.
«كيف يمكن أن تتطور لدينا صناعة نشر تنتج أعمالاً يتوفر فيها الحد الأدنى من شروط المهنية؟»، يتساءل عرابي، الذي يخلص إلى أن صناعة النشر في العالم العربي ضحية شروط مجتمعية لا تنتج قُراء، كما أنها ضحية سياسات لا ثقافية، وإن كانت لدينا وزارات ومؤسسات مهامُّها إدارة وتدبير الثقافة، ومن الطبيعي أن يكون لهذه الصناعة ضحاياها أيضاً؛ وهم الفنيون والتقنيون الذين تُهدَر حقوقهم.
- سليكي: وجه يحمل ملامح القبول
يعود طارق سليكي، مسؤول دار النشر «سليكي أخوين»، بطنجة، إلى طفولته، فيقول: «منذ الصغر كانت تُردَّد على آذاننا: (لا تحكم على الكتاب أبدًا من غلافه)، لكن في الواقع، تُقدِّم الأغلفة أدلة قيِّمة للقراء المحتملين حول ما قد يجدونه بين دفتي الغلاف».
يرى سليكي أنه غالباً ما يحدث «اقتناء الكتاب من رفوف المكتبات بفضل الأغلفة، فهي تمارس الغواية على القارئ (أو النقر عليها عند التصفح عبر الإنترنت)، وهذه هي الخطوة الأولى التي يتخذها القارئ قبل شراء أي كتاب».
بالنسبة لتجربتهم في دار النشر، يقول سليكي: «قبل البدء في تصميم أي غلاف، نقوم بدراسة الغلاف لتصميمه اعتباراً من مجموعة من المقاييس التي يمكن تحديدها»، والتي تتمثل في «جمع العناصر المهمة والملهمة لتصميم غلاف الكتاب، وتحديد الخطوط العريضة للموضوعات الرئيسية للكتاب» و«النظر في النوع الأدبي للكتاب» و«احترام التسلسل الهرمي لعناصر الغلاف» و«التخلص من الفوضى» و«التفكير في الغلاف عندما يتم تصغيره في الكتالوغات أو الدعايات» و«اختيار الخطوط والألوان المناسبة» و«جعل العنوان بارزاً» و«الاهتمام كذلك بكعب الكتاب والغلاف الرابع».
يعتقد سليكي أن «الغلاف لا يقل أهمية عن الكتاب نفسه»؛ فهو «الوجه الذي يحمل ملامح القبول»، قبل أن يستدرك بضرورة الاهتمام بشكل كبير بالكتاب من الداخل، إخراجاً وخطّاً ومسافة وهوامش، ما دام الأمر أنه إذا كان الغلاف ذا أهمية، فالعلاقة تكون أقوى وأطول مع صفحات الكتاب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
TT

كيف يؤثر «الإغلاق المبكر» على صناعة السينما في مصر؟

لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)
لقطة لأبطال فيلم «برشامة» الذي تصدر إيرادات الأفلام قبل قرارات الإغلاق وخلالها (الشركة المنتجة)

أثار تطبيق مواعيد «الإغلاق المبكر» على التصوير الليلي موجة انتقادات من صُنّاع الأفلام، في حين رحّب سينمائيون بقرار رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، مدّ مواعيد إغلاق المحال التجارية ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة. وفق قرار سابق بدأ تطبيقه في 28 مارس (آذار) الماضي.

وكان قرار «الإغلاق المبكر» قد تسبب في تعطّل تصوير كثير من الأعمال، في وقت تتسابق فيه شركات الإنتاج لحجز أماكن عرض ضمن موسمي عيد الأضحى والصيف، إضافة إلى مسلسلات «الأوف سيزون» للدراما التلفزيونية.

وأصدرت الحكومة المصرية، الخميس، قراراً جديداً بمدّ مواعيد عمل المحال التجارية والمطاعم ودور السينما حتى الساعة 11 مساءً، وذلك حتى يوم 27 أبريل (نيسان) الحالي، تزامناً مع الاحتفال بعيد القيامة المجيد، وفي إطار التيسير على المواطنين خلال فترة الأعياد. وأوضح رئيس الوزراء أن القرار يتماشى مع التطورات الأخيرة في «حرب إيران» والمفاوضات التي أسهمت في انخفاض نسبي في أسعار الوقود عالمياً.

