الحب والفن سبيلان وحيدان لتجاوز شقاء العالم

علوية صبح في روايتها الأخيرة «افرح يا قلبي»

الحب والفن سبيلان وحيدان لتجاوز شقاء العالم
TT

الحب والفن سبيلان وحيدان لتجاوز شقاء العالم

الحب والفن سبيلان وحيدان لتجاوز شقاء العالم

«هل المنفى مقولة الجغرافيا – مقولة التعبير في المكان – فحسب؟ أم هو التباس قسري على مستوى السيكولوجيا، وشرخ في الوعي، ومن ثم تحول في الرؤية إلى الذات والعالم؟». بهذا السؤال الشائك الذي يطرحه المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد عن طرحه على نفسه وعلى الآخرين، تستهل الكاتبة اللبنانية علوية صبح روايتها الأخيرة «افرح يا قلبي»، التي تتصدى فيها لمسألتين بالغتي الأهمية، تتصل أولاهما بمأزق الهوية والتباساتها المعقدة، فيما تتصل الثانية بالعلاقة بين الحياة والفن، وبما إذا كان هذا الأخير المظلة الشاهقة التي تساعدنا على التحليق فوق جغرافيا العصبيات والكيانات السياسية المتصارعة. وليس على القارئ أن يجهد كثيراً لكي يتبين التناغم القائم بين طروحات سعيد حول المكان والهوية والفن والمنفى، وبين ما تطرحه صبح من أسئلة مماثلة تتصل بالانتماء والذات المثلومة والتوق إلى الحرية.
والواقع أن الأسئلة التي تطرحها صاحبة «مريم الحكايا» في عملها الجديد، ذي اللغة المشرقة والحبكة البارعة، ما تزال مطروحة باستمرار منذ أطلق كيبلينغ مقولته المعروفة «الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان»، وليس انتهاء بحديث فوكوياما عن نهاية التاريخ، أو مناداة هنتنغتون بصدام الحضارات، أو تحذير أمين معلوف من الفوالق العنصرية الزلزالية للهويات المركبة. أما الغزو الغربي الاستعماري للشرق، فقد واجهه العديد من الكُتاب العرب برد فعل رمزي مضاد يقوم على غزو الفحل الشرقي للغرب الأنثى. وهو ما عكسته بتفاوت في الرؤية والأسلوب، روايات «الحي اللاتيني» لسهيل إدريس، و«عصفور من الشرق» لتوفيق الحكيم، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، ومعظم أعمال الحبيب السالمي، وما قاربه على المستوى الفكري جورج طرابيشي في كتابه الشهير «شرق وغرب، ذكورة وأنوثة».
تبدأ علوية صبح روايتها الأخيرة «افرح يا قلبي» بتتبع الوضع النفسي المتصدع لبطلها غسان الذي يستعيد على طريق هجرته القسرية إلى نيويورك، فصولاً ووقائع قاسية من حياته في قريته اللبنانية الشمالية «دار العز»، حيث تتداخل أشلاء بلاده الممزقة، بأوصال عائلته التي تفرق أبناؤها أيدي سبأ. فمقابل الصورة الزاهية لجد غسان، الشغوف بالموسيقى والمحب لزوجته، هنالك صورة الأب العسكري القاسي الذي يمعن في ضرب زوجته وتعنيف أبنائه، بما يحول المنزل العائلي إلى ساحة مفتوحة لصراع «الإخوة الأعداء». وعبر تلك المساحة الزمنية الممتدة لثلاثة أجيال، تعرض الكاتبة لصور متقطعة من مرحلة المد القومي الناصري التي انعكست تجلياتها الموسيقية والغنائية المثلى عبر أصوات أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، مروراً بحروب لبنان الطاحنة، ووصولاً إلى ثورة الأرز المجهضة، وإلى الانفجار الأبوكالبسي لمرفأ بيروت.
ولم يكن للعنف المستشري الذي تربى في مناخاته الأبناء الستة، الشبيهون بالإخوة كارامازوف في رواية دوستويفسكي الشهيرة، أن يمر مرور الكرام، بل كانت نتائجه السلبية شديدة الوطأة عليهم جميعا. إذ تحول المنزل العائلي، إلى مسرح للكراهية والتنابذ بلغت مفاعيله حدود التصفية الجسدية، حيث لم يتردد عفيف المنخرط في إحدى المنظمات المتطرفة، في قتل أخيه الأكبر جمال، ذي الميول اليسارية التنويرية. وعفيف نفسه، الذي يعيش حالة من الفصام التام بين العفة الظاهرة والفجور الخبيء، يتسبب في مقتل الفتاة