محمد أبي سمرا: توهّم اللبنانيون أنّ العالم لن يدعهم يسقطون... لكنه فعل

يرى أنّ «النفق طويل في عالم شديد الارتجاج»

محمد أبي سمرا
محمد أبي سمرا
TT

محمد أبي سمرا: توهّم اللبنانيون أنّ العالم لن يدعهم يسقطون... لكنه فعل

محمد أبي سمرا
محمد أبي سمرا

يرى الروائي محمد أبي سمرا أن الحياة الثقافية في لبنان شبه متوارية، وأن «هالة بيروت بدأت تخفت، لكن اللبنانيين بحاجة للوهم، الذي أصبح ضرورة للاستمرار، أو هم ابتلعوا الصدمة». أهي نظرة تشاؤمية، أم أن هناك أسباباً واقعية تدفع الروائي محمد أبو سمرا للتفكير بهذا الشكل؟ هنا حوار معه:
> نلتقي في بيروت الرازحة تحت تحولات مصيرية تطال إنسانها وهويتها. إلى أين تمضي بيروت؟ كيف عبرت من الحداثة إلى حالة الانطفاء؟
- كأنّ الناس في بيروت بدأوا يجيدون التأقلم مع الأزمة ونوع الحياة المستجد. لطالما ارتبط المشهد الثقافي البيروتي بالصحف الأساسية، وهذه سبقت المدينة إلى الانطفاء. بعضها أقفل، وهوى بعض آخر كمقدّمة لتآكل الأثر الثقافي. لكن اللبنانيين بدأوا «يبتلعون» الصدمة. ارتفعت أصواتهم طوال سنة ونصف السنة ولم يتوقفوا عن إدانة الانهيار. كل حديث في الصحافة بدأ منه وانتهى به. اليوم، يحل ما يشبه «اللااكتراث». لعلهم ظنوا أنّ الأزمة كالحرب، تنتهي بعد جولتين أو ثلاث. امتدّت الصدمة، وها هو انفلاشها يتقلّص. تبدأ بالتكرّس كحياة دائمة وحقبة طويلة، وهذا ما يفسّر التأقلم.
في مسألة الحياة الثقافية، أستعيد ما فعله اللبنانيون بفوز فرقة «مياس» بلقب «أميركاس غوت تالنت». كادوا يصابون بالجنون. لم يعودوا يتقبلون الفشل، فيبحثون عن ذريعة للنجاح. المسألة مجرد برنامج تلفزيوني. أحمد بيضون كتب منشوراً يشكك في فنية الرقص، فانهالت التعليقات الغاضبة أشبه بهستيريا.
المجالات الأخرى للحياة الثقافية تقريباً متوارية. تقلّص حجم معرض الكتاب ولم يكن جمهوره نفسه ممن يشتري الكتاب ويقرأه. كأنه أتى بدفع من أحد، مشكلاً نوعاً من عراضة. أفكر بهالة بيروت وأقول إنه من الجيد أنها بدأت تخفت. أعلم أنّ البشر لا يستمرون من دون وهم، وقد بدأ يسيطر شعور بأنّ اللبنانيين عاجزون عن صناعة الاستعراض والتميّز الفارغ. هذا مفيد ومؤلم. كل مَن يتعاطون الشأن الثقافي من صحافيين وكتّاب وروائيين... يتبيّن أنهم ينكفئون على أنفسهم. قلّما يلتقون بغياب المكان أو الحدث الجامع.
عمّقت السنوات الأخيرة القطيعة بين جيلنا المهتم بالثقافة، وأجيال جديدة يبدو أنّ هذه الحياة ما عادت تهمها. كانت للفنون المعاصرة مراكز منها «بيروت آرت سنتر» و«أشكال ألوان»، أسدلت ستائرها. أما النشاطات الثقافية الآتية من الخارج فمعدومة تقريباً.
> لكن ثمة حركة تشكيلية ومسرحية وإصدارات روائية. المبادرات الفردية تحاول خرق الجمود الثقافي...
- مَن بدأ بكتابة رواية فسيكمل كتابتها. وغاليريهات الفن التشكيلي تفتح أبوابها منذ سنة تقريباً. النشاطات موجودة كالمعارض، منها «بيت بيروت» الاستعادي للمدينة في الستينات، إلى معرض استعادي لصحافة بيروت في القرن العشرين من تنظيم «أمم». هذه معارض مهمة، تستعيد الماضي بنظرة نقدية. لكن الحنين لصورة بيروت الزمن الجميل بدأ يفقد ألقه.