ورأى سينمائيون أن قرار مدّ مواعيد فتح دور السينما حتى 11 مساءً يتيح إقامة عرض الساعة 9 مساءً، الذي يشهد إقبالاً جماهيرياً لافتاً، مؤكدين أن المنتجين تكبدوا خسائر بسبب قرارات الإغلاق خلال الأسبوعين الماضيين. وسارعت دور العرض إلى الإعلان عن تعديل مواعيد عروضها وإضافة عرض التاسعة مساءً.

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وأثار تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير الليلي جدلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كتب المخرج أمير رمسيس عبر حسابه على «فيسبوك»، مندداً بمنع التصوير السينمائي بعد الساعة 9 مساءً، ومطالباً المؤلفين بعدم كتابة مشاهد ليلية. ولفت إلى أنه حتى مع تدخل الدولة لتنظيم عدد ساعات العمل، فإن استهلاك الكهرباء يظل واحداً، لاعتماده على مولدات كهربائية خاصة بالتصوير، متسائلاً: «بأي منطق يُلغى التصوير الليلي من الدراما والسينما؟».

وقال رمسيس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن «قرار تأجيل موعد الإغلاق حتى 11 مساءً، ومنح ساعتين إضافيتين، لا يمثل حلاً فعلياً لمشكلة التصوير، لأن المشاهد الليلية تمتد لساعات حتى الفجر. فهل يُعقل أن أُصوّر مشهداً واحداً يومياً داخل الاستوديو؟ هذا يضاعف التكاليف والخسائر».

وطالب رمسيس باستثناء تصوير المسلسلات والأفلام من مواعيد الإغلاق، مؤكداً أن منع التصوير ليلاً ستكون له تداعيات سلبية على صناعة السينما، وقد يؤدي إلى توقف مشروعات عدة، وعدم خروج بعض الأفلام إلى النور خلال هذه الفترة.

وكان مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، قد أصدر بيانين، الخميس؛ أعلن في الأول أن منع التصوير بعد التاسعة مساءً، وغلق دور العرض، لهما آثار كارثية على اقتصاديات السينما والفن في مصر، مناشداً رئيس الوزراء استثناء القطاعات الإنتاجية، وعلى رأسها الدراما والاستوديوهات ودور العرض. وفي البيان الثاني، وجّه رسالة شكر لرئيس مجلس الوزراء على قرارات مدّ العمل والتصوير وعروض الأفلام حتى 11 مساءً.

ويرى المخرج سعد هنداوي أن «تحديد موعد لإنهاء التصوير يمثل صعوبة كبيرة للسينما عموماً، نظراً لوجود برنامج عمل يومي يجب تنفيذه»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هناك ظروف عالمية مرتبطة بالحرب وتأثيراتها، لكن يجب التعامل معها بتوازن»، مطالباً بفتح نقاش مع رئاسة الوزراء لاستثناء التصوير السينمائي والأعمال التلفزيونية، إضافة إلى دور العرض والمسارح، من مواعيد الإغلاق، نظراً لارتباطها بصناعة كبيرة ومصدر دخل لآلاف العاملين.

تسبب الإغلاق المبكر في خفوت الحركة وإظلام شوارع القاهرة (رويترز)

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية ماجدة خير الله أن «صناعة السينما تضررت كثيراً خلال الأسبوعين الماضيين مع تطبيق قرار الإغلاق المبكر في دور العرض»، مشيرة إلى أن «إتاحة عرض التاسعة مساءً خطوة إيجابية، لكنها تحتاج إلى استكمال بعودة كافة العروض». وشددت على أن تطبيق مواعيد الإغلاق على التصوير السينمائي «أمر معطّل ومؤذٍ، يسبب خسائر يصعب تعويضها في صناعة تعاني بالفعل»، كما يؤثر على حجم الضرائب التي تتحصل عليها الدولة من صناعة الأفلام، ويخلّف آثاراً سلبية تفوق وفورات الطاقة المتوقعة.

