آبي أحمد في الخرطوم لطي ملف الخلافات السودانية ـ الإثيوبية

دعم «الاتفاق السياسي» بين الفرقاء السودانيين... وتوافق حول سد النهضة

البرهان مستقبلاً آبي أحمد في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
البرهان مستقبلاً آبي أحمد في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
TT

آبي أحمد في الخرطوم لطي ملف الخلافات السودانية ـ الإثيوبية

البرهان مستقبلاً آبي أحمد في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)
البرهان مستقبلاً آبي أحمد في الخرطوم أمس (أ.ف.ب)

أبلغ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الفرقاء السودانيين الذين اجتمع بهم في الخرطوم، كل على حدة، أنه لا يحمل مبادرة أو مقترحات جديدة تتعلق بالعملية السياسية الجارية في السودان، وأن حكومة بلاده تدعم بشدة الاتفاق السياسي الإطاري الموقع بين الأطراف السودانية وترفض أي تدخلات خارجية.
وأكد آبي أحمد أن «سد النهضة» لن يسبب أي ضرر للسودان، وأن الطرفين اتفقا على قضايا سد النهضة وحل النزاعات الحدودية عبر التفاوض.
وقال رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، في بيان مشترك تلاه وزيرا خارجية البلدين عقب انتهاء الزيارة التي استمرت يوماً واحداً، إن الهدف منها هو إظهار التضامن والوقوف مع حكومة وشعب السودان، ومؤازرته للوصول لتوافق سوداني - سوداني يؤدي لاستقرار الفترة الانتقالية وتحقيق التحول الديمقراطي في البلاد، فضلاً عن تعزيز العلاقات بين البلدين.
وذكر البيان أن الطرف الإثيوبي أكد على قدرة السودانيين على حل مشاكلهم الداخلية، بما يمكنهم من تشكيل حكومة مدنية وتشكيل مؤسسات الانتقال الأخرى، وأشار إلى عقد آبي أحمد محادثات مع الأطراف السودانية الموقعة وغير الموقعة على الاتفاق الإطاري، لحثها على حل خلافاتها والعمل معاً لتحقيق السلام والاستقرار في البلاد.
وذكر البيان أن الجانب السوداني رحب باتفاق السلام الإثيوبي المبرم في بريتوريا بجمهورية جنوب أفريقيا في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بين الحكومة الإثيوبية و«جبهة تحرير تيغراي»، واعتبره خطوة مهمة تعزز الاستقرار والسلام وتنهي الحرب في إثيوبيا، بما ينعكس إيجاباً على الأوضاع في السودان.
ووفقاً للبيان، اتفقت الدولتان على معالجة القضايا الثنائية عبر الحوار والتفاهم، بما في ذلك قضايا سد النهضة والحدود، استناداً إلى الآليات القائمة بين البلدين، بما يحقق مصلحة الشعبين الشقيقين والأطراف ذات الصلة، وبما يفتح الباب أمام تكامل شامل بين الدولتين الجارتين، والتشاور المستمر في كل الجوانب الثنائية، وتنسيق المواقف في القضايا الإقليمية والدولية.
من جهته، قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، عقب القمة الثنائية مع آبي أحمد التي عقدت في القصر الرئاسي في الخرطوم اليوم (الخميس) إن البلدين متفقان ومتوافقان بشأن جميع القضايا المتعلقة بسد النهضة.
ونقل إعلام مجلس السيادة في بيان، حصلت عليه «الشرق الأوسط»، أن القمة بحثت العلاقات الثنائية وسبل تقوية آليات التنسيق المشترك بين البلدين في القضايا ذات الاهتمام المشترك إقليمياً ودولياً. ونسب البيان إلى البرهان قوله إن المباحثات توصلت لاتفاق وتوافق بينهما على قضايا سد النهضة كافة، وعلى اعتماد الحوار والوثائق والآليات الفنية مرجعية أساسية لحل الخلافات الحدودية بين البلدين.
بدروه، قال رئيس الوزراء الإثيوبي إن الهدف من زيارته هو إظهار التضامن والوقوف مع السودان في هذه المرحلة الهامة من مسيرته السياسية، وأضاف: «سد النهضة لن يسبب أي ضرر للسودان، بل سيعود عليه بالنفع في مجال الكهرباء».
وأظهر آبي أحمد توافقاً كبيراً مع البرهان فيما يتعلق بالخلافات الحدودية بين البلدين، مشيراً إلى أنها قضية قديمة يجب الرجوع إلى الوثائق لحلها.
وعقب لقائه البرهان، التقى آبي أحمد نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، وبحث معه العلاقات الثنائية والتطورات السياسية الراهنة التي يشهدها السودان والمنطقة. ونقل إعلام مجلس السيادة عن حميدتي تأكيده على تكثيف التعاون والتنسيق المشترك بين البلدين في المحافل الإقليمية والدولية، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بما يخدم مصلحة السودان وإثيوبيا ودول المنطقة.
