الفن الإسباني الحديث مستعيداً سقوط غرناطة

في مثل هذه الأيام قبل خمسة قرون سلمت مملكة بني الأحمر مفاتيحها

لوحة «خروج عائلة أبي عبد الله الصغير» للمؤرخ والرسام مانويل غوميز مورينو غونزاليس (1834 - 1918)
لوحة «خروج عائلة أبي عبد الله الصغير» للمؤرخ والرسام مانويل غوميز مورينو غونزاليس (1834 - 1918)
TT

الفن الإسباني الحديث مستعيداً سقوط غرناطة

لوحة «خروج عائلة أبي عبد الله الصغير» للمؤرخ والرسام مانويل غوميز مورينو غونزاليس (1834 - 1918)
لوحة «خروج عائلة أبي عبد الله الصغير» للمؤرخ والرسام مانويل غوميز مورينو غونزاليس (1834 - 1918)

في مثل هذا الشهر قبل ما يناهز خمسة قرون ونصف، تحديداً يوم 2 يناير (كانون الثاني) 1492، سقطت مملكة بني الأحمر بالأندلس، مخلّفة صدى واسعاً في الفن التشكيلي الإسباني على امتداد قرون، يكاد يماثل في حجمه وقوته الأثر الكبير الذي خلفته في حقول المسرح والرواية والشعر في شبه الجزيرة الإيبيرية، لدرجة باتت فيها القصة مدخلاً أساسياً لتشخيص تحولات المتخيل البصري الإسباني بصدد موضوعات: «المغاربة» و«الإسلام» و«المورسكيين» و«الضفة الجنوبية»، و«العمارة الإسلامية»، و«الاسترداد»، و«هزيمة الأندلسيين»، وغيرها من المثيرات والأحداث الكبرى التي وسمت تخيل الفن الحديث لتفاصيل الوجود العربي الإسلامي بالأندلس، وشكلت منظومات بالغة التعقيد من الصور المرئية المسكونة بألغاز ورموز ومضمرات عقدية وثقافية مرتهنة بوقائع زمن ومجتمع حضارة مختلفة.
صحيح أن تلك الأعمال التخييلية البصرية عن الأندلس الآفلة، تبقى مجرد تنويع على انشغال أعم لفنون التصوير والنحت في هذا الحيز الجغرافي بتمثيل الموضوعات التاريخية وحفظها من النسيان، بيد أن عرضها في أكثر الأماكن دلالة على الهوية والسيادة، بدءاً من القصر الملكي ومقر البرلمان الإسباني (الكوتيس خينيراليس) في مدريد وانتهاءً بالأديرة الموزعة بين الجهات والأقاليم الإسبانية المتباعدة، مرورا بالمتاحف الوطنية والمحلية، ومقرات حكومات الأقاليم والبلديات، والكاتدرائيات والكنائس، حولها من مجرد تحف للإبهار الجمالي، دالة على روعة الفن الإسباني الحديث، إلى رموز للعبقرية القومية، وشهادات بالغة الإتقان على قوة ومجد المملكة.
وتضعنا كاتالوغات الفن الإسباني الحديث إزاء مئات اللوحات الزيتية والمائية، والمنحوتات، بأحجام ضخمة ومتوسطة وصغيرة، لأعلام الفن الإسباني المعروفين، ولأكاديميين محدودي الشهرة، ولحرفيين مجهولين، كان حافزهم إبراز عظمة المملكة الوارثة لحضارة الأندلس، عبر مراحل نهوضها وانتكاساتها، من حروب الاسترداد إلى العصر الإمبراطوري، حتى الحقبة النابوليونية، وانتهاءً بالملكية الحديثة، فنانين من حقب شتى، تراوح بين نهايات القرن الخامس عشر، وحتى الطفرة الحديثة للفنون البصرية في تياراتها المتشعبة في القرن التاسع عشر. تحف فنية بديعة وموحية بقدرة القصة القديمة على إلهام فنانين لم ينتمِ أي منهم إلى زمن التجربة وظلالها، وإنما شكلت بالنسبة إليهم ذاكرة للتمثيل، وسؤالاً للصنعة والفن، وسرعان ما ستكتسي وقائع فارقة في تلك الذاكرة من قبيل: «تسليم غرناطة»، و«مذبحة بني سراج» و«المسيحيون الجدد» و«زفرة العربي الأخيرة على الربوة» و«خروج النصريين من قصر الحمراء» و«محاكم التفتيش»، و«محرقة كتب الكفار» صبغة رواشم فنية أثيرة، تكررت على نحو لافت للنظر في عشرات اللوحات الشهيرة لفنانين بارعين، بحيث تمكن المقارنة بين طرز التمثيل وأحجام الرسومات وصيغ التشكيل، بصدد تلك الموضوعات، من رصد تطور النظرة تجاه القصة الأندلسية، ورصد تحولات التقنية والجماليات التعبيرية لهذا الفن البصري العريق في الضفة المقابلة.

