لماذا تتمسك أوكرانيا بدبابات «ليوبارد» الألمانية وتتردد برلين في إرسالها؟

تعد الأقوى في العالم بعد «أبرامز»... لكنها أخف وأسرع وأدق وصيانتها أسهل ووقودها أقل من الأميركية

المستشار أولاف شولتس يقف أمام دبابة «ليوبارد» بحوزة الجيش الألماني (أ.ب)
المستشار أولاف شولتس يقف أمام دبابة «ليوبارد» بحوزة الجيش الألماني (أ.ب)
TT

لماذا تتمسك أوكرانيا بدبابات «ليوبارد» الألمانية وتتردد برلين في إرسالها؟

المستشار أولاف شولتس يقف أمام دبابة «ليوبارد» بحوزة الجيش الألماني (أ.ب)
المستشار أولاف شولتس يقف أمام دبابة «ليوبارد» بحوزة الجيش الألماني (أ.ب)

تسبب رفض ألمانيا إرسال دبابات «ليوبارد» إلى أوكرانيا، بخيبة أمل كبيرة لدى كييف التي كانت تعول على اجتماع رامشتاين في غرب ألمانيا لإقناع برلين بتغيير موقفها. ولم تنجح الضغوط الدولية ولا الداخلية، ولا مناشدة اللحظات الأخيرة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي توجه لوزراء الدفاع المجتمعين في غرب ألمانيا، عبر دائرة الفيديو، طالباً الدبابات، ومتعهداً بأنها «لن تدخل إلى روسيا»، بل ستستخدم فقط داخل الحدود الأوكرانية المعترف بها دولياً.
ورغم أن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، الذي ترأس الاجتماع في القاعدة العسكرية الأميركية، رفض توجيه انتقادات علنية لألمانيا في المؤتمر الصحافي الختامي، فقد نقلت «سي إن إن» عن مسؤول رفيع في إدارة بايدن لم تسمه، قوله إن الألمان «وضعونا فوق صندوق بارود»، وإنهم يرفضون القبول بالحلول المقدمة من الطرف الأميركي مقابل إرسال الدبابات. ويعني هذا أن ألمانيا وضعت الولايات المتحدة وحلفاء أوكرانيا في موقف صعب ولم تترك لهم كثيراً من الخيارات. ويوحي كلام المسؤول الأميركي بأن التسريبات عن شروط ألمانيا بإرسال دبابات «ليوبارد» ألمانية الصنع إلى أوكرانيا مرتبط بإرسال واشنطن دبابات «أبرام» أميركية الصنع، صحيحة، رغم نفي وزير الدفاع والمتحدث الحكومي الألماني لذلك.
وتحاول واشنطن حث برلين على إرسال هذه الدبابات التي باتت أوكرانيا بأمس الحاجة إليها، بعد أن دُمرت أو تعطلت معظم دباباتها التي استخدمتها منذ بداية الحرب، وكانت بمعظمها دبابات سوفياتية الصنع أرسلتها إليها دول أوروبية من مخزونها. وحتى الآن، لم ترسل أي دولة دبابات غربية الصنع إلى أوكرانيا، ولم تتعهد إلا لندن بإرسال «تشالنجر» بريطانية الصنع إليها، التي قالت إنها سترسل إليها 14 دبابة منها.
ويطرح هذا الجدل أسئلة كثيرة، من بينها سبب تمسك أوكرانيا وحلفائها بها تحديداً، وسبب تردد برلين بإرسالها.
وقد أجابت برلين نفسها عن السؤال الثاني، عندما قال وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس، إنه «علينا التفكير بالنتائج التي قد تنجم عن إرسالها»، وهو ما عبر عنه كذلك الرئيس الألماني فرنك فالتر شتاينماير. وتتخوف ألمانيا فعلاً من رد فعل روسيا ومن إمكانية أن تعد ذلك تصعيداً في الحرب، تتسبب به ألمانيا مباشرة، ما قد يعرضها لـ«انتقام روسي». وتنبع هذه المخاوف من قدرة هذه الدبابات التي قد تحدث فرقاً على أرض المعركة، في وقت وصلت فيه الحرب إلى نقطة حساسة، وتتخوف فيها أوكرانيا من عملية روسية جديدة في الربيع.
وتعد دبابات «ليوبارد 2» من الأقوى في العالم، وتحل ثانية بعد دبابات «أبرامز» الأميركية، بحسب الخبراء العسكريين. ولكن تشغليها وصيانتها أسهل بكثير من الدبابات الأميركية التي تحتاج إلى وقود طائرات، فيما تحتاج الدبابات الألمانية إلى الديزل لتشغيلها وتقتصد أكثر في مصروف الطاقة من الدبابة الأميركية. وتتحدث واشنطن عن صعوبات تقنية في رفضها إرسال دبابات «أبرامز» لأوكرانيا، من بينها استهلاك الوقود الكبير والخاص وصعوبة صيانتها. وبدأ تصنيع دبابات «ليوبارد 2» في عام 1979 بألمانيا الغربية كدبابة قتال رئيسية يمكنها التصدي للدبابات السوفياتية أيام الحرب الباردة. ومقارنة بالدبابات الأخرى بريطانية الصنع والفرنسية والأميركية، تعد «ليوبارد» أخف وزناً وأسرع حركة ويمكنها أن تصيب أهدافاً أدق وأبعد. وتصل مسافة المدافع التي يمكن أن تطلقها إلى 5 آلاف متر.