> تحدثت في مقالات وكتب، بينها «وداع لبنان» (2019 - دار رياض الريس)، عن الهويات المبعثرة وخوض الجماعات نزاعات تمتد من أزمنة الحرب إلى السلم الهش. هل التقاتل قدر لبناني؟
- لا مجال للتنبؤ إن كان للتقاتل اللبناني زمن أو نهاية. فكرة كتاب «وداع لبنان» أنها ليست مباشرة، بمعنى أن أكون شاهداً على نهايته. كتبته قبل الانهيار الكبير. هو سير أشخاص في عقديهم السابع والثامن، ينتمون إلى مناطق وأحزاب وخلفيات ثقافية متباينة، يُظهر أنّ الحياة اللبنانية لم تكن يوماً خارج حالة النزاع. تحت مسمّى السلم الأهلي، يكمن الاحتقان. لماذا «وداع لبنان» آنذاك؟ لأن التنافر بين اللبنانيين قائم، وهذا لم أجد تعبيراً واضحاً عنه سوى فكرة الوداع.
> سمّيت طرابلس «المدينة القتيلة»، ولك كتابات عن بيروت ودمشق وطهران اليوم... أين تلتقي هذه المدن؟
- تختلف هذه المدن، وإن يُلمح مصير مشترك لمجرد إلقاء نظرة عليها من بعيد. تلتقي باضطرابها وقلقها وشقاء حياتها السياسية، إلى نزاعاتها الدائمة وانهياراتها الاقتصادية. تُضخّم الأزمة العالمية جراء الحرب الأوكرانية المآسي، لتؤكد عدم امتلاك هذه البلدان خططاً لمواجهة الوضع المضطرب.
داخل كل منها، جماعة متسلّطة على الدولة والمجتمع. تأسست هذه الوضعية منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية التي تبيّن أنها نبوءة للمنطقة. شكّل «الربيع العربي» محاولة جامعة للناس على شيء، لكنه جاء آنياً وظهرت تشققات المجتمعات. وسط هذه الأجواء، حيث بيروت، لا أدري إن كان التفكير ممكناً في ماهية الحياة الثقافية. كل شيء معلّق... وإقامة معارض ونشر كتب، يشبهان الدفاع عن النفس حتى الرمق الأخير.
> ألا يمتلك المثقف رؤية مستقبلية لمدينته؟
- التجربة اللبنانية الحالية طويلة. لم يكن لبنان يوماً منفصلاً عن محيطه المصاب بالخراب. توهّم اللبنانيون أنّ العالم لن يدعهم يسقطون، لكنه فعل. ولا صيغة داخلية لحل الأزمات، لذا التنبؤ بالغد المضيء صعب، وما يجري مفتوح على التشاؤم.
بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، اشتعلت انتفاضة في 2005. تطلّب الأمر نحو 15 عاماً حتى اندلع احتجاج الشباب في 2019. لا تحدث الثورات كل يوم وإن تدهورت الليرة مقابل الدولار. الانتفاضات تصنعها أجيال، فيبدو النفق طويلاً في عالم شديد الارتجاج.
> مسارك الأدبي يتخذ شكل السيرة التي تراها «فعل حرية في الأدب». هل تتقاطع السيرة عندك مع الرواية؟
- موضوع السير الشفوية أو الكتابية، يجعل الشخص ينفصل بعض الشيء عن حياته فيراها من الخارج. الرواية هي أن ترسم مصيراً للشخصية الروائية منفصلاً عن الكاتب نفسه. لكي يمتلك شخصٌ فكرة عن حياته، عليه التحلّي بطبيعة روائية. نفهم حياتنا عندما تكتسب شكلاً ونستطيع رؤيتها كتجربة معيشة. ثم إنني أكتب السيرة والرواية أيضاً. أحياناً تتقاطعان. والكتابة الروائية أو السيرية تصبّان في نهاية واحدة: صناعة الشخص وإعادة تركيبه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
TT