ورحّب هشام عبد الخالق، رئيس غرفة صناعة السينما، بقرار مدّ العروض السينمائية حتى 11 مساءً، عاداً إياه انفراجة نسبية مع عودة عرض التاسعة مساءً، الذي يُعوَّل عليه كثيراً في إيرادات الأفلام. وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأفلام التي كانت تحقق نحو 8 ملايين جنيه يومياً قبل الإغلاق (الدولار يعادل نحو 53 جنيهاً مصرياً)، مثل فيلم (برشامة)، تراجعت إيراداتها إلى نحو مليونين يومياً، لكن مع عودة عرض التاسعة يمكن أن تصل إلى 5 ملايين يومياً، ما يزيد من حصيلة الضرائب». وأكد أن «الحكومة تبدي تفهماً عند توضيح أبعاد الأزمة وتقديم مطالب منطقية في ظل الظروف العالمية الراهنة».

دور العرض السينمائي ألغت حفلات بسبب قرارات الإغلاق المبكر (رويترز)

وكانت غرفة صناعة السينما قد وضعت تصوراً لحل مشكلة العروض السينمائية، يقوم على إلغاء الحفلات الصباحية ضعيفة الإقبال، التي تتحمل دور العرض تكلفتها دون عائد كافٍ، واقترحت أن يبدأ التشغيل من الساعة 4 عصراً حتى 12 ليلاً. وقال عبد الخالق: «أرسلنا خطاباً بذلك إلى رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة مدعماً بالأرقام، وقد وعد الدكتور مصطفى مدبولي بدرس المقترح، وهو أمر مُرضٍ بالنسبة لنا. كما نعتزم لقاء وزيرة الثقافة لعرض رؤيتنا ومطالبنا، أملاً في استثناء التصوير الليلي من مواعيد الإغلاق، حتى لا تتعطل الأعمال وتتراجع الصناعة».


حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
TT

حمادة هلال يجدد الجدل حول حذف أغنيات المطربين بعد رحيلهم

الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)
الفنان المصري حمادة هلال (فيسبوك)

جدّدت تصريحات المطرب المصري حمادة هلال الجدل حول توجّه بعض مؤدي المهرجانات والمطربين الشعبيين إلى التوصية بحذف أغنياتهم من المنصات الغنائية بعد رحيلهم، انطلاقاً من اعتقادهم بأن «الغناء حرام»، وأن حذفها يُعد نوعاً من التوبة وتصحيح المسار.

وقال هلال، في حديث لبرنامج «ميرور» على «يوتيوب»، إنه فكّر في الاعتزال سابقاً بعد مروره بضغوط نفسية وظروف صعبة، إثر تكبّده خسائر مادية في مشروعات خارج الوسط الفني، ما دفعه إلى إعادة التفكير في استمراره، غير أنه انتهى إلى أن العمل في هذا المجال هو الأنسب له والأقرب إلى طبيعته.

وفي الوقت نفسه، تطرَّق هلال إلى ظاهرة توصية بعض المطربين بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، مؤكداً أنه لن يفكر في حذف أعماله، مشيراً إلى أن هذه الأغنيات أصبحت ملكاً للجمهور ومرتبطة بذكرياته، ولا يرغب في حذف أي منها، فضلاً عن أنه لا يملك حقوقها بالكامل ليصدر قراراً بمنعها من الأساس.

وكان عدد من المطربين قد أعلنوا توصيتهم بحذف أغنياتهم بعد وفاتهم، استناداً إلى وصف بعضهم «الغناء بالحرام». وتصاعد الجدل حول هذه القضية عقب وفاة المطرب الشعبي ومؤدي المهرجانات أحمد عامر عام 2025، وإعلان حمو بيكا وآخرين حذف أغنياته، مع مناشدة شركات الإنتاج بذلك. وردّ بعض الجمهور على تصريحات بيكا آنذاك متسائلين: إذا كان يرى أن «الغناء حرام»، فلماذا لا يعتزل؟

الفنان حمادة هلال (فيسبوك)

ويرى الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «المطربين الذين يُحرِّمون الغناء بعد أن حققوا منه ثروات هائلة يفتقرون إلى الوعي والثقافة، ولا يدركون أهمية الفن»، مضيفاً في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الجدل المتكرر يعكس حالة من التذبذب وغياب الإيمان برسالة الفن، مقابل السعي إلى تحقيق المكاسب المادية».

وأشار السماحي إلى أن هذه الظاهرة أكثر انتشاراً بين مطربي «الراب» ومؤدي المهرجانات، ورأى أن هذا التفكير يعيدنا إلى عصور التراجع الحضاري، والثقافي، والفكري، داعياً من يرون الفن حراماً إلى التبرع بما كسبوه منه لأعمال الخير.

