القضاء البرازيلي يضيّق «الخناق» على بولسونارو

اتهمه بالتحريض على اقتحام المؤسسات الحكومية... وتعزيزات أمنية في عدة ولايات تحسباً لمظاهرات جديدة لمناصريه

تعزيزات أمنية خارج القصر الرئاسي في برازيليا الأربعاء (رويترز)
تعزيزات أمنية خارج القصر الرئاسي في برازيليا الأربعاء (رويترز)
TT

القضاء البرازيلي يضيّق «الخناق» على بولسونارو

تعزيزات أمنية خارج القصر الرئاسي في برازيليا الأربعاء (رويترز)
تعزيزات أمنية خارج القصر الرئاسي في برازيليا الأربعاء (رويترز)

بعد خمسة أيام على اقتحام أنصار الرئيس البرازيلي السابق مباني البرلمان والمقر الرئاسي والمحكمة العليا، بدأ الخناق القانوني يضيق حول جاير بولسونارو، الذي ما زال يمضي عطلته في فلوريدا، بعد أن تسلمت النيابة العامة التابعة لديوان المحاسبة الاتهامات الموجهة إليه حول دوره كمحرض على عملية الاقتحام، وطلبت حجز ممتلكاته بهدف تغطية التكاليف التي ستنجم عن تصليح الأضرار التي تسبب فيها أنصاره خلال اقتحامهم المباني الثلاثة. وتقول مصادر قانونية إنه في حال تنفيذ هذا الطلب الاحترازي، سيكون محظورا على بولسونارو وأفراد عائلته تحويل أي مبالغ مالية إلى الخارج.
وفيما تواصل السلطات القضائية والأمنية «غربلة» المعتقلين الذين يزيدون على الألف، وتحيل إلى السجن رهن المحاكمة أولئك الذين ارتكبوا أعمال العنف والتخريب، تركز التحقيقات الجارية على محورين: تحديد الجهة التي حرضت ومولت ونظمت وصول الآلاف من جميع أنحاء البلاد إلى العاصمة، والجهة التي أحجمت عن اتخاذ المبادرات أو التدابير اللازمة عندما تبين أن المقتحمين كانوا يعتزمون اجتياح المؤسسات والسيطرة عليها.
وترجح المصادر القانونية أن توجه التهم إلى بولسونارو في الحالتين، وأن يكون العقاب، في المرحلة الأولى، حرمانه من الترشح مجدداً للانتخابات، حيث إنه لم يعد يتمتع بالحصانة التي رافقته طوال ثلاثة عقود، أولاً كنائب في البرلمان، ثم كرئيس للجمهورية.
ويجمع الخبراء على أن القانون البرازيلي يفتح الباب واسعاً أمام إدانة بولسونارو بتهمة التحريض على أعمال العنف والتآمر على النظام الديمقراطي، والامتناع عمداً عن القيام بواجباته الدستورية، وأن تغريداته المتكررة على وسائل التواصل الاجتماعي كافية لتجريمه بهذه التهم، رغم تصريحاته الأخيرة بأن عملية الاقتحام حصلت خلال وجوده في الخارج. وكان القضاء قد أمر منذ يومين بإقالة حاكم العاصمة برازيليا ومدير الأمن العام؛ لتخلفهما عن القيام بواجبهما لوقف زحف المتطرفين الذين اقتحموا مجلس النواب.
وفيما يحاول لولا والحكومة الجديدة إعطاء صورة طبيعية عن الأوضاع السياسية والأمنية، رفعت الأجهزة مستوى جهوزيتها في جميع أنحاء البلاد بعد أن دعت الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة إلى الحشد في جميع الولايات بعد أن نشر بولسونارو على وسائل التواصل رسالة عبر الفيديو يصر فيها على أن لولا «لم ينتصر في الانتخابات»، رغم أنه عاد وحذفها بعد ساعات.
