تصاعد الإضرابات في القطاعات الحكومية السودانية

حركة عبد العزيز الحلو: مستعدون للتفاوض مع الحكومة المرتقبة

جانب من احتجاجات الخرطوم المطالبة بالحكم المدني في 19 ديسمبر (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات الخرطوم المطالبة بالحكم المدني في 19 ديسمبر (أ.ف.ب)
TT

تصاعد الإضرابات في القطاعات الحكومية السودانية

جانب من احتجاجات الخرطوم المطالبة بالحكم المدني في 19 ديسمبر (أ.ف.ب)
جانب من احتجاجات الخرطوم المطالبة بالحكم المدني في 19 ديسمبر (أ.ف.ب)

توسعت موجة الاحتجاجات المطلبية في السودان جراء تفاقم الأزمة المعيشية وضعف الأجور التي يتقاضاها الموظفون والعاملون في القطاعات الحكومية، وفي الآونة الأخيرة تصاعدت حدة الإضرابات في قطاعات التعليم العام والعالي والصحة والطيران والسلطة القضائية والكهرباء ووزارة الثقافة، وتقف السلطة الحاكمة عاجزة عن تسوية هذه المطالب.
ودخل إضراب المعلمين، الذي شل الدراسة تماماً في مراحل التعليم الأولية والمتوسطة والثانوي العالي، شهره الثاني، ما أجبر السلطات على إجراء تعديل في التقويم السنوي المدرسي، وإعلان عطلة رسمية للمدارس الحكومية والخاصة حتى 26 من يناير (كانون الثاني) الحالي.
وأعلنت لجنة المعلمين في التعليم العام مواصلة الإضراب الشامل عقب انتهاء العطلة مباشرة، والتصعيد بكافة الأشكال حال عدم تحقيق مطالبهم. وتتلخص مطالب المعلمين في زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 69 ألف جنيه سوداني (نحو 110 دولارات) شهرياً، ودفع كافة المستحقات من بدلات وعلاوات لمدة 3 أشهر، بالإضافة إلى تحسين بيئة التعليم في المدارس الحكومية.
وتتمسك لجنة المعلمين بتنفيذ كل القرارات الصادرة في حق المعلمين من مجلس الوزراء، التي تشمل كل العاملين في قطاع التعليم من عمال وموظفين، وتعديل علاوات القيم الثابتة بما يتماشى مع الوضع الاقتصادي في البلاد.
وفي موازاة ذلك دشن أساتذة الجامعات السودانية استئناف إضرابهم الشامل عن العمل أمس الأحد، بتنفيذ وقفات احتجاجية أمام مقار الجامعات في العاصمة الخرطوم وولايات أخرى، ورفعوا لافتات تطالب بإجازة لائحة شروط الخدمة. ومن الجامعات التي انخرطت في الإضراب، جامعة الخرطوم، وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة أم درمان الإسلامية، والنيلين، والجزيرة، وسنار، ودنقلا، وكردفان، وشندي، والقضارف، وكسلا.
وقالت لجنة أساتذة الجامعات في بيان، إن الإضراب ناجح، وفاقت نسبته في غالبية الجامعات 90 في المائة، مؤكدة أنه لا تراجع عن هذه المطالب، إلا باستجابة السلطات بلائحة خدمة تنصف الأستاذ الجامعي. واستثنى الأساتذة من الإضراب الامتحانات القائمة حالياً في بعض الجامعات مراعاة لظروف الطلاب، مشيرين إلى أن الاستثناء لا يشمل عمليات التصحيح وإعلان النتائج. ويتهم أساتذة الجامعات الجهات المختصة بالمماطلة في إجازة لائحة شروط الخدمة لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات على الرغم من إجازتها من المجلس الأعلى للتعليم.
