ذكريات مع «عراب الطائف» الراحل حسين الحسيني: لا يمكن أن نطلق الحرية لكل منا أن يأخذ ما يعجبه من الاتفاق

كان يرى أن رئيس الجمهورية هو رئيس جميع السلطات وليس السلطة التنفيذية وحدها

الرئيس رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس للجمهورية بعد اتفاق الطائف وإلى جانبه الرئيس حسين الحسيني (غيتي)
الرئيس رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس للجمهورية بعد اتفاق الطائف وإلى جانبه الرئيس حسين الحسيني (غيتي)
TT

ذكريات مع «عراب الطائف» الراحل حسين الحسيني: لا يمكن أن نطلق الحرية لكل منا أن يأخذ ما يعجبه من الاتفاق

الرئيس رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس للجمهورية بعد اتفاق الطائف وإلى جانبه الرئيس حسين الحسيني (غيتي)
الرئيس رينيه معوض يقسم اليمين بعد انتخابه أول رئيس للجمهورية بعد اتفاق الطائف وإلى جانبه الرئيس حسين الحسيني (غيتي)

لم يوصف الرئيس حسين الحسيني عبثاً بأنه «عراب اتفاق الطائف». هو الذي اعتبر نفسه مؤتمناً على هذا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين النواب اللبنانيين بوساطة ورعاية سعوديتين في مدينة الطائف وتم إقراره في 22 - 10 - 1989. وانتقد كثيرون حسين الحسيني على رفضه المتكرر الإفراج عن المداولات التي جرت بين النواب والنقاشات التي أفضت إلى تعديل عدد من المواد في الدستور اللبناني بعد إقرار وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.
لكن الحسيني كان يعتبر نفسه الأب الروحي لتلك المداولات، وصاحب الفضل الأكبر في رعاية نقاشات النواب وتوصلهم إلى ذلك الاتفاق.
وإذا كان السياسيون والكتاب يقومون عادة بإهداء كتبهم ومذكراتهم إلى زوارهم وضيوفهم، فإن «الهدية»، التي قدمها لي الرئيس حسن الحسيني وحملت توقيعه، عندما ذهبت للقائه بعد أكثر من عشر سنوات على إقرار «اتفاق الطائف»، كانت نسخة من وثيقة الوفاق الوطني التي أقرت في الطائف.

وثيقة الوفاق الوطني اللبناني مع «إهداء» الرئيس الحسيني (الشرق الأوسط)

