«ليوبارد» ليست على قائمة الدعم العسكري لكييف حالياً... و«إبرامز» الأميركية مستبعدة كلياً

اجتماع رامشتاين لم يناقش السماح لدول أخرى بتصديرالدبابات... وبرلين تقول «لن تقف عائقاً أمام الدول التي تريد زيادة مساعداتها»

وزير الدفاع الأميركي يتوسط نظيريه الأوكراني (يمين) والألماني (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الأميركي يتوسط نظيريه الأوكراني (يمين) والألماني (إ.ب.أ)
TT

«ليوبارد» ليست على قائمة الدعم العسكري لكييف حالياً... و«إبرامز» الأميركية مستبعدة كلياً

وزير الدفاع الأميركي يتوسط نظيريه الأوكراني (يمين) والألماني (إ.ب.أ)
وزير الدفاع الأميركي يتوسط نظيريه الأوكراني (يمين) والألماني (إ.ب.أ)

فشلت الضغوط الدولية والداخلية بإقناع ألمانيا باتخاذ قرار سريع في إرسال دبابات «ليوبارد» الألمانية الصنع والمتطورة إلى أوكرانيا، والتي تطالب بها كييف منذ مارس (آذار) الماضي. وخرج وزير الدفاع الألماني الجديد بوريس بيستوريوس من اجتماع لمجموعة دعم أوكرانيا الذي ترأسه وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، في قاعدة رامشتاين بغرب ألمانيا، ليعلن أن «هناك انقساماً» بين الحلفاء حول إرسال الدبابات، وأن ألمانيا ليست «وحدها من يعرقل» الأمر، وأنها لن تتعجل في اتخاذ القرار.
وأضاف بيستوريوس أن هناك «حججاً مع إرسال الدبابات وحججاً ضد إرسالها»، مشيراً إلى ضرورة دراسة «النتائج التي قد يتسبب بها» قرار إرسال تلك الدبابات، في إشارة إلى المخاوف من إمكانية تسبب هذه الدبابات بتصعيد الصراع. ومع ذلك، قال بيتوريوس إنه أمر الجيش بأن يجري جردة على دبابات «ليوبارد» الموجودة لديه، «استعداداً للأسوأ». وقال: «عندما يتم اتخاذ القرار أريد أن أكون جاهزاً للتنفيذ».
ورفض وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن توجيه انتقادات مباشرة لألمانيا في المؤتمر الصحافي الختامي الذي عقده، وتفادى الرد على الأسئلة التي تكررت حول رفض ألمانيا إرسال دبابات «ليوبارد». وقال رداً على سؤال حول إذا ما كانت ألمانيا تقوم بما يكفي لمساعدة أوكرانيا: «نعم، ولكن كلنا بإمكاننا القيام بالمزيد». وأضاف أن ألمانيا «شريك موثوق به منذ مدة طويلة، ومن المؤكد ستبقى كذلك». وركز أوستن على التعهدات العسكرية الجديدة من الدول المختلفة والتي تضمنت أنظمة صواريخ دفاعية ودبابات ومدرعات نقل جنود.
وكان وزير الدفاع الألماني الذي تسلم مهامه قبل يومين فقط، قد أخرج نفسه من مسؤولية اتخاذ قرار السماح لدول أخرى بإرسال دبابات «ليوبارد» إلى أوكرانيا، قائلاً إن «هكذا قرار يعود للمستشار» أولاف شولتس. ولكنه أشار إلى أن اجتماع رامشتاين لم يناقش مسألة التراخيص والسماح لدول أخرى بتصدير الدبابات، مضيفاً أن ألمانيا لن تقف عائقاً أمام الدول التي تريد زيادة مساعداتها لأوكرانيا. وبحسب العقود الموقعة مع ألمانيا، فإن على الدول التي اشترت دبابات «ليوبارد» منها، الحصول على إذن مسبق قبل إرسالها إلى دولة ثالثة. ورغم ذلك، حرص بيستوريوس على التأكيد بأن ألمانيا مستمرة بدعمها لأوكرانيا حتى ولو تأخر قرار إرسال دبابات «ليوبارد». وشدد على أن برلين ستركز على إرسال مضادات للصواريخ قادرة على التصدي للصواريخ الروسية، مشيراً إلى أن «هذه الأولوية» في الوقت الحالي.
