«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

الأوساط الثقافية الفرنسية تحتفي بمرور ثمانين سنة على صدورها

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
TT

«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير

تبدو في الوهلة الأولى كتاباً للأطفال برسوماتها المرحة وأسلوبها السردي البسيطـ لكن القارئ لرواية «الأمير الصغير»، سرعان ما يكتشف أنها رواية عميقة شاعرية عن المنفى والطفولة والحب والتضحية ومعانٍ أخرى عميقة وجدت صداها في كل ثقافات العالم. ورغم إجماع الكّل على القيمة الأدبية لهذا العمل فإن الآراء اختلفت حول تصنيفها فمن يعتبرها قصّة للأطفال أو رواية فلسفية، وحتى رواية سياسية، أو كتابة تحليلية تغوص في أعماق نفسية الطفل الذي يوجد بداخل كل واحد فينا. هذا الاختلاف جعل الرواية مرتعاً خصباً للبحوث والدراسات بدأ بالغلاف ودلالات رسوماته وأشكاله الهندسية والعنوان وإلى غاية الإيحاءات الرمزية التي تمثلها عناصر الرواية كالوردة والكوكب والخروف والثعلب.
الرواية التي تحتفل الأوساط الثقافية بمرور ثمانين سنة على ظهورها، هي من أشهر أعمال الأديب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري وأكثر الروايات انتشاراً في العالم، حيث بيع منها أكثر من ثمانين مليون نسخة، وترجمت لأكثر من مائتي لغة (وهي الرواية الأكثر ترجمة بعد الإنجيل) كما أن صحيفة لوموند اختارتها كواحدة من أفضل الأعمال الأدبية التي ميزت القرن العشرين. الرواية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسطورة «الكاتب الطيار»، وهي جزء من أدب أنطوان دو سانت إكزوبري. فكتابه «ريح ورمال ونجوم» تناول الطيران كمغامرة، وفي «أرض الرجال» كتب عن بسالة وتضحيات الطيارين الفرنسيين في مواجهة الاحتلال النازي. أما رواية «طيران في الليل»، فقد استقاها من تجاربه في الطيران التجاري في أميركا الجنوبية، إلى غاية «الأمير الصغير»، التي يظهر فيها البطل كطيار سقطت طائرته في مكان ما من صحراء شمال أفريقيا، وهي الأسطورة التي رافقت الكاتب الفرنسي إلى آخر أيامه، حيث وافته المنية وهو على متن طائرته صيف 1944. الرواية مرتبطة أيضاً بالمنفى الأميركي للكاتب الذي كان قد لجأ إليه بعد هزيمة فرنسا، آملاً في لعب دور في عودة الحلفاء إلى الأرض الأوروبية وإنقاذها من العدو النازي، وقد كان سانت إكزوبري آنذاك، مقارنة بالمثقفين الفرنسيين الآخرين الذين هاجروا إلى أميركا هرباً من النازيين أمثال أندريه بروتون وليفي ستراوس، الأكثر شهرة وشعبية على الإطلاق. المعروف أيضاً أن فكرة الرواية ولدت في نيويورك عام 1942 وجاءت من ناشره الأميركي، وتحديداً من زوجة هذا الناشر، التي حاولت شغله بالكتابة بعد أن لاحظت عليه بوادر الكآبة بسبب معاناته من العزلة في منفاه البعيد، وهي الإشكالية التي ظهرت بشكل واضح في عمل الكاتب، فكلا الشخصيتين: الطفل والطيار بعيد عن موطنه ومشتاق إلى العودة إليه. وقد كان الباحث الأميركي جاكوب غرييل قد قدم في كتابه «العلوم السياسية للأمير الصغير» (دار نشر بوكس) هذه الرواية على أنها «دليل ممتاز لفن الحكم السياسي»، مقارناً إياها بكتاب «الأمير» لمكيافيللي. فكلاهما كما يقول الكاتب الأميركي، يتضمن دروساً للكبار، ما عدا أن «الأمير الصغير» يبحث عن الآخرين لا لفرض سلطته عليهم بالخوف، بل للاستفادة من رفقتهم وحديثهم. ففي إحدى فقرات القصّة يقف الأمير الصغير على قمة الجبل صارخاً: «كونوا أصدقائي..... أنا تعيس...».