ومن جهة ثانية هدد العاملون في وزارة الثقافة والإعلام، في بيان أمس، بالدخول في إضراب شامل ومفتوح لكل قطاعات الإعلام. ونفذ المئات منهم أمس موكباً حاشداً أمام مقر الوزارة بالعاصمة الخرطوم، احتجاجاً على تسويف ومماطلة مجلس الوزراء في الاستجابة لمطالبهم بزيادة الأجور، وسط أوضاع معيشية صعبة. وكانت اللجنة، التي تمثل العاملين في الوزارة وتضم الآلاف في قطاعات الإعلام والثقافة والسياحة والفنون الشعبية، قد دفعت قبل شهرين بمذكرة إلى مجلس الوزراء لتوحيد الأجور في الدولة.
وأعلنت اللجنة التي تمثل العاملين في هيئة الأرصاد الجوية، الأسبوع الماضي الإضراب عن العمل للضغط على الجهات المسؤولة لتحقيق مطالبهم بزيادة الأجور، وأدى الإضراب إلى توقف جميع محطات الرصد في مطارات السودان. وبحسب بيانات اللجان والهيئات في القطاعات الحكومية، فإن الإضرابات مستمرة إلى حين استجابة الجهات الرسمية لمطالبهم.
على صعيد آخر، تتواصل مباراة القوى السياسية السودانية لـ«كسب المؤيدين» من «الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال» بقيادة عبد العزيز الحلو، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد نور، وهما أكبر حركتين مسلحتين خارج «اتفاق سلام جوبا»، لكن مواقف قادة الحركتين المتباينة تزيد من ارتباك المشهد السياسي في البلاد، نظراً إلى أنه الأول «وقّع تفاهمات» مع كافة الفرقاء، فيما يرفض الثاني الفكرة برمتها ويحتفظ لنفسه بصفة الرافض لكل شيء.
وضمن هذه الأجواء التقى القيادي في حزب الأمة ونجل زعيم الحزب الراحل، صديق الصادق المهدي، يوم الجمعة في عاصمة جنوب السودان رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان» عبد العزيز الحلو، وخرج اللقاء بما أطلق عليه «تفاهمات» على قضايا حيوية، تطالب الحركة الشعبية بالتوافق عليها قبل الدخول في أي تفاوض مع الحكومة في الخرطوم.
واتفق الطرفان على حل الأزمة السودانية وفقاً لبيان مشترك، وعلى وقف استغلال الدين في السياسة أو (فصل الدين عن الدولة)، وإصلاح القطاعين الأمني والعسكري وتكوين جيش مهني موحد، وتعزيز التنوع الثقافي وبناء هوية وطنية سودانية، واقتسام الثروة بشكل عادل غير مركزي، وتحقيق العدالة، وإعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وإنهاء تمكين نظام الإسلاميين وتفكيكه، وتحقيق السلام الشامل والعادل والمستدام.
ولا تختلف التفاهمات بين حزب الأمة والحركة الشعبية كثيراً عن نصوص «الاتفاق الإطاري»، ما جعل الكثير من النشطاء السياسيين يعتبرونه «خطوة تجاه الاتفاق الإطاري»، أو في الحد الأدنى استعداداً للتفاوض مع الحكومة المدنية المرتقبة. وقال رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان – الشمال» محمد يوسف أحمد المصطفى لـ«الشرق الأوسط»: «مبدئياً الحركة ليست بحاجة لمن يحرضها أو يقنعها أو يغريها بالتفاوض مع الحكومة المرتقبة، فنحن والحكومة ملزمون وفقاً لمانفيستو الحركة وقرار مجلس الأمن، بالتفاوض مع حكومة الأمر الواقع».
وأوضح المصطفى أن التفاهمات الواردة في البيان المشترك مع حزب الأمة، طمأنت الحركة على التزام الحزب بالمبادئ الواردة فيه، مضيفاً: «نتفاوض مع كل القوى السياسية للتوافق على القضايا التي تسهّل التفاوض. فإذا أتت حكومة جديدة فسيكون التفاوض معها سلساً في حال اتفقنا على القضايا الرئيسية».


