رئيس «دافوس» لـ«الشرق الأوسط»: انعدام الأمن الغذائي تضاعف منذ 2019

دعا إلى انتقال «عادل» للطاقة وعبّر عن «تفاؤل حذر» حيال العلاقات الأميركية ـ الصينية

رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (إ.ب.أ)
رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (إ.ب.أ)
TT

رئيس «دافوس» لـ«الشرق الأوسط»: انعدام الأمن الغذائي تضاعف منذ 2019

رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (إ.ب.أ)
رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (إ.ب.أ)

يجتمع قادة العالم في دافوس هذا العام، في ظل ظروف اقتصادية وسياسية هي الأعقد منذ عقود. ورغم إقبال نخبة العالم على المنتدى الاقتصادي العالمي، يتساءل البعض عن قدرته على الاستمرار في ظل تراجع العولمة وتفاقم التصدعات الجيوسياسية. ويقر رئيس «دافوس»، بورغه برنده، بحدة التهديدات التي تواجه الاقتصاد العالمي، إلا أنه يعتبرها دليلاً جديداً على أهمية المنصة التي يوفرها المنتدى. ورأى برنده، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن التعاون الدولي هو السبيل الأوحد لمواجهة تباطؤ النمو الاقتصادي، وتخفيف آثار التغير المناخي، وتحقيق انتقال عالمي للطاقة عادل ومستدام. إلى ذلك، حذّر وزير خارجية النرويج السابق، من الارتفاع السريع في مستويات انعدام الأمن الغذائي، وقال إن العالم بحاجة إلى انتقال طاقي «عادل»، معتبراً أن منطقة الخليج تزخر بإمكانات هائلة قد تضعها في قلب هذا التحول.

استبعاد روسيا

للعام الثاني على التوالي، استبعد المنتدى الاقتصادي العالمي روسيا، وتحفّظ عن توجيه دعوات لممثليها من القطاعين العام والخاص. وبدا برنده واثقاً من القرار، مشيراً إلى استمرار حرب روسيا في أوكرانيا. وقال: «منذ عام تقريباً، وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي بياناً قال فيه إن (جوهر منظمتنا هو إيمانها بالاحترام والحوار وجهود الشراكة والتعاون. لذلك، ندين بشدة العدوان الروسي على أوكرانيا، والهجمات والفظائع). كما أوضحنا أننا لا نتعامل مع أي فرد أو كيانات خاضعة للعقوبات». وأضاف رئيس «دافوس»: «للأسف، تواصل روسيا حربها في أوكرانيا، لذلك نحافظ على سياستنا».
وفيما تغيب موسكو عن التجمع الاقتصادي الأكبر، تشارك كييف بوفد رفيع، كما يوجّه الرئيس فولوديمير زيلينسكي وزوجته أولينا زيلينسكا كلمتين منفصلتين للمشاركين. ولفت برنده في هذا الصدد إلى الدعم الإنساني الذي يقدمه المنتدى لأوكرانيا. وأوضح: «نواصل المساعدة في حشد شركاء الأعمال لدعم الجهود الإنسانية. على سبيل المثال، عمل فريق الطوارئ اللوجستية (LET) الذي أطلقه المنتدى الاقتصادي العالمي - وهو تحالف من أربع شركات لوجستية عالمية رائدة هي Agility، وA.P. Moller-Maersk، و DP World، وUPS، مع وكالات الأمم المتحدة في عام 2022 لنقل إمدادات أساسية إلى البلاد».

برنده إلى جوار أولينا زيلينسكا، السيدة الأوكرانية الأولى، لدى مخاطبتها المنتدى (رويترز)