لوحة «تسليم غرناطة» لماريانو فورتوني (1838 - 1874)

هكذا ستكون قصة غرناطة حاضرة في مجمل التيارات الفنية الإسبانية، طابعة الفن النهضوي، والرومنسي، والانطباعي والتعبيري... كما أن بعض التفاصيل الأندلسية ستمثل رهاناً من قِبل بعض الفنانين الإسبان على نوع من الأصالة والمحلية في الآن ذاته الذي ستمثل لدى آخرين سعياً إلى الانفتاح وتعبيراً عن «الغيرية»، التي تراوح ما بين الرؤية الاستشراقية الكلاسيكية، والحداثة الفنية.
وتتجلى واقعة سقوط غرناطة وما يتصل بها من تفاصيل عن قبيل: «خروج بني نصر»، و«تسليم المفتاح خارج الأسوار»، من حيث هي مثيرات موضوعية خالبة لخيال شرائح مختلفة من الرسامين الإسبان في العصر الحديث، ممن جاءت أعمالهم مفعمة بالدرامية وبالوضوح الحسي في التقاط عواطف الفقد، وتخييل ظلال الهزيمة، كما مثلت تلك الرواشم، عناوين متكررة في مجموعات المتاحف الفنية وكاتالوغات اللوحات التاريخية الإسبانية، ولعل لوحة الفنان الأراغوني «فرانسيسكو براديا» (1848 - 1921) الشهيرة «تسليم غرناطة»، أن تكون أبرز مثال على هذا التعلق بإعادة تمثيل الحكاية التي تلتبس فيها المشاعر الأسية بظلال الفخر القومي، بالجانب الكهونتي القدسي لمأثرة إنهاء دولة المسلمين بشبه الجزيرة الإيبيرية. حيث يُصَوَّر السلطان أبو عبد الله الصغير، بلباس مرتجل، على فرس أسود، حاملاً مفتاح المدينة المهزومة، متقدماً حاشية صغيرة من الأعوان بملامح بلهاء، وهم في حالة ذهول، يراقبون موكب فيرناندو وإيزابيلا البالغ الفخامة. والشيء الأكيد، أن هذه الواقعة لا سند تاريخيا لها، حيث سلم السلطان النصري الأخير، مفاتيح الحمراء، إلى «الكونت دي تانديلا» في القصر ذاته، ولم يلتق لا بالملك ولا بالملكة وهو خارج مع أهله وحاشيته من المدينة، هي فقط صيغة تمثيلية للحظة الظفر، بما تنطوي عليه من مفارقات في الأحجام والتقاسيم والألوان والأضواء بين المالك الأصلي والوافد، بين منتصر مشع ومهزوم منطفئ، بين مسيحي يحوطه البياض وكافر غارق في العتمة.
رسمت لوحة «تسليم غرناطة» «بناءً على رسالة من رئيس مجلس الشيوخ الإسباني إلى فرانسيسكو براديا سنة 1878، يطلب فيها منه، إنجاز عمل فني يمجد وحدة الأمة الإسبانية، وهو ما استجاب له الفنان الآراغوني بتخيل مواجهة مفترضة بين الملكين الكاثوليكيين والملك الطريد على أبواب غرناطة، لقطة تختصر كل معاني القوة المتأتية من وحدة قشتالة وآرغون في وجه «مملكة بني الأحمر». وتُعرض اللوحة، لكل هذه الأبعاد الدينية والسياسية الكثيفة، في موقعين مركزيين، النسخة الأصلية بمقر البرلمان الإسباني، وصورة لها، مجهول صاحبها، بكاتدرائية «غرناطة»، مثلها مثل مئات اللوحات الأخرى لوقائع الانتصار على المورو، في كاتدرائيات: «مالقة» و«إشبيلية» و«قرطبة» و«برشلونة»، ذات المضمون المسيحي، والعمق أيقوني.
ثاني الأعمال الفنية التي أرّخت لقصة الهزيمة والخروج من غرناطة، لوحة «خروج عائلة أبو عبد الله الصغير من قصر الحمراء» للمؤرخ والرسام مانويل غوميز مورينو غونزاليس (1834 - 1918) أحد الرومانسيين الأكاديميين، والمشتغلين على تراث بني نصر والعمارة الإسلامية بالأندلس، وهي معروضة بمتحف الفنون الجميلة بـ«قصر كارلوس الخامس» بغرناطة. تصور اللوحة لحظة الخروج المفترضة للسلطان مع عائلته، رجلان يعانقان بعضهما بحرارة، وجارية تقبّل طفلاً، وثانية تمسك بمحياها مدارية لوعة دفينة، وثالثة تشد ثيابها حولها في ارتباك باك، ورابعة مستلقية على سجادة شبه منهارة، ساهمة في الأفق، وستارة حمراء تداري عبدا أسود، بينما ينحني بعض المعاونين في المدخل للعائلة السلطانية المنكوبة. تنقبض اللوحة على إحساس عال بمشاعر الفقد والرحيل، وتكشف بشاعرية شفيفة عن الارتباط الفطري بالأمكنة الأليفة، كما تعري هشاشة الكائن البشري. لا يشعر الناظر إلى التكوين الصوري أن ثمة شماتة من الرسام ولا نشوة بالانتصار، رسمت اللوحة بشبه حياد تجاه الواقعة الأسية، تشخص على طريقة الأعمال الرومانسية الكبيرة، الداخل العميق للشخصيات المكلومة، مع معرفة مقنعة بطبيعة الأزياء والعمارة والأثاث الأندلسي، هذا ويخلو المشهد من أي رمز مسيحي، لا وجود للمنتصرين لا في مركز الصورة ولا في خلفيتها.
