«بينالي الفنون الإسلامية» في جدة... عناق بين الإرث والمستقبل

مديرة البينالي لـ«الشرق الأوسط»: نهتم بتجارب الفنان المسلم... ونقدم العرض بطريقة حسية

المصحف الكوفي الذهبي سيعرض في البينالي
المصحف الكوفي الذهبي سيعرض في البينالي
TT

«بينالي الفنون الإسلامية» في جدة... عناق بين الإرث والمستقبل

المصحف الكوفي الذهبي سيعرض في البينالي
المصحف الكوفي الذهبي سيعرض في البينالي

تتجه أنظار المهتمين بالفن الإسلامي إلى مدينة جدة هذه الأيام، استعداداً لانطلاق «بينالي الفنون الإسلامية»؛ الحدث الأول من نوعه في العالم، الذي يحتفي بالإرث التاريخي العتيق للحضارة الإسلامية، لكن بسبغة فنية، تجمع ما بين الفن المعاصر ونوادر المقتنيات والمخطوطات والقطع الفريدة.
عن ذلك تتحدث فريدة الحسيني مدير بينالي الفنون الإسلامية، في أول حوار لها خصت به «الشرق الأوسط»، وأسهبت خلاله في الحديث عن تحضيرات هذا الحدث العالمي. وكان السؤال الافتتاحي عن ماهية الفنون الإسلامية التي يجمعها البينالي، تجيب الحسيني بالقول: «فضلنا الابتعاد عن تحديد مفهوم واحد للفنون الإسلامية، لرغبتنا في أن نكون منصة للتعبير عن مختلف الآراء والاتجاهات الفنية، نحن نعمل على التغيير وتطوير الفكرة والمفاهيم من خلال فريق العمل والقيميين الفنيين». وتقول، «لم نحاول أن نحدد أو نلخص المفهوم، بل ركزنا من خلال تصور القيمين الفنيين على إظهار الصفات المشتركة بين العبادات والمجتمعات الإسلامية، بما يربط كل المسلمين في المملكة العربية السعودية، إذ إن من أهداف البينالي: توثيق الروابط بين المملكة والمسلمين من الدول الإسلامية وكافة أنحاء العالم».
تتابع: «نهتم جداً بتجربة الفنان المسلم أكثر من تحديد المعنى أو المفهوم الأساسي للفن الإسلامي». يأتي حديث الحسيني مع تأكيدها على أن هذا الموضوع كثيراً ما يُناقش في السياق الأكاديمي ومجالات أخرى مختلفة، إلا أن نظرة «بينالي الفنون الإسلامية» من خلال فريق القيميين الفنيين اتجهت نحو التركيز على العبادات والحج، باعتباره الركن الخامس من أركان الإسلام، إلى جانب الروحانيات التي تجمع المسلمين من مختلف أنحاء العالم، وهذا المزيج هو ما توضح أن البينالي سيظهره بوضوح.
الأمر الذي من المتوقع أن يستوقف زوار بينالي الفنون الإسلامية، هو الدمج ما بين الفن المعاصر والقطع التاريخية، وهو تحدٍ فني مختلف من نوعه، وهنا تقول الحسيني، «نحن نحاول ربط الماضي بالحاضر ونتطلع للمستقبل أيضاً»، وتشير إلى وجود قاعدة كبيرة من الفنانين والحرفيين في السعودية ممن يهتمون بتطوير قدراتهم وتوفير الفرص لهم في هذا السياق، إلى جانب الحرفيين والفنانين من كافة أنحاء العالم.