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الطاقة والتجارة وأمن الساحل... محاور زيارة مستشار ترمب إلى الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)
TT

الطاقة والتجارة وأمن الساحل... محاور زيارة مستشار ترمب إلى الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)
الرئيس الجزائري مستقبلاً المستشار الأميركي مسعد بولس (الرئاسة)

أجرى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط مسعد بولس، مساء الأحد، محادثات مكثفة بالجزائر، تركزت على ملفات الطاقة والتعاون التجاري والأمن الإقليمي في منطقة الساحل، وسط أحاديث دبلوماسية جانبية تناولت الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الجزائر بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات.

وأكد ممثل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في تصريح مقتضب أدلى به عقب استقبال الرئيس عبد المجيد تبون له، على «دور الجزائر في تعزيز الأمن الإقليمي»، مشدداً أيضاً على «مكانتها كشريك مهم للولايات المتحدة».

وقال في هذا السياق: «يسعدني العودة اليوم إلى الجزائر، حيث تشرفت بلقاء رئيس الجمهورية، الذي أود أن أشكره على الاستقبال الحار»، مضيفاً أن هذا اللقاء كان «مثمراً للغاية».

الشراكة الثنائية

وفي معرض حديثه عن المباحثات مع رئيس الدولة، قال بولس إنها «تأتي امتداداً للنقاشات الأخيرة حول الأولويات الإقليمية المشتركة والعلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والجزائر». وأضاف: «الجزائر شريك مهم للولايات المتحدة في تعزيز الأمن الإقليمي، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتحقيق الرخاء للبلدين».

مباحثات موسعة خلال استقبال مستشار الرئيس الأميركي بمقر الرئاسة الجزائرية (الرئاسة)

وأشار بولس إلى محادثاته مع الوزير الأول سيفي غريب، ووزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، فضلاً عن لقائه مع الرئيس المدير العام لمجموعة «سوناطراك» للمحروقات، نور الدين داودي، والذي بحث معه سبل تعزيز التعاون في قطاع الطاقة.

وأوضحت سفارة الولايات المتحدة لدى الجزائر، في بيان، أن زيارة مسعد بولس الثالثة إلى الجزائر «سمحت بتعزيز التعاون الأميركي - الجزائري لصالح السلم والأمن الإقليميين، مع تعميق العلاقات التجارية بين البلدين أكثر فأكثر».

وبحسب البيان نفسه، فإن محادثات بولس مع الرئيس تبون «تناولت متانة العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والجزائر، فضلاً عن أبرز التحديات والفرص التي تواجه منطقة الساحل والقارة الأفريقية بشكل أوسع».

وأشار البيان إلى أن محادثات المسؤول الأميركي مع الوزير الأول غريب ووزير الشؤون الخارجية عطاف «خُصصت للمصالح المشتركة للبلدين في مجالات الأمن الإقليمي، والتعاون الطاقوي، وتوطيد العلاقات التجارية».

مستشار الرئيس الأميركي مع رئيس مجموعة «سوناطراك» للمحروقات (سوناطراك)

ووفق بيان السفارة الأميركية، تأتي هذه الزيارة استكمالاً للزيارتين السابقتين اللتين قام بهما المستشار الأول بولس إلى الجزائر في يوليو (تموز) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، «وهي تؤكد مجدداً مواصلة الولايات المتحدة تعاونها مع الجزائر، والتزامها بدعم الاستقرار في مختلف أنحاء المنطقة، بينما تسهم الشراكة المتنامية في مجال الطاقة بين البلدين في تمهيد الطريق نحو تحقيق ازدهار مشترك».