وزير الدفاع البولندي أمام دبابة «أبرامز» الأميركية (إ.ب.أ)

وقد اشترت 14 دولة أوروبية هذه الدبابات التي تستخدم ضمن قوات «الناتو»، ما يعني أنها متوفرة بمخزون كبير في أوروبا، ما يسهل إرسالها إلى أوكرانيا. وأبدى عدد من الدول، من بينها بولندا وفنلندا وهولندا، رغبتها في إرسالها إلى أوكرانيا، ولكنها بحاجة للحصول على إذن من ألمانيا، الدولة المصنعة، التي بحسب العقود الموقعة، سيكون عليها السماح بإرسال الدبابات إلى دولة ثالثة.
وتشير التقديرات إلى وجود نحو 1150 دبابة «ليوبارد» لدى الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا، فيما تطالب أوكرانيا بمائة منها، وتقول إنها ستكون كافية لردع الهجوم الروسي وشن هجمات لاستعادة أراضيها. ويقدر خبراء عسكريون أن تحتاج أوكرانيا 300 دبابة وليس 100، لكي تتمكن من صد ودفع الجيش الروسي. ومع ذلك، يحذر خبراء عسكريون من أن إرسال هذه الدبابات لن يكون «الحل السحري» لفوز أوكرانيا في الحرب، رغم اعترافهم بأنها ستحدث فرقاً على الأرض. ونقلت وسائل إعلام أميركية عن الجنرال الأميركي المتقاعد بن هودجز، قوله إنه «لا يوجد حل سحري هنا، وليس هناك سلاح واحد يمكنه أن يغير في موازين المعركة بشكل كلي». ولكنه أضاف أن الدبابات الغربية يمكنها أن تلعب دوراً في المعارك إلى جانب الأسلحة المرسلة إليهم. ويقول محللون في ألمانيا إن دبابات «ليوبارد» إلى جانب مدرعات «ماردر» الألمانية لنقل الجنود، يمكنها بالفعل أن تحدث فرقاً على الأرض وتستخدم لتغطية المشاة الذين يتقدمون إلى جانب الدبابات باستخدام مدرعات «ماردر» لنقل الجنود.
ولم تقفل ألمانيا الباب نهائياً على إرسال الدبابات، وقالت إنها لم تقرر بعد، ولكنها رفضت تحديد أطر زمنية لقرارها. ولم يساعد خروج الخلافات الأميركية - الألمانية إلى العلن، بل يبدو أنها دفعت ألمانيا للتشدد أكثر بموقفها وعدم الانصياع للضغوط عليها. وقد تتخذ ألمانيا قرار السماح للدول التي لديها مخزون من دبابات «ليوبارد» بإرسالها إلى أوكرانيا قبل أن تقرر إرسال الدبابات من مخزونها، وذلك لأن مخزون الجيش الألماني من هذه الدبابات ليس كبيراً. وتقدر عدد الدبابات منها لدى ألمانيا بنحو 300 دبابة، رغم أن لديها في مخزونها نماذج أقدم أخرجتها من الخدمة. وأبدت أوكرانيا استعدادها للحصول على النماذج الأقدم، ولكن إعادة تأهيلها يتطلب وقتاً. وتناقلت وسائل إعلام ألمانية أن شركة الأسلحة المصنعة لديها 90 دبابة من النموذج الأول الأضعف والأقل فاعلية.
ويقول محللون في ألمانيا إن قرار إرسال الجيش الألماني الدبابات من مخزونه يضعه في مأزق لاستبدالها، وإن هذا سيتطلب وقتاً ويقف في وجه مشروع إعادة تأهيل الجيش الألماني الذي أقرته الحكومة بعد الحرب في أوكرانيا. وتقول شركة الأسلحة الألمانية المصنعة، التي صنعت أكثر من 3 آلاف دبابة منها منذ بدء تصنيعها في السبعينات، إن طلبات جديدة ستستغرق بين عام وعام ونصف العام لتسليمها.