فريدة الحسيني  -  قطع أثرية ستعرض قريباً (بينالي الفنون الإسلامية)

- غزارة الأعمال
عن غزارة الأعمال المترقب عرضها في بينالي الفنون الإسلامية، تفصح الحسيني عن مشاركة أكثر من 50 فناناً، من مختلف دول العالم، وذلك بالنسبة للفن المعاصر فقط. أما من ناحية الأعمال الفنية التاريخية، فتشارك مؤسسات كبيرة بنظام الإعارة، من مختلف الدول، مثل أوزبكستان، وتونس، واليونان، وأذربيجان، وغيرها. علاوة على مؤسسات محلية مرموقة، مثل الرئاسة العامة لشؤون الحرمين، ومكتبة الملك فهد الوطنية وغيرهما. وتعلق الحسيني على هذه المشاركات الكبيرة بالقول: «جمعنا مجموعة رائعة من المؤسسات والمعاهد التي لديها تاريخ ثري في البحث والدراسة والحفاظ على الفنون الإسلامية، بالإضافة إلى الفنانين الحرفيين ممن ما زالوا يعملون في هذه المجالات».

- صياغة وجدانية
ومع وجود معارض متعددة تقام للفن الإسلامي من حول العالم، يقفز السؤال «ما الجديد في بينالي الفنون الإسلامية؟»، ترد الحسيني بثقة واضحة: «نحن لم نحاول أن نصيغ المعروضات بالشكل المعتاد، بل وفق صياغة حسية وجدانية بصورة أكبر، من حيث أهمية الإيمان والعبادة والحس الداخلي للمسلم، وإمكانية التعبير من خلال هذه القطع وأعمال الفنانين عن جمال العلاقة الروحانية التي يتضمنها الدين الإسلامي والجوانب المشتركة في العبادة».
وتتابع: «لدينا مساحة شاسعة في الموقع الممثل بصالة الحجاج، وهي مساحة لا مثيل لها، حيث استغرقنا وقتاً طويلاً إلى أن اخترنا المكان الأنسب لإقامة بينالي الفنون الإسلامية، وهو مكان يعد البوابة الرئيسة لاستقبال كل المسلمين من مختلف أنحاء العالم، ممن يقصدون الحج أو العمرة، ومن هذه الناحية لا أعتقد أن هناك أي معرض أو حدث فني سبق أن أقيم في مكان له أهمية تضاهي أهمية صالة الحجاج بالنسبة للمسلمين أجمع».
وتستكمل الحسيني بالقول: «علاوة عن دور جدة التاريخية باعتبارها موطن استقبال كل المعتمرين والحجاج من مختلف دول العالم، وهذا يعكس مكانة المدينة التاريخية وكونها نقطة تواصل بين شعوب وثقافات متعددة، يجمعهم الالتقاء لزيارة بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ومن هنا تزداد قيمة هذا المكان».
يأتي ذلك بالنظر لأن أغلب المعارض الإسلامية تقام في المتاحف أو في مبانٍ ليست ذات علاقة بموضوعها بهذا الشكل المباشر، وهو ما يشكل حالة روحانية مختلفة يستند عليها القائمون على بينالي الفنون الإسلامية في التأكيد على تفرد هذا الحدث الواقع على مساحة إجمالية تقدر بـ100 ألف متر مربع، ونحو 70 ألف متر مربع منها ستكون لمنطقة العرض.