السعودية تحصد 3 جوائز دولية في «أولمبياد مندليف للكيمياء 2026»

الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)
الطلاب علي باوزير ومجتبى التاروتي وعبد العزيز الجعيد يحتفلون بتحقيق الميداليات في الأولمبياد (موهبة)

حقق المنتخب السعودي للكيمياء 3 ميداليات برونزية دولية في أولمبياد مندليف الدولي للكيمياء 2026، الذي استضافته العاصمة الروسية موسكو خلال الفترة من 15 إلى 23 أبريل (نيسان) الحالي، بمشاركة 161 طالباً وطالبة يمثلون 40 دولة.

ونال الميداليات البرونزية الثلاث الطلاب علي باوزير من إدارة تعليم منطقة الرياض، ومجتبى التاروتي من «تعليم المنطقة الشرقية»، وعبد العزيز الجعيد من «تعليم المدينة المنورة».

ورفع هذا الإنجاز رصيد السعودية، ممثلة بـ«مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع - موهبة» في هذا الأولمبياد إلى 29 جائزة دولية، منها 3 ميداليات فضية و26 ميدالية برونزية، تحققت عبر 14 نسخة منذ بدء مشاركتها فيه عام 2013.

ويُعد «أولمبياد مندليف الدولي» من أعرق وأقوى المسابقات العلمية عالمياً في مجال الكيمياء؛ نظراً لمستوى أسئلته المتقدم وآلية التنافس الدقيقة، إذ انطلقت أول نسخة عام 1967 في مدينة دنيبروبتروفسك بوصفه منافسة سوفياتية، ويُقام باللغة الروسية، وسُمّي باسم ديميتري مندليف صاحب الجدول الدوري للعناصر.

وتأتي هذه المشاركة ضمن برنامج موهبة للأولمبياد الدولي، الذي تنفذه المؤسسة بالشراكة الاستراتيجية مع وزارة التعليم؛ حيث يمر الطلبة برحلة تأهيل متكاملة تشمل منافسات وطنية وبرامج تدريبية نوعية يشرف عليها خبراء محليون ودوليون.

ويخضع الطلبة المشاركون لبرامج تدريبية مكثفة على مدار العام، تتضمن مراحل متعددة من التأهيل العلمي النظري والعملي، ومعسكرات تدريبية داخلية وخارجية؛ تهدف إلى تنمية مهاراتهم في حل المسائل الكيميائية المتقدمة، وتعزيز جاهزيتهم للمنافسة دولياً، بما يسهم في تمثيل السعودية بصورة مشرّفة في المحافل العلمية العالمية.

وتُعد «موهبة» مؤسسة رائدة عالمياً في مجال اكتشاف ورعاية وتمكين الموهوبين، إذ تعمل على تبني استراتيجية وطنية لاكتشاف الموهبة وتنميتها في المجالات العلمية ذات الأولوية الوطنية، بما يسهم في بناء مجتمع معرفي وتعزيز ثقافة الابتكار.


رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
TT

رينوار يلقي أشعته على ربيع باريس

في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)
في لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش (متحف أورساي)

لطالما اقترن اسم رسامي الثورة الانطباعية بالطبيعة، وبموسم الربيع بالتحديد، نظراً لما في أسلوبهم من ضربات بالفرشاة كأنها تعيد وضع شعاع الشمس على صفحة النهر أو تنقل مداعبة النسمات لأوراق الشجر.

ويبدو الرسام الانطباعي متمرداً على المدرسة الكلاسيكية في نقل المنظور بحذافيره إلى اللوحة. فإذا كان الفنان في عصر النهضة يقوم بدور المصور الفوتوغرافي الذي جاء فيما بعد، فإن موجة فناني المدرسة الانطباعية جرفت تلك الفكرة، وقرر روادها أن ينقلوا المنظور الذي تهجس به مشاعرهم، حتى لو لم يطابق الأصل.