وتعيش البرازيل حالة من التوتر الشديد بعد الإعلان عن هذا الحشد والدعوة إلى التظاهر في المدن الكبرى، فيما أقفلت جميع المنافذ المؤدية إلى المباني الرسمية في العاصمة. وكان لولا قد وجه رسالة تحذيرية قال فيها إن «كل حركة ضد الديمقراطية البرازيلية ستواجه بأقسى العقوبات التي ينص عليها القانون». وتجدر الإشارة إلى أن الوضع كان متأزماً قبل الأحداث التي وقعت يوم الأحد الماضي، والتي يرجح بعض المراقبين أنها ليست سوى بداية لما يخطط له أنصار بولسونارو بدعم من بعض القيادات في القوات المسلحة. وكان الرئيس السابق قد صرح في شريط الفيديو الذي انتشر بين أنصاره بسرعة النار في الهشيم بعد ثلاثة أيام من عملية الاقتحام، قائلاً إن «الشعب لم ينتخب لولا رئيساً للجمهورية، ولم ينتصر في صناديق الاقتراع، بل هي المحكمة العليا التي حملته إلى الرئاسة».
لكن وزير الداخلية في الحكومة الجديدة صرح أمس أنه «لا توجد أي إمكانية لتكرار ما حصل يوم الأحد الماضي، وأن الذين يحاولون دفع البلاد إلى أزمة سيفشلون في مسعاهم»، مشيراً إلى أن الأجهزة اتخذت جميع التدابير والاحتياطات اللازمة بعد أن انتشرت دعوات بين أنصار بولسونارو لتنظيم مظاهرات جديدة. وتجدر الإشارة إلى أن جميع الوزراء لم يتسلموا مهامهم بعد بصورة رسمية، رغم أن لولا يجتمع يومياً مع بعض أعضاء حكومته ويكرر تغريداته على وسائل التواصل بأن الأمور تسير بشكل طبيعي، ويقول: «عدنا إلى العمل، وفي انتظارنا مهام جسيمة؛ مثل مكافحة الجوع والفقر، والبطالة والديون التي تراكمت على كاهل الأسر، فضلاً عن الأزمة التي نشبت منذ أيام، والتي لن تثنينا عن جهودنا وتنفيذ البرنامج الذي انتخبنا الشعب على أساسه».
وكان لولا قد اتصل بالرئيس الأميركي جو بايدن في اليوم التالي لعملية الاقتحام التي قام بها أنصار بولسونارو، وأكد له أنه سيزور واشنطن كما هو مقرر مطالع الشهر المقبل، أي بعد زيارة الأرجنتين وقبل زيارته الرسمية المقررة إلى الصين. كما تلقى لولا اتصالاً من المسؤول الأوروبي عن السياسة الخارجية جوزيب بوريل أعرب له فيها عن ثقة الاتحاد بمناعة المؤسسات البرازيلية، ورغبة الدول الأوروبية في إعادة تفعيل التحالف الاستراتيجي بين الطرفين.
في غضون ذلك، وبعد أن عبر العديد من النواب اليمينيين وحكام الولايات المناصرين لبولسونارو عن رفضهم للأحداث الأخيرة، ما زال البعض يتساءل حول مدى استعداد القيادات العسكرية الموالية للرئيس السابق للتجاوب مع الدعوات التي يكررها أنصاره للجيش من أجل «إنقاذ البرازيل»، وأيضاً حول الخطوات التي قد يتخذها بولسونارو الذي ترجح معلومات أنه لن يعود إلى البرازيل؛ خشية إحالته أمام القضاء ومحاكمته، وأن أولاده طلبوا الحصول على الجنسية الإيطالية؛ استناداً إلى أن والدهم متحدر من أصول إيطالية.