ووفقاً للبيان، فإن حميدتي قدم لرئيس الوزراء الإثيوبي شرحاً مفصلاً حول التطورات السياسية الراهنة في البلاد، في ضوء الاتفاق الإطاري، وأكد له الالتزام بتنفيذه والتعاون مع الأطراف لحل الأزمة السياسية واستكمال الفترة الانتقالية.
وقال آبي أحمد أثناء اللقاء إن بلاده تدعم جهود السودانيين في التوصل إلى حلول للأزمة السياسية، وحث الأطراف جميعاً على التعاون وتغليب المصلحة الوطنية لتحقيق الاستقرار بالبلاد.
وعقب لقاءيه مع رئيس مجلس السيادة ونائبه، كل على حدة، أجرى آبي أحمد سلسلة لقاءات مع القوى السياسية السودانية، بدأها بلقاء وفد من تحالف المعارضة الرئيسي «الحرية والتغيير» الموقع على الاتفاق الإطاري، ترأسه رئيس «حزب الأمة القومي» فضل الله برمة ناصر.
وقال القيادي في «قوى التغيير» الواثق البرير، في تصريحات صحافية أعقبت اللقاء، إنهم تناولوا أهمية دعم الحوار السوداني - السوداني دون أي تدخلات خارجية من أي جهة، ودعم العملية السياسية الجارية حالياً، وإن آبي أحمد دعا إلى الإسراع في استكمال العملية السياسية لإخراج السودان من الأزمة، وأبدى ترحيبه بالزيارة المقررة من قبل التحالف إلى إثيوبيا في الأيام القليلة القادمة.
وقالت مصادر في تحالف «الحرية والتغيير» لـ«الشرق الأوسط» إن رئيس الوزراء الإثيوبي أبلغهم دعمه الكامل للاتفاق السياسي الإطاري، وقال إنه لم يأتِ لتقديم أي حلول أو مقترحات بشأن العملية السياسية الجارية حالياً في السودان، وإن بلاده ستقف بقوة ضد أي جهة تحاول أن تتدخل لعرقلة الحل السياسي الذي يقوده السودانيون بأنفسهم.
وأوضح البرير أن رئيس الوزراء الإثيوبي دعا لتسريع الوصول إلى اتفاق نهائي بين الأطراف السياسية السودانية، ووعد بدعمه بقوة حال توقيعه، وأبلغ التحالف المعارض أن زيارته للسودان الهدف منها استعادة العلاقات بين البلدين لوضعها الطبيعي والصحيح.
وألمحت مصادر سياسية إلى أن التحركات الإثيوبية تأتي منسجمة مع توجهات دول ذات ثقل في المنطقة والمجتمع الدولي الداعم بشدة لإنجاح العملية السياسية في السودان، لتشكيل حكومة بقيادة مدنية في أسرع وقت، وأن لقاءات آبي أحمد بالأطراف السودانية الهدف منها دفع الحل السياسي وحشد المواقف الداعمة له على مستوى الجوار الإقليمي المؤثر على السودان.
ووصل رئيس الوزراء الإثيوبي الخرطوم في زيارة استغرقت يوماً واحداً على رأس وفد مكون من وزير الدفاع والسلام، ووزير الداخلية، ومستشار الأمن، ومدير المخابرات ومكتب الاتصال الحكومي، ونائب وزير الخارجية، وانضم إليهم السفير الإثيوبي في الخرطوم.
والتقى آبي أحمد خلال الزيارة كلاً من تحالف قوى إعلان «الحرية والتغيير»، و«الكتلة الديمقراطية»، وكتلتي «التراضي الوطني» و«الحراك الوطني»، ووفد «لجان المقاومة - الجبهة الثورية»، إلى جانب الآلية الأممية الثلاثية «يونتامس».
وأنهت زيارة آبي أحمد قطيعة طويلة بين البلدين، نتجت عن مناوشات عسكرية حدودية بين جيشي البلدين على منطقة «الفشقة» السودانية، وأعادت إلى الأذهان الدور الذي لعبه آبي أحمد إبان المفاوضات التي أعقبت أحداث فض الاعتصام بين «الحرية والتغيير» والمكون العسكري، وأفضت إلى تكوين الحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
ويحظى آبي أحمد بقبول شعبي ورسمي لافت في السودان، استناداً إلى الدور الذي لعبه إبان الثورة السودانية، ويذكر له السودانيون عواطفه الجياشة، ودموعه التي سالت لحظة توقيع «الوثيقة الدستورية» التي أنهت عهداً طويلاً من النزاعات وأوقفت سيل الدماء لأكثر من سنتين. وفي مطلع يناير (كانون الثاني) الحالي، بدأت الأطراف الموقعة على الاتفاق الإطاري المرحلة النهائية من العملية السياسية، بمناقشة عدد من القضايا الرئيسية وحسمها قبل التوقيع على الاتفاق النهائي وبدء فترة انتقالية جديدة في البلاد.
ووقع قادة الجيش السوداني وائتلاف قوى «الحرية والتغيير» وأطراف أخرى داعمة للانتقال، في الخامس من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، اتفاقاً إطارياً يمهد لإعادة الجيش للثكنات، وتشكيل سلطة انتقالية مدنية كاملة في البلاد.


