الحروب والأزمات و«كورونا» وتراجع العملات «تسحق» التعليم في العالم العربي

مدارس متهالكة وتسرب للمعلمين وملايين الأطفال... والتدخلات السياسية تفاقم الأزمة

أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)
أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)
TT

الحروب والأزمات و«كورونا» وتراجع العملات «تسحق» التعليم في العالم العربي

أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)
أطفال نازحون في مدرسة مؤقتة بقرية المهندسين في ريف حلب (أ.ف.ب)

«بدلاً من أن يكون التعليم العامل الممكّن العظيم، فإنه الآن يتحوّل بسرعة إلى الفاصل العظيم. يتمتع الأثرياء بإمكانية الوصول إلى أفضل الموارد والمدارس والجامعات، مما يمكّنهم من الحصول على أفضل الوظائف، بينما يواجه الفقراء، وخصوصاً الفتيات، عقبات كبيرة في الحصول على المؤهلات التي تمكّنهم من تغيير حياتهم»، على حدّ تنبيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
يعرّف البنك الدولي التعليم بأنه «حق من حقوق الإنسان ومحرك قوي للتنمية وأحد أقوى أدوات الحد من الفقر وتحسين الصحة والمساواة بين الجنسين والسلام والاستقرار. ويعتبر ضخ استثمارات فعالة في تعليم الناس أمراً بالغ الأهمية لتنمية رأس المال البشري الذي هو من سينهي الفقر المدقع».
فيما يذهب آخرون أبعد في توصيفهم للتعليم بأنه «ليس مجرد حق، بل هو أيضاً شريان حياة»، وفق منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) التي تعتبره هندسة مجتمعية تحضّر أجيال الحاضر لاستحقاقات المستقبل.
في السنوات الأخيرة، تعرض قطاع التعليم لانتكاسة عميقة جرّاء عوامل عديدة، منها تفشي جائحة كورونا، التي فرضت إغلاقاً لمدة عام، والتوجه قسراً نحو خيار التعلم عن بعد، وهو ما كانت له تداعياته السلبية على القطاع ككل.
فالجائحة أدت من ضمن تداعياتها المتشعبة، إلى «أسوأ أزمة في التعليم على مدى القرن الماضي»، بحسب البنك الدولي. ففي ذروة إغلاق المدارس في أبريل (نيسان) من عام 2020. كان 94 في المائة من الطلاب - أو 1.6 مليار طفل - غير ملتحقين بالمدارس في جميع أنحاء العالم.
وسجل قطاع التعليم المزيد من التدهور لاحقاً مع اندلاع أزمات اقتصادية، كان أبرز معالمها تراجع دراماتيكي في عملات الدول المحلية، كما هو حال العديد من الدول العربية. وهو ما أجبر الحكومات على تقليص الإنفاق في موازناتها على قطاع التعليم.
مما لا شك فيه أن أزمة التعليم لم تبدأ أصلاً مع انتشار «كورونا». ففي الدول العربية التي تأثرت جميعها بـ«كورونا»، كانت الهوة واسعة قبل الجائحة، بين دول تتمتع بمنظومة تعليمية قوية ومنافِسة حتى عالمياً وتُسخَّر لها الموارد المهمة في إطار التنمية البشرية، الأساس للتنمية البنيوية بشموليتها؛ وبين أخرى تعاني خللاً متراكماً منذ عقود في أنظمتها التعليمية جرّاء ضعف الموارد أحياناً، أو بسبب عقل سياسي مستبد أقام مجرد مبانٍ، وتلاعب بالمناهج بغاية فرض خياراته المجتمعية.

تلاميذ في إحدى المدارس بمخيم للنازحين تابع للأمم المتحدة في حمام العليل شمال العراق (غيتي)

كما أنّ اضطرابات سياسية، بل وحروباً أهلية وأزمات اقتصادية متلاحقة وفساداً مؤسساتياً، استنزفت دولاً عربية كانت تمتلك موارد النهوض وبناء مستقبل واعد لأجيالها، فيما أعادت دول «مضعضعة» أصلاً عقوداً، بل ربما قروناً إلى الوراء، ففقدت منظومات التعليم جدواها الإيجابي وصارت «مناهج الأمية» هي القاعدة.