مقالات ذات صلة

موفدة أميركية تحض البرازيل على دعم أوكرانيا بوجه روسيا «المتنمرة»

الولايات المتحدة​ موفدة أميركية تحض البرازيل على دعم أوكرانيا بوجه روسيا «المتنمرة»

موفدة أميركية تحض البرازيل على دعم أوكرانيا بوجه روسيا «المتنمرة»

دعت موفدة أميركية رفيعة المستوى أمس (الثلاثاء)، البرازيل إلى تقديم دعم قوي لأوكرانيا ضد روسيا «المتنمرة»، لتثير القلق من جديد بشأن تصريحات سابقة للرئيس البرازيلي حمّل فيها الغرب جزئياً مسؤولية الحرب، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. والتقت ليندا توماس – غرينفيلد، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، التي تزور برازيليا، مع وزير الخارجية ماورو فييرا، وزوجة الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، لكن لم يجمعها أي لقاء بالرئيس اليساري نفسه. وفي كلمة ألقتها أمام طلاب العلاقات الدولية بجامعة برازيليا، قالت الموفدة الأميركية إن نضال أوكرانيا يتعلق بالدفاع عن الديمقراطية. وأضافت: «إنهم يقاتلون ضد متنمر

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بعد انتقادات أميركية... لولا يُدين «انتهاك وحدة أراضي» أوكرانيا

بعد انتقادات أميركية... لولا يُدين «انتهاك وحدة أراضي» أوكرانيا

بعد انتقادات أميركية اتهمته بـ«ترديد الدعاية الروسية والصينية»، أدان الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بوضوح، أمس (الثلاثاء)، «انتهاك وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا» من روسيا، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وخلال مأدبة عشاء على شرف الرئيس الروماني كلاوس يوهانيس، الذي يزور برازيليا، قال لولا إن «حكومتي مع إدانتها انتهاك وحدة وسلامة أراضي أوكرانيا، تدافع عن حل تفاوضي لسياسة النزاع». وكان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي، قد رد (الاثنين)، على تصريحات الرئيس لولا الذي اتهم، خلال زيارة للصين، الولايات المتحدة بـ«تشجيع الحرب» في أوكرانيا، وأكد ضرورة «البدء بالحديث عن السلام».

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
أميركا اللاتينية مباحثات إماراتية برازيلية في العلاقات الثنائية وتعزيزها ضمن الشراكة الاستراتيجية

مباحثات إماراتية برازيلية في العلاقات الثنائية وتعزيزها ضمن الشراكة الاستراتيجية

عقد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات ولويس إيناسيو لولا دا سيلفا رئيس البرازيل جلسة محادثات رسمية تناولت مختلف جوانب العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها في إطار الشراكة الاستراتيجية التي تجمع البلدين، وحرصهما على الدفع بها إلى آفاق أرحب تخدم مصالحهما المتبادلة. وأكد الشيخ تطلعه لأن تشكل زيارة الرئيس البرازيلي دفعة قوية لمسار العلاقات المتنامية بين البلدين في مختلف المجالات.

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
أميركا اللاتينية الصين تتعهد بفرص جديدة للبرازيل والعالم

الصين تتعهد بفرص جديدة للبرازيل والعالم

أكد الرئيس الصيني شي جينبينغ لنظيره البرازيلي لويز إيناسيو لولا دا سيلفا اليوم (الجمعة) أن تنمية الصين تُحدث «فرصا جديدة» للبرازيل والدول الأخرى. واستقبل شي الرئيس البرازيلي بعد ظهر الجمعة، وأكد له أن العلاقة بين البلدين تحتل أولوية دبلوماسية عالية، بحسب بيان رسمي عن وزارة الخارجية الصينية نشرته وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أميركا اللاتينية البرازيل تغازل «بي واي دي» الصينية

البرازيل تغازل «بي واي دي» الصينية

قال حاكم ولاية باهيا شمال شرق البرازيل إن بلاده واثقة من التوصل إلى اتفاق مع شركة صناعة السيارات الصينية «بي واي دي» لإقامة مصنع للسيارات الكهربائية في البرازيل. وأشارت وكالة «بلومبرغ» للأنباء يوم الأربعاء إلى أن جيرونيمو رودريغيز يقوم بجولة في الصين لنحو أسبوعين، واجتمع عدة مرات مع مسؤولي «بي واي دي»، وزار مصنعها في مدينة هانغشو ومقر رئاستها في شينشن. وقال رودريغيز إنه التقى أيضا مع وانغ شوانفو رئيس مجلس إدارة «بي واي دي» وستيلا لي نائبة الرئيس التنفيذي، وناقش معهما إمكانية إقامة مصنع للشركة في ولاية باهيا، مضيفا عبر موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي أن المناقشات «كانت مثمرة»، وهو يأمل في أن تؤد

«الشرق الأوسط» (برازيليا)

نحو 80 قتيلاً في تحطم طائرة عسكرية كولومبية

طائرة مقاتلة من طراز «كفير» تهبط بقاعدة «قيادة القوات الجوية» في بويرتو سالغار بكولومبيا يوم 20 يوليو 2020 (أ.ف.ب)
طائرة مقاتلة من طراز «كفير» تهبط بقاعدة «قيادة القوات الجوية» في بويرتو سالغار بكولومبيا يوم 20 يوليو 2020 (أ.ف.ب)
TT

نحو 80 قتيلاً في تحطم طائرة عسكرية كولومبية

طائرة مقاتلة من طراز «كفير» تهبط بقاعدة «قيادة القوات الجوية» في بويرتو سالغار بكولومبيا يوم 20 يوليو 2020 (أ.ف.ب)
طائرة مقاتلة من طراز «كفير» تهبط بقاعدة «قيادة القوات الجوية» في بويرتو سالغار بكولومبيا يوم 20 يوليو 2020 (أ.ف.ب)

أفاد الجيش الكولومبي، الاثنين، بمقتل نحو 80 جندياً في تحطم طائرة نقل جنوب البلاد.