مرحلة حرجة

دافع برنده عن أهمية المنتدى الذي يرأسه، والذي استقبل هذا العام قرابة 2700 مشارك، بينهم قادة دول ووزراء مالية ورواد أعمال. وقال: «ندخل عام 2023 في مرحلة حرجة، حيث تحتاج أزمات المناخ والغذاء والصحة والأزمة الاقتصادية إلى إجراءات منسقة. كما يشير تقريرنا حول المخاطر العالمية لعام 2023، إلى أن هذه الأزمات المترابطة تهدد بتأجيج الانقسامات، ما قد يتسبب في تقويض تنسيق السياسات (بين الدول)». وتابع: «اليوم، يجب على الحكومات والشركات والمجتمع المدني أن توحد صفوفها. وكما تلتقي الأزمات، ينبغي أن تتقارب الحلول».
لهذه الأسباب، يرى برنده أن الدور الذي يلعبه المنتدى «أهم من أي وقت مضى». وأوضح: «يلعب المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو المنظمة الدولية للتعاون بين القطاعين العام والخاص، دوراً حاسماً»، مؤكداً أنه لا يزال «مقتنعاً بأن دورنا وقيمنا التوجيهية أكثر أهمية من أي وقت مضى». وأضاف: «يوفر اجتماعنا السنوي فرصة مثالية للقادة من جميع أنحاء العالم للتركيز على إيجاد الحلول وتسريعها. موضوع اجتماعنا السنوي هذا العام هو (التعاون في عالم منقسم). سيقوم اجتماعنا بتقييم هذه الأزمات، بما يشمل آثارها وأسبابها والتفاعل فيما بينها، ويتطلع إلى رسم مسار مشترك نحو مستقبل مشترك أكثر استدامة ومرونة».

ارتفاع مستويات الفقر

حذّر برنده من ارتفاع مستويات الفقر، ودعا إلى تعزيز الجهود لتحقيق نمو شامل ومستدام. واستند رئيس دافوس إلى معطيات أممية تشير إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى أكثر من الضعف منذ عام 2019، وذلك وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي. فيما حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن ارتفاع تكاليف المعيشة يدفع عشرات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم إلى الفقر. وأكد برنامج الأغذية العالمي أن عام 2022 كان عاماً من الجوع غير المسبوق، وقال إن عدد الأشخاص الذين يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد ارتفع من 135 مليوناً إلى 345 مليوناً منذ عام 2019.
في الوقت نفسه، أشار برنده إلى أن «الاقتصاد العالمي يواجه اضطرابات مهمة، إذ من المتوقع أن يتباطأ النمو إلى 2.7 في المائة هذا العام، وفقاً لصندوق النقد الدولي. وهذا أمر مقلق للغاية». وقال: «نحن بحاجة إلى العمل معا لتقديم أجندة نمو شاملة ومستدامة. ولطالما كان هذا الموضوع محورياً في مهمة المنتدى الاقتصادي العالمي لأكثر من 50 عاماً، حيث دافعنا عن رأسمالية أصحاب المصلحة منذ عام 1971، والتي تدعو أصحاب الأعمال إلى مراعاة مصالح جميع الفئات في المجتمع».

برنده محاوراً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في دافوس (د.ب.أ)

تفاؤل حذر

حذّر تقرير المخاطر الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي من تأثير الخلافات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي وبيئة الأعمال. بيد أن استئناف المحادثات رفيعة المستوى بين واشنطن وبكين يبعث ببعض الأمل. وقال برنده في هذا السياق إنه «واقعي» بشأن المشهد الجيوسياسي الحالي، ولكنه «متفائل بحذر». وأوضح: «في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، التقى الرئيسان شي جينبينغ وجو بايدن في بالي، حيث تحدثا عن الحاجة إلى تجنب الصراع وضرورة عمل بلديهما معاً لمواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ». وتابع أنه «بعد فترة وجيزة من هذه القمة، استؤنفت محادثات المناخ الرسمية بين مبعوثي الولايات المتحدة والصين للمناخ جون كيري وشي جينهوا، بعد أن كانت قد توقفت في وقت سابق من العام الماضي».
واعتبر برنده هذا التطور «مشجعاً؛ لأن تحقيق عالم أكثر مرونة يتطلب معالجة التحديات العالمية. يجب أن تكون هناك إرادة لدى (كل من واشنطن وبكين) لبناء علاقة رابحة للجانبين. من مصلحة الصين والولايات المتحدة والعالم أن يحدث ذلك».

