منصور الرحباني... «شاعرٌ حتى السطر الأخير»

في ذكراه الـ14... صديقه الشاعر هنري زغيب يزور ماضيهما معاً

منصور الرحباني (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
منصور الرحباني (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
TT

منصور الرحباني... «شاعرٌ حتى السطر الأخير»

منصور الرحباني (أرشيف مروان وغدي الرحباني)
منصور الرحباني (أرشيف مروان وغدي الرحباني)

مجبولاً بالشعر ولد منصور الرحباني. كان شاعراً قبل أن يكون أي شيء آخر. نظم طفولته أبياتاً، أجلس الطيور والسهول والوديان وذئاب الليل على سطوره، حوّل الفقر إلى قصيدة، حتى الموت استحال شعراً فوق أوراقه.
ترك منصور إلى جانب توأم روحه وفنه عاصي، تِلالاً من القصائد والأغاني والمسرحيات والأفلام. وبعد رحيل أخيه، حمل الكلمة وسار وحده صوب مملكة الشعر. كتب وخبأ حروفه في الأدراج، ليس ضناً بأفكاره على الناس إنما تمنّعاً عن إحداث أي فصل بين «الأخوين»، على ما يخبر صديقه الشاعر هنري زغيب «الشرق الأوسط». يقول: «كان منصور مسكوناً بعاصي، إلى درجة أنه ألغى نفسه من أجل أخيه وظل يبكيه حتى سنواته الأخيرة. لم يعتد أن يقول (كتبت) بل (كتبنا)، لذلك لم يقتنع بنشر دواوينه إلا بعد مؤامرة مني ومن أولاده مروان وغدي وأسامة». قبل تلك المؤامرة، كان كلما طلب زغيب من منصور أن ينشر شعره المكدس في الأدراج، يجيبه: «أبدّيش».
عام 2007، اقتنع الرحباني بصعوبة أخيراً، فجمع زغيب الأوراق وأبصرت 6 دواوين النور؛ هي «الأولى القصائد»، و«بحّار الشتي»، و«القصور المائية»، و«أسافر وحدي ملكاً»، و«أنا الغريب الآخر»، أما الديوان السادس «قصائد مغنّاة» فمن توقيع الأخوين رحباني.
رغم غنى تلك الدواوين الممتلئة ببوح منصور وبروحه الرومنطيقية وبرؤيته الفلسفية، لكنها لم تحظ بالوهج نفسه الذي حظيت به مسرحياته الخاصة وإرث الأخوين. قد يكون لدى هنري زغيب تفسير لذلك عندما يقول إن «الأخوين ظلما شعرهما بذاتهما حين ألبساه ألحاناً جميلة أخذت من وهج القصيدة، ثم أتى صوت فيروز التاريخي الخالد ليأخذ من وهج اللحن والشعر ويعلق في الذاكرة الجماعية».
لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أن منصور الرحباني هو «من كبار شعراء لبنان»، حسب توصيف زغيب. «تكفي قراءة القصيدة التي نظمها في سن الـ19 بعد رحيل والده، لملاحظة التماسك في شعره، مع أنه لم يكن يعرف الأوزان بعد»، يقول الشاعر الصديق الذي واكب الأخوين منذ سنوات الشباب. ويضيف: «في الفصحى كما في العامية لدى منصور ملكة الشعر نفسها. أما خصائص ذاك الشعر فهي أنه كونيّ أي أنه يتطلع إلى الغيب والمدى الأبعد».


