الجيش الأوكراني يعترف بـ«صعوبة الوضع» في سوليدار

مبعوثة موسكو تنفي التوصل إلى اتفاق جديد لتبادل سجناء مع كييف

منظومة صواريخ «غراد» المتعددة الإطلاق قريباً من باخموت تقصف المواقع الروسية (أ.ف.ب)
منظومة صواريخ «غراد» المتعددة الإطلاق قريباً من باخموت تقصف المواقع الروسية (أ.ف.ب)
TT

الجيش الأوكراني يعترف بـ«صعوبة الوضع» في سوليدار

منظومة صواريخ «غراد» المتعددة الإطلاق قريباً من باخموت تقصف المواقع الروسية (أ.ف.ب)
منظومة صواريخ «غراد» المتعددة الإطلاق قريباً من باخموت تقصف المواقع الروسية (أ.ف.ب)

تعهّد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، بتوفير «كلّ ما يلزم» من عتاد لقواته التي تقاوم الهجمات الروسية في مدينتي باخموت وسوليدار. وقال زيلينسكي بعد اجتماع مع هيئة الأركان: «أريد أن أشير إلى أن الوحدات التي تدافع عن هاتين المدينتين ستزود بالذخيرة وكل ما يلزم بسرعة، وبشكل غير منقطع». وتقع سوليدار التي كانت تشتهر بمناجم الملح، على مسافة 15 كيلومتراً شمال شرق باخموت. وواصل الجيش الأوكراني، الخميس، عملياته القتالية للدفاع عنها رغم «الوضع الصعب» و«المعارك العنيفة» في هذه المدينة الصغيرة الواقعة في شرق البلاد، والتي تحاول القوات الروسية السيطرة عليها بأيّ ثمن لعكس مسار الحرب، فيما قالت وزارة الدفاع الروسية، أمس الخميس، إن هجومها في منطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا مستمر «بنجاح»، كما ذكرت ذلك وكالة «ريا نوفوستي» الروسية للأنباء، نقلاً عن الإفادة اليومية لوزارة الدفاع.
وتحاول روسيا منذ الصيف احتلال هذا الجزء من منطقة دونيتسك، بعدما واجهت قواتها انتكاسات كبيرة دفعت خصوصاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إعلان التعبئة الجزئية لمئات آلاف جنود الاحتياط، وشن عدد من الضربات على منشآت الطاقة الأوكرانية. ولفتت نائبة وزير الدفاع الأوكراني غانا ماليار إلى أن القوات الروسية التي تقاتل في سوليدار، خصوصاً مرتزقة مجموعة «فاغنر» المسلّحة، «تتكبد خسائر فادحة (...) وتحاول دون جدوى اختراق دفاعنا». وقالت ماليار: «تتواصل المعارك الأشرس والأعنف اليوم (الخميس) في سوليدار»، مضيفة: «رغم أنّ الوضع صعب، يقاتل الجنود الأوكرانيون من دون توقّف».
ولم تحصِ كييف عدد رجالها الذين قُتلوا وجرحوا في المنطقة، لكن مستشار الرئاسة الأوكرانية ميخايلو بودولياك ندّد، الأربعاء، في مقابلة مع وكالة «فرانس برس» بـ«خسائر فادحة».
بالنسبة إلى المحلل العسكري أناتولي خرامتشيخين، فإن السيطرة على هذه البلدة الصغيرة التي كانت تعدّ 10 آلاف نسمة قبل الحرب، والتي دمرت تماما الآن، ستسمح لموسكو بتحقيق انتصار عسكري بعد العديد من الانتكاسات، وأوضح: «أي انتصار سيكون مهماً، خصوصاً لأنه لم تحقّق انتصارات منذ فترة».
ومساء الأربعاء، عيّن رئيس أركان القوات المسلحة الروسية الجنرال فاليري غيراسيموف «قائد المجموعة المشتركة للقوات» المنتشرة في أوكرانيا ليحل مكان الجنرال سيرغي سوروفيكين. رسمياً، أكدت وزارة الدفاع الروسية أن التبديل جرى بسبب «زيادة المهمات» التي يتعين إنجازها و«الحاجة» إلى «تفاعل أوثق» بين مكونات الجيش. لكن في الواقع، يُلام سوروفيكين خصوصاً بسبب الصعوبات الروسية في إحراز تقدم ميدانياً والتكتيك الفاشل المتمثل في الضربات المكثفة على البنى التحتية للطاقة في أوكرانيا والقصف الأوكراني ليلة العام الجديد في ماكيفكا الذي أودى بحياة 89 جندياً روسياً على الأقل. وقد أكد بيسكوف، الخميس، أن «فلاديمير بوتين لم يتحدث عن أهداف جديدة».
من جانبه، أكّد أندريه باتشيفسكيتش، النائب الانفصالي الموالي لروسيا عن منطقة دونيتسك، أنّ الاستيلاء على سوليدار سيسمح لروسيا بـ«قطع خطوط الإمداد الأوكرانية» التي تتيح الدفاع عن باخموت. وبحسب التلفزيون الروسي فإنّ «سوليدار تفتح أيضاً المجال لاستخدام المدفعية باتجاه سلوفيانسك وكراماتورسك وكوستيانتينيفكا» الواقعة غرباً.