تغير المناخ

في خضمّ الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالعالم وارتفاع أسعار الطاقة، يخشى البعض من تراجع جهود مكافحة المناخ. وقال برنده إنه «من المهم للغاية أن نظل مركزين على أزمة المناخ. كان العام الماضي من بين الأكثر دفئاً على الإطلاق، وشهد أحداثاً مناخية قاسية على مستوى العالم، من الفيضانات في باكستان والحرائق في أوروبا وذوبان الصفائح الجليدية في القطبين». وتابع: «يجب أن نضع الصناعات الرئيسية، خاصة تلك المتسببة في أعلى المستويات من الانبعاثات، على طريق الحياد الكربوني».
وذكر برنده أن المنتدى أطلق عام 2021 تحالفاً لتخفيض الانبعاثات الكربونية بالشراكة مع وزارة الخارجية الأميركية، وهو يشمل اليوم 65 شركة رائدة بقيمة سوقية إجمالية تقارب 8 تريليونات دولار. وقال: «خلال (كوب 27)، التزم أعضاء التحالف بتخصيص 12 مليار دولار من ميزانية التزامات الشراء لعام 2030 للتقنيات الخضراء». واستدرك: «لكن لا يزال هناك الكثير للقيام به. سيكون العمل المناخي موضوعاً رئيسياً لاجتماعنا السنوي، حيث إن التعاون العالمي المنسق هو السبيل الوحيد لمعالجة هذه الأزمة غير المسبوقة»، معتبراً تغيّر المناخ «قضية حرجة في الشرق الأوسط، حيث ننتقل من كوب 27 في مصر العام الماضي، إلى كوب 28 في الإمارات في وقت لاحق من هذا العام».

أزمة الطاقة

قال رئيس منتدى دافوس إن العالم يواجه أزمة طاقة حقيقية، تتطلب تحولاً عادلاً، ويأخذ بعين الاعتبار مكافحة تغير المناخ. وأوضح أن العالم يواجه اليوم «ما أطلقت عليه وكالة الطاقة الدولية (أول أزمة طاقة عالمية حقيقية)، مع ارتفاع الأسعار حول العالم. في الوقت ذاته، هناك حاجة ملحة لاتخاذ إجراءات بشأن تغير المناخ، واعتماد تغييرات عاجلة في طريقة إنتاجنا للطاقة واستهلاكها».
وشدد برنده على أهمية «ضمان أن يكون انتقال الطاقة عادلاً، وبتكلفة مقبولة، وألا يترك الناس أو البلدان وراء الركب. سيكون العمل الشامل والتفكير المنهجي حول الطاقة أمراً حاسماً، إذا أردنا بناء اقتصاد عالمي أقوى وأكثر استدامة وشمولية يناسب الجميع». وتابع: «كما ذكر تقريرنا حول (تأمين انتقال الطاقة)، سيكون التعاون بين أصحاب المصلحة، والحوار المفتوح، وتنسيق السياسات السبيل الوحيد لتحقيق ذلك».

نمو وإصلاحات

في الوقت الذي يتوقع فيه تراجع النمو العالمي، قدّمت منطقة الخليج، بقيادة السعودية، مؤشرات على قوة اقتصاداتها في وجه التحديات الخارجية. وقال برنده إن السعودية «شهدت معدل نمو للناتج المحلي الإجمالي تجاوز 8 في المائة العام الماضي، وفقاً للبنك الدولي»، معتبراً أن ذلك «يرجع إلى حد كبير إلى أسواق الطاقة التي كانت قوية بالنسبة للمنتجين». وتابع: «أوضحت الحكومة السعودية، من خلال إصلاحاتها ضمن (رؤية 2030)، أنها ملتزمة باتخاذ خطوات نحو تنويع اقتصادها، بل تطمح لتوليد 50 في المائة من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030».
وبالنظر إلى ارتفاع درجة حرارة منطقة الخليج بمعدل ضعفي المتوسط العالمي، فإن «اتباع سياسات تعمل على تعزيز التحول الذكي للطاقة والعمل على التخفيف من تغير المناخ يمكن أن يساعد في تخفيف تكاليف التكيف في المستقبل»، وفق برنده. وأضاف: «الأهم من ذلك، يمكن أن تقدم دول الخليج وحدات لتوليد الطاقة المتجددة، وخاصة منها الطاقة الشمسية، من بين الأقل تكلفة في العالم، ما قد يمكن المنطقة من أن تصبح في قلب الانتقال العالمي للطاقة. هناك إمكانات هائلة».
ولدعم هذه الجهود، لفت برنده إلى أن المنتدى الذي يرأسه يعقد تحالفاً من قادة الأعمال، هو «قادة من الاستدامة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعمل على تحديد الطرق الفعالة لإزالة الكربون، وتقليص الفجوة مع المناطق الأخرى فيما يتعلق بممارسات استدامة الشركات».