ونقلت مجموعة صحف «فونكه» الألمانية عن الجنرال المتقاعد في الجيش الألماني هانس - لوثر دومروز، قوله إن الحكومة الألمانية قد تقرر إرسال دبابات «ليوبارد» من مخزون الجيش، ولكن عددها لن يتجاوز 14 كحد أقصى. وشككت النائبة إيفا هوغل العضوة في لجنة الدفاع والتي تنتمي إلى الحزب الاشتراكي الحاكم، في إمكانية تخلي الجيش الألماني عن هذه الدبابات. وقالت لصحيفة «فرنكفورتر» إن الجيش لا يمتلك معدات كافية لاستخدامها.
ولكن فيما يدافع الاشتراكيون عن موقف شولتس، تزداد الانتقادات من الأحزاب الأخرى لتلكئه في اتخاذ القرار، منها الحزبان المشاركان في الحكومة «الخضر» و«الليبراليين». وقد دعت بالأمس رئيس لجنة الدفاع في «البوندستاغ» النائب ماري - أغنس شترك - زيمرمان التي تنتمي للحزب الليبرالي، إلى بدء تدريب القوات الأوكرانية على استخدامها، وبانتظار قرار المستشار أولاف شولتس، تفادياً لتضييع مزيد من الوقت، واصفاً قرار الرفض حتى الآن بالمؤسف. كما تحدثت بولندا أيضاً عن أنها ستبدأ بتدريب الجنود الأوكرانيين عليها، وبانتظار هي الأخرى قرار برلين، فيما طلب وزير الدفاع الألماني الجديد أن يجري الجيش جردة في مخزونه لتحديد عدد الدبابات من طراز «ليوبارد» لديه أيضاً، تفادياً لإضاعة مزيد من الوقت في حال قرر المستشار إرسال الدبابات أخيراً إلى كييف التي تطالب بها منذ مارس (آذار) الماضي.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يرد على منشور ترمب بشأن الهجمات على صناعة النفط الروسي

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يحضر فعالية في منطقة إيفانو فرانكيفسك بأوكرانيا 18 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

زيلينسكي يرد على منشور ترمب بشأن الهجمات على صناعة النفط الروسي

رفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي انتقادات نظيره الأميركي دونالد ترمب للهجمات الأوكرانية على صناعة النفط الروسية قبل الاجتماع المزمع بين الرئيسين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز) p-circle

ماكرون سيتحدث «بصراحة» مع ترمب في نيويورك

يعتزم الرئيس الفرنسي خلال لقائه المرتقب مع نظيره الأميركي، الاثنين، التحدث معه «بصراحة» لمحاولة «توجيهه نحو القرارات الصائبة»، ولا سيما في شأن أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
أوروبا رد فعل بائع كتب بينما يحاول رجال الإطفاء إخماد حريق في سوق كتب استهدفها هجوم صاروخي روسي على كييف (أ.ب) p-circle

محققون أمميون يحذرون من تداعيات استهداف البنى التحتية في أوكرانيا وروسيا

حذّر محققون تابعون للأمم المتحدة من أن تصاعد الهجمات على البنى التحتية في كل من أوكرانيا وروسيا يجعل المدنيين أكثر عُرضة للخطر مع اقتراب الشتاء.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا عاملان في لجنة انتخابية يفرغان صندوق اقتراع لعد الأصوات بمدينة كراسنويارسك في سيبريا الأحد (د.ب.أ)

«روسيا الموحدة» يكتسح مقاعد «الدوما» في انتخابات جددت البيعة لسياسات بوتين

وسَّع الحزب الحاكم سيطرته داخل البرلمان الروسي بشكل ملحوظ، وبعدما كان يستحوذ في البرلمان السابق على 310 مقاعد من أصل 450 مقعداً بات يسيطر حالياً على 355 مقعداً.