دواوين منصور الرحباني
بواسطة شعره هرب منصور كذلك إلى أناه الأولى، إلى ابن الوعر وراعي الجرد الذي لم تغلبه المدينة. في ديوان «بحار الشتي» قال:
«رابي أنا بهالجرد
رابي بحفافي البرد
بجبال خلف جبال
ما بيقطعا الخيال
وما فيه حدا بيقطع فيا
إلا نحن والصوت والموال
وشي كم رف حجال».
أما «الفصحى في شعره فسلسة ومتينة، كما أنها متمسكة بقواعد اللغة وبأصول الأوزان والعَروض»، يتابع زغيب. ويضيف الشاعر اللبناني: «تنساب له القوافي من دون أن يشدها من شعرها، وهذا هو الفرق بين الشاعر والنظّام».
حتى عندما تحدّث في شعره عن النهايات، أفرد منصور الرحباني مساحةً ليسرح فيها البسطاء والحصادون، فقال في ديوان «القصور المائية»:
«عبثاً نحفر وجوهنا على حيطان الوجود
نحن ظلال عابره
أخفض رأسي وأمضي
على خطى الرعاة والبسطاء».
أما حين استحضر موته فقال:
«لن أعود من الحصاد
لأموت على فراش الراحة
سأسقط على البيدر،
بين هتاف الحصادين وفرح السنابل».
يأسف زغيب لأن شعر منصور لا يدرّس في مدارس لبنان وجامعاته، ويستذكر كيف أن ثائرته ثارت مرةً عندما نشرت إحدى القصائد باسمه في كتاب الأدب العربي. يروي زغيب: «نشر المركز التربوي للبحوث والإنماء مرةً قصيدة (لملمت ذكرى لقاء الأمس) في كتاب أحد الصفوف الثانوية، ونسبها لمنصور الرحباني. هو فعلاً نظم تلك القصيدة لكنه حين علم بالأمر، رفع دعوى وأرغم المركز على إتلاف الطبعة وإعادة نشر القصيدة بتوقيع الأخوين رحباني». خلال حديثه عن منصور، غالباً ما يعود زغيب إلى تلك القصيدة التي تمنى الشاعر عمر أبو ريشة لو كان أحد أبياتها من بنات أفكاره؛ والبيت المقصود هو: «نسيت من يده أن أسترد يدي   طال السلام وطالت رفة الهدب».


منصور الرحباني خلال أحد اللقاءات الإذاعية
إلى المسرح أخذ منصور الرحباني الشعر معه. طرّز به مسرحياته التي ألّفها بعد غياب عاصي. صحيح أنه استقى مواضيعها من التاريخ والفلسفة والأدب العالمي، إلا أنه أثرى الحوارات والنصوص بالشعر الحالم وبالأبيات البسيطة المكتنزة حباً، كما في مسرحية «ملوك الطوائف» حيث كتب:
«أجيء إليك من مدن الغرابة، من دارة شرفتها سحابة
أجيء إليك من قصص أسكنها العشق اغترابه
وفرح ما حلمت بمثله كآبة
أجيء إليك قصيدةً لم تتجسد بعد في كتابة».
وفي مسرحية «زنوبيا»، قال:
«لا عمر للأسامي أسماؤنا أكبر منا كانت قبل أن كنا
أحبك من دون اسم، أحبك من دون مجد
حتى سقوط آخر تاج، وحتى سقوط الغمامة بالنهر، حتى جفاف الينابيع بين التلال».
عن تلك المسرحيات التي فاق عددها العشر والتي أثرت أرشيف منصور وحرّضته على اختراع نفسه من جديد، يقول هنري زغيب: «في كل من أعماله، تحدى منصور العمل السابق. بعد غياب عاصي، ذهب إلى المسرح الميثولوجي وفجّر شغفه بالفلسفة والتاريخ في أعماله الخاصة. ما عاد يعنيه نجم المسرحية أو نجمتها، فوزع البطولة على أكثر من شخص. لكن في المقابل، لم يتغير النسيج التأليفي بين مسرحه ومسرح الأخوين، أي أن تركيبة الجملة والمشاهد لم تتبدل وهذا يعني أن منصور كان له ضلع كبير في الكتابة المسرحية الأولى إلى جانب عاصي».


الشاعر هنري زغيب مع عاصي ومنصور الرحباني (أرشيف هنري زغيب)
جمع منصور الرحباني بين الرقة والقلق في شعره، كذلك فعل في صداقاته. يتذكر زغيب كيف كان يتصل به ليطمئن إذا تأخر قليلاً عن موعدهما. «كانت لديه لهفة على أصدقائه»، يقول زغيب. ويضيف: «صداقته تغني صديقه؛ هو قارئ نهم وفي جلساتنا معاً نادراً ما كنا نتحدث في اليوميات العادية، بل كانت تدور نقاشات فكرية وأدبية. ومن أجمل ما كان عليه، أنه أحب التلقي فلطالما أمسك بقلم وورقة ليدوّن فكرة أو معلومة جديدة يسمعها».
حلت النهاية ثقيلةً على هنري زغيب الذي تأخر عن موعد الكنافة الصباحية التي وعد بها صديقه. تمسّك منصور بشغف الطعام، من باب تمسكه بالحياة. يتذكر الأيام الأخيرة التي سبقت وفاته: «واكبته حتى اليوم الأخير. كان خائفاً من الرحيل، لكنه ومنذ آخر عشاء جمعنا ليلة عيد الميلاد، كان عالماً بأن موعد النهاية اقترب».
صباح 13 يناير (كانون الثاني) 2009، تم ما قال منصور الرحباني: «أيها الموت، أنت الصاحب الوحيد الذي سيبقى معي».