سؤال آخر يعود مراراً بخصوص هذه الرواية: هل هي موجهة للأطفال أم للكبار؟ والاستفهام مبرر إذا علمنا أن سانت إكزوبري قد وجّه في مقدمة عمله إهداء لصديقه العزيز ليون فيرس موضحاً: «أقدم اعتذاري للأطفال لأني أهديت هذا الكتاب لواحد من الكبار، لكن لي عذر جاد، وهو أن هذا الشخص من الكبار هو أفضل صديق لي في هذا العالم، ولي عذر آخر هو أن هذا الشخص يستطيع فهم كل شيء حتى كتب الأطفال... وإن لم تكن كل هذه الأعذار كافية، فسأهدي هذا الكتاب إلى الطفل الّذي كانه هذا الشخص الراشد. كل الأشخاص الكبار كانوا أطفالاً صغاراً، ولكن قليلاً منهم من يتذكر ذلك، أصحّح إهدائي وأقول إلى ليون عندما كان... صغيراً»، فهل كتب سانت إكزوبري الرواية مخاطباً بها الطفل أم الراشد الذي حافظ على روح الطفل بداخله؟ حين سئل الفيلسوف الألماني المعروف مارتن هايدغر صاحب كتاب «دروب موصّدة» عن أهم كتاب قرأه في حياته أجاب دون تردّد «الأمير الصغير»، مضيفاً بأنه «ليس كتاباً موجهّاً للأطفال... بل هو رسالة شاعر عظيم يخفف عنا كل أشكال الوحدة وهو الذي يقودنا إلى فهم الأسرار العظيمة لهذا العالم»... وفي كتابها «الأمير الصغير، لغز الوردة» (دار نشر لارماتان) تكتب الفيلسوفة الفرنسية لورانس فانان ما يلي: «(الأمير الصغير) رواية فلسفية استثنائية تحت ستار نص شعري مكتوب للأطفال لكنها تستهدف الراشدين» لورانس فانان تذهب لغاية دعوتنا بعدم ترك الرواية في أيدي الأطفال، ولا سيما الصغار سناً لأنهم ليسوا ناضجين وليسوا مستعدين بما فيه الكفاية لاستيعاب دقتها الرائعة. أستاذ الأدب الفرنسي والحاصل على جائزة «غونكور» للسيرة الذاتية فيليب فورست يقدم إجابة أكثر تعقيداً حيث يكتب: «(الأمير الصغير) مواجهة بين طفل وشخص راشد ودمج لقصّة للأطفال داخل رواية للكبار هذه الازدواجية تمنح الرواية خصوصية، وهي أننا نستطيع قراءتها من منظور الشخص الراشد، ولكن أيضاً من منظور الطفل وكأن أعظم إنجاز لسانت إكزوبري هو هذه الكتابة العبقرية التي تسمح بهذه القراءة المزدوجة والمتكاملة». ومن الناحية السّردية، يواصل الباحث: «تقع الرواية في مفترق الطرق بين جنسين أدبيين هما رواية المغامرة الخيالية والفانتازيا، فالقارئ أمام خيارين فإما أن يقتنع بقصّة الصداقة التي تجمع بين الأمير الصغير والطيار وإما أن يسلم بأن لقاء الشخصيتين هو نتيجة هلوسات طيار ضائع ومرهق وسط صحراء قاحلة». وإن لم تكن «الأمير الصغير» رواية للأطفال فهي على الأقل، حسب الباحث الفرنسي فيليب فورست، كتابة سردية حول عالم الطفولة والبراءة والخيال الجامح مثل ما كانت عليه رواية «بيتر بان» لجيمس ماثيو باري أو «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول. البعض يذهب إلى غاية تصنيفها بالسيرة الذاتية، فالقصّة حسب بعض المحللّين النفسانيين استحضار لصدمات الطفولة البعيدة التي عاشها أنطوان دو سانت إكزوبري، ولا سيما بعد وفاة أخيه الأصغر فرنسوا وهو في سن الرابعة عشر بمرض عضال. كما أن القصّة تترك أيضاً انطباعاً بأن الكاتب يحتفل بخيال الأطفال وفضولهم. فالشخص الراشد (الراوي) هو في الواقع طفل اصطدم بعمى عقول وعيون الكبار، فاختار الطائرة بديلاً عن ريشة الرسام... واختار السماء عوضاً عن الأرض... حيث يكتب الراوي مدافعاً عن موقف الأطفال ضد الراشدين بأن الكبار نصحوه بترك الرسم، والاتجاه لدراسة الجغرافيا، والتاريخ والحساب، وقواعد اللغة. ولذلك في عمر ست سنوات اعتزل بطلنا الرسم، واتجه لاختيار مهنة أُخرى. يقول عن ذلك: «لقد عشت كثيراً وسط الأشخاص الكبار، فرأيتهم عن كثب.
ولم يغير هذا الاحتكاك من موقفي الشيء الكثير، لما كنت أصادف أحدهم وأتوسم فيه قدراً من الذكاء، كنت أختبره برسمي رقم 1 لكنه كان يجيب (إنها قبعة) فلا أحدثه بعدها لا عن ثعبان البوا ولا عن الغابة العذراء ولا عن النجوم، وكنت أجاريه وأحدثه عن لعبة البريدج أو الغولف، أو عن السياسة أو ربطات العنق ويحس هذا الشخص الراشد بالسرور لأنه تعرف على إنسان بهذا القدر من الحصافة». في الفقرة الأولى من روايته، يوحي إكزوبري أن الكبار قد فقدوا القدرة على التخيل، وهم لا يفهمون أفكار الصغار، وأحلامهم ولغتهم. وهم دائماً يحاولون إبعاد أطفالهم عن الخيال، وسحبهم لأرض الواقع.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
TT