كما لفت إلى أن الفتاوى الدينية لم تُحرِّم الفن بشكل مطلق، مشيراً إلى كتاب صدر عام 1980 عن مفتي مصر آنذاك، تضمّن فتاوى تؤكد أن الموسيقى التي تُهذِّب النفس وترتقى بالوجدان ليست محرّمة، في حين يرى بعض العلماء أن المحرَّم هو الفن الذي يلهي عن العبادة. وأوضح أن «من لا يفهم رسالة الفن ودوره في تهذيب النفس وإمتاعها ويسعى إلى الربح فقط، عليه أن يبتعد عنه».

وكان المطرب المصري تامر حسني من بين من أثاروا هذا الجدل، ليس من خلال توصية بحذف أغنياته، وإنما عبر تصريحات سابقة أعرب فيها عن أمله في ألا يموت وهو مطرب. وقد لاقت هذه التصريحات تعاطفاً من بعض الجمهور، في حين رأى آخرون أنها تعكس «ازدواجية»، معتبرين أن من يرى الفن حراماً لا ينبغي أن يمارسه.

من جانبه، أيَّد الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد موقف حمادة هلال الرافض لحذف أغنياته، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الفني، بمجرد طرحه، يصبح ملكاً للجمهور، وهو أمر طبيعي.

وأضاف: «إن مسألة حذف الأغنيات بعد الوفاة ظهرت بشكل خاص بين المطربين الشعبيين ومؤدي المهرجانات، وفي رأيي أن الأولى بمن يرى هذا الفن مسيئاً له أن يمتنع عن تقديمه من الأساس».

وقد قدّم حمادة هلال كثيراً من الألبومات والأغنيات التي تتميَّز بخفة الظل والطابع الشبابي القريب من الشعبي، من بينها «دموع»، و«دار الزمان»، و«بخاف»، و«بحبك آخر حاجة»، و«ما تقولهاش»، كما شارك في أعمال سينمائية ودرامية، منها فيلم «عيال حبِّيبة» ومسلسل «المداح».


«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
TT

«الهارب من بني حسن»... معرض يحتفي بالحضارة المصرية القديمة

من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)
من لوحات الفنان حسن غانم (الشرق الأوسط)

«لديَّ اعتقادٌ شخصي بأنني عشتُ في عصر الملك أخناتون طالبَ فن، وكنتُ أعمل على رسم الجداريات في مقابر بني حسن، وحين انقلب كهنة آمون على أخناتون هربتُ من تل العمارنة وتوجَّهتُ إلى مقابر بني حسن، وأديتُ صلاة الخوف، لأجد نفسي في نقلة زمنية سحرية أتحول فيها إلى طالبٍ في كلية الفنون الجميلة بالمنيا (جنوب مصر) عام 1983».

بهذه الكلمات بدأ الفنان التشكيلي المصري حسن غانم حديثه عن معرضه الحديث «الهارب من بني حسن»، الذي يستضيفه غاليري «ضي» في الزمالك وسط القاهرة حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي، ويضم أكثر من 50 لوحة من التصوير والحفر، تشير إلى مراحل متنوعة من مسيرة الفنان.

الفنان حسن غانم مع إحدى لوحاته (بوستر المعرض)

يُعدّ غانم واحداً من الفنانين المصريين البارزين في فن الحفر (الغرافيك)، وقد تخصَّص في هذا الفن منذ عام 1988 بوصفه فناناً محترفاً، ويُصنَّف ضمن أبرز فناني الحفر في مصر، إلى جانب فتحي أحمد، وحسين الجبالي، وعبد الوهاب عبد المحسن، وهو ما يتجلّى في أعماله التي تنتمي إلى مراحل زمنية متعددة.

يتحدث غانم عن رحلته عبر الزمن من الحياة في عصر أخناتون، وتجربة الرسم في مقابر بني حسن، التي تُعدّ من أهم الآثار المصرية القديمة في محافظة المنيا، إلى العصر الحالي الذي يزخر بآليات ووسائل حديثة للفن والإبداع؛ لكنه يصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالماضي، ليقدم عبر هذا الوصل أعمالاً فنية تستدعي روح الفن المصري القديم وتتماس مع الواقع المعاش.