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
TT

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن البريطانية، عن أنه يُمكن لدواء شائع تأخير ظهور أعراض المرض عدة سنوات عند الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي (الروماتويد)، كما يُتوقع أن تستمر فوائده حتى بعد التوقف عن تناوله.

وأظهرت التجربة أن العلاج لمدة عام واحد بدواء أباتاسيبت Abatacept، الذى يعمل على تنشيط الخلايا المناعية، يُقلل من تطور الروماتويد لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة به.

ووجد الباحثون أن فوائد العلاج استمرت لفترة طويلة بعد التوقف عن تناوله. كما استغرق الأشخاص الذين تلقوا الدواء وقتاً أطول بكثير للإصابة بالمرض، مقارنةً بمن تلقوا العلاج الوهمي، حيث تأخر ظهور المرض لمدة تصل إلى 4 سنوات بعد انتهاء فترة العلاج.

وقال البروفسور أندرو كوب، أستاذ أمراض الروماتيزم بكلية «كينغز كوليدج لندن» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «إن التدخل المبكر لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي يمكن أن يحقق فوائد طويلة الأمد».

وأضاف في بيان نُشر، الأربعاء، على موقع الجامعة: «لقد أثبتنا أن هذا النهج آمن ويمكنه الوقاية من المرض خلال فترة العلاج، فضلاً عن تخفيف الأعراض بشكل كبير».

وأوضح أن الأهم من ذلك، أنه يمكن أن يؤخِّر ظهور التهاب المفاصل الروماتويدي لسنوات عدة، حتى بعد توقف العلاج، وهذا من شأنه أن يقلل من مدة معاناة المرضى من الأعراض والمضاعفات، مما يحسن جودة حياتهم بشكل جذري.

وعلى الرغم من أن الدواء لم يمنع التهاب المفاصل الروماتويدي بشكل دائم، فإن النتائج تُشير إلى أن العلاج المبكر يُمكن أن يُغير من مسار المرض عن طريق تأخير تطوره، مما قد يُقلل من عدد السنوات التي يعيشها المرضى مع الأعراض والمضاعفات.

تجربة سابقة

تستند الدراسة الجديدة المنشورة، الثلاثاء، في مجلة «لانسيت لأمراض الروماتيزم»، إلى نتائج تجربة سابقة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن ونُشرت نتائجها عام 2024.

وبينما تابعت التجربة الأصلية 213 مشاركاً من المملكة المتحدة وهولندا لمدة عامين، تُقدم الدراسة الجديدة نتائج فترة متابعة تتراوح بين 4 و8 سنوات.

ويُعد التهاب المفاصل الروماتويدي مرضاً مناعياً مزمناً يُصيب نحو نصف مليون شخص في المملكة المتحدة وحدها. ويتطور هذا المرض عندما يهاجم الجهاز المناعي المفاصل عن طريق الخطأ، مما يُسبب الألم والتورم والإرهاق والإعاقة طويلة الأمد.

وغالباً ما يتوقف الأشخاص المعرضون لخطر الإصابة بهذا المرض عن العمل قبل ظهور أعراضه، مما يُؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة.

وعلى الرغم من وجود علاجات فعّالة للأشخاص المصابين بالتهاب المفاصل الروماتويدي، فإنه لا يوجد حالياً أي علاج مُرخص يمنع تطوره لدى المعرضين لخطر الإصابة به.

وأظهرت الدراسة الجديدة أن دواء أباتاسيبت كان أكثر فاعلية لدى الأفراد الأكثر عرضة للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي، والذين تم تحديدهم من خلال فحص دم يكشف عن وجود أجسام مضادة ذاتية محددة. وبينما كان هؤلاء المشاركون الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالمرض، كانوا أيضاً أكثر استفادة من التدخل المبكر.

وخلال مرحلة الخطر، قلل العلاج بدواء أباتاسيبت من أعراض مثل آلام المفاصل والإرهاق، وحسّن من الصحة العامة. كما أنه بمجرد توقف العلاج، تقاربت مستويات الأعراض بين مجموعتي العلاج والدواء الوهمي، مما يشير إلى أن استمرار تعديل المناعة قد يكون ضرورياً للحفاظ على السيطرة على الأعراض.


لماذا تتزايد الاضطرابات الجوية الخطيرة؟ وما أفضل طرق الوقاية منها؟

طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تتزايد الاضطرابات الجوية الخطيرة؟ وما أفضل طرق الوقاية منها؟

طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)

أصبحت الرحلات الجوية في كثير من مناطق العالم تشهد اضطرابات متزايدة، ما حوّل السفر جواً لدى البعض إلى تجربة مقلقة. ففي الشهر الماضي وحده، أُصيب شخصان بكسور في الكاحل بعد أن واجهت رحلة تابعة للخطوط الجوية البريطانية اضطرابات جوية شديدة في أثناء توجهها إلى المملكة المتحدة.