ومن أبرز اللوحات التي تضاف إلى رصيد الأعمال الفنية المتصلة بموضوع «سقوط غرناطة» لوحة الرسام ماريانو فورتوني (1838 - 1874)، الذي يعدّ من أعلام الرومانسيين من ذوي النفس الانطباعي في إسبانيا القرن التاسع عشر، وأحد المولعين الكبار بتصوير الموضوعات الأندلسية والمغربية، ولع قاده إلى قضاء سنوات في المغرب وتعلم مبادئ اللغة العربية، أثمرت عشرات من الأعمال الفنية العالية القيّمة. نستحضر في هذا السياق تحديداً لوحته المعنونة بـ«مذبحة بني سراج» المعروضة في المتحف الوطني للفن الكطلاني ببرشلونة، مع عشرات الأعمال الأخرى لهذا الفنان.
تصور اللوحة واقعة شهيرة في تاريخ مملكة بني الأحمر، سبقت بسنوات قليلة سقوط غرناطة ومهدت لها بشكل من الأشكال، هي مذبحة بني سراج في أحد غرف قصر الحمراء، التي تمت في عهد السلطان أبي الحسن النصري والد أبي عبد الله الصغير، وهي الواقعة التي سكنت الخيال الشعبي الإسباني بما تضمنته من أساطير جعلت تمثيلاتها تنتشر في حقلي الآداب والفنون على حد سواء، بيد أن ما يميز عمل ماريانو فورتوني عن سابقيه، ممن تناولوا المذبحة، أنه تخلص إلى حد كبير من تلك المستنسخات المسكوكة التي التصقت بعشرات الأعمال الفنية الاستشراقية، حيث يظهر عبد أسواد وفي يده سيف يقطر دماً، في إحدى غرف قصر الحمراء بجوار جثة مفصولة الرأس؛ لقد اختار فورتوني التركيز على البعد الشَّبَحي للجثث المتناثرة، غير واضحة الملامح، حيث تغوص تقاسيمها في الهيئة العامة للجسد المبهم، وأحياناً لا نكاد نتعرف على بعض الأكوام في فضاء اللوحة، التشويش القصدي التي تحدثه ضربات الفرشاة، على سطح السند، يوحي بالجريمة المفزعة، وينقلها من حيز الواقعي إلى الفنتازي. وتكثف ظلال ذلك الكنه الشَّبَحي الغموض المكتنف للزخارف في الجدران والأقواس العتيقة، التي تطل من إحداها مجموعة من الدوائر تشبه الرؤوس، ولا نستطيع التمييز هل يتعلق الأمر بأموات أم بأحياء يتلصصون على الجريمة. لا يحيل عمل فورتوني بسهولة على واقعة المذبحة، ومثلما هو الشأن عموماً في أسلوب الانطباعيين، فإن الدقة والحرفية ليست هي الجوهر الفعّال في نقل الموضوعات والأحجام والكتل، بل الأهم نقل الإدراك الوجداني لها، والإحساس البصري بها، وهو ما تقوله لوحة «مذبحة بني سراج» الحالية ببلاغة صادمة، جعلت منها إحدى أهم التمثيلات الفنية لقصة بني الأحمر في الفن الإسباني على مر العصور.
وليس من شك أن استعادة التشكيل الإسباني الحديث عموماً لتفاصيل قصة سقوط مملكة غرناطة المسلمة، هو في العمق سعي إلى امتلاك معنى غائب، لم يعد له وجود إلا داخل حقل المرويّات، وما استتبعته من تأويلات لفظية، إنه الافتراض الذي يُمكّن الناظر، إلى تلك اللوحات، من تفسير ما تخلل أنحاء التشكيل فيها، وأساليب الإنجاز داخلها، من مراوحة بين أهواء فكرية وجمالية، أنتجت تباينات جمة في الأثر البصري، ما بين منطلق مزهو بعقيدة النصر، ورسم لمعالم ملحمة قومية، إلى الانغمار في إنتاج وثائقية مشهدية، إلى التماهي مع عواطف المهزومين الممحوّين... وذلك عبر تمثيل عاطفة الفقد والتلاشي، التي استنبتت عراقة ممتدة في غير اللسان والمعتقد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
TT