«الشقيقات كيم» أو جدَّات الـ«كي بوب»... وُلِدن من رحم الجوع والحرب وأذهلن أميركا الستِّينات

الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)
الشقيقات كيم» أولى سفيرات الصناعة الفنية الكورية إلى العالم (إنستغرام)

كان دخول الدراما الكورية وموسيقى الـK-Pop (كي بوب) إلى قلوب الناس حول العالم سريعاً. سبقَ التبنّي الجماهيري لتلك المسلسلات والأغاني الناطقة بلغةٍ غير مفهومة، اعترافَ المحافل الفنية العالمية بالصناعة الترفيهية الكورية الجنوبية.

لكن خلال السنوات القليلة الماضية، توالت الإنجازات الدرامية والموسيقية الكورية على منابر عريقة مثل حفلَي جوائز «إيمي» و«غرامي». من فريق BTS الغنائي المحبوب، مروراً بمسلسل «لعبة الحبّار Squid Game»، وليس انتهاءً بفيلم «فرقة البوب الكورية: صائدات الشياطين K-Pop Demon Hunters».

K-Pop Demon Hunters أحدث إنجازات الآلة الترفيهية الكورية (نتفليكس)

الـ«كي بوب» إلى الأوسكار

هذا الفيلم الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وحقق أرقاماً مليونيّة عليها، يتّجه صوب الأوسكار منافساً على جائزتَين: أفضل فيلم رسوم متحركة وأفضل أغنية. وإذا جاءت الجائزتان أو إحداهما من نصيب الفيلم، فإنه سيحقق بذلك إنجازاً تاريخياً للبوب الكوري في هوليوود.

كل الذين تبنّوا الموسيقى الكورية أو أيّ محتوى ترفيهي آتٍ من سيول، وهُم بمعظمهم من «الجيل زد»، يظنّون أنّ تلك الظاهرة حديثة العهد. لكن فيلم «صائدات الشياطين» حَرص في مقدّمته على التذكير بأنّ لهذا الفنّ رائدات مؤسِّسات. في مشهدٍ افتتاحيّ يرجع الفيلم 65 سنة إلى الوراء، ليقدّم تحية مصوّرة إلى فريق «الشقيقات كيم The Kim Sisters».