هو حال السودان مثلاً الذي لا يعرف ثلث أطفاله الذين في سن الدراسة مبادئ القراءة والكتابة، أو الحساب والمهارات الرقمية.
فيما خلّفت الهجمات التي تعرض لها أطفال المدارس والمعلمون والبنية التحتية التعليمية في اليمن، آثاراً مدمرة على النظام التعليمي وعلى فرص الملايين من الأطفال في الحصول على التعليم.
وفي العراق التي تصل فيه نسبة الأمية إلى 31 في المائة بين الذكور والإناث، فإن إهمال الحكومات والتدخلات السياسية أمور أضرّت بمجال التعليم.
ولعل الواقع المتردي للتعليم ليس أشد ما ينتظر مستقبل سوريا التي يتناهب جغرافيتها صراع أفرز ثلاث مناطق نفوذ، لكل منها منهاج تعليمي يعزز آيديولوجية القوى المسيطرة.
وفي تونس، تظهر تجليات ضعف التحصيل العلمي في خروج نحو 100 ألف طفل من المدارس كل عام.
وفي لبنان يعيش القطاع أسوأ مراحله، مع تحوّل الطلاب المنتسبين إلى المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية إلى ضحايا، بفعل ضياع الأعوام الدراسية الأخيرة، تارة جرّاء الإضرابات المتلاحقة للمعلمين.
أما في فلسطين، فطلابها مهددون بالقتل والاعتقال، ومدارسها مهددة بالهدم والقصف رغم أن الأرقام الرسمية تظهر أن الأمية في فلسطين من أقل المعدلات في العالم
«الشرق الأوسط» تستعرض فيما يلي وضع التعليم في عدد من الدول العربي:
- اليمن: ملايين الأطفال يواجهون مخاطر التسرب والتجريف الحوثي
لم تستثنِ الحرب التي تسبب فيها الانقلاب الحوثي في اليمن، أي جانب من جوانب الحياة إلاّ وألقت بظلالها القاتمة عليه، وصولاً إلى العملية التعلمية، التي وصلت إلى شفير الهاوية، حيث بات أكثر من 10 ملايين طفل في مراحل التعليم في حاجة إلى شكل من أشكال المساعدة من أجل الصمود.
بحسب تقارير أممية، تسبب القتال في خروج أكثر من 2900 مدرسة عن وظيفتها خلال ثماني سنوات، إما نتيجة لتضررها كلياً أو جزئياً، أو جراء تحويلها إلى ثكنات عسكرية أو مخازن للأسلحة، كما هو الحال في بعض المناطق التي سيطرت عليها الميليشيات الحوثية أو في مناطق التماس مع سيطرة الحكومة الشرعية.
وبسبب الآثار التي نجمت عن الانقلاب الحوثي، قادت ظروف الفقر وانعدام سبل العيش إلى تسرب أكثر من مليوني طفل من العملية التعليمية، بحسب البيانات الأممية.
وطبقاً للمعلومات التي وثّقتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هناك أكثر من ثمانية ملايين طفل في مختلف مراحل التعليم يحتاجون إلى دعم لمواصلة تعليمهم. في وقت تعرضت مدرسة من بين كل أربع مدارس للتدمير أو التضرر أو استخدامها لأغراض غير تعليمية.
وتؤكد «اليونيسف» في تقاريرها أن اليمن يواجه أزمة حادة في التعليم، حيث من الممكن أن يصل عدد الأطفال الذين يعانون من الاضطرابات التي تلحق تعليمهم، إلى ستة ملايين طالب وطالبة.
وانتهجت الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران في المحافظات التي تسيطر عليها، سياسة قادت إلى تجريف التعليم، سواء من حيث تطييفه عبر تغيير المناهج بما يناسب توجهاتها الفكرية ذات الصبغة الطائفية، أو من خلال عمليات التعسف التي ترتكبها بحق عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات والعاملين في الحقل التربوي.
وقاد رفض الميليشيات الحوثية صرف رواتب أكثر من 130 ألف معلّم ومعلّمة في مناطق سيطرتها، إلى انقطاع معظمهم عن أداء وظائفهم، والانصراف إلى مهن أخرى، وهو ما دفع الميليشيات إلى الاستعانة بموالين لها لا يحملون أي خبرات، لتلقين التلامذة في المدارس أفكار الجماعة وزعيمها وحضهم على الانخراط في القتال.