الجميلة هبة، على يد أبيها المستشيط غضباً، بعد أن سرب الأول كاذباً، خبر علاقته المزعومة بها على الملأ. كما نتعرف إلى شخصية محمود الذي لا يتردد في الزواج من جيهان، رغم معرفته الأكيدة بالعلاقة الغرامية التي تربطها بأبيه، المغتر بفحولته رغم خيانة زوجته له مع رجل آخر. وفي حين لم يجد سليم ذو الطبيعة الجندرية الملتبسة، من حل لمعاناته مع محيطه سوى الاختفاء، يقرر طارق، الذي اختار التصوير مهنة له، الانتقال إلى العراق لتغطية وقائع الحرب، قبل أن تطيح هذه الأخيرة بأعصابه وتتركه فريسة للتهيؤات والكوابيس السوداء.
هكذا بدا قرار غسان الحاسم بالهجرة إلى أميركا والإقامة في نيويورك، نوعاً من الإشاحة بالوجه عن تلك الطاحونة الهائلة من التخلف والجهل والعنف، التي ما فتئت تدور حول نفسها في عالم طفولته وصباه، والتطلع إلى نمط حياة بديل يقوم على الصدق والمكاشفة واحترام الإنسان. أما زواجه من المرأة الأميركية كيرستن التي تكبره بخمسة عشر عاماً، فقد بدا بمثابة الترجمة الملموسة لرغبته في الانصهار الكامل بالمجتمع الغربي. وخلافاً لما كان حال مصطفى سعيد في رواية الطيب صالح الشهيرة، فإن غسان لم ير إلى علاقته بكيرستن، من منظور الغزو الفحولي الشرقي للغرب الأنثى، بل إن ما ساد بين الاثنين هو علاقة عاطفية تصالحية، يحكمها الحب والحدب والحرية والصدق مع الآخر.
أما إيمان الكاتبة الراسخ بمبدأ التكامل والتفاعل الخلاق بين الحضارات، فيجد ترجمته الواضحة عبر إعجاب كيرستن بالفكر الصوفي وتعلقها بروحانية الشرق وشعره وموسيقاه، وعبر تعلق غسان بالمقابل بعقلانية الغرب وكشوفاته العلمية وإعلائه للحرية وحقوق الإنسان. ومع ذلك فإن رياح الغرب لم توفر لسفن غسان الوجهة والمستقر النهائيين لرحلة عذاباته. ذلك أن موت أبيه واضطراره لحضور مراسم دفنه، كانا بمثابة الفخ الذي أوقعه في مصيدة الحنين إلى الجذور، واللعنة الطوطمية التي لم يمتلك دفعاً لها. هكذا بدأت دفاعاته بالتصدع بمجرد عودته إلى الوطن، فتزوج من رلى، حبه القديم المغوي، بعد أن تراجعت نور، حبه الآخر الأفلاطوني، إلى خانة الوعد المؤجل والظلال المجردة. وبتوالي الأعوام يعجز غسان عن مفاتحة كيرستن بشأن زواجه الثاني خشية تخليها عنه، فيما راحت زوجته الأخرى تتحمل مشقات غيابه، كما لو أنها جزء لا يتجزأ من أقدار النساء في هذه المنطقة من العالم. وبتوالي السنوات تنجب له رلى ابنة شبيهة به يسميانها آية، قبل أن تقضي الزوجة نحبها برصاصة طائشة في إحدى مناسبات الهرج الاجتماعي المنفلت من ضوابطه.
وفي وقوفه المأزوم على المفترقات الحاسمة للمصائر، كان بطل رواية صبح المغادر عبر الطائرة باتجاه نيويورك، معنياً بتحديد الوجهة النهائية لخياراته الشكسبيرية الدراماتيكية. فهل يعود إلى الوطن الأم ليرعى بكلفة عالية ابنته وامتداده السلالي؟ أم يترك كل شيء وراءه ويواصل مع كيرستن طريق البحث عن هويته الجديدة؟ أم يصارح زوجته الأميركية بحقيقة ما حدث له؟ وماذا لو لم تغفر له كيرستن كذبه الخياني وقررت هجره إلى الأبد؟
وحيث كان من الصعب على غسان أن يعثر على إجابات حاسمة عن أسئلة وجوده المؤرقة، فإن الحيلة الروائية التي اعتمدتها صبح، بتركه يواجه مصيره المجهول على متن الطائرة التي تتقاذفها مطبات الهواء فوق جبال الألب، بدت وكأنها تصيب باحتمالاتها المفتوحة أكثر من هدف. فهي إذ تمنح القارئ نصيبه من التشويق والإثارة، تجعله شريكاً للكاتبة في الوصول بالعمل إلى خواتيم بعيدة عن الوصفات التعليمية الجاهزة، كما تجعله بالمقابل شريكاً للبطل في وقوفه التراجيدي أمام مأزق الكينونة والهوية الملتبسة والأنوجاد الصعب في العالم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
TT