حصل ذلك اللقاء في شقة كان يقيم فيها الحسيني لا تبعد كثيراً عن مقر رئاسة مجلس النواب الحالي في منطقة عين التينة في بيروت، وهو المقر الذي بادر الحسيني إلى قرار تشييده، ليكون مماثلاً لمقر رئيس الجمهورية في قصر بعبدا ومقر رئيس مجلس الوزراء في السراي الحكومي في وسط بيروت، لكن لم يتح للحسيني الإقامة فيه إذ إن ولايته الرئاسية على مجلس النواب استمرت من 1984 إلى 1992. قبل اكتمال «قصر عين التينة»، الذي يشغله الرئيس نبيه بري منذ ذلك الحين. وقليلون يذكرون اليوم أن الحسيني كان من المشاركين في تأسيس حركة «أمل» التي يرأسها الرئيس بري اليوم، وكان في ذلك الوقت (1973) إلى جانب الإمام موسى الصدر الذي «اختفى» في ليبيا في آخر أغسطس (آب) 1978.
كان السؤال الوحيد في ذهني، بل أكاد أقول الطلب الوحيد من الرئيس الحسيني هو الحصول على نصوص النقاشات النيابية التي جرت في الطائف، والتي كنت أعرف أنه يعتبرها أثمن ما يملك. رفض بإلحاح، رغم الوساطات التي استخدمتُها لإقناعه خلال تلك الزيارة. اعتبر أن مداولات النواب أصبحت ملكاً للتاريخ، وأنه لا حاجة لنبش تلك الدفاتر وفتح الجروح القيمة، وأكد أن المهم الآن هو تطبيق الاتفاق كما تم التوصل إليه، والبناء على أنه أنقذ البلد من مخاطر التقسيم، وجنّبه استمرار موجات القتل والتهجير والحروب الأهلية.
حاولت الالتفاف على الموضوع، وسألته عما يقال من أن اتفاق الطائف لم يطبق بكل بنوده؟
أجابني: «كل الدول تقول إن الحل في لبنان هو بتطبيق اتفاق الطائف نصاً وروحاً. ولا بد من القول إن لكل طرف في لبنان وجهة نظر مختلفة حول الاتفاق. ولكن عندما التزمنا باتفاق الطائف فهو التزام كامل بصرف النظر عما يعجبنا أو لا يعجبنا فيه. ولا يمكن أن نطلق الحرية لكل منا أن يأخذ الذي لا يعجبه فقط. فعندما يقال الطائف، فذلك يعني الدستور وهو واجب التطبيق، ومن يعطل مسيرة الوفاق الوطني ويتحمل المسؤولية. وفي الوقت نفسه هناك أمور كثيرة أرى أن الوقت لم يحن لكشفها».
حدثني الرئيس الحسيني عن تعديل يمكن القول إنه الأهم الذي حصل بنتيجة اتفاق الطائف، وهو نقل صلاحيات رئيس الجمهورية، التي كانت صلاحيات واسعة في الدستور السابق، إلى مجلس الوزراء. في ذلك اللقاء كانت المعارضة لذلك التعديل واسعة، وخصوصاً من جانب فريق الرئيس ميشال عون، وهو الفريق الذي ظل يطالب باستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية، التي «سُلبت» منه، كما يقول المتقدون، وانتهى الأمر بعون وفريقه إلى الالتفاف على «خسارة الصلاحيات» بالمطالبة برئيس قوي في طائفته، بحيث يساعد تمثيله القوي لأبناء طائفته (المسيحية) على فرض قراره على الآخرين.
كان الرئيس الحسيني يرفض بوضوح فكرة تمتع الطوائف بصلاحيات في مؤسسات الدولة، ويعتبر أن الصلاحيات يمارسها السياسيون بصفتهم مسؤولين عن وطن، وليس كممثلين لطوائف. وتحدث بإسهاب عن موضوع صلاحيات رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء كما أقرت في اتفاق الطائف. قال: «عندما عملنا على نقل السلطة من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، كان ذلك بقصد تحقيق المؤسسة وليس بقصد نقل السلطة من رئيس الجمهورية إلى رئيس مجلس الوزراء». وبالطبع هناك اشتباه حول إمكانية اتخاذ مجلس الوزراء قرارات منافية لسياسة الحكومة كما أعلنها رئيس مجلس الوزراء. وحول هذا الأمر نقول قطعاً إن كيان مجلس الوزراء مرهون ببقاء رئيس مجلس الوزراء. فعند استقالة الرئيس لا تبقى هناك حكومة. وعلينا أن نميز بين مجلس الوزراء والحكومة. وليس من قبيل الصدف أن يقول النص الدستوري إن رئيس مجلس الوزراء هو رئيس الحكومة. فالحكومة عندما تمثل أمام مجلس النواب فهي حكومة وليست مجلس وزراء. وعندما تجتمع في مقر خاص لمجلس الوزراء تصبح مجلساً للوزراء.
سألته عن اختلاف الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء؟ فقال: «في مجلس الوزراء أعطي رئيس الجمهورية حق ترؤس المجلس ساعة يشاء، دون أن يكون له حق التصويت. وهنا تتم عملية المشاركة في القرار. أما في العملية التنفيذية فليست هناك مشاركة بل مسؤولية. وكل وزير يتحمل مسؤولية وزارته ورئيس مجلس الوزراء هو المسؤول عن الحكومة أمام مجلس النواب، ولذلك أعطي رئيس الوزراء صلاحية التنسيق بين الوزراء وإعطائهم التوجيهات اللازمة من أجل تنفيذ السياسة العامة التي رسمها مجلس الوزراء وهو المسؤول عنها أمام مجلس النواب».
وسألت الحسيني عن الجدل حول حصر حق دعوة مجلس الوزراء للاجتماع برئيس مجلس الوزراء وليس برئيس الجمهورية؟ فقال: «هذا صحيح قطعاً، فرئيس الحكومة هو الذي يضع جدول الأعمال وهو الرئيس الأساسي لمجلس الوزراء، وهذا لا خلاف عليه ولكن رئيس الجمهورية هو رئيس جميع السلطات». وهذا أيضاً يبدو أنه غير واضح في ذهن البعض. فهو ليس رئيساً للسلطة التنفيذية فحسب.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يشن ضربات واسعة ضد أهداف لـ«داعش» في سوريا

مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)
مقاتلات تابعة للجيش الأميركي (رويترز)

أكدت القيادة المركزية الأميركية، السبت، شن ضربات واسعة النطاق ضد أهداف لتنظيم «داعش» في سوريا.

وقالت القيادة المركزية، في بيان، إن الضربات جاءت ضمن العملية التي بدأت في 19 ديسمبر (كانون الأول) بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب.

وأضافت القيادة أن الضربات تأتي ضمن «التزامنا المستمر باستئصال الإرهاب ضد قواتنا وقوات التحالف بالمنطقة».

كانت قناة تلفزيون «فوكس نيوز» قد نقلت عن مسؤولين قولهم، في وقت سابق اليوم، إن عدة أهداف تابعة لـ«داعش» في سوريا تعرضت لضربات جوية. ولم تتضح بعد نتائج هذه الضربات.

وقالت وزارة الدفاع البريطانية، السبت، إن القوات الجوية البريطانية والفرنسية ​نفذت عملية مشتركة لقصف مستودع أسلحة تحت الأرض يشتبه في أن تنظيم «داعش» في سوريا كان يستخدمه.

وتقوم الطائرات الغربية بدوريات لمنع التنظيم المتشدد الذي حكم أجزاء ‌من سوريا ‌حتى عام 2019 ‌من ⁠الظهور ​مجدداً. ‌وقالت بريطانيا إن تحليلاً مخابراتياً حدد منشأة تحت الأرض يُعتقد أنها تُستخدم لتخزين الأسلحة والمتفجرات في الجبال الواقعة شمال تدمر.

وقال وزير ⁠الدفاع البريطاني جون هيلي: «يُظهر هذا العمل قيادة المملكة المتحدة وعزمها على الوقوف جنباً إلى جنب مع حلفائنا لمنع أي عودة لـ(داعش) وآيديولوجياتهم الخطيرة والعنيفة في الشرق الأوسط».


سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
TT

سوريا: انقطاع المياه عن مدينة حلب بعد إيقاف «قسد» ضخ مياه الفرات

عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)
عربات لقوات الأمن والجيش السوري في حلب (رويترز)

قُطعت المياه عن مدينة حلب مساء اليوم (السبت) بعد إيقاف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ضخ مياه نهر الفرات شرق حلب، مما يهدد ملايين الناس في مدينة حلب وريفها بالعطش.

وقالت وزارة الطاقة السورية في بيان لها، تلقت وكالة الأنباء الألمانية نسخة منه: «توقف ضخ المياه من محطة البابيري في ريف حلب الشرقي عند الساعة 30: 5 من مساء اليوم، وذلك نتيجة إيعاز مباشر من عناصر عسكرية تابعة لتنظيم (قسد)».

وأكد بيان وزارة الطاقة أن «محطة البابيري تخضع لسيطرة تنظيم (قسد)، وتعد المصدر الرئيس المغذي لمدينة حلب وريفها، وقد أدى توقفها إلى حدوث أضرار مباشرة طالت كامل المحافظة، وانعكست سلباً على حياة المواطنين والخدمات الأساسية».

قوات أمن سورية تنتشر بحي الشيخ مقصود في حلب (أ.ب)

وحمّلت وزارة الطاقة السورية «تنظيم (قسد) المسؤولية الكاملة عن هذا الانقطاع المتعمد. ونؤكد أن استهداف البنية التحتية الحيوية وحرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية يعدان انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الإنسانية والدولية».