مقالات ذات صلة

ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

العالم ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

ما مستقبل الخلاف بين متمردي «أوروميا» والحكومة الإثيوبية؟

أثار عدم التوصل إلى اتفاق، بعد محادثات سلام أولية بين الحكومة المركزية الإثيوبية، ومتمردي إقليم «أوروميا»، تساؤلات حول مستقبل تلك المحادثات، واحتمالات نجاحها، وأسباب تعثرها من البداية. ورأى خبراء أن «التعثر كان متوقعاً؛ بسبب عمق الخلافات وتعقيدها»، في حين توقّعوا أن «تكون المراحل التالية شاقة وصعبة»، لكنهم لم يستبعدوا التوصل إلى اتفاق. وانتهت الجولة الأولى من المحادثات التمهيدية بين الطرفين، دون اتفاق، وفق ما أعلنه الطرفان، الأربعاء.

العالم رئيس الحكومة الإثيوبية يُعلن مقتل عضو بارز في الحزب الحاكم

رئيس الحكومة الإثيوبية يُعلن مقتل عضو بارز في الحزب الحاكم

أعلن رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد اليوم (الخميس) مقتل مسؤول الحزب الحاكم في منطقة أمهرة الواقعة في شمال البلاد. وقال آبي أحمد عبر «فيسبوك»، إنّ «أولئك الذين لم يتمكّنوا من كسب الأفكار بالأفكار، أخذوا روح شقيقنا جيرما يشيتيلا». واتهم أحمد، وفقا لما نقلته وكالة «الصحافة الفرنسية»، «متطرّفين يتسمون بالعنف» بالوقوف وراء هذا العمل الذي وصفه بـ«المخزي والمروّع».

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
العالم محادثات سلام «غير مسبوقة» بين حكومة إثيوبيا ومتمردي «أورومو»

محادثات سلام «غير مسبوقة» بين حكومة إثيوبيا ومتمردي «أورومو»

تنطلق في تنزانيا، الثلاثاء، محادثات سلام غير مسبوقة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية ومتمردي إقليم أوروميا، ممثلين في «جبهة تحرير أورومو» التي تخوض معارك مع القوات الحكومية بشكل متقطع منذ عقود. وتسعى أديس أبابا لإبرام اتفاق سلام دائم مع متمردي الإقليم، الذي يشغل معظم مناطق وسط البلاد، ويضم مجموعة من الفصائل المسلحة التابعة لقومية الأورومو، على غرار ما حدث في «تيغراي» شمالاً، قبل 5 أشهر، خشية دخول البلاد في حرب جديدة مع تصاعد التوتر بين الجانبين. وأعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي زار مدينة نكيمتي بالإقليم مؤخراً، أن «جولة مفاوضات ستبدأ معهم (جيش تحرير أورومو) الثلاثاء في تنزانيا»، في أ