نوع نمل بلا ذكور ولا عاملات في اليابان... مستعمرة من ملكات فقط

ملكات تولد من ملكة (شترستوك)
ملكات تولد من ملكة (شترستوك)

وقع علماء على نوع نادر من النمل، موطنه اليابان، يتميَّز بكونه النوع الوحيد الذي يخلو من كلّ من فئتي العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

في العادة، تتكوَّن مستعمرات النمل من إناث قادرة على التكاثر تُعرف كذلك بالملكات، وعاملات غير قادرات على التكاثر، بالإضافة إلى ذكور تموت بعد التزاوج بمدّة وجيزة.

وثمة حالات شاذة عن هذا النمط معروفة، منها مستعمرات تتكوَّن من نمل طفيلي من دون عاملات، وبعضها لا يحتوي على ذكور.

وعلى امتداد أكثر من 4 عقود، اشتبه باحثون في أن النملة الطفيلية النادرة «تمنوثوراكس كينوموراي» لا تُنتج سوى الملكات، لكن لم يكن هناك دليل على ذلك حتى الآن.

الآن، قدَّمت دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت» أول دليل على وجود نوع من النمل يخلو من كلّ من العاملات والذكور، ويتألَّف حصراً من الملكات.

وسبق أن وثَّق علماء أنّ النملة الطفيلية «تمنوثوراكس كينوموراي» تخدع عاملات من نوع وثيق الصلة بها، «تمنوثوراكس ماكورا»، لحملهن على قتل ملكتهن الأم.

وجاء هذا بمثابة اكتشاف مفاجئ، ففي مستعمرات النمل يقضي النمل العامل حياته كلّها في رعاية الملكة، والبحث عن الطعام، والدفاع عن العشّ، وتربية صغار النمل.

ويُعدّ قتل النمل لملكته أمراً نادر الحدوث في الطبيعة، إذ تُشكّل الملكة عنصراً أساسياً لبقاء المستعمرة.

وتُظهر أحدث الدراسات أن نملة «تمنوثوراكس كينوموراي»، علاوة على قتلها للملكة المضيفة، تتكاثر لا جنسياً كذلك عن طريق إنتاج نسخ مستنسخة منها، وتخدع النمل العامل الناجي من المستعمرة المضيفة لحمله على تربية النسل.