تؤكد «اليونيسف» أن النزاع والتعطيل المستمرين للعملية التعليمية في جميع أنحاء اليمن وتجزئة نظام التعليم شبه المنهار أصلاً، كان له تأثير بالغ على التعلم والنمو الإدراكي والعاطفي العام والصحة العقلية لكافة الأطفال في سن الدراسة والبالغ عددهم 10.6 ملايين طالب وطالبة.
وتشير تقارير المنظمة الأممية، التي حاولت خلال سنوات الحرب أن تسهم في تحسين العملية التعليمية من خلال ما تحصل عليه من تبرعات الجهات المانحة، وفي مقدمتها المانحون السعوديون والخليجيون، إلى أن الهيكل التعليمي يواجه مزيداً من المعوقات تتمثل في عدم حصول أكثر من ثلثي المعلمين (ما يقرب من 172 ألف معلّم ومعلّمة) على رواتبهم بشكل منتظم منذ عام 2016 أو أنهم انقطعوا عن التدريس بحثاً عن أنشطة أخرى مدرة للدخل.
وفيما تكافح الحكومة الشرعية في المناطق الخاضعة لها من أجل استمرارية فتح المدارس أبوابها، أدى فصل الحوثيين للنظام التعليمي من خلال تغيير المناهج، إلى وجود أجيال متضاربة فكرياً وعقائدياً.
وإلى جانب ضعف مخرجات النظام التعليمي في اليمن عامة، تقدّر تقارير حكومية وأخرى أممية أن نسبة الأمية فيما يتعلق بالقراءة والكتابة لا تزال عند مستويات 65 في المائة على الأقل.
- العراق: إهمال الحكومات والتدخلات السياسية أضرّت التعليم
كان العراق يتبوأ مراكز متقدمة في جودة التعليم ومحو الأمية في سبعينات القرن الماضي، لكنه سجل مستويات متدنية جداً قبل 2003 بسبب الظروف التي أدت إلى ذلك في تلك الفترة، ولم يشهد تطوراً ملحوظاً بعد ذلك التاريخ.
يقول مسؤول سابق في وزارة التعليم العالي إن مستوى التعليم استمر في التراجع منذ عام 2003 لأسباب عديدة، بينها «عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بمستوى التعليم من خلال افتقار التخصيصات المالية ضمن الموازنة العامة، وغياب التخطيط والبرامج المعنية في النهوض بمستوى التعليم».
ويضيف المسؤول الذي يفضل عدم الإشارة إلى اسمه لـ«الشرق الأوسط»، أن «معظم الحكومات سعت إلى التدخل في كل المناصب الإدارية للجامعات والكليات عبر المحسوبية والولاءات الحزبية، وهذا ما أدى إلى تفشي الفساد في أروقة الجامعة، وأثّر ذلك بكل مفاصل التعليم من الطالب والتدريسي وصولاً للكوادر الإدارية».
ويشير إلى «تدخل الأحزاب في قرارات المؤسسات التعليمية، وبالأخص مجلس النواب الذي صار يحدد طبيعة الدراسة ومدتها ونوع القبول، دون الرجوع للمختصين، مما أثّر بشكل واسع في سير العملية التعليمية».
وإلى جانب كل ذلك، والكلام للمسؤول السابق: «شكّلت وسائل الفساد في تعيين الخرّيجين سبباً رئيسياً في غياب التقدم النوعي لمستوى الدراسة. إذ لم يعد يجدي تفوق الخريج أو مستواه في ظل التعيين عبر المحسوبيات والواسطة ووسائل الفساد الأخرى، مما تسبب بخروج معظم جامعات البلاد من التصنيفات العالمية المعتمدة».
ويتحدث الكثير من المختصين في مجال التعليم عن كيفية تخرّج بعض الطلبة من الجامعات حيث حملوا شهادات عليا من دون أن يجيدوا القراءة والكتابة.
ويعزو أستاذ اللغة العربية في الجامعة المستنصرية مؤيد صوينت تراجع التعليم العالي في العراق إلى أسباب عديدة، منها «تسييس الجامعات وجعلها تابعة للأحزاب، مما أدى إلى ضعف القيادات الجامعية وتقديم الولاء على الكفاءة».