لوحات المعرض ربطت بين الماضي والحاضر (الشرق الأوسط)

ويقول غانم لـ«الشرق الأوسط»: «تأثرتُ كثيراً بحياة المصريين القدماء، ورموزهم، واحتفالاتهم الشعبية، وقد ظهر هذا التأثر في أعمال المعرض وفي لوحات قدمتها خلال مسيرتي الفنية. فجميع الموتيفات الموجودة في لوحات المعرض لها امتداد لدى المصريين القدماء، لكن انعكاساتها على سطح اللوحة تقدم معنى جديداً».

ويتابع: «لقد توارثنا كثيراً من الألعاب والعادات والتقاليد من المصري القديم، وقد اندمجت في بنية الفكر والوجدان المصري الحديث، ولذلك يمكن أن نجد تيمات شعبية في أعيادنا ومناسباتنا المختلفة حالياً، كانت موجودة في السابق بشكل أو بآخر، وبالدلالات نفسها لدى المصري القديم».

المعرض تضمن بانوراما لمشوار الفنان (الشرق الأوسط)

التجربة «الغرافيكية» في هذا المعرض لا تسعى إلى تمثيل العالم، وإنما إلى تفكيك حضوره؛ فالخطوط المحفورة، والخدوش المتقاطعة، وتوتر الأبيض والأسود، كلها تُشكّل بنية بصرية أقرب إلى خريطة الوعي. يأتي ذلك في سياق ثقافي وتاريخي يُحدد لغته البصرية من خلال العودة إلى رمزية المقابر القديمة، والأشكال، والقصص، والأساطير، حسب كلمة للناقد والفنان التشكيلي الدكتور حكيم جماعين.

الحضور الطاغي للمرأة في اللوحات يشير أيضاً إلى أفكار مرتبطة برمزيتها في الحضارة المصرية القديمة ودورها المحوري فيها. فوفق الفنان: «المصري القديم أبدى احترامه وتقديره للمرأة التي تبني وتمثّل سنداً للأسرة، والمجتمعات الحديثة تؤكد أن المجتمع لا يمكن أن يتقدم من دون المرأة ودورها المحوري، خصوصاً حين تكون على درجة عالية من الوعي بقيمتها وتأثيرها في المجتمع، وهو ما انعكس في بعض اللوحات».

لوحات المعرض تنوعت بين التصوير والغرافيك (الشرق الأوسط)

وما بين فن التصوير، الذي استخدمه الفنان عبر تكوينات لونية ومواقف وأشكال تحمل فلسفة وفكراً معيناً، وفن «الغرافيك» الذي يحمل دلالات عالية في التكثيف والاختزال، يميّز الفنان بين الموضوعات التي تشغل لوحاته في كل منهما، مؤكداً الدور البارز للألوان في لوحات التصوير، على عكس الحفر (الغرافيك) الذي يميل إلى التكثيف والاختزال.

وبتقنياته الخاصة في الحفر على الخشب، ينتج الفنان لغة بصرية قائمة على التباين الحاد بين الأبيض والأسود، إلى جانب الإيقاع الخطي المتوتر، والكثافة التعبيرية الناتجة عن «التهشير» والتقاطع، وهي خصائص تجعل العمل الفني أقرب إلى حالة نفسية مكثفة منه إلى مشهد وصفي مباشر، وفق وصف الدكتور محمد عبد المنعم، أستاذ التصوير في كلية الفنون الجميلة بالمنيا.

الثيمات المصرية القديمة في أعمال الفنان (الشرق الأوسط)

تمثل بعض اللوحات بانوراما أو إطلالة واسعة على مسيرة الفنان؛ من بينها لوحة شارك بها في ترينالي بولندا الدولي للغرافيك عام 1991، وحصل فيها على جائزة البينالي. كما تضم المعروضات أعمالاً تعود إلى الثمانينات، تمثل أساطير وقصصاً شعبية وتاريخية، مثل سيرة عنترة بن شداد.

وتحضر الحيوانات والحشرات والطيور بكثافة في أعمال الفنان، وهو ما يفسّره بأنها شريك أساسي للإنسان في الحياة، فضلاً عن دلالاتها الرمزية في التصورات الشعبية وفي الحضارة المصرية القديمة.

Your Premium trial has ended