وقال الرئيس الأوكراني إن إعلان روسيا الاستيلاء على بلدة سوليدار مناورة دعائية. وذكر زيلينسكي في خطابه المصور اليومي، الأربعاء: «إن الجبهة في منطقة دونيتسك ثابتة. القتال مستمر ونقوم بكل شيء لتعزيز الدفاعات الأوكرانية». وأضاف: «تحاول الآن الدولة الإرهابية وكل مروجي دعايتها التظاهر بأن جزءاً من مدينتنا سوليدار، وهي مدينة دمرها المحتلون تماماً تقريباً، نوع من الأملاك الروسية».
وأشار إلى أن روسيا تحاول بمزاعم النجاح المفترضة هذه خداع شعبها و«دعم التعبئة»، وعلاوة على ذلك سيحصل «أنصار العدوان» على مزيد من الأمل. وكانت وكالة الأنباء الروسية الرسمية «تاس» نقلت عن رئيس قوات «فاغنر» يفجيني بريجوجين، الثلاثاء، القول إن المجموعة تكاد تستولي على مدينة سوليدار، وإنه تمت محاصرة نحو 500 جندي أوكراني. ولم تعلق القيادة العسكرية الروسية على الأمر. ونقلت وكالة «إنترفاكس» الروسية عن دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، قوله إنه تم تحقيق «تحرك إيجابي في التقدم».
في باخموت، تواصل الطبيبة إيلينا مولتشانوفا (40 عاماً) قدر المستطاع معالجة المرضى المدنيين الذين لا يزالون يعيشون تحت القصف. وقالت لوكالة «فرانس برس»: «لا يوجد ما يكفي من الحقن وإبر الأنسولين. مخزون أدوية القلب ينفد بسرعة. هناك ما يكفي من حبوب الباراسيتامول لكنها لن تشفي المرضى». لكن بالنسبة إليها، من المستحيل أن تغادر المدينة «طالما يوجد أشخاص فيها». من بين الأشخاص الذين أتوا إليها، تيتيانا، وهي من السكان المحليين، جاءت لتأخذ الدواء لجارها البالغ 81 عاماً، وهو أصم وأعمى وطريح الفراش. وقالت: «ليس لديه أي فكرة عن وجود حرب، وأننا نتعرض للقصف».
وفي سياق متصل، قالت وزارة دفاع روسيا البيضاء إن وفداً برئاسة قائد القوات البرية الروسية أوليج ساليكوف زار البلاد، الخميس، لتفقد الاستعداد القتالي لقوة مشتركة تتمركز هناك. وجاءت الزيارة بعد يوم واحد من تعيين ساليكوف كأحد نواب قادة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في أحدث سلسلة من التعديلات في القيادة. وعززت روسيا وحليفتها المقربة روسيا البيضاء قواتهما العسكرية المشتركة في روسيا البيضاء، وتعتزمان إجراء مناورات جوية مشتركة هناك، بدءاً من يوم الاثنين المقبل.
وتشكل المناورات جزءاً من تحرك دفع أوكرانيا إلى التحذير من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يحاول استخدام روسيا البيضاء لشن غزو بري جديد لأوكرانيا من جهة الشمال. وسمح ألكسندر لوكاشينكو رئيس روسيا البيضاء لبوتين باستخدام بلاده لتكون واحدة من نقاط انطلاق غزو أوكرانيا في فبراير (شباط) الماضي، عندما أخفقت القوات الروسية في محاولة للاستيلاء على العاصمة كييف. ويقول محللون عسكريون إن روسيا استخدمت أيضاً منشآت روسيا البيضاء لتدريب الجنود الذين تم استدعاؤهم في سبتمبر (أيلول) الماضي؛ لتعزيز القوات الروسية في أوكرانيا. لكن روسيا البيضاء لم ترسل قواتها إلى أوكرانيا لدعم «العملية العسكرية الخاصة» لروسيا هناك.
وفي سياق متصل، أعلنت المفوضة الروسية لحقوق الإنسان تاتيانا موسكالكوفا لوكالة «فرانس برس» أن روسيا وأوكرانيا لم تتوصلا إلى اتفاق جديد لتبادل سجناء في محادثات تركيا، مشيرةً إلى أن تصريحاتها السابقة حول احتمال التوصل إلى اتفاق أُسيء فهمها. وأجرى وسيطا حقوق الإنسان الأوكراني دميترو لوبينتس والروسية تاتيانا موسكالكوفا محادثات، الثلاثاء، في أنقرة، في اجتماع نادر على هذا المستوى بين مسؤولين من البلدين منذ أشهر.
ونقلت وكالة أنباء «الأناضول» التركية الرسمية أن موسكالكوفا أعلنت التوصل إلى اتفاق لتبادل أكثر من 40 سجيناً من الجانبين، الأربعاء. لكن موسكالكوفا أكّدت لوكالة «فرانس برس» أنها كانت تشير إلى عدد السجناء الذين جرى تبادلهم في السابق. وأكدت بعد محادثات مع نظيرها الأوكراني، أن «شخصاً ما أساء فهم أمر ما». وأضافت: «نتحدث عن نتائج عملنا السابق. عمليات تبادل (السجناء) سبق أن حصلت». كما أوضحت موسكالكوفا أن الوسطاء الأوكرانيين والروس تبادلوا أيضاً قوائم بأسماء الجنود الجرحى استعداداً لعملية تبادل محتملة في المستقبل. وتابعت أن «تبادلات مماثلة تحدث طوال الوقت. هذه الاتفاقات يتوصّل إليها عسكريون ونحن نعمل بالتعاون معهم».