إعدامات ولجوء وجوع

ألهمَت تلك الفتيات الثلاث أجيالاً من مغنّي البوب الكوري، بمَن فيهم البطلات الافتراضيات لفيلم «صائدات الشياطين». فمَن هنّ «الشقيقات كيم» اللواتي أسّسن البوب الكوري وصدّرنه إلى العالم، قبل حتى أن يصير اسمه K-Pop؟ وكيف تحوَّلت حكايةُ القهر التي طلعن منها إلى قصة مجدٍ على الأراضي الأميركية؟

بدأ كل شيء في مطلع خمسينيات القرن الماضي، بينما كان الاجتياح الكوري الشمالي يعصف بكوريا الجنوبية. وجدت المغنّية الشهيرة لي نان يونغ نفسها بلا مالٍ ولا مأوىً، بعد إعدام زوجها المايسترو كيم ها سونغ على أيدي قوات كوريا الشمالية. لم تكن يونغ بمفردها، بل كانت مسؤولة عن أولادها السبعة، ومن بينهم ابنتَاها سو وآيجا، وابنة عمّهما ميا التي توفّي والدُها الموسيقيّ هو الآخر فتبنّتها يونغ.

في المخزن الذي لجأت إليه بعد أن أحرق الشماليون بيتها، عاشت يونغ وأولادها في مساحة ضيّقة مع 22 شخصاً لا تربطها بهم أي صِلة. أمضوا أياماً من دون طعام وتشاركوا الحمّام ذاته مع اللاجئين الآخرين، وفق ما توثّق سو كيم في حوار مع منصة «هيستوري». بقيت الأوضاع على حالها إلى أن حلّ يونيو (حزيران) 1950 وجلبَ معه الجيش الأميركي إلى سيول، بعد أن انضمّت واشنطن إلى الحرب الكورية مسانِدةً الجنوبيين.

الشقيقات كيم كما ظهرن في فيلم K-Pop Demon Hunters (يوتيوب)

سو وآيجا وميا يغنّين للمارينز

وجدت يونغ الخلاص في «المارينز» فاسترجعت صوتها وبدأت بإقامة الحفلات في المخيّمات العسكرية الأميركية. سرعان ما جلبَ ذلك طعاماً إلى المائدة وسدّ جوع الأولاد، فالجنود كانوا يقدّمون لها صناديق المشروبات الكحولية بدلاً عن أتعابها فتستبدلها بالأرزّ والمواد الغذائية في السوق السوداء.

من السوق السوداء، أحضرت يونغ كذلك أسطوانات لأغانٍ أميركية معروفة. من بين الأولاد انتقت سو وآيجا وميا لتدرّبهنّ على حفظ تلك الأغاني من دون أي معرفةٍ للّغة الإنجليزية. وهي أيضاً لم تكن تنطق بتلك اللغة. كانت الفتيات حينها بين الـ8 والـ9 من العمر، لكنّ ذلك لم يَحُل دون اعتلائهنّ الخشبة والغناء والعزف أمام الجنود.

الشقيقات سو وآيجا وميا كيم (إنستغرام)

المنتج الأميركي في كوريا من أجلهنّ

بآلاتهنّ الموسيقية المتعددة وأصواتهنّ البريئة، لفتن الأنظار والأسماع وأيقظن الحنين إلى الأرض رغم اللكنة الكورية في أداء الأغاني. كبرت الفتيات بين صفوف الجنود واحتكرن الترفيه الفنيّ عنهم، فاستحققنَ اسماً رسمياً عام 1953: The Kim Sisters أي «الشقيقات كيم».