أما الحادثة الأبرز خلال السنوات الماضية، فقد وقعت في مايو (أيار) 2024، عندما لقي رجل بريطاني يبلغ من العمر 73 عاماً مصرعه، وأُصيب أكثر من 30 شخصاً بجروح، عقب تعرض رحلة تابعة للخطوط الجوية السنغافورية لاضطرابات جوية عنيفة. وخلال تلك الحادثة، هوت الطائرة نحو ستة آلاف قدم، ما أدى إلى اندفاع ركاب غير مربوطين بأحزمة الأمان داخل المقصورة وارتطامهم بخزائن الأمتعة العلوية.

ولسوء الحظ، يُرجّح أن يواجه المسافرون جواً فترات أكثر اضطراباً في المستقبل. فوفقاً لدراسة أجرتها جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة عام 2023، شهدت الاضطرابات الجوية في الهواء الصافي - وهي مطبات هوائية تحدث على ارتفاعات عالية في غياب السحب - زيادة ملحوظة في مناطق مختلفة حول العالم.

وبين عامي 1979 و2020، ارتفع إجمالي المدة السنوية للاضطرابات الجوية الشديدة فوق شمال المحيط الأطلسي، أحد أكثر مسارات الطيران ازدحاماً في العالم، بنسبة 55 في المائة. وفي الفترة نفسها، زادت الاضطرابات الجوية المتوسطة بنسبة 37 في المائة، بينما سجلت الاضطرابات الخفيفة ارتفاعاً بنسبة 17 في المائة.

ويُرجع الخبراء هذا الارتفاع المتزايد في الاضطرابات الجوية إلى تغيّر المناخ.

وقال البروفسور بول ويليامز، عالم الغلاف الجوي في جامعة ريدينغ والمشارك في إعداد الدراسة: «بعد عقد من الأبحاث التي أظهرت أن تغيّر المناخ سيؤدي إلى زيادة اضطرابات الهواء الصافي مستقبلاً، لدينا الآن أدلة تشير إلى أن هذه الزيادة قد بدأت بالفعل».

فكيف تحمي نفسك من الاضطرابات الجوية؟

الالتزام بربط حزام الأمان

لا توجد وسيلة سحرية لتجنّب الإصابة في أثناء رحلة جوية مضطربة. وغالباً ما يكون الحفاظ على السلامة أمراً بسيطاً، كما تؤكد إرشادات السلامة الجوية، ويتمثل في ربط حزام الأمان.

وقال غاري ليف، الخبير في شؤون الطيران وصاحب موقع «نظرة من الجناح»، لصحيفة «نيويورك بوست»: «أهم ما يجب عليك فعله هو ربط حزام الأمان في أثناء جلوسك في مقعدك»، مشيراً إلى أن معظم الإصابات الناتجة عن المطبات الهوائية تحدث لأشخاص لم يكونوا يرتدون أحزمة الأمان.

اختيار المقعد

رغم أن غالبية المطبات الهوائية لا تكون خطيرة، فإن الاضطراب الجوي المتوسط قد يثير الذعر أو الشعور بالغثيان لدى الأشخاص الذين يعانون من رهاب الطيران.

ولحسن الحظ، يمكن لهؤلاء المسافرين التقليل من حدة الشعور بالاضطراب من خلال اختيار الجلوس فوق الأجنحة أو في مقدمة الطائرة، بدلاً من الجلوس في مؤخرتها.

وفي هذا السياق، صرّح الكابتن دينيس تاجير من الخطوط الجوية الأميركية قائلاً: «تقع الأجنحة بالقرب من مركز ثقل الطائرة، لذا يكون الشعور بالاضطراب أقل عند الجلوس بجوارها مقارنةً بالجلوس في مؤخرة الطائرة، حيث يكون التأثير أقوى». وأضاف: «وعلى الرغم من أن الجلوس في مؤخرة الطائرة قد يكون أقل اهتزازاً في بعض الحالات، فإن الإحساس بالرحلة يختلف تبعاً لحركة الهواء».

ولا تقتصر فائدة الجلوس في منتصف الطائرة على تقليل الاضطراب فحسب، إذ قالت مضيفة طيران تابعة للخطوط الجوية البريطانية، فضّلت عدم الكشف عن هويتها: «يسهّل هذا الموقع أيضاً الحركة داخل الطائرة، ما يخفف من الشعور بالخوف من الأماكن المغلقة».