وجاء في بيان الوزارة: «التزامنا ببذل كل الجهود الممكنة لإعادة ضخ المياه وتأمين الخدمات، وندعو الجهات المعنية والمنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه هذه الممارسات التي تمس الأمن الخدمي والإنساني لملايين المواطنين».


ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
TT

ملف الأمن تحدٍّ مركزي لعهد الرئيس اللبناني في عامه الثاني

الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون في زيارة لجنوب لبنان في ذكرى عيد الاستقلال (الرئاسة اللبنانية)

تزامن مرور عام على تولّي الرئيس اللبناني جوزيف عون رئاسة الجمهورية، مع مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة يشهدها لبنان، في ظل تداخل الأزمات الداخلية مع تداعيات الحرب الإسرائيلية والتطورات الإقليمية. وخلال السنة الأولى من العهد، برزت مقاربات مختلفة في إدارة عدد من الملفات السيادية والأمنية والعلاقات الخارجية، بحيث يبقى ملف الأمن تحدياً مركزياً في المرحلة المقبلة.

وانتخب قائد الجيش السابق جوزيف عون في 9 يناير (كانون الثاني) 2024 بعد أكثر من عامين من الفراغ في سدة الرئاسة، متعهداً بأن تبدأ معه «مرحلة جديدة من تاريخ لبنان».

وجاء انتخاب عون الذي حظي بتأييد واسع من الكتل النيابية، بمن فيهم الثنائي الشيعي؛ حركة «أمل» و«حزب الله»، بعد نحو ثلاثة أشهر من الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، التي انتهت بـ«اتفاق وقف الأعمال العدائية» ينص بشكل أساسي على حصرية السلاح بيد الدولة وسحب سلاح «حزب الله».

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً البابا ليو الرابع عشر في بيروت (الرئاسة اللبنانية)

العهد أعاد انتظام المؤسسات

«مرور سنة على العهد يفرض تقييماً موضوعياً لما تحقق وما لم يتحقق على المستوى السياسي»، حسب ما يؤكد عضو اللقاء الديمقراطي (الحزب التقدمي الاشتراكي)، النائب بلال عبد الله، معتبراً أنّ أبرز ما يُسجَّل هو إعادة وضع المؤسسات الدستورية والإدارية على السكة الصحيحة.

وأوضح عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنّ السنة الأولى شهدت «قيام حكومة فعلية، وبداية تنشيط جدي للإدارة العامة، وملء مجالس إدارات وهيئات ناظمة طال انتظارها، إضافة إلى الشروع في معالجة ملفات مزمنة تتعلق بقوانين إصلاحية قديمة أو غير مكتملة»، لافتاً إلى أن «ملف القضاء كان من العناوين التي حظيت بتركيز واضح خلال هذه المرحلة».

اجتماع بين الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

واعتبر أنّ «أهم إنجاز سياسي يتمثّل في الالتزام العملي بخطاب القسم، ولا سيما العمل مع رئيس الحكومة على تثبيت منطق الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، من دون تعريض الساحة الداخلية لأي اهتزاز أمني»، مشيراً إلى أنّ سياسة الانفتاح على الدول الراغبة بمساعدة لبنان شكّلت خياراً ثابتاً، وتجلّت خصوصاً في تعزيز الحضور اللبناني ضمن المسارات الدبلوماسية والآليات الدولية المعنية بالوضع اللبناني».

إصلاحات لم تكتمل

في المقابل، شدّد عبد الله على أنّ «الإصلاحات المالية الجوهرية لم تُنجز بعد»، مؤكداً أنّ «أي إصلاح مالي لا قيمة له إذا لم ينصف المودعين، ولم تُستكمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، باعتبارها المدخل الطبيعي لاستعادة الثقة وجذب الاستثمارات والمساعدات».