- المخطوطات والقطع النادرة
تتابع الحسيني: «لدينا 5 قاعات، بالإضافة إلى صالات مخصصة لعرض القطع من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهناك مساحة خارجية جميلة تحت مظلات صالة الحجاج، تضم مجموعة من الأعمال الفنية، ونحن نتحدث هنا عن تميز من ناحية المساحة وتنوع الأعمال الفنية، إضافة إلى المواد نفسها، فهناك الصوتيات وهناك الأعمال المرئية والتجارب الفنية، وتشكيلة من روائع الفن المعاصر والأعمال التاريخية».
وتشير الحسيني إلى أن هذا البينالي يضم مختلف الأنواع من المخطوطات والمصاحف والأعمال الخشبية والمعدنية، وهناك قطع لم يسبق أن تم عرضها على مستوى العالم، علاوة على أعمال لم يسبق أن عُرضت بجوار بعضها، لكونها توزعت ضمن مقتنيات متاحف متنوعة في العالم.
وتضيف: «من أقدم القطع الموجودة في العالم من ناحية التاريخ الإسلامي، العمود الداخلي للكعبة الذي هو من زمن الصحابي عبد الله بن الزبير (رضي الله عنه)، وسيعرض في إحدى القاعات، بالإضافة إلى أحد أقدم المصاحف التي كان لها تاريخ قريب جداً من عصر النبي محمد (عليه الصلاة والسلام)، وهذه النوادر لم يسبق عرضها بجوار بعضها البعض، مما يعطي الزائر صورة متكاملة تجمع بين الجانبين التاريخي والمعاصر».
وعن نوادر المخطوطات، توضح أنها جُلبت من مجمع المكتبات الوقفية والرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، وهي مخطوطات قرآنية، إضافة إلى نموذج مخطوط بالكامل من الذهب، وهو يعد من النوادر التي جلبها المتحف الوطني. وبسؤال الحسيني عن العدد الإجمالي للأعمال والقطع، تقول «في المعرض الأساسي (أول بيت) لدينا حوالي 250 قطعة، وهنا أيضاً معرض مصاحب هو معرض (المدار)».
ماذا سيرى الزائر في «أول بيت»؟ تجيب الحسيني على ذلك باستفاضة، مبينة أنه يشتمل على 4 قاعات مع الصالات - مكة المكرمة والمدينة المنورة -، وأيضاً الأعمال الفنية المعاصرة. إذ إن القيمين الفنيين هم الذين انتقوا القطع والأعمال الفنية، وزادوا من ثراء الفكرة في هذا المعرض.
وهناك «المدار»، الذي توضح أن له قاعة خاصة، وفكرته تقام في كل نسخة جديدة من البينالي، بالتعاون مع المعاهد والمراكز الثقافية التي تعمل على عرض أهم القطع والمجموعات التي لديها، إذ إن «المدار» يحتوي على مجموعة من التجارب والمقتنيات من مختلف أنحاء العالم، والمؤسسات القادمة من 8 دول مختلفة، بما يسهم في توثيق العلاقات بين المشاركين من المؤسسات المعنية بالفنون الإسلامية. ولم تنس فريدة الحسيني أن تشيد بجهود فريقها المتمرس، قائلة: «فريقنا يضم شباباً وفتيات، جميعهم سعوديون، وكلهم على كفاءة عالية ويمتلكون خبرات وتخصصات نادرة من نوعها، علاوة على الفريق الذين نتعاون معه من جميع أنحاء العالم». وفصلت الحسيني أكثر في تناول التصميم والمحتوى والجهود التحضيرية التي استغرقت نحو عام.
وعن تجربتها الشخصية باعتبارها أول مدير لبينالٍ للفنون الإسلامية، تقول «سعدت باختياري، فأنا مجالي يتعلق بالفن الإسلامي، وأدرك جيداً أهمية هذا البينالي، لأن فكرته مختلفة تماماً، عطفاً عن كونه يجمع مختلف المهتمين بالفن الإسلامي من أنحاء العالم، ومن المهم أن نصل بتراثنا الإسلامي لمستوى مرموق عالمياً».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
TT

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)
يوسف شاهين كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان كان (آي إم دي بي)

يحتفي معهد العالم العربي في باريس بالذكرى المئوية لميلاد المخرج المصري يوسف شاهين من خلال تنظيم مهرجان تحت عنوان «يوسف شاهين... قرن من الحرية وذاكرة لا تنطفئ» على مدى 4 أيام، متضمناً عروضاً مختارة من أفلامه وندوات تثير نقاشاً حول أعماله.

وأعلن معهد العالم العربي الذي يترأسه جاك لانج، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق، عن تكريم يوسف شاهين طوال عام 2026 من خلال عروض الأفلام واللقاءات والبودكاست، إلى جانب عرض فني.