من جهتها، ذكرت الرئاسة الجزائرية بحساباتها بالإعلام الاجتماعي أن تبون استقبل بولس بحضور عطاف، ووزير الدولة المكلف بالرقابة العامة للمصالح التابعة للدولة والجماعات المحلية إبراهيم مراد، والمستشار لدى الرئيس الجزائري المكلف بالشؤون الدبلوماسية عمار عبة. كما رافق القائم بالأعمال بالسفارة الأميركية لدى الجزائر مارك شابيرو المسؤول الأميركي في لقائه بمقر الرئاسة.

الأزمة مع الإمارات

لم تفصح الرئاسة عن القضايا التي نوقشت، بينما لفتت مصادر مهتمة بزيارة المسؤول الأميركي إلى إحاطته بالقرار الذي اتخذته الجزائر بشأن قطع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة، مع شرح أسباب هذه الخطوة، ولم توضح المصادر نفسها ماذا كان رد بولس على هذا القرار.

الرئيس الجزائري مع مسعد بولس والقائم بالأعمال لدى السفارة الأميركية ومسؤولة بالسفارة (الرئاسة)

ويشار إلى أن هذه الزيارة جاءت بعد أيام قليلة من اتصال هاتفى بين تبون وبولس، الذي وصف المحادثة بـ «المثمرة» عبر منشور على منصة «إكس»، مشيراً إلى أنها ركّزت على شراكة البلدين.

وكانت الجزائر قد أعلنت، الخميس الماضي، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات، إثر سنوات من التوتر بين البلدين، وتصاعُد اتهاماتها بالتدخل في شؤونها الداخلية.

وفي مساء اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام عبور جميع الطائرات المدنية والعسكرية «المرقمة بدولة الإمارات ذهاباً وإياباً»، موضحةً أن الرحلات القائمة ستستمر حتى انتهاء العقود المبرمة بين الجانبين، بنهاية العام الحالي.

وأوضحت وزارة الخارجية الجزائرية في بيان رسمي أنه تم استدعاء سفير الإمارات بمقر الوزارة في اليوم نفسه لتبليغه رسمياً بالقرار، ومنحه مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.

وفي ردّها على القرار الجزائري قالت وزارة الخارجية الإماراتية: «في ضوء قرار الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة بقطع علاقاتها مع دولة الإمارات، تؤكد دولة الإمارات تقديرها لعلاقاتها مع جميع الدول، وحرصها الدائم على تطويرها وتعزيزها، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز التفاهم والتعاون والازدهار».


«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
TT

«التقاضي عن بُعد»... مصر تختبر تحولها الرقمي في «الإجراءات الجنائية»

وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)
وزارة العدل المصرية تؤكد استعدادها لتطبيق المنظومة القضائية (وزارة العدل)

تترقب الأوساط القضائية في مصر بدء تطبيق منظومة «التقاضي عن بُعد» مع بداية العام القضائي الجديد في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، الذي سيتيح نظر القضايا الجنائية في جلسات إلكترونية عبر تقنية «الفيديو كونفرنس».

ولدى بعض المحامين مخاوف من عدم قدرة البنية التحتية التكنولوجية على استيعاب هذا القدر من القضايا، خصوصاً مع شكاوى ضعف شبكات الإنترنت في مصر، بالإضافة إلى التكلفة المرتفعة لهذه التقنية التي تفرض رسوماً جديدة، تُضاعف من تكلفة التقاضي.

ومهّد قانون «الإجراءات الجنائية» الذي صدر في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي لتطبيق هذه المنظومة، وأرجأت الجهات المختصة تطبيق القانون لحين تجهيز البنية التحتية له.

وبينما لا يفصل عن تطبيق المنظومة الجديدة سوى نحو أسبوعين، تتصاعد المخاوف منها، خصوصاً مع مواجهة بعض المحامين مشاكل تقنية خلال التسجيل على المنصة التي سيتم من خلالها تطبيق المنظومة، حسب المحامي حسن شومان الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن تطبيق التقاضي عن بُعد «يواجه تحديات أخرى تتعلق بتأمين أوراق القضايا ومستنداتها لمنع التلاعب فيها، أو تعرض المنظومة لهجوم إلكتروني».