وتشير إحصاءات رسمية إلى حاجة البلاد إلى نحو 8 آلاف مدرسة ابتدائية، مما يعنى أن إدارات المدارس تضطر لتكديس أعداد كبيرة من الطلبة الصغار في الصف الدراسي الواحد بحيث تتجاوز أعدادهم في بعض الأحيان الـ50 طالباً.
- سوريا: مدارس متهالكة وتسرب للمعلمين
المتابع لنشاط وزير التربية السوري دارم طباع في وسائل الإعلام التابعة للنظام، سيواجه صعوبة بالغة في الربط بين صور جولاته في مدارس نموذجية في تجهيزاتها وانضباط طلابها ورقي كادرها التدريسي، وبين الواقع المزري لمئات المدارس الحكومية، لا سيما على أطراف المدن وفي الأرياف البعيدة عن الرقابة، حيث مدارس حوّلتها سنوات الحرب والإهمال إلى ما يشبه الحظائر، كأماكن غابت عنها أدنى شروط السلامة والنظافة. ناهيك عن أزمة المواصلات التي تهدد العشرات منها بالإغلاق لعدم تمكن المدرّسين من الوصول إليها كما حصل في عدة قرى بريف حماة الشرقي.
ولعل الواقع المتردي للتعليم ليس أشد ما ينتظر مستقبل سوريا التي يتناهب جغرافيتها صراع أفرز ثلاث مناطق نفوذ لكل منها منهاج تعليمي يعزز آيديولوجيا القوى المسيطرة.
ففي مناطق النظام، هناك تنافس إيراني - روسي على التغلغل في قطاع التعليم، عبر فرض تعليم اللغة أو إعادة تأهيل المدارس أو افتتاح المدارس الخاصة.
وفي مناطق النفوذ التركي، يتعزز التغلغل الثقافي عبر تمويل المنظمات التعليمية ما بين توجهات غربية وتوجهات عربية وتركية إسلامية.
أما في مناطق السيطرة الكردية، فيحتدم التنافس إلى حد الاصطدام بين القوميتين الكردية والعربية.
أرقام منظمة «اليونيسف» تشير إلى أن واحدة من أصل ثلاث مدارس خرجت عن الخدمة بسبب الحرب في سوريا.
ومن أبرز تحديات التعليم في مناطق سيطرة النظام إعادة تأهيل الأبنية المدرسية المتضررة التي بلغ عددها، وفق الإحصائيات الحكومية 8700. منها أكثر من 450 بناءً دُمر بشكل كامل، تم إعادة تأهيل عشرات المدارس بالتعاون مع منظمات وجهات دولية. إلا أن المدراس التي عادت إلى الخدمة لا تكفي لاستيعاب 3 ملايين و600 ألف تلميذ في مناطق النظام، ونحو 400 ألف في مناطق سيطرة المعارضة شمال غربي سوريا.
وأشارت أرقام «اليونيسف» إلى أن ثلث الأطفال السوريين في مرحلة التعلم، هم خارج المدرسة، أي أكثر من مليوني طفل. فيما يواجه 1.3 مليون طفل خطر التسرب بسبب ظروف الحرب التي تجعل ما نسبته واحداً من ثمانية أطفال في كل صف دراسي، في حاجة إلى دعم نفسي واجتماعي تخصصيّ.
منذ اندلعت الحرب عام 2011. باتت بداية العام الدراسي موعداً لتجدد معاناة الأهالي، بارتفاع تكاليف التعليم إلى حدٍ يفوق القدرة الشرائية بعدة أضعاف. إذ تبلغ تكلفة تجهيز تلميذ التعليم الأساسي في المدارس الحكومية نصف مليون ليرة سورية (ملابس، قرطاسية، كتب)، ولم يفلح قرض النصف مليون ليرة الذي منحته الحكومة في دمشق للموظفين هذا العام، في تخفيف وطأة التكاليف لدى الأسر التي لديها أكثر من تلميذين.
ومع ذلك، يبقى خيار التعليم الحكومي الأنسب، مقارنة بالأرقام الباهظة لتكاليف التعليم الخاص.