أبرز رواد تلك المدرسة هو الفرنسي أوغست رينوار، وهو الذي يقيم له متحف «أورساي» للفن الحديث في باريس معرضاً كبيراً يستمر حتى 19 يوليو (تموز) المقبل. وتأتي أهميته من أن هذا العدد من لوحات رينوار لم يجتمع في مكان واحد منذ ثمانينات القرن الماضي، فقد تم تنظيم المعرض بالتعاون مع المعرض الوطني في لندن ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن الأميركية. إنه التفاهم الجميل الذي يجعل من اللوحات الفنية بضاعة تسافر وتستعار في زمن باتت فيه أسلحة الدمار في صدارة البضائع العابرة للقارات.

من معرض «رينوار والحب... الحداثة الممتعة» في متحف «أورساي» بباريس (المتحف)

موضوع المعرض هو الحب بأشكاله المتعددة، وهو محاولة لإلقاء نظرة جديدة على الرسام الذي عُرف عنه عشقه للطبيعة قبل البشر. ويكشف لنا دليل المعرض عن أن رينوار طوّر بين عامي 1865 و1885 أسلوباً ينحرف عن المألوف الأكاديمي. جاءت لوحاته، الزاخرة بالألوان الغنية بالضوء، لتستكشف العلاقات الإنسانية في البيئات الاجتماعية الحديثة: المقاهي المفتوحة، والشرفات، والحدائق، وقاعات الرقص، بعيداً عن التصوير المثالي أو الدرامي للحب. قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل. رسم البسمة والنظرة، والإيماءة، من زاوية المتفرج لا المتلصص.

قدّم الفنان تصويراً للتقارب والتواصل ورسم البسمة والنظرة والإيماءة من زاوية المتفرج لا المتلصص (المتحف)

ففي لوحاته عن الحفلات التي كانت تقام في الهواء الطلق، يجسد رينوار الرقة في التعاملات ورغد العيش والرغبة في الحرية الجديدة لأجساد في مجتمع متغير. تابع الحفلات، واستلهم موضوعاته في واقع فرنسا في القرن التاسع عشر. تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة. وتصويراً لعلاقات رجال ونساء سعداء، أو هكذا يبدو عليهم. وجاء في دليل المعرض أن القائمين على متحف «أورساي» يرون أن هذه الأعمال تعكس طريقة مبهجة للعلاقات بين الجنسين، لكنها لا تهمل قضية التوافق بينهما، وبالتحديد نظرة الرجل للمرأة.

مرة أخرى، يعاد طرح موضوع تغيّر النظرة للفنون في ضوء المفاهيم العصرية؛ أي محاولة تطبيق مسطرة «الصواب السياسي» على نتاج عصور سابقة ومجتمعات كانت أقل تزمتاً في التعامل مع هذه المفاهيم الجديدة التي ترفض أي انتقاص لمكانة المرأة. إن رينوار لا يتوقف عند المشاهد الرومانسية، فحسب، بل يجتهد لأنْ يضع شخصياته في شبكات من التفاعلات العاطفية. نرى في لوحاته العائلات في اجتماعها، والأطفال في لهوهم، والأصدقاء في نواديهم. ليس في لوحاته مشاهد عن البؤس والتناقضات الطبقية، فهو لا يقسّم المجتمع الفرنسي إلى نبلاء وفلاحين، بل يقدم التناغم الاجتماعي، غير عابئ بشعارات المصلحين.

تبدو لوحاته احتفاء بفرنسا اللاهية والمستريحة (المتحف)

ولد بيير أوغست رينوار في مدينة ليموج، وسط فرنسا، عام 1841، وفارق الحياة في جنوب البلاد عام 1918. وسواء كان محايداً أو ثائراً، فإن لوحاته تبقى متعة للروح وللعينين في كل عصر، ومن مختلف وجهات النظر.


ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
TT

ذاكرة القلق: كيف يكبر الخوف معنا؟

القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)
القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب (رويترز)

في ظل تزايد الضغوط الأكاديمية التي يواجهها الأطفال في مراحل مبكرة من حياتهم الدراسية، لم يعد التوتر المرتبط بالاختبارات مجرد حالة عابرة، بل أصبح ظاهرة تستحق الانتباه لما قد تتركه من آثار طويلة الأمد. فالتعامل غير السليم مع هذا النوع من القلق لا يؤثر فقط على الأداء الدراسي، بل قد يمتد تأثيره إلى الصحة النفسية، واختيارات المستقبل، وحتى القدرة على تحقيق النجاح في مرحلة البلوغ.