غرفة المحضرين تكتظ بالمستأجرين في محكمة جنوب الجيزة (الشرق الأوسط)

وشاركه في التخوف المحامي عمر قريبة الذي كتب عبر «فيسبوك»: «مع عدم إنكار ما تحققه فكرة التقاضي عن بُعد من مزايا، إذا ما طُبقت بصورة صحيحة من توفير الوقت والجهد، وتقليل الزحام داخل المحاكم، وتيسير وصول المتقاضين ومحاميهم إلى الخدمات القضائية، فضلاً عن سرعة تداول بعض الإجراءات وإنجازها بصورة أكثر كفاءة، إلا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الفكرة، وإنما في آليات التنفيذ، ومدى جاهزية المنظومة التي يُراد تطبيقها من خلالها».

وأضاف: «التقاضي عن بُعد لا يتوقف على إنشاء منصة إلكترونية فحسب، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية قوية، وأجهزة ومعدات قادرة على تحمل الاستخدام، وشبكات إنترنت مستقرة، ونظم إلكترونية مصممة بصورة احترافية، فضلاً عن ضرورة وجود عناصر بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على إدارة المنظومة والتعامل مع مشكلاتها الفنية والإجرائية».

وتساءل عن إشكاليات انقطاع الاتصال بالإنترنت أو تعطل النظام الإلكتروني أثناء اتخاذ إجراء قضائي، قائلاً: «لن يكون مجرد عطل فني عابر، وإنما يترتب عليه تعطيل مصلحة أحد الخصوم أو فوات إجراء أو تأخير الفصل في الدعوى».

وتُجرى المحاكمات في مصر حالياً داخل قاعات المحاكم على مستوى الجمهورية، التي عادة ما تعج بكثير من المحامين والمتهمين والمواطنين المتوجهين لقضاء مصالحهم، وسط شكاوى من بطء المنظومة في بعض القضايا والإجراءات.

وكانت وزارة العدل المصرية قد أطلقت في نهاية أغسطس (آب) الماضي، «المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بُعد»، تمهيداً لتطبيق منظومة التقاضي الإلكترونية.

وتتيح المنصة للمحامين حضور جلسات المحاكمة عن بُعد، والحصول على صور رقمية معتمدة من ملفات الدعاوى، وإرسال قرارات محاكم جنايات أول درجة وإخطارات الجلسات إلى المحامين فور صدورها من خلال رسائل نصية، وحضور مختلف أطراف الدعوى عبر الوسائل الرقمية، ومن بينهم الشهود من الخبراء والأطباء الشرعيين، وفقاً للقواعد والإجراءات المنظمة لذلك، «بما يعزز كفاءة إجراءات التقاضي، ويدعم سرعة إنجاز القضايا»، وفق بيان لوزارة العدل.

ويأتي تطبيق منظومة التقاضي الجديدة في وقت تتجه فيه الدولة نحو الرقمنة، بتوفير كثير من الإجراءات والخدمات عبر منصة «مصر الرقمية». وأشار «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» التابع لمجلس الوزراء المصري في بيان، الاثنين، إلى أن مصر تقدمت «في المرتبة 22 عالمياً في مؤشر نضج تكنولوجيا الحكومة لعام 2025، والمرتبة 52 عالمياً في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي».

من داخل محكمة جنوب الجيزة الابتدائية (الشرق الأوسط)

ولا يتوقع المحامي محمود أحمد عليوة أن تكون البنية التكنولوجية عائقاً أمام التحول الرقمي، بالقياس على أن «جلسات تجديد المحاكمات الفترة الماضية كانت تتم عبر (الفيديو كونفرنس)، حيث يشارك فيها المتهم من مقر محبسه والمحامي والقضاة في المحكمة، وكانت تحدث دون عوائق».