في مناطق المعارضة، ساهمت الحرب في ازدهار الاستثمار في التعليم الخاص، لتكون حلاً باهظ التكاليف لمن استطاع إليه سبيلاً من ميسوري الحال. إذ بلغ عدد مؤسسات التعليم الخاص المرخصة في إدلب ضمن مناطق المعارضة، نحو61 رياض أطفال، و53 مدرسة ابتدائية، و39 مدرسة إعدادية، و12 مدرسة ثانوية، و15 مركزاً لغوياً. علماً بأن التدريس في إدلب ومناطق السيطرة التركية، هو باللغة العربية، كما أن المناهج في تلك المناطق وضعتها السلطات المحلية.
أما في الحسكة، شمال شرقي سوريا، فأعلنت هيئة التربية والتعليم لدى «الإدارة الذاتية» الكردية التي تسيطر على المنطقة، في خريف عام 2020 اعتماد ثلاثة مناهج تعليمية للتدريس ضمن مناطق نفوذها في الأقاليم الشمالية، بينها منهاج أقرته «اليونيسف» لرعاية الأطفال.
وتتوزع المناهج المعنية على منهاج «الإدارة الذاتية» باللغة الكردية، في مدارس أقاليم الجزيرة والفرات ولنازحي عفرين في مناطق ومخيمات الشهباء بريف حلب، إلى جانب مخيمات النازحين.
أما الثاني، فهو منهاج التربية الرسمي، في المجمعات التربوية ومدارس مدينة منبج وريفها وبلدة العريمة المجاورة. فيما أقرت منظمة «اليونيسف» تدريس منهاجها في مدينة الطبقة ومحافظة الرقة ومدن وبلدات ريف دير الزور الشرقي، الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، بعد احتجاجات أهلية رفضت تدريس مناهج الإدارة الذاتية.
- لبنان: التعليم الرسمي في قلب المعاناة
يعيش قطاع التعليم الرسمي في لبنان، أسوأ مراحله، حيث تحوّل الطلاب المنتسبون إلى المدارس والمعاهد والجامعات الحكومية إلى ضحايا، بفعل ضياع الأعوام الدراسية، تارة جرّاء الإضرابات المتلاحقة للمعلمين والتي تفاقمت مع الأزمة الاقتصادية التي بدأت في العام 2019. وطوراً جرّاء جائحة «كورونا» التي فرضت إغلاقاً تاماً أو جزئياً لهذه المؤسسات.
وبخلاف الهجرة القسرية لتلامذة المدارس والجامعات الخاصة إلى المؤسسات التربوية الرسمية، هرباً من غلاء الأقساط وفقدان القدرة لدى أوليائهم على استكمال التعليم الخاص، يشهد العام الدراسي هجرة معاكسة باتجاه القطاع الخاص، لتجنّب موجة الإضرابات المفتوحة التي حرمت الطلاب عامين دراسيين متتاليين، وأفقدت القطاع الرسمي مستواه المعهود.
وأفادت مصادر مطلعة في وزارة التربية والتعليم العالي، بأن «المدارس الخاصة تستقطب الآن الطلاب بشكل واسع حتى وصل الأمر ببعضها إلى تخطي قدرتها على الاستيعاب». وأشارت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «آلاف الطلاب دفعوا ثمن إقفال مدارسهم وجامعاتهم، تارة تحت تأثير إضراب الأساتذة احتجاجاً على تدني قيمة الرواتب، وتارة أخرى بحجة إجراءات الحظر التي سببتها جائحة كورونا». وما يشجّع على العودة المعاكسة، الإغراءات التي تقدمها بعض المدارس الخاصة، سواء تلك التابعة للأحزاب، أو الرهبانيات والإرساليات التي لديها دعم خارجي.
وأشارت المصادر إلى أن ثمة مدارس خاصة «لا يتعدّى قسط الطالب السنوي الـ300 دولار و10 ملايين ليرة لبنانية (ما يوازي 220 دولاراً)، ويفضّل الأهالي تحمّله، بدلاً من إضاعة العام الدراسي على أبنائهم». واعترفت المصادر بأن «القطاع التعليمي الرسمي لا يزال في قلب المعاناة، رغم محاولات إنقاذه سواء من الدولة أو الجهات المانحة». ويرفض أساتذة التعليم الرسمي تحميلهم مسؤولية الإخفاقات التي حصلت في الأعوام الماضية، ويؤكدون أن «سياسات الحكومات المتعاقبة المالية والاقتصادية والفساد، هي التي أوصلت البلد إلى الانهيار، بما فيها القطاع التربوي».