وكتب الناقد الفرنسي جون ميشيل فردون، عبر بيان للمعهد عن هذه الاحتفالية: «هناك أسباب عديدة للاحتفال بهذه الذكرى، لما كان عليه يوسف شاهين ولما هو عليه اليوم بعد 17 عاماً من وفاته في يوليو (تموز) 2008»، لافتاً إلى أن أعماله واسعة، متعددة الأوجه، مبهجة ومؤثرة ومليئة بالمفاجآت؛ إذ تشكل أفلامه الروائية الـ38 التي أخرجها بين عامي 1950 و2007 مجموعة أعمال ثرية، تتوالى فيها الكوميديا والدراما والأفلام التاريخية والقصص السياسية والملاحم الوطنية والتأملات الشخصية وتتداخل أحياناً، مشيراً إلى أن شاهين برز خلال العصر الذهبي للسينما، وسرعان ما أكدت أفلامه أصالتها في صناعة شكلتها نماذج قليلة وقوة المنتجين والنجوم.

وانطلقت الاحتفالات، الخميس، وشهدت حضوراً لافتاً من الجمهور الفرنسي والعربي، واستهلّت بجلسة نقاش بعنوان «يوسف شاهين... بورتريه وإرث»، بمشاركة المنتجة والمخرجة ماريان خوري ابنة شقيقة شاهين، والمخرج يسري نصر الله والمخرج المصري الفرنسي نمير عبد المسيح الذي عُرض له الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام»، وقد تضمن مقاطع عدة من فيلمي «عودة الابن الضال» و«فجر يوم جديد»، مستعيناً بمقاطع أيضاً من موسيقى الفيلمين.

ملصق احتفالية شاهين في باريس (معهد العالم العربي بباريس)

وقال عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن عرض فيلمه في افتتاح مهرجان شاهين لاقى اهتماماً من الحضور، وسبقته ندوة «إرث شاهين» التي حضرها جاك لانج، وتطرقت ليوسف شاهين وأولاده من السينمائيين سواء من عملوا معه على غرار يسري نصر الله أو من تأثروا بأفلامه مثلي، وأضاف: «تحدثنا عن تأثير يوسف شاهين علينا، وفي رأيي أن شاهين ترك تأثيراً كبيراً بأفلامه التي أرّخت لمصر سياسياً واجتماعياً على مدى 60 عاماً».

ويلفت نمير إلى أن شاهين أوجد رباطاً وثيقاً بين مصر وفرنسا، وأن أفلامه تحظى باهتمام بعض الجمهور الفرنسي، خصوصاً فيلم «المصير» الذي لا يزال مثار الحديث هنا بعد أكثر من ربع قرن على ظهوره، مشيراً إلى أن دور العرض الفرنسية ستعرض «المصير» في ذكرى مئوية رحيل شاهين، قائلاً إن «إعادة عرضه تُعد فرصة كبيرة لمشاهدة أفلامه من جديد».

وشهدت الاحتفالية، الجمعة، عرض فيلم «اليوم السادس» الذي أُنتج 1986 بمشاركة مصر وفرنسا، وهو من بطولة داليدا ومحسن محيي الدين وشويكار ومحمد منير، كما أقيمت مناقشة تحت عنوان «يوسف شاهين وقوة المرأة»، بمشاركة كل من شارون حكيم، وهند المدب، وفيفيان كانداس، وتطرقت للنماذج القوية للمرأة التي طرحها شاهين في أفلامه.

بينما يعرض، السبت، فيلما «المصير» من إنتاج 1997 و«المهاجر» 1994، وتختتم الاحتفالية الأحد 25 يناير (كانون الثاني) بجلسة بعنوان «يوسف شاهين وأنا»، يديرها تييري جوس، وتتضمن شهادات غير منشورة عن شاهين مع كل من جاك لانج رئيس معهد العالم العربي، وعبد الله طايا، ودومينيك باكس، والصحافية هدى إبراهيم، كما يعُرض في نفس اليوم فيلما «الأرض» 1969، و«العصفور» 1972، وهو إنتاج مصري - جزائري.