لكنه انتقد في الوقت نفسه الرسوم الكثيرة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «كل خطوة أصبحت برسوم، وغير واضح إذا ما كانت هذه الرسوم للقضية أم لكل جلسة»، لافتاً إلى أن المتقاضي سيتحمل هذه التكلفة.

وانتقد بعض المحامين رسوم التقاضي. ووفق المنصة الجديدة يحتاج المحامي إلى 500 جنيه (نحو 10 دولارات) للتسجيل سنوياً على المنصة، بالإضافة إلى 500 جنيه مصاريف جلسة الجنايات أول درجة، و100 جنيه لجلسة تجديد الحبس، و10 جنيهات لتصوير كل ورقة في القضية.

وكان وكيل لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب ياسر الهضيبي قد انتقد في تصريحات على إحدى القنوات الفضائية، الأحد، الرسوم التي توشك على التطبيق، متسائلاً عن «السند القانوني لهذه الرسوم، ومدى قدرة منظومة العدالة على تطبيق التحول الرقمي بالتزامن معها»، مؤكداً أنه لا يجوز فرض أي رسوم على المواطن إلا بموجب تشريع صادر عن السلطة المختصة، ومشيراً إلى أن العبء سيقع على المواطن.


الأزمة الليبية تدخل مرحلة جديدة بعد اعتماد «النواب» اتفاق «4+4»

جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)
جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)
TT

الأزمة الليبية تدخل مرحلة جديدة بعد اعتماد «النواب» اتفاق «4+4»

جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)
جانب من جلسة مجلس النواب يوم 14 سبتمبر 2026 (وكالة الأنباء الليبية)

في تطور يفتح مرحلة جديدة بالأزمة الليبية ويضع مجلس النواب أمام اختبار تنفيذ اتفاق يمهد للانتخابات في ظل استمرار الانقسام داخله، صوّت المجلس بالإجماع، الاثنين، على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4» رغم إعلان 63 نائباً في وقت سابق مقاطعة الجلسة.

وقال المركز الإعلامي لرئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، في بيان، إن المجلس صوّت بالإجماع على اعتماد الاتفاق النهائي للجنة «4+4» خلال جلسة عقدها في مقره بمدينة بنغازي شرق البلاد، في حين أعلن المتحدث باسم المجلس، عبد الله بليحق، في بيان آخر، اعتماد الاتفاق بعد انطلاق أعمال الجلسة المغلقة.

لكن اعتماد الاتفاق لا ينهي الخلاف داخل مجلس النواب، إذ لا يزال 63 نائباً يعترضون على طريقة إدارة الجلسة وترتيب أولويات جدول أعمالها، ويتمسكون بإدراج تعديل اللائحة الداخلية قبل المضي في أي خطوات لاحقة بشأن الاتفاق.

ويفتح التصويتُ بالإجماع على الاتفاق البابَ أمام مرحلة جديدة من المسار السياسي؛ لكن مدى قدرة المجلس في الحفاظ على هذا التوافق وتنفيذ ما اتُّفق عليه سيظل مرتبطاً، وفق مراقبين محليين، بقدرته على احتواء الانقسام الداخلي بشأن آلية عمله وترتيبات المرحلة المقبلة.

وقال النواب المعترضون، في بيان، إنهم يقاطعون الجلسة التي دعت إليها رئاسة المجلس لعدم وجود جدول أعمال واضح، ولتجاهل ما أُقر في جلسة رسمية سابقة نصت على إعطاء الأولوية لبند تعديل اللائحة الداخلية في الجلسة التالية، إلى جانب تجاهل المطالبات اللاحقة بإدراج هذا البند.

وأكد الموقعون رفضهم المشاركة في أي جلسة لا تراعي الإجراءات والأصول المنظمة لعمل المجلس، ولا تستوفي الدعوة إليها العدد الكافي من توقيعات الأعضاء.