ولكن أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو) يانس ستولتنبرغ المشارك في الاجتماع، بدا متفائلاً، وقال في ختامه بأن «المشاورات حول دبابات (ليبوبارد) مستمرة». وحرص ستولتنبرغ على تجنب انتقاد ألمانيا، وقال رداً على سؤال حول ما إذا كان موقف برلين يضر بالوحدة الأوروبية: «ألمانيا رائدة في دعم أوكرانيا في الكثير من المجالات». ورأى ستولتنبرغ أن التعهدات الإضافية التي خرجت بها الدول الحليفة لأوكرانيا، لإرسال «مئات الآليات المدرعة ومركبات قتال المشاة والدبابات، كلها ستحدث فرقاً كبيراً» في أوكرانيا. وأضاف أن هذه الأسلحة الجديدة «لن تسمح لأوكرانيا بالدفاع عن نفسها فحسب، بل أيضاً بشن عمليات دفاعية لاستعادة أراض».
وتحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في بداية اجتماع وزراء دفاع 50 دولة، ودعا المجموعة إلى عدم تضييع وقت أكثر واتخاذ قرارات سريعة بإرسال الأسلحة التي تحتاجها بلاده. وقال زيلينسكي الذي تحدث بالإنجليزية عبر دائرة الفيديو، إن «روسيا لديها عامل الوقت»، وإن التباطؤ في اتخاذ القرارات لا يساعد بلاده.
وكانت بولندا قد هددت بأنها قد ترسل دبابات «ليوبارد» التي كانت اشترتها من ألمانيا، حتى ولو لم تكن هناك موافقة من برلين، ووصفت الموافقة بأنها «أمر ثانوي». ولكن وزير دفاعها ماريوس بلازكزاك عاد ليلمح في رامشتاين، أمس، بأن بولندا ستنتظر موافقة ألمانيا، مبدياً تفاؤله من أن ذلك قد يحصل قريباً. وأبدت دول أخرى أوروبية مثل هولندا والتشيك وسلوفينيا وفنلندا، رغبتها بإرسال دبابات «ليوبارد» إلى أوكرانيا في حال وافقت ألمانيا. ولكن برلين تقول بأنها لم تتلق أي طلب بعد من أي دولة لإرسال الدبابات إلى أوكرانيا.
وكان الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير قد دافع عن موقف بلاده، وقال بأنه يجب التريث باتخاذ هكذا قرار والتفكير بتأثيره ونتائجه، في إشارة المخاوف من تصعيد الصراع، وهو ما كرره بيستوريوس بعد اجتماع رامشتاين. ولكن فيما يتروى المستشار الألماني المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي باتخاذ قرار إرسال دبابات «ليوبارد» إلى أوكرانيا، فإن الحزبين الآخريْن في الحكومة يحثّانه على إرسالها. وحذرت رئيسة لجنة الدفاع في البوندتساغ ماري أغنيس شتراك - زيمرمان من أن يؤدي موقف ألمانيا لانقسام في أوروبا، دعتها للموافقة على إرسال الدبابات فوراً.
ونقلت صحف ألمانية قبل يومين أن شولتس أبلغ الرئيس الأميركي جو بايدن أن بلاده لن ترسل دبابات «ليوبارد» إلا إذا أرسلت واشنطن دبابات «أبرامز» الأميركية الصنع. ولكن المتحدث باسم الحكومة نفى أمس حصول ذلك أو ربط الأمرين ببعض، وقال: «لا يمكنني أن أتخيل أن يملي مستشار ألمانيا أي شروط على الرئيس الأميركي». ونفى أيضاً وزير الدفاع الألماني ربط إرسال دبابات «ليوبارد» بدبابات «أبرامز»، قائلاً في مقابلة مع القناة الألمانية الأولى عشية اجتماع رامشتاين، إنه على غير علم بهكذا شروط مسبقة. وسئل وزير الدفاع الأميركي أوستن عن شرط ألمانيا، فاكتفى بالرد بأن وزير الدفاع الألماني أجاب وقال بأن الأمر غير صحيح.