وتشير الأبحاث إلى أن القلق الناتج عن التوتر المفرط بشأن الاختبارات أو المشاريع الدراسية قد يؤثر سلباً على الأداء الأكاديمي للطلاب، وفقاً لما أورده موقع «سي إن بي سي».

وتوضح المختصة النفسية السريرية، ترام هوينه، أن مساعدة الآباء لأبنائهم على تعلم كيفية إدارة هذا النوع من التوتر (الذي يُعرف أحيانًا بـ«قلق الاختبار») يمكن أن يؤدي إلى تحسين نتائجهم الدراسية، كما يمنحهم أساساً نفسياً صحياً يساعدهم على أن يصبحوا بالغين أكثر توازناً ونجاحاً.

وتضيف هوينه، مؤسسة مركز "Prep4mance" في أرلينغتون بولاية فرجينيا الأميركية، المتخصص في معالجة قلق الطلاب المرتبط بالاختبارات، أن ترك هذا القلق دون تدخل قد تكون له تبعات واسعة، إذ «يؤثر على ثقة الأطفال بأنفسهم، وكفاءتهم الأكاديمية، وحتى على قراراتهم المتعلقة باختيار المقررات الدراسية والجامعة التي سيتقدمون إليها». وتتابع: «كل ذلك ينعكس في نهاية المطاف على صحتهم النفسية ومساراتهم المهنية».

وقد يبدأ هذا النوع من القلق في سن مبكرة، إذ يمكن أن يظهر لدى الأطفال منذ الصف الثالث. وتشير الدراسات إلى أن ما يصل إلى 40 في المائة من الطلاب يعانون من شكل من أشكال قلق الاختبار. وتذكر هوينه مثالًا لطالبة في المرحلة الإعدادية تعاني من قلق شديد خشية أن تؤثر درجة منخفضة في أحد الاختبارات على فرصها في الالتحاق بجامعة مرموقة.

ومع التقدم في العمر، غالباً ما تتفاقم هذه المشكلة، خصوصاً مع اشتداد المنافسة على القبول الجامعي.

وتوضح هوينه أن ترسّخ فكرة الفشل في ذهن الطالب قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من القلق، قائلة: «كلما اعتقدت أنك ضعيف في الاختبارات، زاد اقتناعك بهذه الفكرة. ومع كل تجربة سلبية، يتفاقم الشعور، وتبدأ في توقع نتائج أسوأ في المرات اللاحقة».

وتشير إلى أن استجابات الأطفال لهذا القلق تختلف؛ فبعضهم قد «ينغلق تماماً» ويعجز عن الأداء أثناء الاختبار، بينما يلجأ آخرون إلى أساليب تجنبية، مثل عدم الدراسة، أو الابتعاد عن المواد الصعبة، أو حتى التغيب عن المدرسة في أيام الاختبارات.

وتحذر هوينه من الاعتقاد الشائع لدى بعض الآباء بأن هذه المشكلة ستزول مع مرور الوقت، مؤكدة أن ذلك «غير صحيح». ويشير خبراء الصحة النفسية إلى أن القلق غير المُعالج في الطفولة قد يستمر إلى مرحلة البلوغ، حيث يمكن أن يؤثر على الأداء الوظيفي والقدرة على تحقيق الأهداف المهنية.

في المقابل، تؤكد هوينه أن تعليم الأطفال مهارات إدارة التوتر يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً؛ إذ «نلاحظ تحسناً في ثقتهم الأكاديمية، وارتفاعاً في مستوى تقديرهم لذاتهم، إضافة إلى زيادة قدرتهم على التكيُّف مع الضغوط».

وتختتم بالإشارة إلى أهمية الانتباه إلى بعض العلامات التحذيرية، مثل فقدان الشهية، أو اضطرابات النوم، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانت تُسعد الطفل، معتبرة أن هذه المؤشرات قد تعني أن «مخاوفه أصبحت طاغية»، وهو ما يستدعي اللجوء إلى مختص في الصحة النفسية للحصول على الدعم المناسب.