وقال مصدر عسكري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن أفراد كتيبتين (80 جندياً) يُعتقد أنهم كانوا على متن طائرة «هيركوليز» التي تحطمت خلال إقلاعها من بويرتو ليغويزامو، قرب الحدود الجنوبية مع الإكوادور.

في يناير (كانون الثاني) الماضي، قُتل 15 شخصاً في تحطّم طائرة قرب الحدود المضطربة لكولومبيا مع فنزويلا. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، تحطمت طائرة تُقلّ 81 شخصاً؛ بينهم فريق كرة قدم برازيلي، في وسط كولومبيا، وقُتل 76 شخصاً ونجا 5 أشخاص فقط.


الأرجنتين تُحيي الذكرى الخمسين لانقلاب 1976

مظاهرة معارضة للرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلي في بوينس آيرس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مظاهرة معارضة للرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلي في بوينس آيرس (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الأرجنتين تُحيي الذكرى الخمسين لانقلاب 1976

مظاهرة معارضة للرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلي في بوينس آيرس (أرشيفية - أ.ف.ب)
مظاهرة معارضة للرئيس الأرجنتيني اليميني خافيير ميلي في بوينس آيرس (أرشيفية - أ.ف.ب)

يخرج الأرجنتينيون، الثلاثاء، إلى الشوارع في الذكرى السنوية الخمسين للانقلاب العسكري الذي أرسى واحداً من أبشع الأنظمة الديكتاتورية في تاريخ أميركا اللاتينية، وخلّف وراءه عشرات الآلاف من الضحايا والمفقودين الذين لا تزال مصائر معظمهم مجهولة حتى اليوم.

ويخرجون أيضاً فيما يمكن اعتباره أول تحدٍّ جدي للرئيس، خافيير ميلي، أحد أركان اليمين العالمي المتطرف، وأقرب الحلفاء الإقليميين إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الذي صرّح في محاضرة ألقاها في جامعة «يشيفا» اليهودية في نيويورك مطلع هذا الشهر بقوله: «أفتخر بكوني الرئيس الأكثر صهيونية في العالم».

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي من أبرز الحلفاء الوثيقين لإدارة ترمب (رويترز)

الآلاف الذين سينزلون إلى شوارع العاصمة بوينس آيرس سيرفعون شعارات تندد بإرهاب الدولة، ويطالبون القوات المسلحة بالكشف عن أماكن وجود المفقودين أو ما تبقّى منهم، كما يرفضون محاولات النظام الحالي إنهاء المحاكمات الجارية التي أدانت، حتى اليوم، أكثر من 1200 مسؤول عن أعمال القمع بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

لكن خافيير ميلي، وعلى خلاف ما خلصت إليه الإدانات القضائية، ينكر وجود خطة منهجية وضعها العسكر لاختطاف المعارضين وتعذيبهم واغتيالهم وسرقة أطفالهم، ويؤكد أن الأرجنتين «شهدت في سبعينات القرن الماضي حرباً بين النظام العسكري والتنظيمات الثورية، ارتكبت القوات المسلحة خلالها تجاوزات».

وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن 7 في المائة فقط من الأرجنتينيين اليوم يحملون صورة إيجابية عن النظام الذي فرضه العسكر في 24 مارس (آذار) 1976، وهو النظام الذي ضاعف، في أقل من 7 سنوات، معدلات الفقر 5 مرات في واحد من أغنى بلدان أميركا اللاتينية، وهو بلد كان في مطلع القرن الماضي دائناً لعدد من الدول الأوروبية، كما زاد مديونيته 4 أضعاف، ودمَّر نسيجه الصناعي.

الرئيس دونالد ترمب يستقبل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي في البيت الأبيض 14 أكتوبر 2025 (أ.ب)

في عام 2023، وبعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، التي رفعت نسبة التضخم إلى 215 في المائة، صوّت الأرجنتينيون لخافيير ميلي، الذي كان قد طرح برنامجاً اقتصادياً ليبرالياً متطرفاً، كالذي فرضه النظام العسكري بعد الانقلاب، بوصفه السبيل الوحيد للخروج من الوضع اليائس الذي كانت تتخبط فيه البلاد منذ سنوات.