مقالات ذات صلة

المنتدى الاقتصادي العالمي يرصد 5 تحديات للعام المقبل

الاقتصاد شعار المنتدى الاقتصادي العالمي (رويترز)

المنتدى الاقتصادي العالمي يرصد 5 تحديات للعام المقبل

رصد المنتدى الاقتصادي العالمي 5 ملفات رئيسية مرشحة للبقاء في صدارة المشهد الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

خبراء «دافوس»: الجيوسياسة تبقي النمو العالمي رهينة عدم اليقين

يبدو الاقتصاد العالمي أكثر استقراراً مما كان عليه قبل أشهر، ولكن هذا التحسن لا يزال محاطاً بدرجة مرتفعة من عدم اليقين، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الذي كشف فيه المنتدى عن تقرير «الفجوة العالمية بين الجنسين» في لندن 16 سبتمبر (الشرق الأوسط)

«المنتدى الاقتصادي»: الفجوة الاقتصادية بين الجنسين تضيق عالمياً

تبدو الفجوة بين الجنسين أكثر وضوحاً في الذكاء الاصطناعي، إذ تمثل النساء أقل من خُمس مهندسي هذا القطاع، ويتركز حضورهن في وظائف توصيف البيانات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد لاغارد تتحدث إلى وسائل الإعلام عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (أ.ب)

لاغارد مرشحة لرئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في 2027

قالت صحيفة «إن زد زد» السويسرية، الأحد، إن رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قد تتولى رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي في وقت ما من عام 2027.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
الاقتصاد رئيس الوزراء الصيني يلقي كلمة في حفل افتتاح المنتدى الاقتصادي العالمي في داليان (أ.ف.ب)

الذكاء الاصطناعي والجغرافيا السياسية يتصدران «دافوس الصيفي» في الصين

تتصدر الذكاء الاصطناعي والتوترات الجيوسياسية جدول أعمال اجتماعات «دافوس الصيفي» في مدينة داليان الصينية.

«الشرق الأوسط» (داليان، الصين)

كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

لم تعلّق بكين بعد على نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية، لكن الهزيمة التي مُني بها معسكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تُلقي بظلالها على العلاقات بين القوتين المتنافستين دولياً.

كيف تفاعلت بكين؟

قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ إن هذه الانتخابات «شأن داخلي للولايات المتحدة»، في التزام شديد بالمبدأ الدبلوماسي الصيني القاضي بعدم التدخّل في الشؤون الداخلية لشركائها.

وأضافت أن «الصين مستعدة لمواصلة العمل مع الولايات المتحدة» بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، ونقاط الخلاف.

وأشارت بشكل غير مباشر إلى الدور المحوري الذي يلعبه الرئيس الأميركي في العلاقات.

كما جدّدت التأكيد على ضرورة الحفاظ على «الاستقرار الاستراتيجي»، بعد الاضطرابات التي أعقبت عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) 2025.

غير أن العلاقات بين البلدين لا يزال يحكمها تنافس دولي شديد.

صورة من ميناء لوس أنجليس بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 4 مارس 2026 (رويترز)

هدنة متواصلة في الحرب التجارية؟

ركن البلدان إلى هدنة تجارية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وقد تم تمديدها للتو حتى 10 يناير بعد عقد قمة ثالثة بين الرئيسين في غضون عام واحد.

تتجه الصين في عام 2026 نحو تحقيق فائض تجاري قياسي جديد. والآن بعد أن سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس الأميركي، قد يجد ترمب نفسه أمام «هوامش مناورة أقل لاستخدام ورقة الرسوم الجمركية في مفاوضاته مع الصين»، وفق تقدير وو شينبو، عميد معهد الدراسات الدولية في جامعة فودان في شنغهاي.