محمد عبده حسنين (القاهرة)
شمال افريقيا هل تستغل إثيوبيا اضطرابات السودان لحسم «الخلاف الحدودي»؟

هل تستغل إثيوبيا اضطرابات السودان لحسم «الخلاف الحدودي»؟

عاد الخلاف الحدودي بين إثيوبيا والسودان، بشأن منطقة «الفشقة»، إلى الواجهة، بعد أنباء سودانية عن نشاط «غير اعتيادي» للقوات الإثيوبية ومعسكراتها، في المنطقة المتنازع عليها، منذ بداية الاضطرابات الأخيرة في السودان.

محمد عبده حسنين (القاهرة)
أفريقيا إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

إثيوبيا: متمردو تيغراي يُظهرون «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام

أظهر متمردو إقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، «جدية» في تنفيذ اتفاق السلام، الموقَّع قبل نحو 5 أشهر، مع الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، وذلك بتسليمهم مزيداً الأسلحة، ضمن عملية نزع سلاح الإقليم ودمج مقاتليه في الجيش الوطني. وحسب نائب مفوض «إعادة التأهيل الوطني»، العميد ديريبي ميكوريا، اليوم (الخميس)، فإن «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سلمت الدفعة الأولى من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة المتنوعة التي تم جمعها حول منطقة دينقولات في إقليم تيغراي». وأنهى اتفاق السلام، الموقّع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حرباً عنيفة استمرت عامين، راح ضحيتها الآلاف، حسب منظمات دولية.

محمد عبده حسنين (القاهرة)

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... والإعلام يدفع الثمن

عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)
عدد من الصحافيين القتلى خلال العام الأول من الحرب بالسودان (نقابة الصحافيين)

مع دخول الحرب السودانية تدخل عامها الرابع، لقي 35 صحافياً مصرعهم، وتعرض 500 من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية لانتهاكات، ودُمرت أو نُهبت أكثر من 60 مؤسسة صحافية، واضطر نحو 14 مليون سوداني للنزوح أو اللجوء، وحُرم أكثر من 17 مليون تلميذ من حقه في التعليم، ودُمرت 80 في المائة من المؤسسات الصحية، وتحوَّل قرابة نصف سكان البلاد إلى «جوعى».

وقالت نقابة الصحافيين السودانيين، في بيان، الأربعاء، في ذكرى انطلاق شرارة الحرب يوم 15 أبريل (نيسان) 2023، إن الأطراف المتحاربة استهدفت الصحافة؛ لأنها ظلت في قلب الحدث منذ الوهلة الأولى، وأدى ذلك لمقتل 35 صحافياً، وتعرُّض أكثر من 500 مؤسسة إعلامية والعاملين بها لانتهاكات جسيمة، وتدمير أو نهب 60 مؤسسة إعلامية، وإخضاع أعداد من الصحافيين للاعتقال أو الإخفاء القسري.

وقطعت النقابة بعدم وجود «بوادر حقيقية لسلام يلوح في الأفق القريب»، مع استمرار العمليات العسكرية واتساع نطاق الحرب، وتفاقم معاناة المواطنين.

الصحافي معمر إبراهيم الذي تقول نقابة الصحافيين إنه معتقل لدى «قوات الدعم السريع» منذ سيطرتها على مدينة الفاشر (النقابة)

ووفقاً لنقابة الصحافيين، بلغ عدد النازحين خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 14 مليوناً، بينهم 9 ملايين نزحوا داخلياً، وعبر 4.4 مليون شخص الحدود نحو الدول المجاورة، ما أدى لحدوث «واحدة من أكبر وأسوأ أزمات النزوح في العالم، وأكثرها كارثية».

وعدَّت النقابة الحرب انحرافاً وارتداداً عن أهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، وأنها ليست نتيجة حدث معزول، بل ثمرة مباشرة لما أطلقت عليه «مساراً سياسياً مختلاً أعقب الثورة».

وأضافت: «فتحت ثورة ديسمبر الأفق واسعاً أمام التحول المدني والدولة الديمقراطية، غير أن تعثّر الانتقال بفعل قوى مدنية وعسكرية على السواء أسهم في إنتاج الشروط التي قادت إلى اندلاع الحرب».