لقطة من فيلم المصير الذي حظي باهتمام الجمهور الفرنسي (معهد العالم العربي)

وارتبط المخرج الراحل ارتباطاً وثيقاً بفرنسا، وحازت أعماله التي عُرض بعضها بالسينمات الفرنسية اهتمام الجمهور، ومن بينها فيلم «المصير» الذي عُرض في 130 دار عرض، ومثّل مصر في مسابقة مهرجان «كان»، واستقبله الجمهور بحفاوة بالغة، ورُشح للحصول على جائزة «السعفة الذهبية» لأفضل فيلم لكن لم ينلها، ورغم أن 10 من أفلام شاهين شاركت بمختلف أقسام مهرجان «كان» منذ الخمسينات بدءاً من أول أفلامه «ابن النيل» 1951 وحتى فيلم «إسكندرية نيويورك» 2004، لكنها لم تحظ بجوائز، وقد حظي شاهين بجائزة الإنجاز مدى الحياة من مهرجان «كان» عام 1997.

ويشير الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، إلى صداقة ربطت بين يوسف شاهين وجاك لانج خلال توليه وزارة الثقافة بفرنسا، وأنه هو من أقنع لانج بأهمية الإنتاج المشترك بين فرنسا والسينما العربية والأفريقية، وأسفر ذلك عن نتاج سينمائي ليوسف شاهين وكثير من المخرجين العرب والأفارقة.

وبدأ أول إنتاج لشاهين مع فرنسا بفيلم «وداعا بونابرت»، مثلما يقول الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن «شاهين كان الوجه الأكثر حضوراً في بينالي السينما العربية الذي أقامه معهد العالم العربي بباريس منذ إطلاقه عام 1992، كما كان أكثر مخرج شاركت أفلامه بمهرجان (كان)، فقد واكب إطلاق المهرجان عام 1946 مسيرة شاهين التي بدأت مطلع الخمسينات».

ويلفت الشناوي إلى أن فرنسا صالحت شاهين على فيلمه «انت حبيبي» الذي لم يكن يحبه، لكنه غيّر رأيه بعد عرضه في «بينالي السينما العربية»، وقد فوجئ أن الجمهور الفرنسي يغادر العرض وهو يردد أغنيات فريد الأطرش وشادية بالفيلم، فعاد وأحبه واقتنع به، ويضيف الشناوي: «لذا، من المنطقي أن يحتفي معهد العالم العربي بمئويته، وقد لاحظت أن شركة الطيران الفرنسية تضع صورة كبيرة له مع كل نجوم العالم».

يوسف شاهين قدم شخصية «قناوي» في فيلم «باب الحديد»، أمام هند رستم (صورة أرشيفية)

وتحتفي أوساط سينمائية عديدة بمئوية ميلاد المخرج الراحل يوسف شاهين المولود بالإسكندرية في 25 يناير 1926 لأب لبناني وأم من أصول يونانية، وقد حصل على الشهادة الثانوية من كلية فيكتوريا، وبعد دراسته بجامعة الإسكندرية سافر إلى الولايات المتحدة، حيث درس فنون المسرح بمعهد «باسادينا»، ورغم شهرته العالمية مخرجاً، فقد حقق اهتماماً لافتاً بأدواره لا سيما شخصية «قناوي» التي أدّاها في فيلم «باب الحديد»، أمام هند رستم، كما ظهر في لقطة خاطفة في أول أفلامه «ابن النيل»، ومثّل في أفلامه «فجر يوم جديد» و«اليوم السادس» و«إسكندرية كمان وكمان».


في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
TT

في عرض «مشارف» بريق السينما يتألّق على الخشبة

أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)
أنجيلا في أحد عروضها المسرحية (أنجيلا الحداد)

على مدى عرضين متتاليين في يوم واحد، تُقدِّم أنجيلا الحداد عرضها «مشارف (outskirts)» على خشبة مسرح «زقاق» في بيروت، وذلك في 29 يناير (كانون الثاني) الحالي. العمل من نوع المونودراما، ويتناول الظلم الاجتماعي الذي يخيّم على حيّ الكرنتينا. هذا الحيّ المنسي على أطراف المدينة، منذ عقود بفعل التهميش المتراكم.