وقال مدير التعليم الثانوي في وزارة التربية اللبنانية خالد فايد لـ«الشرق الأوسط»، إن الوزارة «مصرّة على إنقاذ التعليم الرسمي من الإخفاقات التي شهدها في العامين الأخيرين».
ويسعى أساتذة التعليم الرسمي إلى مصادر دخل يعوّض جزءاً من خسارتهم، ولا يتردد المئات منهم في الانتقال إلى التعليم الخاص طمعاً في تقاضي جزء من الرواتب بالـ«فريش دولار». إلّا أن كثيراً منهم عاد سريعاً إلى التعليم الرسمي.
- السودان: التعليم مأساة الفقر
غادر محمد جمعة، وهو طفل سوداني في الثانية عشرة من عمره المدرسة، وخرج إلى الشارع لعلّه يجد ما يسد رمقه ويساعد به والده على إعالة بقية أسرته وأشقائه.
محمد ليس سوى نموذج واحد لأزمة التعليم في السودان. فمثله الملايين، مما ينبئ بكارثة تهدد أجيالاً بكاملها، في ظل عجز حكومي مطبق عن توفير شروط الحصول على تعليم للأطفال، رغم أن القانون السوداني ينص على إلزامية التعليم الأساس.
وتأثر سير العملية التعليمية في السودان، وفقاً للخبراء، بادئ الأمر بجائحة «كورونا»، ثم بعدم الاستقرار السياسي والأمني الذي رافق الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق عمر البشير، وتدهور الأوضاع الاقتصادية الشديد الذي نتج عن «انقلاب» 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021. وزادت السيول والفيضانات التي ضربت البلاد ودمّرت آلاف المدارس الأوضاع سوءاً، واضطرت السلطات لتأجيل العام الدراسي لأكثر من مرة.
قالت منظمة «اليونيسف» إن نحو 7 ملايين طفل سوداني لا يذهبون إلى المدرسة، وأن هناك طفلاً واحداً من كل ثلاثة لا يذهب إلى المدرسة، فيما لا يحصل أكثر من 12 مليون طفل على فرصة لتلقي تعليم «جيد».
وانتقدت المسؤولة عن «اليونيسف» في السودان مانديب أوبراين بشدة تدهور الأوضاع التعليمية في البلاد. وقالت: «لا يمكن لأي بلد تحمل عبء عدم معرفة ثلث أطفاله الذين في سن الدراسة مبادئ القراءة والكتابة، أو الحساب والمهارات الرقمية، فالتعليم ليس مجرد حق، إنه أيضاً شريان حياة». ودعت «اليونيسف» السلطات إلى القيام بإجراءات عاجلة تتضمن زيادة الإنفاق من أجل تقديم الخدمات الاجتماعية بما في ذلك التعليم. وتشكل نسبة قطاع التعليم في الموازنة السودانية نسبة ضئيلة، وهي لم تتعد الـ1 في المائة في موازنة عام 2021 من 12.5 في المائة سابقاً.
- طلاب فلسطين مهددون بالقتل والاعتقال
في نهاية عام 2022. خرج الطفل الفلسطيني ريان سليمان، (7 أعوام)، من بلدة «تقوع» في بيت لحم إلى مدرسته كما كل طفل في العالم، محمّلاً بأدعية والديه، لكنه عاد إليهما مع نهاية الدوام المدرسي، جثة هامدة، بعدما فشل من الفرار من جنود إسرائيليين كانوا يطاردون طلاب مدارس في المنطقة أثناء عودته.
العملية التعليمية بكل مكوّناتها، المدارس والجامعات والمناهج والطلاب، طالما كانت ضحية الممارسات الإسرائيلية على مدار عقود وجوده على الأراضي الفلسطينية، ودفعت أثماناً باهظة على جميع المستويات، التربوية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية في الضفة والقدس وقطاع غزة.
كل ذلك فيما تستمر الحرب البديهية على المنهاج الفلسطيني في القدس.
وقال وزير التربية والتعليم الفلسطيني، مروان عورتاني: «إن مشكلة فلسطين لا تتركز في عدد المعلّمين أو التمويل، ولكن في كيف أننا سنضمن العدالة وتكافؤ الفرص لجميع شرائح المجتمع الفلسطيني والطلاب».