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)
الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

كلّما انضمّ طبق جديد إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، يكون الأمر بمثابة احتفاءٍ ليس بنكهة الطبق فحسب، بل بمكوّناته وبطريقة تحضيره واستهلاكه وبقيمته الثقافية والمجتمعية. لذلك فإنّ الكُشَري المصري المنضمّ حديثاً إلى قائمة المنظّمة العالمية هو أكثر من مجرّد خليطٍ من المكرونة، والأرز، والعدس، والبصل المقلي، والحمّص، و«الشطّة». فبالنسبة إلى اليونيسكو، ترمز هذه الأكلة الشعبية المصرية الشهيرة إلى مصر بمختلف أطيافها ومناطقها، وقد استحقّت، عن جدارة، دخول القائمة التي تضمّ أكثر من 50 طبقاً تقليدياً من حول العالم.

الكُشَري المصري بخلطته المميزة (بكسلز)

الكُشَري العالمي

الكُشري العابر للمحافظات وحتى للحدود المصرية، سلَكَ طريقه إلى العالمية بفعل ميزاته المتعددة التي جعلته أحد رموز الثقافة المصريّة، يعود إلى نهايات القرن الـ19، وقد جرى تناقله عبر الأجيال. الطبق غير مكلِّف وهو بمتناول الجميع، من ربّات المنازل، مروراً بعربيّات الكشري المنتشرة في أحياء القاهرة، وصولاً إلى المطاعم الفخمة التي أضافته إلى قوائم طعامها.

لكنّ الكُشَري ليس الطبق العربي الأول الذي جرى إدراجه على قائمة اليونيسكو. فما الأطباق العربية التي تحوّلت إلى رموز لبلادها؟

الكُشَري المصري طبق شعبي جامع وعابر للمناطق والمستويات والثقافات (رويترز)

المنقوشة... سفيرة الأكل اللبناني

في كل حيّ من أحياء لبنان، وفي كل زاوية وكل شارع يُطالعُك «فرن مناقيش». وكأنّ المنقوشة من عُمرِ البلد، لا يكتمل الصباح دون رائحتها. المؤكّد أن فطيرة الزعتر المستديرة تلك، تخطّت شهرتها الوطن الصغير ودخلت قائمة اليونيسكو للتراث غير المادي في عام 2023.

شعبيّتها، ورائحتُها الزكيّة، ونكهتُها الشهية، كلّها عناصر منحتها جواز سفر إلى العالمية. وهي مثل الكُشري المصري، تُعَدُّ غذاءً شعبياً غير مكلف، وعابراً للطبقات الاجتماعية. أما الفرق بينهما فهو أن الكُشري يُحضّر داخل المنزل وخارجه، في حين يكاد يقتصر تحضير المنقوشة في لبنان على الأفران. ولبعض تلك الأفران حكايات توارثتها أجيال حفاظاً على تراث المنقوشة.

إضافةً إلى خليط الزعتر والسمّاق والسمسم والزيت المرافق الأشهر لعجينة المنقوشة، تنتشر نكهات أخرى مثل الجبنة، والكشك، واللبنة. وغالباً ما تُضاف الخضر كالطماطم والخيار والنعناع إليها.