وأحدثت الحرب تداعيات إنسانية بالغة أخرى، فقد حرمت أكثر من 17 مليون طفل من التعليم، وتركت ما يزيد على 25 مليون شخص - أي أكثر من نصف السكان تقريباً - ليواجهوا مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع تسجيل حالات مجاعة فعلية في عدد من المناطق.

الصحافية هاجر سليمان التي تقول نقابة الصحافيين إن النيابة رحَّلتها من الخرطوم إلى مدينة دنقلا قبل أن تطلق سراحها (النقابة)

وذكر البيان أن نحو 80 في المائة من المرافق الصحية في مناطق النزاع بات خارج نطاق الخدمة، مع نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، واستمرار استهداف الكوادر الصحية، وانتشار الأوبئة والأمراض الفتاكة بمعدلات مخيفة.

ودعت النقابة الصحافيين والإعلاميين للعمل على مواجهة «خطاب الكراهية» قائلة: «شهدت الساحة السودانية تفشياً مقلقاً وغير مسبوق لخطاب الكراهية، الذي اتخذ أبعاداً خطيرة تهدد السلم المجتمعي وتغذي الانقسامات على أسس عرقية وجهوية وسياسية».

وأرجعت تفشي خطاب الكراهية إلى غياب المؤسسات الإعلامية المهنية، وحالة الاستقطاب الحاد، والبيئة الخصبة لتداول المعلومات غير الموثوقة، ما فتح الباب لانتشار الأخبار الكاذبة والمضللة بشكل واسع، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي التي قالت إنها حلت محل المؤسسات الإعلامية لتصبح المصدر الأساسي للأخبار.

وحذرت النقابة من «التوظيف الممنهج للمعلومات المضللة»، لإدارة الصراع بالتأثير على الرأي العام، وقالت: «في ظل غياب آليات فعالة للتحقق، وتراجع دور الصحافة المهنية المستقلة، والاستهداف المباشر للصحافيين والمؤسسات الإعلامية، ينتشر خطاب الكراهية، باعتباره خطراً حقيقياً على وحدة البلاد، وتقويض فرص السلام والاستقرار، وليس مجرد تهديد لحرية التعبير».

كما أدت الحرب وسياسات الإفقار الممنهجة إلى زيادة معدلات الفقر وسط الصحافيين، الأمر الذي يُفضي إلى نتائج خطيرة، على رأسها هجر المهنة والعزوف عنها.

الصحافية مياه النيل مبارك التي تقول نقابة الصحافيين إن السلطات في الخرطوم اعتقلتها في أثناء تغطيتها امتحانات المتوسطة بدعوى انتحال شخصية صحافي (النقابة)

واعتبرت النقابة استهداف الصحافيين وتقييد العمل الإعلامي «انتهاكاً مباشراً لحرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة»، يتيح المجال لانتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وقالت: «استهداف الصحافيين ليس عرضاً جانبياً، بل جزءاً أساسياً في معركة السيطرة على الرواية، فالحرب كما تعلمون تدار إعلامياً كما تدور في ميادين القتال».

وطالبت النقابة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين جميعاً، وإنهاء حالات الإخفاء القسري، وضمان حرية الوصول إلى المعلومات في مناطق النزاع كافة، وقالت: «في ظل غياب أو تغييب الصحافة الحرة عمداً، تتناقص فرص توثيق الجرائم والانتهاكات، وتُخفى الأدلة والقرائن، ما يسمح بتقليل مساحة المساءلة وزيادة معدلات الإفلات من العقاب».

وأكدت النقابة موقفها الرافض للحرب كوسيلة لحل النزاعات، ورأت أن الحل يكمن في «مسار مدني سلمي» يقوم على «مبادئ الحرية والسلام والعدالة»، كما أكدت تمسكها بوحدة السودان، ورفضها لمحاولات التقسيم والتفكيك، وأعلنت دعمها للمبادرات الهادفة لحماية حق التعليم، خصوصاً مبادرة معالجة أزمة «امتحانات الشهادة السودانية لعام 2026»، وأشارت إلى أهمية تمكين جميع الطلاب من أداء امتحاناتهم في ظروف عادلة ومنصفة.