وفي إطار البحث الأخير، جمع العلماء 6 مستعمرات تضمّ ملكات «تمنوثوراكس كينوموراي»، وتولّوا تربيتها في صناديق داخل المختبر.

وتمكّن الباحثون من تربية 43 ملكة من نوع «تمنوثوراكس كينوموراي» في المختبر، وكشف فحص النمل لاحقاً عدم وجود ذكور.

وتابعوا دراسة هذه الملكات في ظروف المختبر لمراقبة عملية وضع البيض بانتظام.

ووجد العلماء أنّ البيض يتطوَّر إلى ملكات جديدة من دون أن يُخصَّب من ذَكَر نمل.

بعد ذلك، حلَّلوا ملكات النمل تحت المجهر، ووجدوا أنّ أعضاء التزاوج لديها غير مستخدمة، ممّا يشير إلى أنّ النسل كلّه مستنسخ.

وبعد مراقبة مستعمرات ومجموعات متعدّدة من هذا النوع، أكد الباحثون أنّ هذا النوع يفتقر تماماً إلى فئتَي العاملات والذكور.

وكتب العلماء في الدراسة المنشورة بدورية «كارنت بيولوجي»: «تشير بياناتنا بالتالي إلى أنّ دورة حياة نملة (تمنوثوراكس كينوموراي) تتميَّز بمزيج فريد من التطفُّل من دون عاملات والتكاثُر العذري، أي القدرة على إنتاج إناث من بيض غير مخَّصب».

ويأمل الباحثون عبر دراسات لاحقة في فَهْم الظروف التي تُفضي إلى فقدان العاملات والذكور في هذا النوع من النمل.


مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)
إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)
TT

مليون عمل... وكنوز الفنّ العام البريطاني لم تُكشف بعد

إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)
إعادة وصل الجمهور بكنوز لم تُرَ من قبل (آرت يو كيه)

من تمثال برونزي للفنان أوغست رودان يجسّد حوّاء أمام أحد مطاعم «ناندوز» في هارلو، إلى أكثر من 6 آلاف عمل للفنان جيه. إم. دبليو. تيرنر، وصولاً إلى ورقة بحجم «إيه 4» مجعَّدة يقتنيها «معرض مانشستر للفنون»، تتجلَّى مجموعة الفنّ العام في المملكة المتحدة على هيئة عالم ثري ومتنوّع على نحو لافت.

ووفق «الغارديان»، عكست مؤسّسة «آرت يو كيه» الخيرية، التي أعلنت بلوغ عدد الأعمال المدرجة في قاعدتها الرقمية مليون عمل، هذا الاتساع الهائل، بالتزامن مع تعيين رئيس جديد لها، قال: «لم نكشف إلا عن القشور»، في إشارة إلى أنّ ما وُثِّق حتى الآن لا يمثل إلا جزءاً يسيراً من كنوز الفنّ العام البريطاني؛ وقد عُيِّنت تيريت، المدير السابق للتصميم في الحكومة البريطانية، رئيساً جديداً للمؤسّسة.

انطلقت «آرت يو كيه» بمهمّة توثيق اللوحات الزيتية رقمياً في مختلف أنحاء البلاد، قبل أن تتوسَّع لاحقاً لتشمل الرسوم والألوان المائية والخزف والمنحوتات والزجاج الملوَّن والرايات والرسوم المعمارية وجداريات الشوارع.

وتحوَّلت المنصة إلى مورد موسوعي ضخم وممتع، يفتح الباب أمام اكتشافات غير متوقَّعة. فالبحث عن كلمة «بعوضة» مثلاً يكشف عن 53 نتيجة، تتراوح بين رسوم تقنية دقيقة لحشرات البعوض، ولوحات لطائرات «دي هافيلاند موسكيتو» من الحرب العالمية الثانية، ومنحوتة في غابة بشمال يوركشاير تحتفي بفيلق الأخشاب النسائي -«لومبرجيلز»- اللواتي قطعنَ الأخشاب المستخدمة في صناعة تلك الطائرات ونشرنها.