تجسّد أنجيلا في «مشارف» 5 شخصيات مختلفة (أنجيلا الحداد)

تكسر أنجيلا هذه العزلة، وتواجه، عبر عرضها، واقع الظلم الاجتماعي المحيط بالمنطقة. فتُعيد سرد حكاية الكرنتينا عبر حقبات شهدت النزوح والعزلة والحرب، مستعيدة شريطاً من الذكريات المؤلمة والمُرّة، وأخرى مضيئة. ليحمل النصُّ في طيّاته بصيص أمل بغدٍ أفضل.

تروي أنجيلا أن فكرة العرض بدأت بالتبلور خلال مهرجان «شربكات» عام 2024. تقول: «يومها قدَّمنا عرضاً مسرحياً كاملاً بدعم من استوديو (أمالغام) في شارع الحمرا، وكان مخصصاً للفنانين الناشئين بإشراف يارا بستاني. لاحقاً، وبفضل منحة قُدِّمت للاستوديو، تطوَّر العمل ليصبح مشروعاً فنياً مدعوماً من (اليونيسكو) في بيروت. آنذاك، جرى اختيار 8 فنانين لإقامة عروض تُحيي منطقة الكرنتينا، من بينهم مصممو غرافيك، وممثلون، وتقنيو صوت وإضاءة. اختار كل منهم حياً معيّناً داخل الكرنتينا». وتتابع الحداد: «قدَّمتُ عرضاً فردياً قائماً على الأداء التمثيلي ومسرح الشارع. وعددتُه خطوتي الأولى في هذا المشروع. سرعان ما جرى ترشيحه ليُعرَض في مسرح (زقاق) ضمن برنامج (كواليس)، فعملتُ على تطويره وإغنائه بعناصر فنية إضافية، وأخذته نحو مسار سينمائي أكثر وضوحاً». وبعدما كانت شخصيات العمل تقتصر على طفل وامرأة ولاجئ، أضافت أنجيلا الحداد شخصيات جديدة، ليغدو العرض مزيجاً فنياً يتقاطع فيه المسرح مع السينما، والنص مع الإضاءة والموسيقى.

تُعرَض «مشارف» على مسرح «زقاق» في 29 يناير الحالي

تقف أنجيلا وحدها على الخشبة لتجسيد 5 شخصيات، تروي كل واحدة منها معاناة عاشتها في الكرنتينا. وتشكّل مجتمعة صوتاً صارخاً في وجه الظلم الذي تعرَّض له الحي منذ الحرب الأهلية، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت.

ولا تغفل الحداد عن الإبقاء على نافذة الأمل مفتوحة في عرضها، مستلهمة ذلك من موقع الكرنتينا المطلّ على البحر. تقول: «هذه الفسحة الزرقاء استخدمتها لأقول إن الحياة لا بدّ أن تستمر، مهما اشتدّ الألم».

وترتبط الشخصيات الـ5 في العرض، بشكل غير مباشر، بـ5 أبطال من أفلام هوليوودية شهيرة. وتوضِّح الحداد: «قمت بهذه الإسقاطات، مستخدمةً هالة كل بطل لأروي من خلالها حكاية كل شخصية».

من شخصية «البونو» لكلينت إيستوود، التي تفجّر أحد الجسور، تربط الحداد بين هذا المشهد وانفجار المرفأ. أما الشخصية الثانية فمستوحاة من ليوناردو دي كابريو في فيلم «Gangs of New York»، لتتناول الفوقية والعنصرية اللتين مورستا بحق اللاجئين في الكرنتينا.

ومن فيلم «مالينا» لمونيكا بيلوتشي، تنبثق الشخصية الثالثة التي تتناول قضية المفقودين.