المنقوشة اللبنانية نجمة الفطور دخلت قائمة اليونيسكو عام 2023 (الشرق الأوسط)

الهريس... نجم المطبخ الخليجي

في عام 2023 كذلك، انضمّ الهريس الخليجي إلى قائمة اليونيسكو التراثية الثقافية. الطبق المنتشر في عدد من الدول الخليجية؛ وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان، جرى اختياره من قِبل المنظّمة العالمية بعد تقييم المعارف، والمهارات، والممارسات المحيطة بإعداده.

والهريس طبق تقليدي يُحضَّر من القمح واللحم والسمن، ويُطهى بكميات كبيرة نظراً للجهد المطلوب في إعداده. يُعدّ جزءاً أساسياً من المناسبات العائلية والأعياد، ورمزاً للضيافة والكرم وتعزيز الروابط الاجتماعية.

تنتقل مهاراته ومعارفه عبر الأجيال، كما يُدرَّس في المؤسسات التعليمية. وقد جرى اختياره؛ ليس لقيمته الغذائية ورمزيّته الوطنية فحسب، بل لأنه جزء أساسي في دعم زراعة القمح.

الهريس... قمح ولحم وسمن وتقاليد متجذّرة في المجتمع الخليجي (ويكيبيديا)

المنسف الأردني... أكثر من أكلة

كل مَن زار الأردن، حتماً لم يغادرها دون أن يتذوّق المَنسف، إنه الطبق الأول في المملكة، ويُعدّ تحضيره تقليداً تراثياً، ما دفع به في عام 2022 إلى قائمة اليونيسكو. ولدى اختياره من قِبل المنظّمة الثقافية العالمية، جرى الأخذ في الحسبان مكانته المركزية في المناسبات بالأردن، وكونه تجسيداً للشعور العميق بالانتماء الاجتماعي. كما أنه يرتبط بنمط الحياة الزراعية الرعوية، حيث تتوفر اللحوم ومنتجات الألبان بكثرة.

ولتحضير المنسف، تُسلق قِطع كبيرة من لحم الضأن أو الماعز مع التوابل في صلصة اللبن، وتُقدَّم مع الأرز، أو أحياناً البرغل، فوق طبقة من الخبز الرقيق. يُعد تحضير المنسف بحد ذاته مناسبة اجتماعية يتخلّلها الغناء وسرد الحكايات.

المنسف أشهر الأطباق الأردنية على الإطلاق (الشرق الأوسط)

الهريسة التونسية

في عام 2022، أضافت اليونيسكو إلى قائمة التراث الثقافي غير المادي الهريسة التونسية، وهي توابل مصنوعة من معجون الفلفل الحار. تُعَدّ الهريسة جزءاً أساسياً من المؤن المنزلية والتقاليد الغذائية اليومية للمجتمع التونسي. عادةً ما تُحضّرها النساء في أجواء عائلية احتفالية مع الأصدقاء والجيران.

تقضي التقاليد والموروثات بألّا يُزرع الفلفل الخاص بالهريسة، خلال فترات معينة تُعد مشؤومة. أما التحضير فيبدأ بتجفيف الفلفل الحار تحت أشعة الشمس، ثم يُشقّ ويُزال ساقه وبذوره. وبعد ذلك، يُغسل ويُطحن ويُتبّل بالملح والثوم والكزبرة. تُحفظ الهريسة في أوانٍ زجاجية أو فخارية لاستخدامها لاحقاً.

تُنقل المعارف والمهارات المتعلقة بزراعة الفلفل الحار وبصناعة الهريسة بين مجتمعات المزارعين، أو من خلال مدارس ومعاهد الزراعة التونسية.

الهريسة أو معجون الفلفل الأحمر الحار التونسي (بيكساباي)

الكسكس... إرث عابر للأجيال

توضح أمينة اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي أنّ نجوم القائمة ليست الأطباق بحدّ ذاتها، بل الممارسات الثقافية المرتبطة بها والمتوارثة عبر الأجيال، كأساليب الزراعة والتحضير والاستهلاك. وهكذا هي الحال بالنسبة إلى الكسكس، الذي انضمّ إلى القائمة سفيرٍاً للمطابخ: التونسي والمغربي والجزائري في عام 2020.