ويتوافق المؤرخون اليوم على أن مكافحة التمرد كانت الذريعة التي برّر بها العسكر انقلابهم، وأن الهدف الحقيقي كان تغيير النظام الاقتصادي، خصوصاً أن الحركات الثورية يومها كانت قد اندثرت بالكامل تقريباً، بعد اغتيال معظم قادتها، ونفي ما تبقى منهم.

وتبيّن الإحصائيات أن 37 في المائة من المفقودين على يد النظام العسكري هم من العمال الذين شاركوا في الإضرابات الكبرى التي عمّت البلاد خلال النصف الأول من سبعينات القرن الماضي، للمطالبة بظروف عمل وأجور أفضل. واللافت أن الأرجنتين اليوم تعيش وضعاً اجتماعياً مشابهاً لتلك الفترة؛ حيث يرتفع عدد العاطلين عن العمل بنسبة كبيرة، وتنهار عشرات الشركات، فيما الحكومة تتجه نحو استبدال نظام رأسمالي مالي يحصر الثروة بيد حفنة صغيرة من الأغنياء بالنظام الرأسمالي الصناعي.

لقاء سابق بين الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - وسائل إعلام أرجنتينية)

ويضاف إلى المخاوف من جنوح النظام نحو الاستبداد، أن الحكومة اتخذت مجموعة من التدابير الأمنية والقضائية، وشدّدت العقوبات على الذين يشاركون في الاحتجاجات الشعبية، وإجراءات القمع ضد المتظاهرين، ما أدّى إلى وفاة العشرات واعتقال الآلاف منذ وصول ميلي إلى الحكم. كما أحالت الحكومة مئات الأشخاص إلى المحاكمة بتهمة الإرهاب لرميهم الحجارة على قوى الأمن خلال المظاهرات الاحتجاجية ضد قانون العمل الجديد.

وتحذّر منظمات ناشطة في مجال حقوق الإنسان من أن القمع بالدبابات، الذي كان يلجأ إليه النظام العسكري في السابق، حلّ مكانه اليوم نظام قمعي آخر عماده القوانين والتدابير المتشددة التي يتعارض معظمها مع الحريات الأساسية. وتنبّه هذه المنظمات من خطورة التغاضي عن تجاوزات النظام الحالي.

هذا اليوم الذي يحييه الأرجنتينيون يُعدّ من المحطات الأساسية في الرزنامة السياسية والاجتماعية في البلاد، وهو تاريخ يفصل بين ما قبله وما بعده؛ بين بلد عانى كثيراً من أنظمة الاستبداد، لكنه لم يعرف نظاماً مثل ذلك الذي قاده الجنرال خورخي رافايل فيديلا، والذي خلّف عدداً كبيراً من الضحايا يزيد على 30 ألفاً. غير أن ميلي يقول اليوم إن عدد الضحايا لم يتجاوز 9 آلاف، ويسعى إلى طيّ صفحة عشرات آلاف المفقودين الذين ما زالت القوات المسلحة ترفض الكشف عن مصيرهم، رغم أن الجهود الجنائية المتواصلة تكشف من حين إلى آخر عن مقابر جماعية في أماكن غير بعيدة عن بعض الثكنات العسكرية التي كانت مراكز للقمع في الماضي. ويُضاف إلى ذلك أن مصير مئات الأطفال الذين سُرقوا من أهلهم وأُودعوا لدى عائلات أخرى تحت أسماء مختلفة ما زال مجهولاً، ولم يتم التعرف إلا على عدد ضئيل منهم.

ويتخوف كثيرون اليوم في الأرجنتين من أن ميلي قد يصدر عفواً عن المعتقلين الذين أدانتهم المحاكم بتهم القتل والتعذيب والإخفاء القسري، ما قد يتسبب في ردة فعل عنيفة، خصوصاً أن الغالبية الساحقة من الأرجنتينيين تؤيد مواصلة التحقيقات والمحاكمات التي خفَّت وتيرتها كثيراً منذ سنتين، حين وصل خافيير ميلي إلى الحكم.