استمرت الحال هذه حتى 1958 وكانت قد بلغت شعبية الأخوات الثلاث ذروتها بين الجنود، الذين خطّوا رسالة للمنتج الأميركي طوم بال مطالبين إياه بزيارة كوريا الجنوبية لمشاهدة عرضٍ للفرقة. لبّى بال الطلب، وكما جنود بلاده، أُعجب كثيراً بهنّ فقدّم لهنّ عقدَ عمل في الولايات المتحدة.

تميزت الشقيقات كيم في الغناء والعزف على آلات متعددة (إنستغرام)

من لاس فيغاس إلى التلفزيون

تأخّر الحصول على فيزا لكن بحلول 1959، حطّت الشقيقات كيم رحالهنّ في لاس فيغاس. بدأت هناك رحلة الغناء في الفنادق من دون أي ضمانات لناحية الحصول على إجماع الحاضرين. فالجنود الأميركيون في كوريا الجنوبية تعلّقوا بهنّ لأنهن جلبن إليهم نفحةً من هواء الوطن، لكنّ التحدّي في لاس فيغاس كان التميّز بين عشرات الفنانين الأميركيين والعالميين الذين لا يتعثّرون في اللغة الإنجليزية.

لم تكن المهمة صعبة، إذ أسرت الفتيات قلوب الجماهير، وسرعان ما انتقلن من فنادق لاس فيغاس وقاعات الرقص فيها، إلى شاشات التلفزة الأميركية. ظهرن في 22 حلقة من «برنامج إد سوليفان» والذي كان يُعدّ الأكثر جماهيريةً حينذاك. بالزيّ التقليديّ الكوريّ أو الـ«هانبوك»، كرّرن الإطلالات التلفزيونية إلى أن بتنَ وجوهاً وأصواتاً معروفة على امتداد الولايات الأميركية.

قصة نجاح أو دعاية سياسية؟

غير أنّ الرحلةَ لم تَخلُ من الصعوبات، فالشقيقات كيم واجهنَ العنصريّة حيال العرق الآسيويّ والنظرة الدونيّة تجاه المرأة ذات البشرة الصفراء. مع ذلك، هنّ تصدّرن أغلفة أهمّ المجلّات كـ«نيوزويك» و«لايف»، وأصدرن ألبومهنّ الأول عام 1963 ليصبحن بذلك أول فريق آسيوي ينتج الموسيقى داخل الأراضي الأميركية.

كانت المنفعةُ متبادلة، فمع تراجع الدعم الشعبي الأميركي للحرب الكورية، جرى استخدام قصة نجاح الشقيقات كيم كبروباغندا أو دعاية سياسية ساعدت في تبرير القرار الأميركي بالدفاع عن كوريا الجنوبية. كما شكّلن الدليل القاطع على أنّ تحقيق «الحلم الأميركي» ليس مستحيلاً، مما أدّى إلى نشوء ظواهر مشابهة في سيول من دون أن تحقّق النجاح ذاته.

الشقيقات كيم على غلاف مجلة «لايف» عام 1960 (إنستغرام)

جدّات الكي بوب

في حوارها مع «هيستوري» عام 2019، أي بعد 44 سنة على اعتزال الفريق، تقول سو كيم إنها «متأكدة من أن الشقيقات كيم مهّدن الطريق أمام نجوم الـK-Pop الحاليين».

صحيح أنّ الموسيقى الكورية المعاصرة لا تُشبه في شيء ما كانت الشقيقات يقدّمنه، غير أنّ ثمة نقاطاً مشتركة. تجتمع النسختان القديمة والجديدة على مسار المثابرة والقصة الملهمة التي يطلع منها الفنانون. كما أنّ المظهر الموحّد أساسي في الإطلالة. ليست الأصوات الجميلة مهمة بقَدر أهمية الصورة البرّاقة والقدرات الاستعراضية.

ليس مُستغرباً إذن أن تؤدّي بطلات «صائدات الشياطين» التحيّة لجدّاتهنّ «الشقيقات كيم»، وذلك نيابةً عن سائر نجوم الكي بوب الذين يغزون العالم بأغانيهم ورقصاتهم وألوانهم.


97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».