مقالات ذات صلة

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

أوروبا حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

تراجعت قدرات البحرية البريطانية منذ الحرب الباردة، رغم خطط التحديث، وسط انتقادات أميركية وضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل تهديدات دولية متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره الصربي ألكسندر فوتشيتش خلال لقاء بينهما في بكين 2 سبتمبر 2025 (رويترز) p-circle

موسكو تعلن «سيطرة كاملة» في لوغانسك وتؤكد تقدم قواتها «على كل الجبهات»

مع انشغال العالم بتطورات الحرب في إيران بدا أن موسكو نجحت عبر الهجوم على طول خطوط التماس في تعزيز مواقعها بشكل ملموس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا سيارة تقف على طريق قرب موقع عُثر فيه على حطام طائرة مسيّرة واحدة على الأقل بعد رصد نشاط طائرات مسيّرة أجنبية بالقرب من الحدود مع روسيا خلال الليل... في كاستر بإستونيا يوم 31 مارس 2026 (رويترز)

اختراق طائرات مسيّرة أوكرانية أجواء إستونيا في طريقها إلى روسيا

قالت القوات المسلحة في إستونيا إنها رصدت طائرات مسيّرة دخلت المجال الجوي للبلاد، يبدو أنها جاءت من أوكرانيا وكانت موجهة إلى روسيا.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جندي روسي يقف أمام منظومة صواريخ بانتسير المضادة للطائرات بمنطقة لوغانسك (رويترز)

روسيا تسيطر بالكامل على منطقة لوغانسك بشرق أوكرانيا

نقلت وكالة الإعلام الروسية عن وزارة الدفاع في البلاد قولها، اليوم الأربعاء، إن قواتها سيطرت، بشكل كامل، على منطقة لوغانسك بشرق أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد خطوط أنابيب الغاز بمحطة ضغط أتامانسكايا التابعة لمشروع «قوة سيبيريا» التابع لـ«غازبروم» بمنطقة أمور الروسية (رويترز)

صادرات الغاز الروسي عبر الأنابيب لأوروبا تقفز 22 % في مارس

ارتفع متوسط إمدادات الغاز الطبيعي اليومية التي تصدرها شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للطاقة إلى أوروبا عبر خط أنابيب «ترك ستريم» 22 في المائة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.


رئيس وزراء أستراليا يدعو المواطنين لاستخدام وسائل النقل العام بسبب «حرب إيران»

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)
TT

رئيس وزراء أستراليا يدعو المواطنين لاستخدام وسائل النقل العام بسبب «حرب إيران»

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)

حذَّر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، في خطاب اليوم الأربعاء، من أن الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط ستستمر لعدة أشهر، داعياً المواطنين إلى استخدام وسائل النقل العام.

وجرى بث الخطاب، والذي لا يتكرر كثيراً، في وقت واحد عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية الرئيسية في الساعة السابعة مساء بالتوقيت المحلي (08:00 بتوقيت غرينتش). وكان رؤساء وزراء سابقون قد ألقوا خطابات مماثلة، خلال جائحة كوفيد-19 والأزمة المالية العالمية عام 2008، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وشهدت أستراليا، التي تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها من الوقود، ارتفاعاً حاداً في أسعار البنزين، ونقصاً محلياً في الإمدادات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والحصار المفروض على مضيق هرمز.

وقال ألبانيزي: «أدرك أنه من الصعب حالياً أن نكون متفائلين... تسببت الحرب في الشرق الأوسط في أكبر ارتفاع بأسعار البنزين والسولار في التاريخ. أستراليا ليست طرفاً في هذه الحرب، لكن جميع الأستراليين يتكبدون تكاليف أعلى بسببها». وأضاف: «ستُلازمنا الصدمات الاقتصادية الناجمة عن هذه الحرب لعدة أشهر».

ودعا ألبانيزي المواطنين إلى «المساهمة من جانبهم، من خلال تجنب تخزين الوقود قبل عطلة عيد القيامة، التي تبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة، والاعتماد على وسائل النقل العام لتخفيف الضغط على الإمدادات». وقال ألبانيزي إن الأشهر المقبلة «ربما لا تكون سهلة»، لكنه أضاف أن الحكومة ستبذل كل ما في وسعها لمساعدة الأستراليين.