ملف الأمن تحدٍّ مركزي

وقال عبد الله هذه الملفات «لا تقع على عاتق مجلس الوزراء والعهد وحدهما، بل تتطلب تعاوناً مباشراً ومسؤولاً مع مجلس النواب»، لافتاً إلى أنّ ملف الأمن وبسط سلطة الدولة يشكّل تحدياً مركزياً في المرحلة المقبلة.

وأضاف: «خطة الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني أُنجزت، فيما يُفترض الانتقال إلى خطوات شمال الليطاني»، لكنه ربط ذلك «بالحاجة إلى حدّ أدنى من وقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، ووقف مناخ التهويل المستمر بحرب جديدة على لبنان»، معتبراً أنّ «غياب أي ضمانات فعلية بوقف العدوان أو الانسحاب الإسرائيلي يُعقّد مهمة الدولة».

الرئيس جوزيف عون خلال الاحتفال بذكرى شهداء الجيش في وزارة الدفاع الوطني (الرئاسة اللبنانية)

وفيما أكّد أنّ «العهد، ضمن الظروف الداخلية والخارجية القائمة، كان على مستوى المسؤولية وسعى إلى توفير الحد الأدنى من الاستقرار والأمان للبنانيين»، ولفت إلى أنّ «استكمال بناء الدولة لا يرتبط فقط بالعمل الداخلي، بل أيضاً بالمسار الخارجي»، مشدّداً على أنّ «(حزب الله) لا يسهّل هذه المهمة في كثير من المحطات، إلا أنّ الإسرائيلي يبقى العامل الأخطر والأكثر تهديداً للاستقرار اللبناني».

انتقال من الخطاب إلى الفعل

بدوره، رأى المحلل السياسي عباس ضاهر أن قضية حصر السلاح شكّلت الملف الأبرز في العام الأول من العهد.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن قرار دعم الخطة العسكرية لبسط سلطة الدولة جنوب نهر الليطاني، وانتشار الجيش اللبناني في المنطقة، أعادا تثبيت معادلة الدولة مرجعيةً وحيدةً للأمن، ولو ضمن نطاق جغرافي محدد.

وأشار ضاهر إلى أن «الملف الأبرز يتمثّل في مقاربة رئيس الجمهورية لمسألة حصر السلاح بيد الدولة، من خلال طرح مفهوم الاستراتيجية الأمنية الوطنية، وما رافقه من دعم سياسي لإقرار الخطة العسكرية في مجلس الوزراء»، معتبراً أن «هذا المسار شكّل الإطار العملي الأول لمعالجة هذا الملف الشائك، لا سيما جنوب نهر الليطاني، في انتظار استكمال المعطيات المرتبطة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطورات الوضع الميداني».

غير أن هذا التقدّم بقي محكوماً بسقف التوازنات الداخلية والإقليمية، في ظل استمرار الخلاف حول مصير سلاح «حزب الله» خارج الجنوب، ما دفع العهد إلى اعتماد مقاربة تدريجية، تُراكم الوقائع بدل الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

الرئيس عون متفقداً غرفة عمليات الأمن الداخلي ليلة رأس السنة (الرئاسة اللبنانية)

استعادة هيبة الدولة

وشدّد ضاهر على «أنّ الإصرار على معالجة الواقع الأمني، وهو أحد العناوين الأساسية في خطاب القسم، تُرجم للمرة الأولى منذ سنوات طويلة بسلسلة توقيفات طالت كبار تجّار المخدرات والمتورطين في الجرائم المنظمة»، معتبراً أن «هذا التحوّل يعكس قراراً سياسياً واضحاً بإعادة الاعتبار لهيبة الدولة، بعيداً عن منطق التسويات أو المحسوبيات».

عودة إلى الحضن العربي

على المستوى الخارجي، سجّل العهد اختراقاً واضحاً في ملف العلاقات العربية، بعد سنوات من القطيعة والجفاء. فقد أعاد لبنان فتح قنوات التواصل السياسي مع عواصم عربية أساسية، مستنداً إلى خطاب رسمي أقل استفزازاً، وأكثر التزاماً بالحياد.