Your Premium trial has ended


كوبا «تتحضر» لغزو أميركي محتمل

نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في هافانا 20 مارس الحالي (إ.ب.أ)
نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في هافانا 20 مارس الحالي (إ.ب.أ)
TT

كوبا «تتحضر» لغزو أميركي محتمل

نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في هافانا 20 مارس الحالي (إ.ب.أ)
نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في هافانا 20 مارس الحالي (إ.ب.أ)

أكد نائب وزير الخارجية الكوبي كارلوس فرنانديز دي كوسيو في مقابلة متلفزة عُرضت الأحد، أن بلاده تتحضر لاحتمال تعرّضها لغزو من الجيش الأميركي، لكنّ حكومتها لا ترغب في الوقت نفسه في تأزيم علاقتها مع الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترمب.

وقال دي كوسيو في حديث لمحطة «إن بي سي» التلفزيونية الأميركية: «جيشنا على أهبة الاستعداد دائماً. وفي الواقع، هو يستعد هذه الأيام لاحتمال حدوث عدوان عسكري. في ضوء ما يحدث في العالم، سيكون من السذاجة ألّا نفعل ذلك... لكننا نأمل في ألّا يحدث ذلك. لا نرى سبباً لحصوله، ولا كيف يمكن تبريره». وتابع دي كوسيو أن «كوبا لا ترغب في نزاع مع الولايات المتحدة. لدينا حاجة لحماية أنفسنا ولنا الحق في ذلك، لكننا مستعدون للجلوس للحوار».

وكثّفت واشنطن المناوئة للحكم الشيوعي في كوبا منذ استيلائه على السلطة عام 1959 ضغوطها الاقتصادية على الجزيرة في يناير (كانون الثاني) الماضي من خلال حظر تزويدها المحروقات، مباشرة بعد اعتقالها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي كان أبرز حلفاء هافانا.

وفشلت الولايات المتحدة عام 1961 في الإطاحة بنظام الرئيس الكوبي فيدل كاسترو من خلال عملية خليج الخنازير الفاشلة. وأعرب ترمب، الاثنين، عن اعتقاده أنه سيحظى «بشرف الاستيلاء على كوبا»، من دون أن يوضح مقصده بدقة، وتحدث أيضاً عن «تحريرها».

مشهد لشروق الشمس في هافانا الأحد مع محاولة السلطات إعادة التيار الكهربائي بعد انهيار الشبكة للمرة الثانية في أسبوع (رويترز)

وانكبت الجهات المختصة في كوبا، صباح الأحد، على إعادة التيار الكهربائي بعد انقطاع عام جديد سُجِّل مساء السبت، هو السابع في أقل من عام ونصف العام. وأكد دي كوسيو في المقابلة التلفزيونية المسجلة قبل الانقطاع الأخير أن حكومته «تتحرك بأكبر قدر من الاستباقية على مواجهة الوضع». وقال: «نأمل حقاً في أن يصل الوقود إلى كوبا بطريقة أو بأخرى، وألا يطول أمد هذا الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة، وألا يكون ممكناً الإبقاء عليه إلى ما لا نهاية».

وانقطع التيار الكهربائي، السبت، عن نحو 10 ملايين ‌شخص في ‌ظل حصار ‌نفطي تفرضه الولايات المتحدة، أدى إلى شل نظام توليد الكهرباء في الجزيرة الذي يعاني بالفعل من التقادم. وكانت الولايات المتحدة قد قطعت إمدادات النفط الفنزويلي عن كوبا وهددت بفرض رسوم جمركية على الدول التي تشحن الوقود إليها.

وكانت البلاد التي يبلغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة شهدت انقطاعاً عاماً للتيار الكهربائي استمر لأكثر من 24 ساعة يومي 16 و17 مارس (آذار) الحالي. وتقول الحكومة الكوبية إن العقوبات الأميركية تعيق عمليات إصلاح بنيتها التحتية الكهربائية المتهالكة، بينما يشير خبراء اقتصاديون أيضاً إلى نقص الاستثمار المزمن في هذا القطاع. وتوقفت شحنات النفط من فنزويلا المورد الرئيسي لهافانا منذ أكثر من شهرين، وتهدد إدارة ترمب بفرض عقوبات على أي دولة تصدر النفط إلى كوبا.

وتعاني الجزيرة من حصار تجاري أميركي منذ عام 1962، وهي غارقة منذ سنوات في أزمة اقتصادية حادة تتسم بانقطاعات مطولة للتيار الكهربائي ونقص في الوقود والأدوية والغذاء.