ووفق اليونيسكو، فإنّ للكسكس طقوسه التي تجعل منه طبقاً فريداً. يبدأ ذلك بزراعة الحبوب، ثم تُطحن البذور للحصول على سميد يُرقّق يدوياً، ويُطهى على البخار، ثم يُسلق. ترتبط هذه الممارسات بمجموعة من الأدوات والأواني الخاصة ذات الصناعة الحِرفيّة. يُقدّم الطبق مع مجموعة متنوعة من الخضراوات واللحوم، وفقاً للمنطقة والموسم والمناسبة. الكسكس طبق غني بالرموز والمعاني والأبعاد الاجتماعية والثقافية، وكلها مرتبطة بالألفة ومشاركة الطعام والترابط.

يُقدَّم الكسكس مع مجموعة متنوعة من الخضراوات واللحوم (بيكساباي)

قهوة وتمر

إلى قائمة اليونيسكو للتراث الثقافي أضيفت القهوة العربية، وهي رمز من رموز حسن الضيافة والكرَم، وكذلك نخيل التمر وما يتصل به من معارف ومهارات وتقاليد وقيمة غذائية واقتصادية.

الجدير بالذكر أن اليونسكو في طور إعداد أطلس دولي للأغذية، ومنصة رقمية لحماية وتعزيز ونقل تقاليد الغذاء إلى الأجيال المقبلة. يهدف هذا المشروع، المموَّل من المملكة العربية السعودية، إلى إبراز تنوّع ممارسات الغذاء كتراث حي، وربطها بالتنمية المستدامة، ومن المتوقع إطلاقه بحلول نهاية عام 2026.


دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
TT

دراما رمضان المصرية تبرز قضايا نسائية شائكة في «شهر المرأة العالمي»

ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»
ريهام عبد الغفور في لقطة من مسلسل «حكاية نرجس»

تزامناً مع الاحتفال بيوم المرأة العالمي الذي يوافق 8 مارس (آذار) من كل عام، وشهرها العالمي الذي يواكب هذا الشهر أيضاً، تُبرز دراما رمضان المصرية قضايا نسائية شائكة، تُسلط الضوء على المعاناة التي تواجهها في حياتها، منذ طفولتها وحتى تصبح زوجة وأماً وامرأة تحاول إثبات وجودها في المجتمع، طارحة أزمات مجتمعية قد تدفع بالمرأة لجرائم ترتكبها تحت وطأة ظروف قاسية، ليقتص منها القانون، وتاركة للمُشاهد الحكم في النهاية.

ولفت مسلسل «حكاية نرجس» الأنظار بقضيته المقتبسة من قصة حقيقية لامرأة تعيش بالإسكندرية (شمال مصر)، تؤدي دورها الفنانة ريهام عبد الغفور، بأداء لفت الأنظار من الحلقة الأولى، وحاز إشادات نقدية وإعجاب الجمهور عبر مواقع «السوشيال ميديا»؛ إذ تعاني «نرجس» من عدم القدرة على الإنجاب، ويعيّرها الجميع، بمن فيهم أسرتها وزوجها الذي يتزوج بأخرى، لكنها تتمسك بالانفصال عنه، وحين تتزوج بآخر يحذره زوجها الأول من أنها لا تنجب، وتلجأ لحيلة لإيهام زوجها الثاني بأنها سليمة، وتتحول من القوة إلى الضعف وتخبر أسرة زوجها أنها حامل، ويكون عليها تدبير طفل بأي طريقة، فتنزلق لسلسلة من الأكاذيب والجرائم في محاولة يائسة لتحقيق استقرار تحلم به، لتواجه مصيراً لم تتوقعه. المسلسل فكرة وإخراج سامح علاء، وسيناريو وحوار عمار صبري.

ريهام عبد الغفور لفتت الأنظار في «حكاية نرجس»

وسلط مسلسل «توابع» الضوء على قضايا إنسانية مهمة، مثل قضايا التحرش والعنف ضد المرأة، من خلال بطلته «شهيرة خطاب» التي تؤدي دورها ريهام حجاج، والتي تعمل مؤثرة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وتكتشف مرض طفلها بمرض نادر، وتواجه صراعات نفسية عميقة ترتبط بماضيها. وقدمت الحلقة الأخيرة للمسلسل دعماً للمرأة في مواجهة العنف الأسري والتحرش، من خلال التنويه بالخط الساخن لمكتب شكاوى المرأة للإبلاغ عن أي حالات في الواقع. والعمل من تأليف محمد ناير، وإخراج يحيى إسماعيل.

وفي مسلسل «الست موناليزا» تبددت أوهام بطلته القادمة للقاهرة لأول مرة، أملاً في زواج يحقق لها الاستقرار، لكنها تُصدم من واقع فُرض عليها ويعرضها للسجن، قبل أن تنجح في التصدي لكل هذه المؤامرات وتستعيد نفسها في النهاية.