وتحاول واشنطن حثّ برلين على إرسال دبابات «ليوبارد» إلى كييف في «لحظة محورية» من الحرب كما يكرر المسؤولون الأميركيون الذين يخشون هجوماً جديداً وشيكاً لروسيا للتوسع داخل أوكرانيا. وحث وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن الدول الحليفة على الاستمرار بدعمها بالزخم نفسه، وزيادة الدعم العسكري حتى. وتقول واشنطن إن إرسال دبابات «أبرامز» معقد تقينياً؛ بسبب عدم القدرة على صيانتها وعدم سهولة ملئها مقارنة بالدبابات الألمانية.
واستبعد مسؤولون دفاعيون أميركيون احتمال تقديم دبابات «إبرامز»، وأكد هؤلاء أن السبب الرئيسي يتعلق بصعوبة نقلها بسرعة، وصيانتها وتوفير وقودها الخاص، وتدريب الأوكرانيين على معداتها المعقدة، ما يجعل من احتمال تسليمها ووضعها في الخدمة في الوقت المناسب أمراً مستحيلاً، قبل هجوم الربيع الروسي المتوقع، حتى ولو وافقت واشنطن على ذلك الآن. وما زاد من تعقيد الأمور أن قادة وخبراء عسكريين أميركيين وغربيين، حذروا في الأسابيع الأخيرة من أنه ليس من الواضح ما إذا كان إمداد الدبابات الغربية بما في ذلك دبابات «ليوبارد»، ستصل إلى الجبهة بسرعة كافية لمواجهة تهديد هجوم الربيع الروسي، فضلاً عن العدد الذي يمكن توفيره منها، والتدريب عليها، الذي قد يستغرق شهوراً، أم لا.
هذا وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تفاصيل المساعدة العسكرية الجديدة، بقيمة 2.5 مليار دولار، وهي ثاني أضخم حزمة منذ بدء واشنطن تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، التي بلغت حتى الآن 26.7 مليار دولار. وقال بيان البنتاغون إن الحزمة «تهدف إلى تلبية الاحتياجات الدفاعية والأمنية الحيوية لكييف».
ورغم أن تسليم أوكرانيا مركبات «سترايكر» سيعزز ترسانتها العسكرية ويساعدها في تلبية حاجتها الماسة للدروع، في حرب يتوقع أن يكون فيها سلاح الدبابات والانتقال السريع على خطوط القتال، وحماية الجنود من القصف المدفعي والصاروخي، هو السلاح الرئيسي، فإنها ليست كافية للرد على الهجوم الروسي المتوقع، في الوقت الذي تعيد فيه موسكو تكوين مخزونها العسكري والمدفعي، خصوصاً سلاح الدبابات الذي تعرض لخسائر جسيمة خلال الحرب. وبحسب الخبراء العسكريين، فإن مركبة «سترايكر» يمكنها أن تقيم توازناً بين دبابة القتال الثقيلة وناقلة الجند المدرعة. غير أنها لن تكون قادرة على القيام بمهام دبابة «ليوبارد» الألمانية. حتى الآن، استخدمت كل من أوكرانيا وروسيا دبابات الحقبة السوفياتية في المعركة، في حين أن دبابة «ليوبارد» ستكون خطوة كبيرة إلى الأمام في القدرات. وستساعد في تعويض تفوّق روسيا في قوة نيران المدفعية التي مكنتها من الاستيلاء على مدينتين في مقاطعة لوهانسك، شرق أوكرانيا خلال الصيف. وقال الخبراء إن الميزة الرئيسية للدبابة الألمانية، هي الكمية التي يمكن إرسالها إلى أوكرانيا والسهولة النسبية للإصلاح والخدمات اللوجيستية، فضلاً عن امتلاكها من قبل العديد من الدول الأوروبية التي يمكنها بسهولة توفير خدمات الصيانة والتدريب والتعويض عن الخسائر.


مقالات ذات صلة

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...