رائد جبر (موسكو)
العالم نيران وأعمدة دخان تتصاعد من مصفاة نفط رئيسية قرب موسكو بعد استهدافها في هجوم أوكراني الأحد (رويترز) p-circle

ترمب يدعو إلى إنهاء حرب أوكرانيا ويشير لتضرر روسيا

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ​الاثنين، إن روسيا «فقدت السيطرة» على قطاع وقود الديزل لديها، وكرر مرة أخرى دعوته لإنهاء ‌حرب موسكو ​على ‌أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
TT

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)

رفعت مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية دعوى قضائية أمام محكمة اتحادية في الولايات المتحدة ضد شركة «أوبن إيه آي»، على خلفية اتهامات بعدم إبلاغ السلطات عن تفاعلات مقلقة عبر تطبيق «تشات جي بي تي» سبقت حادث إطلاق نار في مدرسة ببلدة تامبلر ريدج، أسفر عن مقتل 8 أشخاص، بينهم 6 أطفال.

ونفّذت الهجوم، الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، ويُعدّ أحد أسوأ حوادث إطلاق النار الجماعي في تاريخ كندا، فتاة تُدعى جيسي فان روتسيلار، تبلغ من العمر 18 عاماً، قبل أن تنتحر عقب إطلاق النار.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، كانت الشركة قد اعتذرت سابقاً عن عدم إبلاغ سلطات إنفاذ القانون بشأن حساب جيسي على «تشات جي بي تي»، بعدما أثار مخاوف لدى فريق السلامة في الشركة بسبب إشارات إلى العنف باستخدام الأسلحة، وذلك قبل وقوع الهجوم بأشهر.

وصرحت نيكي شارما، المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا البريطانية، بأن الدعوى القضائية تثير تساؤلات حول «مسؤوليات شركات التكنولوجيا عندما تدرك وجود تهديدات موثوقة بوقوع أعمال عنف جسيمة».

وأضافت شارما: «حتى الآن، لم تتخذ (أوبن إيه آي) خطوات ملموسة لمعالجة المخاوف التي أثارها الناجون وعائلات الضحايا وسكان تامبلر ريدج».

وتابعت قائلة: «لا تزال الشركة تملك فرصة لإثبات تحملها للمسؤولية من خلال تعزيز تدابير الحماية، وتحسين الشفافية، واتخاذ إجراءات فعلية للمساعدة في منع وقوع مآسٍ مماثلة في المستقبل».

وأوضحت شارما للصحافيين أنها لم تطلع على محتوى المحادثات التي أجرتها جيسي عبر «تشات جي بي تي»، مشيرة إلى أن حكومتها طلبت من الشركة الكشف عنها، لكنها رفضت ذلك. وقالت: «علينا جميعاً أن نسألهم: لماذا؟».

كما صرحت شارما بأن أي تعويضات مالية قد تحصل عليها المقاطعة من القضية ستُخصص لإعادة بناء المدرسة الثانوية التي وقعت فيها المأساة.


الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.


وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)

دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران أمس الاثنين إلى وقف تسليحها ودعمها للحوثيين في اليمن، معتبرين أن ذلك يمثل نمطا خطيرا من التصعيد ينذر بتقويض التجارة الدولية ويؤدي إلى عدم استقرار عالمي.

وقال وزراء خارجية بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة في بيان صدر عقب اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة «نستنكر بأشد العبارات الضربات المستمرة وغير المقبولة التي ينفذها الحوثيون في اليمن ضد المملكة العربية السعودية».

وأضافوا «ندعو الحوثيين إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية والتهديدات والهجمات على السفن المدنية، والعودة إلى العملية السياسية بحسن نية».