وللحديث عن المجزرة التي تعرَّض لها الفلسطينيون في الكرنتينا منتصف السبعينات، تستحضر الحداد فيلم «Clockwork Orange»، وتُسقِط قصته على واقع العنف الممنهج. بينما تقلب المعادلة في الشخصية الأخيرة، المستوحاة من دور أودري هيبورن في «Breakfast at Tiffany’s»، حيث تدفع بحي الكرنتينا إلى معاقبة الظالم، في إشارة إلى انتقام المقهور من جلّاده.

تلجأ أنجيلا الحداد، الحائزة شهادة ماجستير في الفنون الجميلة، إلى مجموعة من الإكسسوارات والأدوات لتلوين الشخصيات واستحضارها على الخشبة. تقول: «أجسّد هذه الأدوار من خلال تبديل ملامحي الخارجية. فأكون امرأة مرة، ورجلاً مرة أخرى. وتساعدني لعبة الإضاءة، مع جمال زركي، على إبراز هذه التحوّلات».

ويرافق العرض موسيقى وديكور بسيط، تتصدّره طاولة تخرج من تحتها الأدوات اللازمة لكل شخصية. وترافق العرض موسيقى الأفلام المذكورة بوصفها عنصراً فنياً إضافياً.

وترى الحداد أن هذا الدمج بين المسرح والسينما يأتي في إطاره الطبيعي. وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط»: «أؤمن بأن مختلف الفنون قابلة للتلاقي مع السينما. هي حلقة متكاملة تفيد وتستفيد من بعضها بعضاً. نراها اليوم تدخل إلى النحت والرسم والرقص، فتمنحها بريقاً إضافياً. الوسيلة قد تختلف، لكن التزاوج بين الريشة، والتمثيل، والحركة، والإضاءة، والفن التشكيلي، وتصميم الأزياء، يصنع عملاً جماعياً متكاملاً. ويبقى المسرح المساحة الأوسع والأكثر حرية، حيث تلتقي كل هذه العناصر في خلطة فنية واحدة».

وتضيف الحداد لـ«الشرق الأوسط»: «يلعب الجمهور الدور الأكبر في المشهد المسرحي. فاختياراته وأهواؤه تقف خلف توجهه نحو المسرح الكلاسيكي أو الاستعراضي أو العبثي وغيره. بينما تأتي الرؤية الإخراجية لتضع القالب المسرحي في أبهى حلّة».

وتوجِّه دعوةً إلى جمهور المسرح اللبناني لمشاهدة هذا العرض، عادّةً أنه يخاطبهم بلغتهم، ويقول الأشياء كما هي، مُحمَّلاً بمشاعر وأحاسيس تلامسهم مباشرة. وتختم: «بالنسبة إليّ، زمن الحرب لم ينتهِ بعد، بل نقوم بإخفائه بوسائل مختلفة. لذلك مَن يشاهد هذا العرض سيدرك أنه يتابع عملاً يشبهه، ويُشكِّل صرخةً صادقةً باسم هذه المنطقة المتعبة».


روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
TT

روائع الأدب العالمي تجتذب روَّاد «القاهرة للكتاب»

الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)
الأسعار الزهيدة اجتذبت رواد معرض الكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

أصبح في حكم المعتاد أن ترى الشباب دون العشرين من العمر وما فوقها، يصطفون في طوابير طويلة في أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب في مشهد لافت. ولكن الجديد الذي حملته الدورة الـ57 من المعرض، والتي فتحت أبوابها للجمهور منذ الخميس الماضي، هو أن هؤلاء الشباب لم يكونوا هذه المرة في انتظار توقيع مؤثر شهير على مواقع التواصل أصدر رواية تنتمي لفئة الرعب، أو مطرب «راب» معروف أصدر ديواناً باللهجة المحلية يتضمن أشعاراً في الحب، وإنما كانوا يحملون روائع الأدب العالمي وكنوز التراث العربي التي تباع هنا بأسعار زهيدة.