روجينا وخالد كمال في مسلسل «حد أقصى» (الشركة المتحدة)

كما تناول مسلسل «حد أقصى» أزمة امرأة تتعرض للغدر؛ إذ تنقلب حياة بطلته «صباح» التي أدت دورها الفنانة روجينا، حين تكتشف وجود مبلغ ضخم في حسابها ليزج بها في دهاليز غسل الأموال، في الوقت الذي تفاجأ بغدر الزوج، لتخوض رحلة قاسية لإثبات براءتها والإيقاع بأفراد العصابة.

ويطرح مسلسل «روج أسود» قصصاً مستوحاة من الواقع لنساء يلتقين داخل محكمة الأسرة ويعانين مشكلات في حياتهن الزوجية والعائلية، عبر قضايا متعددة تتجاوز الخيانة والانفصال إلى قضايا اجتماعية أكثر عمقاً. وهو من بطولة رانيا يوسف، ولقاء الخميسي، ومي سليم، وفرح الزاهد، ومن تأليف أيمن سليم، وإخراج محمد عبد الرحمن حماقي.

ريهام حجاج قدمت مسلسل «توابع»

وتلفت الناقدة صفاء الليثي إلى أن الاهتمام بقضايا الطلاق في دراما رمضان لا يركز على الجانب النسوي فحسب، بل يهتم بمنظور الرجل أيضاً، على غرار مسلسلَي «كان ياما كان»، و«أب ولكن»، واللذين يشيران إلى نتائج تدخل الأسر في حياة الأزواج، وتؤكد هذه الأعمال في النهاية أن الطلاق لن يكون في صالح الابنة بشكل خاص، مشيرة إلى أن الأخ كان دوماً سنداً لشقيقته، لكنه يظهر في أكثر من عمل مثل «علي كلاي» و«حد أقصى» و«اتنين غيرنا»، ضد أخته، ويكون أكثر قسوة عليها من الأب نفسه، ولافتة إلى أن «تكرار ظاهرة (الأخ النذل) يؤكد أن بها تلامساً مع الواقع»، وفق تعبيرها.

وتضيف الليثي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «مسلسل (حكاية نرجس) يطرح قضية أكثر قسوة حين تكون المرأة عاقراً؛ إذ يعاملها الجميع كما لو كانت هي المسؤولة عن ذلك، وهو أمر يحدث في مجتمعاتنا الشرقية في الواقع، ويكشف تناقضاً شديداً».

مي عمر في «الست موناليزا»

وتؤكد الكاتبة عزة كامل أن الدراما في السنوات الأخيرة اهتمت بالتركيز على أزمات الاضطهاد والتمييز ضد المرأة وتسلط الرجل، مؤكدة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن العمل الدرامي بما يحققه من إمتاع بصري وفني يكون له تأثيره الكبير بشكل أو بآخر على المجتمع، مثلما حدث في فيلمَي «أريد حلاً»، و«جعلوني مجرماً»، واللذين تسببا في تغيير قوانين، وحتى بعيداً عن القوانين يمكنه أن يؤثر في الجمهور نفسه، وفق قولها.

وتشير إلى أن «مسلسل (حكاية نرجس) يطرح قضية شائكة لمجتمع يوصم دائماً المرأة التي لا تنجب، ولا تحصل على قيمتها الاجتماعية إلا إذا أنجبت ولداً، وهذا موجود للأسف في الواقع، ومن المهم أن تتصدى الدراما له».


«اليوم الدولي للمرأة»... فعاليات عالمية تجدد الدعوات لتعزيز المساواة بين النساء والرجال

نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
TT

«اليوم الدولي للمرأة»... فعاليات عالمية تجدد الدعوات لتعزيز المساواة بين النساء والرجال

نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)
نساء يرتدين أزياء يونانية تقليدية خلال فعالية لليوم الدولي للمرأة في أكروكورينث باليونان (إ.ب.أ)

يحيي العالم في 8 مارس (آذار) من كل عام اليوم الدولي للمرأة، وهي مناسبة عالمية للاحتفاء بإنجازات النساء في مختلف المجالات، إلى جانب تجديد الدعوات لتعزيز المساواة في الحقوق والفرص.

واعترفت الأمم المتحدة رسمياً بهذه المناسبة عام 1977، لتصبح منذ ذلك الحين محطة سنوية لتسليط الضوء على التقدم الذي أحرزته النساء حول العالم، وكذلك التحديات التي لا تزال قائمة، لا سيما في مجالات العمل والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية.