ويرى درو تومسون، الباحث في كلية إس راجاراتنام للدراسات الدولية في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن «الكونغرس سيغتنم أي فرصة ممكنة لعرقلة (ترمب) خلال العامين المقبلين».

لكن الديمقراطيين سيكونون مضطرين إلى توخي الحذر، إذ إن هذه الرسوم الجمركية «تحظى بشعبية لدى النقابات، والعمّال، والشركات الصغيرة».

تؤكد باتريشيا كيم، الباحثة في معهد بروكينغز في واشنطن، بدورها على أن الكونغرس سيكون «أقل ميلاً لدعم إجراءات من شأنها زيادة الضغط على الصين بشكل حاد إذا كان ذلك سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستهلاك، والشركات الأميركية، أو يعزز إمكانية اندلاع نزاع».

ما تأثير ذلك على تايوان؟

تمثّل واشنطن الضامن الأساسي لأمن تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.

باعت الولايات المتحدة لتايوان أسلحة بمليارات الدولارات خصصتها لصدّ أي هجوم صيني محتمل.

لكن تايوان تنتظر منذ شهور موافقة ترمب على صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار. ماطل ترمب في الصفقة، ما أثار قلق التايوانيين في مايو (أيار) عندما حاد عن الموقف التاريخي للولايات المتحدة، وصرّح بأن هذه المبيعات يمكن أن تكون أداة تفاوض «جيدة جداً» مع الصين.

استعراض قطعة بحرية سطحية مسيّرة في معرض تايوان لتكنولوجيا البحار والروبوتات المسيّرة في مدينة تاينان التايوانية يوم 2 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

وقد تستغل الصين السنتين المتبقيتين من ولاية ترمب لزيادة الضغط على تايوان، خصوصاً إذا «رأت أن واشنطن منشغلة بأمور أخرى، أو أن ترمب سيكون مستعداً لقبول شروط عدم التدخل» لدعم تايوان، على ما كتب نيل شيرينغ، الخبير الاقتصادي في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس، في مذكرة.

ويرجّح وو شينبو أن الكونغرس بقيادة الديمقراطيين «قد يرغم ترمب على استئناف مبيعات الأسلحة إلى تايوان العام المقبل»، مضيفاً: «إذا حدث ذلك، فسيضرّ باستقرار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين».

في المقابل، يرى ستيف تسانغ، مدير معهد الصين في كلية دراسات الشرق وأفريقيا، أن تجديد الكونغرس دعمه لتايوان «قد يدفع (بكين) بشكل أقوى إلى توخي الحذر فيما يتعلق بتايوان».

ومع ذلك، يشير درو تومبسون إلى أن ترمب يستطيع استخدام حق النقض، أو «ببساطة تجاهل» أي نص يصدر عن الكونغرس يسعى لإجباره على الموافقة على مبيعات الأسلحة.

كيف ستتعامل بكين مع ترمب؟

يحتفظ ترمب بصلاحيات عسكرية ودبلوماسية قوية، حيث يمكن أن يستخدمها بطريقة يصعب التنبؤ بها، بما في ذلك في قضايا دولية لها تأثير على الصين، مثل إيران.

رغم أن نتائج الانتخابات قد أضعفته، يعتقد المحللون أن بكين ستواصل العمل معه.

ترجح باتريشا كيم «أن تواصل بكين تنمية علاقتها معه من خلال تبادل الاتصالات بين القادة على أعلى مستوى مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، معتبرة أن ذلك هو الوسيلة الأقل تكلفة لإدارة العلاقات مع واشنطن».

وسيسعى الصينيون إلى استغلال وضعه كرئيس مقيد الصلاحيات، بحسب تقديرات ستيف تسانغ. لكنه أفاد بأن بكين «ستحسب خطواتها» و«لن ترغب في المبالغة في ذلك، خشية دفع ترمب إلى تبني سلوك غير مسؤول تماماً».