وقال النواب إن مخرجات لجنة «4+4» تحظى بتأييد 111 عضواً، لكنهم يرفضون التصويت عليها قبل إدراج تعديل اللائحة الداخلية بوصفه أولوية لتنظيم عمل المجلس. وأبدوا استغرابهم وأسفهم الشديد حيال «الأحداث التي مرت بها البلاد دون أن يستجيب لها المجلس بجلسة واحدة»؛ بسبب ما وصفوه بـ«تعطيل الرئاسة للجلسات».

رئيس جهاز الاستخبارات التركي مع رئيسَي مجلسَي «النواب» و«الدولة» الخميس الماضي (المركز الإعلامي لعقيلة صالح)

ولا يبدو أن الخلاف يقتصر على جلسة واحدة، فمطالبة النواب بتعديل اللائحة قبل التصويت على «4+4» تتصل؛ في جانب منها، بطريقة إدارة مجلس النواب وصلاحيات رئاسته وترتيب أولويات عمله.

ويربط المحلل المختص في الشأن الليبي جلال حرشاوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، التطورات الأخيرة بزيارة بالقاسم حفتر، نجل قائدِ «الجيش الوطني» المتمركزِ في شرق البلاد المشيرِ خليفة حفتر، أنقرةَ برفقة رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضي.

وقال حرشاوي إن الزيارة يمكن فهمها في إطار «تحرك تركي أوسع لا يقتصر على مواجهة التحركات الدبلوماسية للأمم المتحدة والولايات المتحدة، وإنما يرتبط أيضاً بطموحات صدام حفتر، نائب القائد العام، في الوصول إلى موقع متقدم في السلطة التنفيذية المقبلة».

ويرى حرشاوي أن أنقرة تحتاج إلى مجلس النواب لضمان تمرير ترتيبات واتفاقات مهمة بالنسبة إليها، «بما في ذلك مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها مع حكومة (الوفاق الوطني) الليبية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019».

وتأتي قراءة حرشاوي في أعقاب زيارة صالح وبالقاسم حفتر أنقرة، حيث التقيا مسؤولين أتراكاً، في تحرك لفت الانتباه إلى اتصالات تركيا مع معسكر شرق ليبيا، رغم دعمها السياسي والعسكري المعروف للحكومة الموجودة في طرابلس.

ويشير هذا التواصل إلى محاولة أنقرة الحفاظ على قنوات مع الأطراف الرئيسية في شرق ليبيا، في وقت تسعى فيه إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية واتفاقاتها الموقعة مع السلطات في طرابلس.

ووفق حرشاوي، فإن هذا السياق يساعد في تفسير الاصطفافات التي ظهرت داخل مجلس النواب خلال الأيام الأخيرة، حيث يمكن النظر إلى جزء من الخلاف بوصفه انعكاساً للتنافس على من سيحدد شكل المرحلة الانتقالية المقبلة.

وقال إن «كتلة من النواب تقف في هذا السياق إلى جانب صالح، بينما تصطف كتلة أخرى في مواجهته وفي اتجاه أقرب إلى مصالح صدام حفتر».

وتحاول بعثة الأمم المتحدة تحويل اتفاق الاجتماع المصغر لمجموعة «4+4» خطواتٍ عمليةً باتجاه الانتخابات الرئاسية والتشريعية، خصوصاً أنه ينص على إجرائها تحت سلطة تنفيذية واحدة، والعمل على تنظيمها خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع إخضاع الاتفاق للمصادقة من مجلسَي «النواب» و«الدولة» خلال شهر.

وكانت البعثة قد دشنت مسار الاجتماع المصغر «4+4» بعد تعثر اتفاق المجلسَين بشأن الإطار الانتخابي، وعدّت أن هذا الاجتماع تمكن من معالجة بعض أشد القضايا إثارة للخلاف في الإطار القانوني والدستوري للانتخابات وإعادة تشكيل «مجلس المفوضية».