ويمكن كذلك البحث عن مارتن كريد، الفنان الذي نال جائزة «تيرنر» عن عمله الذي جرى خلاله تشغيل وإطفاء الأنوار داخل غرفة، وتوجد 24 من أعماله في مجموعات فنّية عامة، منها كرة ورقية مجعَّدة في مانشستر.

ويرى تيريت أنّ قاعدة البيانات تُشكل مورداً للأعمال الفنّية ينبغي أن يحظى بشهرة أكبر بكثير، مضيفاً: «إنها فكرة عظيمة، وإحدى الأفكار التي يشعر المرء بالسعادة لوجودها».

ذاكرة بصرية تخرج إلى العلن (آرت يو كيه)

وشرح: «تتمثل إحدى مَهمّاتي في المعاونة على تعزيز الوعي بهذه الأعمال، لأنه ربما لم يسمع عدد كافٍ من أفراد الجمهور بها. الأمر برمّته يتعلّق بترقيم جميع الأعمال الفنّية العامة داخل المملكة المتحدة. هناك جانب واضح لهذه الجهود يتعلَّق بمتحف تيت وما شابه، لكنْ ثمة كذلك كثير من الأماكن الأخرى مثل المستشفيات ومقرات المجالس المحلّية، وهي أماكن عامة تضمّ أعمالاً فنّية مذهلة لا ينال الجمهور فرصة رؤيتها أو حتى معرفة وجودها من الأساس».

وتُضيء قاعدة البيانات كذلك على عدد من الأعمال الفنّية التي لم يرها الجمهور قط، لأنها ببساطة مكدَّسة في المخازن.

وكان تيريت قد مُنح وسام الإمبراطورية البريطانية من الملك الأسبوع الماضي، وهو الذي قاد فريق التصميم المسؤول عن إطلاق موقع «جي أو في. يو كيه»، ويشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي والشريك المؤسِّس لشركة «بابليك ديجيتال» الاستشارية.

وأوضح أن تجاربه في الطفولة غذَّت شغفه بتوسيع فرص الوصول إلى الفنون والتصميمات الفنّية. وأضاف: «نشأتُ في قرية صغيرة في ويلتشير. لم تكن هناك متاحف أو صالات عرض فنية، وكان الوصول إلى هذا النوع من الأنشطة شديد الصعوبة. درستُ في مدرسة حكومية شاملة كان لديها معلّم فنون وقسم متميّز، لكن كان يتوجَّب بذل جهد شخصي كبير لتوسيع الآفاق».

ويعتقد أن الوضع اليوم أشد تعقيداً للأطفال، مشيراً إلى أن «التعليم الإبداعي في المدارس الحكومية تعرّض لتقويض شديد».

وتشير دلائل إلى أنّ التفاعل مع قاعدة البيانات يشجّع الجمهور على زيارة المعارض والمتاحف فعلياً.

ومن بين الإضافات الحديثة التي دفعت المنصة إلى تخطي المليون عمل: مرسم يعود إلى عام 1951 للفنان هنري ماتيس في جامعة لانكستر؛ ولوحة زهور لغوين جون في المتحف الوطني بكارديف؛ ولوحة لقناة في البندقية للفنانة ماري هاغارتي في «فيكتوريا آرت غاليري» بمدينة باث؛ وبورتريه بعنوان «ريفري» للفنان ديفيد فوغي في جامعة دندي.

وأعرب مجلس إدارة «آرت يو كيه» عن تطلّعه إلى الاستفادة من أفكار تيريت الجديدة ورؤاه، لمساعدتهم على «الوصول إلى جمهور أوسع، واحتضان تقنيات وفرص إبداعية جديدة، وتعزيز الموارد المالية، والحضور الدولي، والقاعدة الجماهيرية».