كيف علّق السياسيون حول العالم على فوز الديمقراطيين في انتخابات أميركا؟

أنصار للحزب الديمقراطي يحتفلون في أثناء متابعة نتائج انتخابات التجديد النصفي في العاصمة الأميركية واشنطن (إ.ب.أ)
أنصار للحزب الديمقراطي يحتفلون في أثناء متابعة نتائج انتخابات التجديد النصفي في العاصمة الأميركية واشنطن (إ.ب.أ)
TT

كيف علّق السياسيون حول العالم على فوز الديمقراطيين في انتخابات أميركا؟

أنصار للحزب الديمقراطي يحتفلون في أثناء متابعة نتائج انتخابات التجديد النصفي في العاصمة الأميركية واشنطن (إ.ب.أ)
أنصار للحزب الديمقراطي يحتفلون في أثناء متابعة نتائج انتخابات التجديد النصفي في العاصمة الأميركية واشنطن (إ.ب.أ)

توالت ردود فعل سياسيين وحكومات في أنحاء العالم على فوز الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، وهي نتيجة قد تكون لها تداعيات كبيرة على التجارة العالمية والأمن وأسعار الطاقة.

وفيما يلي بعض ردود الفعل، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء:

المرشد الإيراني

قال مجتبى خامنئي، الأربعاء، في أعقاب هزائم الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، إن عداء واشنطن تجاه طهران لن يتغير بفعل التغيرات الحزبية أو تقديم أي تنازلات للولايات المتحدة، وإن من يعتقد خلاف ذلك «مخطئ تماماً».

رئيس البرلمان الإيراني

قال محمد باقر قاليباف على منصة «إكس»: «قال الأميركيون لا للحرب، ونحن نؤيد هذه الرسالة. وإذا تجاهلت الحكومة الأميركية إرادة شعبها إرضاء لقوى خارجية تمولها وتمارس عليها الابتزاز، فستدرك أن قولنا لا سيتبعه كابوس».

وزير الخارجية الألماني

عبر يوهان فاديفول عن ثقته في استمرار الدعم لأوكرانيا داخل الولايات المتحدة بعد أن سيطر الديمقراطيون على مجلسي الشيوخ والنواب في انتخابات التجديد النصفي.

وقال فاديفول للصحافيين في برلين: «فيما يتعلق بأوكرانيا، أشعر ببعض التفاؤل بأنه سيكون هناك الآن المزيد من المناقشات في الكونغرس، بما في ذلك بين الحزبين، حول ما يمكن التعاون فيه لدعم أوكرانيا. أعتقد أنهم كانوا يتحفظون بشأن هذه المسألة منذ فترة طويلة خلال الحملة الانتخابية».

رئيس الوزراء الإسباني

قال بيدرو سانشيز على منصة «إكس»: «بالأمس، صوت الشعب الأميركي ضد السياسات التي لا تؤدي إلا إلى إفقار الناس. ضد الكراهية. ضد التمييز على أساس النوع. ضد إنكار تغير المناخ وضد امتيازات النخب. حدث ذلك في البرازيل. وحدث للتو في الولايات المتحدة. وسيحدث قريباً في إسبانيا».

رئيس وزراء النرويج

قال يوناس جار ستوره لوكالة «رويترز»: «هذه إشارة سياسية قوية على حدوث تغيير في مسار الناخبين الأميركيين... تظهر الآن في الساحة السياسية الأميركية أصوات أقرب إلينا مما يمثله الرئيس والإدارة، على سبيل المثال في قضايا المناخ والبيئة، وفي السياسة الخارجية وسياسة المساعدات الإنمائية».

وزارة الخارجية التايوانية

قالت الوزارة في بيان: «تواصل وزارة الشؤون الخارجية متابعة التطورات في انتخابات التجديد النصفي الأميركية من كثب. لطالما استندت سياسة بلدنا تجاه الولايات المتحدة إلى مبادئ الحياد مع كل الأحزاب، وبناء علاقات طيبة واسعة النطاق، والتواصل الفعال، ولطالما حظيت بدعم ثابت من الأحزاب في الكونغرس الأميركي ومن السلطة التنفيذية».

وأضافت: «انطلاقاً من هذا الأساس، ستواصل وزارة الشؤون الخارجية تعميق التعاون الشامل مع الولايات المتحدة في مختلف المجالات، بما في ذلك الأمن والتجارة والتكنولوجيا والتعليم لضمان استمرار الكونغرس والحكومات المحلية في إعطاء الأولوية للعلاقات بين الولايات المتحدة وتايوان القضايا ذات الاهتمام المشترك ودعمها».