ويأتي إحياء المناسبة في عام 2026، الذي يصادف مرور 115 عاماً على انطلاقها عالمياً، في وقت تشهد فيه مدن عدة حول العالم فعاليات ومسيرات تطالب بالمساواة في الحقوق وضمان تطبيقها بصورة كاملة.

عرض أزياء تاريخي بعنوان «3 قرون من الموضة» خلال احتفالات اليوم الدولي للمرأة في سان بطرسبورغ بروسيا (إ.ب.أ)

ويُحتفى باليوم الدولي للمرأة هذا العام تحت شعار «الحقوق. العدالة. العمل. من أجل جميع النساء والفتيات»، في دعوة إلى اتخاذ خطوات حاسمة لتفكيك العوائق التي تعرقل تحقيق المساواة، بما في ذلك القوانين التمييزية وضعف الضمانات القانونية والممارسات الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات.

ورغم التقدم الذي تحقق خلال العقود الماضية، تشير بيانات دولية إلى أن النساء حول العالم لا يتمتعن سوى بنحو 64 في المائة من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال، وهو ما يعكس استمرار الفجوات القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

وتشمل هذه الفجوات مجالات أساسية من الحياة اليومية، مثل العمل والموارد المالية والسلامة الشخصية وحقوق الأسرة والملكية وحرية التنقل وممارسة الأعمال والتقاعد.

وفي إطار إحياء هذه المناسبة، شهدت عدة مدن حول العالم فعاليات ومسيرات تطالب بتعزيز حقوق النساء وتحقيق المساواة في الأجور وتوسيع فرص التعليم وضمان العدالة للنساء، إضافة إلى تعزيز مشاركتهن في مواقع صنع القرار، وفق ما أوردته تقارير نشرتها «وكالة أسوشييتد برس».

نساء يرفعن شعارات ولافتات خلال احتجاج بمناسبة اليوم الدولي للمرأة في كراتشي باكستان (إ.ب.أ)

وأفادت الوكالة بأن ناشطين وناشطات تجمعوا في مدينة كراتشي الباكستانية للمطالبة بتعزيز الحماية القانونية للنساء، بينما شهدت إسطنبول التركية مظاهرات رُفعت خلالها شعارات داعمة لحقوق المرأة.

كما أشارت تقارير «أسوشييتد برس» إلى أن إحياء هذه المناسبة اتخذ طابعاً احتفالياً في بعض الدول، حيث جرى تنظيم فعاليات مجتمعية وتقديم الزهور تكريماً لدور النساء في المجتمع.

وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً متزايد الأهمية في تسليط الضوء على هذه المناسبة، إذ تسهم في نشر أخبار الفعاليات والمبادرات حول العالم وتمكّن الحركات النسوية من إيصال رسائلها إلى جمهور أوسع، خصوصاً في البلدان التي تواجه فيها هذه الحركات قيوداً سياسية أو اجتماعية.

وتعود فكرة تخصيص يوم عالمي للاحتفاء بالمرأة إلى بدايات القرن العشرين. ففي عام 1909 طُرحت الفكرة لأول مرة في الولايات المتحدة بمبادرة من الحزب الاشتراكي الأميركي، قبل أن تقترح الناشطة الألمانية كلارا زيتكن تعميمها عالمياً خلال مؤتمر للنساء الاشتراكيات عُقد في كوبنهاغن عام 1910.

وبدأت الاحتفالات بهذه المناسبة في عدد من الدول الأوروبية عام 1911، قبل أن يترسخ موعد الثامن من مارس لاحقاً بعد مظاهرات نسائية في روسيا عام 1917 طالبت بالخبز والسلام خلال الحرب العالمية الأولى.

وخلال العقود اللاحقة تحوَّل اليوم الدولي للمرأة إلى مناسبة عالمية تجمع بين الاحتفاء بالمكتسبات التي تحققت للنساء والدعوة إلى مزيد من التقدم في مجال الحقوق.

ومع استمرار التحديات، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن امرأة أو فتاة تُقتل كل عشر دقائق على يد أحد أفراد الأسرة أو شريك لها، في مؤشر على استمرار ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي في كثير من أنحاء العالم.

وفي حين يواصل العالم إحياء هذه المناسبة سنوياً، يبقى الثامن من مارس فرصة لتجديد النقاش العالمي حول حقوق النساء والتأكيد على أن تحقيق المساواة الكاملة بين النساء والرجال لا يزال هدفاً تسعى إليه المجتمعات في مختلف أنحاء العالم.