الانسجام مع حركة الطائرة

عندما يصبح المرور بمطبات هوائية أمراً لا مفر منه، لا يزال بإمكان المسافرين اتباع بعض التقنيات للتقليل من حدتها.

ومن بين الأساليب التي يستخدمها طاقم الضيافة الجوية - والتي قد تبدو غير مألوفة - محاولة التمايل مع حركة الطائرة.

وفي مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر تطبيق «تيك توك»، شرحت إحدى المضيفات هذه الطريقة قائلة: «عندما تضرب المطبات الهوائية الطائرة، تحرّك في مقعدك كقنديل بحر صغير... ستشعر بتحسّن كبير».

ومن خلال التحرك بتناغم مع حركة الطائرة، يمكن للمسافرين تقليل توتر العضلات والتخفيف من قوة الصدمة عند اصطدام الطائرة بالتيارات الهوائية.


رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
TT

رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)

أعلن متنزه بومبي الأثري هذا الأسبوع اكتشاف نقوش قديمة على أحد الجدران، تضمَّنت رسالة حب يعود تاريخها إلى ألفي عام ومشهداً مصوراً لقتال المصارعين.

وذكرت «سي بي إس نيوز» أنّ هذه النقوش، التي تُعد بمثابة «غرافيتي» ذلك العصر، اشتملت أيضاً على قصص من الحياة اليومية، وأحداث رياضية، وعبارات تُعبّر عن الشغف، وأخرى تحتوي على إهانات؛ وقد نُحتت جميعها في ممر كان يربط منطقة المسارح في بومبي بأحد طرقها الرئيسية. ورغم أنّ الجدار قد نُقِّب عنه منذ أكثر من 230 عاماً، فإنّ نحو 300 نقش محفور عليه ظلَّت مخفيّة، إلى أن سمحت التقنيات الحديثة للباحثين بتحديدها.

غرافيتي بومبي يعيد رسم الحياة قبل الكارثة (رويترز)

جاءت جهود الكشف عن هذه الكتابات لكونها جزءاً من مشروع يُدعى «إشاعات الممرات»، برئاسة لويس أوتين وإلويز ليتيلير تايفير من جامعة سوربون في باريس، وماري أديلين لو جينيك من جامعة كيبيك في مونتريال، بالتعاون مع متنزه بومبي الأثري. وعبر موجتين من العمل نُفّذتا عام 2022، ومرة أخرى عام 2025، استخدم الباحثون تقنيات تصوير أثرية وحاسوبية متنوعة لإعادة إظهار تلك الرسائل المفقودة.

«أنا في عجلة من أمري؛ انتبهي لنفسك يا عزيزتي (سافا)، وتأكدي من أنكِ تحبينني!»؛ هكذا كُتب في أحد النقوش التي ظهرت مجدّداً على الجدار، وفق المتنزه الأثري، الذي صرَّح بأنّ هذه الكتابات «تشهد على الحيوية وتعدُّد التفاعلات وأشكال التواصل الاجتماعي التي تطوَّرت في فضاء عام كان يرتاده سكان بومبي القديمة بكثرة».

وجه حميمي وعنيف لبومبي القديمة (إ.ب.أ)

يُذكر أنّ بومبي، التي كانت يوماً مدينة رومانية صاخبة بما يُعرف اليوم بجنوب إيطاليا، قد دُفنت تحت أكوام من الرماد البركاني والحجارة عقب ثوران بركان جبل فيزوف عام 79 ميلادي. وقد تسبَّب هذا الحادث الكارثي في تجميد المنطقة عبر الزمن. واليوم، تُعد بومبي أحد مواقع التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، ومقصداً سياحياً شهيراً، فضلاً عن كونها مصدراً للاستكشاف الأثري المستمر.

الجدار يحتفظ بأصوات مَن مرّوا على المكان (إ.ب.أ)

وقال مدير المتنزه الأثري، غابرييل زوكتريغل، في بيان حول الاكتشافات الأخيرة: «التكنولوجيا هي المفتاح الذي يفتح غرفاً جديدة في العالم القديم، وعلينا أيضاً مشاركة تلك الغرف مع الجمهور. نحن نعمل على مشروع لحماية هذه الكتابات التي يتجاوز عددها 10 آلاف نقش وتعزيزها في أنحاء بومبي، وهو تراث هائل. واستخدام التكنولوجيا وحدها يمكنه ضمان مستقبل هذه الذاكرة من الحياة التي عاشت في المدينة».