رئيس جنوب أفريقيا

قال سيريل رامابوسا للصحافيين إن النتائج «ستدشن حقبة جديدة في العلاقات الدولية... سيطر الديمقراطيون على مجلسي الشيوخ والنواب، وقال الشعب الأميركي كلمته».

نائبة رئيس البرلمان الأوروبي

قالت كريستيل شالديموز على منصة «إكس»: «ليس لأن كل شيء سيتغير الآن نحو الأفضل، بل لأن ذلك قد يعزز دعم أوكرانيا، والتحول الأخضر، والعلاقات مع بقية العالم. لكن يجب على الاتحاد الأوروبي مواصلة نهجه في تعزيز قوته والاعتماد على نفسه، فهذا أمر لا نقاش فيه».

المتحدث باسم الحكومة اليونانية

قال بافلوس ماريناكيس لقناة «سكاي» المحلية: «ستظل العلاقات اليونانية - الأميركية قوية. الولايات المتحدة هي حليفنا الاستراتيجي، وسيستمر هذا الأمر فيما يتعلق بالمشاريع الكبرى وجميع الاتفاقيات الرئيسية. لن يتأثر أي شيء بهذه النتيجة. من الواضح أننا نحترم أي نتيجة، فالنتائج واضحة».

نائب وزير الخارجية الروسي

قال سيرجي ريابكوف لوكالة الإعلام الروسية: «لننتظر النتائج النهائية. إن نهج قيادة الحزب الديمقراطي تجاه العلاقات مع روسيا سلبي للغاية. ولا جديد في ذلك. إن نهجنا المبدئي والثابت فيما يتعلق بأوكرانيا، وكذلك سياستنا الخارجية بشكل عام، لا تستند إلى اعتبارات قصيرة الأجل، وبطبيعة الحال لا تتأثر بتقلبات المشهد السياسي في الدول الأخرى. وسنواصل عملنا وفقاً لتوجيهات رئيس روسيا الاتحادية».

كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني

قال مينورو كيهارا في مؤتمر صحافي: «بغض النظر عن نتيجة هذه الانتخابات، يظل التحالف الياباني - الأميركي هو حجر الزاوية في سياسة طوكيو الخارجية والأمنية. في ظل تزايد الاضطراب وعدم اليقين على الساحة الدولية، يُعد وجود تحالف قوي بين اليابان والولايات المتحدة أمراً جوهرياً لتعظيم المصالح الوطنية اليابانية، ولضمان السلام والاستقرار في المجتمع الدولي».

رئيس وزراء التشيك

قال أندريه بابيش: «أعتقد أن النتيجة كانت متوقعة، رغم أن فوز الديمقراطيين كان هائلاً بالطبع. حتى معقل الجمهوريين في تكساس سقط، وفي بعض المناطق حقق الديمقراطيون مكاسب للمرة الأولى منذ عقود. في رأيي، هذا يعني أنه حتى نهاية ولاية الرئيس ترمب، ستكون الأجواء مليئة بإجراءات المساءلة من أجل عزل الرئيس واستخدام حقق النقض، وحالة من الشلل السياسي. لكن من ناحية أخرى، من شبه المؤكد أن الرئيس ترمب سيستمر في فعل ما يحلو له تماماً... فلنأمل أن يعود أخيرا إلى وعده بإنهاء الحرب في أوكرانيا وحل الصراع في مضيق هرمز».

إيلون ماسك

قال الملياردير الأميركي على منصة «إكس»: «يبدو أن أشعة الليزر الفضائية التي استخدمتها للتدخل في الانتخابات لم تنجح هذه المرة».

وزير الدفاع البلجيكي

قال ثيو فرانكن على منصة «إكس»: «سيكون الحكم في الولايات المتحدة شبه مستحيل في السنوات المقبلة نظراً لمستوى الانقسام الداخلي والاستقطاب. وبصفتي سياسياً أوروبياً، سأركز بالطبع بشكل أساسي على السياسات التجارية، ودعم أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي».