يحدث ذلك في جناح «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة» التي تبيع كثيراً من المؤلفات البارزة بأسعار تبدأ من 6 جنيهات، ولا تتجاوز 35 جنيهاً (الدولار يعادل نحو 47 جنيهاً مصرياً).

وقال حسن منصور (شاب في الفرقة الثالثة بكلية الطب، جامعة عين شمس، القاهرة) إن «القراءة في الأدب مهمة جداً لي لعمل توازن مع طبيعة دراستي العملية والعلمية»، لافتاً -في حديثه لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه يعتقد بشدة أن «القراءة مهمة جداً في تلك الفترة من حياتي، قبل أن أنشغل بعد التخرج ولا أجد وقتاً لأي كتاب، كما يحدث مع كثير من أقاربي وأصدقائي الأطباء الأكبر سناً».

إقبال لافت على الأجنحة الحكومية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

ويبلغ سعر رواية «منزل الأموات» للكاتب الروسي فيودور دستويفيسكي (1821– 1881) 25 جنيهاً، ورواية «مدام بوفاري» ذائعة الصيت للكاتب الفرنسي جوستاف فلوبير (1821- 1880) 20 جنيهاً، أما كتاب «حديقة أبيقور» لمواطنه أناتول فرانس (1844- 1924) فبلغ سعره 15 جنيهاً، وهو السعر ذاته لرواية «بيدرو بارامو» أحد أشهر نماذج أدب «الواقعية السحرية» في أميركا اللاتينية، للكاتب المكسيكي خوان رولفو (1986 –1917).

وتكتسب رواية «منزل الأموات» أهميتها من كونها تعد أشبه بسيرة ذاتية لفترة السنوات الأربع التي قضاها الكاتب العالمي دستويفيسكي في معسكر للأشغال الشاقة بسيبيريا، في حين تأتي «مدام بوفاري» ضمن الأعمال الرائدة التي تستكشف تناقضات وخبايا النساء، من خلال زوجة طبيب ريفي تعاني من الملل، وتتورط في الخيانة الزوجية، ثم تنهي حياتها بالانتحار، بينما يكتسب كتاب «حديقة أبيقور» شهرته من المزج بين السخرية الأدبية والتأمل الفلسفي في مقالاته وخواطره حول الحياة والموت والعلم والوجود الإنساني.

جانب من أحد أجنحة معرض القاهرة الدولي للكتاب (هيئة قصور الثقافة المصرية)

وعلى صعيد كنوز الفكر العربي، تباع 5 مؤلفات للكاتب محمود عباس العقاد بأقل من 125 جنيهاً. وهي: «الإسلام والحضارة الإنسانية»، و«أثر العرب في الحضارة الأوروبية»، و«مطالعات في الكتب والحياة»، و«مراجعات في الآداب والفنون»، و«جحا الضاحك المضحك».

أما الكتاب الشهير للمفكر أحمد أمين «زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، الذي يتعرض لدور كل من: عبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الله النديم، وعلي مبارك، وإسهاماتهم ما بين الفكر والسياسة، فيباع بـ35 جنيهاً.

وكانت المفاجأة أن واحداً من المراجع الكبرى في التراث العربي وهو كتاب «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، والذي يضم خلاصة الفلسفة والحكمة في تأمل الحياة والبشر، عبر قالب قصصي ترفيهي، يباع بـ45 جنيهاً فقط، رغم أنه يقع في 600 صفحة من القطع الكبير.

زحام لافت بالمعرض (هيئة قصور الثقافة المصرية)

وعلَّقت ميادة البشير (طالبة بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة)، على تلك الأسعار بقولها: «أصبح بإمكاني تكوين نواة مكتبة من المؤلفات الرائعة، بثمن بعض ملابس الخروج والإكسسوارات النسائية، وهو ما أفعله كل عام منذ أن كنت بالمرحلة الثانوية»، مشيرة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أسعار الكتب في دور النشر الخاصة غالباً ما توازي أكثر من عشرة أضعاف نظيرتها في الأروقة الحكومية».