وأكد تيريت أنه لا يزال مقتنعاً بأنّ الإنترنت قوة للخير، رغم التحدّيات الراهنة. وقال: «من الصعب التمسُّك بهذا الاعتقاد هذه الأيام، لكنه لا يزال صحيحاً. في المجمل، يبقى الإنترنت قوة إيجابية. وهذه المنصة مثال جميل على كيف يمكن له أن تؤدّي دوراً نافعاً».


«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)

نجحت «البحر الأحمر الدولية»، الشركة المطورة لأكثر الوجهات السياحية المتجددة طموحاً في العالم، في إتمام زراعة أكثر من 5000 شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه»، محققةً بذلك أكبر مشروع لإعادة إحياء هذا النوع النباتي في تاريخ السعودية.

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعدّ الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار في أقصى الحدود الشمالية لانتشارها حول العالم. وتعرف أشجار المانغروف الحمراء محلياً باسم «القندل»، وتُمثل رئة حيوية للبيئة البحرية؛ إذ تلعب دوراً جوهرياً في حماية السواحل، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الأسماك والقشريات، فضلاً عن قدرتها الفائقة على احتجاز الكربون بمعدلات تتجاوز الغابات البرية.

وقال رائد البسيط، رئيس البيئة والاستدامة في «البحر الأحمر الدولية»: «إن نجاحنا في إعادة تأهيل أشجار المانغروف الحمراء بهذا النطاق الواسع ليس مجرد رقم يضاف لسجلاتنا؛ بل هو انتصار علمي يسجل باسم السعودية وشركتنا. نظراً للتحديات البيئية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع للنمو، فإن استعادته تعني استعادة التوازن للنظم البيئية الحساسة. نحن اليوم نضع حجر أساس لمستقبل بيئي أكثر استدامة، سيعود بالنفع المباشر على أهالي مناطق البحر الأحمر، ويعزز إرثنا الطبيعي للأجيال القادمة».

يكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعد الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار (البحر الأحمر)

وتختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية، بكونها أكثر تطلباً وحساسية؛ فهي لا تزدهر إلا في ظروف محددة للغاية من حيث ملوحة المياه، وحركة المد والجزر، واستقرار درجات الحرارة. ورغم هذه التعقيدات، سجل فريق البحر الأحمر الدولية معدل بقاء استثنائي للشتلات بلغ 97 في المائة، وهو رقم قياسي تحقق بفضل تطوير تقنيات مبتكرة محلياً داخل الشركة، شملت أساليب متقدمة لتثبيت الرواسب والتحكم الدقيق في حركة المياه.

من جانبه، أضاف راشد آل هتيلة، رئيس قسم الاستدامة البيئية في «البحر الأحمر الدولية»: «تمثل أشجار القندل كنزاً بيئياً نادراً على سواحلنا، وما حققناه في بحيرة الوجه هو برهان عملي على قدرتنا على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. هذه الخطوة ليست سوى بداية لمسيرة طموحة تهدف إلى حماية هذه النظم الطبيعية الفريدة وإعادة الزخم للحياة الفطرية في وجهاتنا».

تختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية بكونها أكثر تطلباً وحساسية (البحر الأحمر)

يُذكر أن هذا الإنجاز يأتي جزءاً جوهرياً من التزام «البحر الأحمر الدولية» الراسخ تجاه حماية البيئة، وضمن برنامجها الأوسع الذي نجح حتى الآن، في زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة من أشجار المانغروف الرمادية، من أصل هدف طموح لزراعة 6 ملايين شتلة، ليكون بذلك أحد أضخم برامج إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.

وتستقبل وجهة البحر الأحمر زوارها حالياً في 9 منتجعات فاخرة، بالإضافة إلى منتجع «ثُوَل الخاص». كما تترقب الأوساط العالمية افتتاح وجهة «أمالا» قريباً، التي ستدشن مرحلتها الأولى في «تربل باي» بـ6 منتجعات راقية، إلى جانب مرافق نوعية تشمل «نادي اليخوت»، و«معهد الحياة البحرية»، و«قرية المارينا»، لتقدم تجربة سياحية متجددة وفريدة من نوعها.