باراك أوباما

قال الرئيس الأميركي الأسبق على منصة «إكس»: «الليلة، وجه الشعب الأميركي رسالة واضحة. إنه يريد نهجاً سياسياً يوحّد الناس بدلاً من أن يفرقهم، وقادة يقدمون حلولاً ملموسة للتحديات التي يواجهونها. لم تكن هذه النتائج ممكنة لولا وجود مرشحين متميزين في كل منطقة من مناطق البلاد، بما في ذلك المناطق التي كانت تعتبر في السابق صعبة المنال».

وأضاف: «لقد جاء هؤلاء من خلفيات مختلفة ومثلوا طائفة متنوعة من وجهات النظر السياسية، لكنهم توحدوا بفضل القيم المشتركة، والإيمان بالعمل العام، والالتزام بوضع مصالح سكان دوائرهم وولاياتهم في المقام الأول. كما ندين بالامتنان لآلاف من موظفي الانتخابات والمتطوعين من كلا الحزبين الذين ساعدوا في ضمان سير الانتخابات بسلاسة».

واستطرد: «مع تبقي عامين في ولاية الإدارة الحالية، فإن مهمتنا الآن هي العمل بجد، وإحداث التغييرات حيثما نملك القدرة على ذلك، ومنع وقوع المزيد من الأضرار، ووضع الأسس للمستقبل».


بعد أشهر من الضغوط... برلمان غرينلاند يصادق على اتفاق أمني مع ترمب

موظفة تلوّح بأعلام غرينلاند خلال افتتاح مطار إيلوليسات الدولي الجديد (أ.ب)
موظفة تلوّح بأعلام غرينلاند خلال افتتاح مطار إيلوليسات الدولي الجديد (أ.ب)
TT

بعد أشهر من الضغوط... برلمان غرينلاند يصادق على اتفاق أمني مع ترمب

موظفة تلوّح بأعلام غرينلاند خلال افتتاح مطار إيلوليسات الدولي الجديد (أ.ب)
موظفة تلوّح بأعلام غرينلاند خلال افتتاح مطار إيلوليسات الدولي الجديد (أ.ب)

صوّت مشرعو غرينلاند، اليوم الثلاثاء، بالموافقة على اتفاق بين الجزيرة القطبية الشمالية والدنمارك والولايات المتحدة لتعزيز الأمن في القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، وذلك بعد أشهر من الضغوط التي مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، سعياً من أجل السيطرة على هذا الإقليم شبه المستقل التابع لحليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويمهد هذا الاتفاق الثلاثي لإنشاء مزيد من القواعد الأميركية في غرينلاند، ويخفف من حدة التوترات الناجمة عن دعوات ترمب المتكررة لضم هذه الجزيرة الشاسعة إلى الولايات المتحدة.

ويهدف الاتفاق إلى تعزيز الوجود العسكري الأميركي في غرينلاند مع إبقاء الجزيرة ذات الحكم الذاتي تحت السيطرة الدنماركية. وسيظل الاتفاق سارياً حتى لو اختارت غرينلاند الاستقلال في نهاية المطاف.

وصوّت المشرعون في غرينلاند لصالح الاتفاقية بأغلبية 16 صوتاً مقابل لا شيء، مع امتناع سبعة أعضاء عن التصويت.

وقد وقّع ترمب، ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، ورئيس وزراء غرينلاند، ينس-فريدريك نيلسن، على الاتفاقية في سبتمبر (أيلول) الماضي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

ومن المقرر أن يناقش المشرعون الدنماركيون الاتفاقية في وقت لاحق من هذا الشهر. وستدخل الاتفاقية «حيز التنفيذ» بمجرد «استكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة في مملكة الدنمارك، بالتنسيق مع غرينلاند».

ويوسع الاتفاق دور الجيش الأميركي في غرينلاند، مما يمهد الطريق ⁠لإنشاء قاعدتين عسكريتين جديدتين، ‌ونظام ‌ترمب الدفاعي الصاروخي «القبة الذهبية» ​مع إعادة ‌تأكيد السيادة الدنماركية وحق سكان ‌غرينلاند في تقرير المصير.

وأعلن البيت الأبيض في يناير (كانون الثاني) أن ترمب يناقش خيارات للاستحواذ على غرينلاند، منها الاستعانة المحتملة بالجيش الأميركي، مما أثار قلق حكومات أوروبية وأدى إلى ​بذل جهود دبلوماسية ​مكثفة لتهدئة الوضع.