وأشار عورتاني إلى وجود معوقات خارج نطاق وزارته، على سبيل المثال في المناطق التي لا توجد فيها سلطة كاملة. وهذه المناطق تشكل أكثر من 60 في المائة من فلسطين، كما لا توجد ولاية حقيقية لدولة فلسطين في القدس.
في غزة، الصورة ليست أفضل، بحسب عورتاني، حيث تسببت الحرب بهدم مدارس، كما أن البيئة المدرسية تشوبها أجواء من العنف والقلق. وشنت إسرائيل هجومها في مايو (أيار) من عام 2021 في ذروة فترة الامتحانات النهائية في المدارس. وأضر القصف بـ132 مدرسة ونحو 55 من رياض الأطفال. أما عدد الطلاب الذين قتلتهم إسرائيل فكان 77 من طلبة المدارس، أو طلبة مراحل عليا في الجامعات.
وفي أغسطس (آب) الماضي، كانت غزة مع هجوم مباغت وسريع تسبب ضرراً لـ46 مدرسة حكومية، ومبنيين لمديريتي تعليم شمال وغرب غزة.
ولا تشمل الأرقام المدارس التي تديرها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا».
وآثار تدمير المدارس في غزة قد تكون أطول منها في الضفة الغربية، باعتبار أن القطاع التعليمي يُعاني في الأساس من قلة المدارس بسبب الحصار الإسرائيلي على غزة ومنع إدخال مواد البناء.
وقال المدير العام لوحدة العلاقات العامة والتعاون الدولي في التربية والتعليم في قطاع غزة أحمد النجار لـ«الشرق الأوسط»: «إنه في مكان آخر كان يجب أن ينهار كل شيء، ولكن ليس في قطاع غزة... تخيّل أن طالباً في الصف السادس عاش 3 حروب ودُمرت مدرسته وفقد أصدقاءه، لكنه يجتهد ويواصل».
ولا تستثني إسرائيل الفلسطينيين في القدس من حربها الواسعة ضد التعليم. ففي الشهر الماضي، امتنع نحو 100 ألف طالب في 150 مدرسة عربية في القدس عن العمل رفضاً لمحاولات الحكومة الإسرائيلية فرض المنهاج الإسرائيلي أو جزء منه كبديل للمنهاج الفلسطيني في معركة مستمرة منذ سنوات حول الرواية التاريخية.
- تونس: مزاحمة حادة من التعليم الخاص
تجاوز عدد التلاميذ في المراحل الابتدائية والأساسية والثانوية في تونس حدود المليونين و300 ألف تلميذ، وهو ما يمثل قرابة 20 في المائة من إجمالي السكان.
غير أن درجة الرضا عن أداء التعليم في تونس باتت مهزوزة نتيجة عوامل عديدة، معظمها مرتبط بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البلاد. إذ تعاني المؤسسة التربوية من صعوبات على مستوى البنية الأساسية، ونقص المربّين لعدم القدرة على انتداب المزيد منهم لما يخلفه ذلك من تبعات مالية.
وتطرح الأزمة التي تعرفها المدرسة العمومية تساؤلات عدة حول مستقبل التربية والتعليم في تونس، في ظل المنافسة الحادة التي تلقاها المنظومة العمومية من قبل المؤسسات الخاصة التي تسجل استقراراً على مستوى أدائها التعليمي وانتظام الدروس وندرة الإضرابات والتحاق المدرّسين الأكفاء وأصحاب التجربة بالقطاع الخاص.
وللتأكيد على عمق هذه الأزمة، كشفت دراسة أجرتها وزارة التربية التونسية حول الخريطة المدرسية، أنّ عدد المدارس الابتدائية الخاصة تضاعف ثلاث مرّات في خمس سنوات، ويبلغ حالياً 566 مؤسسة يؤمها أكثر من 90 ألف تلميذ تفتح أبوابها أمام قرابة 8769 مدرّساً.
وخلال السنوات الأخيرة، بات التحصيل العلمي السنوي ضعيفاً، نتيجة كثرة الاحتجاجات، وكانت النتيجة أن نحو 100 ألف طفل يغادرون المدارس كل سنة، من دون التسلح بمهارات أو معارف قادرة على إدماجهم في المجتمع، مما يزيد مخاطر الانحراف والجريمة وتشغيل الأطفال الصغار، والبحث عن الهجرة عبر قوارب الموت.


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.