«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

الأوساط الثقافية الفرنسية تحتفي بمرور ثمانين سنة على صدورها

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
TT

«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير

تبدو في الوهلة الأولى كتاباً للأطفال برسوماتها المرحة وأسلوبها السردي البسيطـ لكن القارئ لرواية «الأمير الصغير»، سرعان ما يكتشف أنها رواية عميقة شاعرية عن المنفى والطفولة والحب والتضحية ومعانٍ أخرى عميقة وجدت صداها في كل ثقافات العالم. ورغم إجماع الكّل على القيمة الأدبية لهذا العمل فإن الآراء اختلفت حول تصنيفها فمن يعتبرها قصّة للأطفال أو رواية فلسفية، وحتى رواية سياسية، أو كتابة تحليلية تغوص في أعماق نفسية الطفل الذي يوجد بداخل كل واحد فينا. هذا الاختلاف جعل الرواية مرتعاً خصباً للبحوث والدراسات بدأ بالغلاف ودلالات رسوماته وأشكاله الهندسية والعنوان وإلى غاية الإيحاءات الرمزية التي تمثلها عناصر الرواية كالوردة والكوكب والخروف والثعلب.
الرواية التي تحتفل الأوساط الثقافية بمرور ثمانين سنة على ظهورها، هي من أشهر أعمال الأديب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري وأكثر الروايات انتشاراً في العالم، حيث بيع منها أكثر من ثمانين مليون نسخة، وترجمت لأكثر من مائتي لغة (وهي الرواية الأكثر ترجمة بعد الإنجيل) كما أن صحيفة لوموند اختارتها كواحدة من أفضل الأعمال الأدبية التي ميزت القرن العشرين. الرواية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسطورة «الكاتب الطيار»، وهي جزء من أدب أنطوان دو سانت إكزوبري. فكتابه «ريح ورمال ونجوم» تناول الطيران كمغامرة، وفي «أرض الرجال» كتب عن بسالة وتضحيات الطيارين الفرنسيين في مواجهة الاحتلال النازي. أما رواية «طيران في الليل»، فقد استقاها من تجاربه في الطيران التجاري في أميركا الجنوبية، إلى غاية «الأمير الصغير»، التي يظهر فيها البطل كطيار سقطت طائرته في مكان ما من صحراء شمال أفريقيا، وهي الأسطورة التي رافقت الكاتب الفرنسي إلى آخر أيامه، حيث وافته المنية وهو على متن طائرته صيف 1944. الرواية مرتبطة أيضاً بالمنفى الأميركي للكاتب الذي كان قد لجأ إليه بعد هزيمة فرنسا، آملاً في لعب دور في عودة الحلفاء إلى الأرض الأوروبية وإنقاذها من العدو النازي، وقد كان سانت إكزوبري آنذاك، مقارنة بالمثقفين الفرنسيين الآخرين الذين هاجروا إلى أميركا هرباً من النازيين أمثال أندريه بروتون وليفي ستراوس، الأكثر شهرة وشعبية على الإطلاق. المعروف أيضاً أن فكرة الرواية ولدت في نيويورك عام 1942 وجاءت من ناشره الأميركي، وتحديداً من زوجة هذا الناشر، التي حاولت شغله بالكتابة بعد أن لاحظت عليه بوادر الكآبة بسبب معاناته من العزلة في منفاه البعيد، وهي الإشكالية التي ظهرت بشكل واضح في عمل الكاتب، فكلا الشخصيتين: الطفل والطيار بعيد عن موطنه ومشتاق إلى العودة إليه. وقد كان الباحث الأميركي جاكوب غرييل قد قدم في كتابه «العلوم السياسية للأمير الصغير» (دار نشر بوكس) هذه الرواية على أنها «دليل ممتاز لفن الحكم السياسي»، مقارناً إياها بكتاب «الأمير» لمكيافيللي. فكلاهما كما يقول الكاتب الأميركي، يتضمن دروساً للكبار، ما عدا أن «الأمير الصغير» يبحث عن الآخرين لا لفرض سلطته عليهم بالخوف، بل للاستفادة من رفقتهم وحديثهم. ففي إحدى فقرات القصّة يقف الأمير الصغير على قمة الجبل صارخاً: «كونوا أصدقائي..... أنا تعيس...».
سؤال آخر يعود مراراً بخصوص هذه الرواية: هل هي موجهة للأطفال أم للكبار؟ والاستفهام مبرر إذا علمنا أن سانت إكزوبري قد وجّه في مقدمة عمله إهداء لصديقه العزيز ليون فيرس موضحاً: «أقدم اعتذاري للأطفال لأني أهديت هذا الكتاب لواحد من الكبار، لكن لي عذر جاد، وهو أن هذا الشخص من الكبار هو أفضل صديق لي في هذا العالم، ولي عذر آخر هو أن هذا الشخص يستطيع فهم كل شيء حتى كتب الأطفال... وإن لم تكن كل هذه الأعذار كافية، فسأهدي هذا الكتاب إلى الطفل الّذي كانه هذا الشخص الراشد. كل الأشخاص الكبار كانوا أطفالاً صغاراً، ولكن قليلاً منهم من يتذكر ذلك، أصحّح إهدائي وأقول إلى ليون عندما كان... صغيراً»، فهل كتب سانت إكزوبري الرواية مخاطباً بها الطفل أم الراشد الذي حافظ على روح الطفل بداخله؟ حين سئل الفيلسوف الألماني المعروف مارتن هايدغر صاحب كتاب «دروب موصّدة» عن أهم كتاب قرأه في حياته أجاب دون تردّد «الأمير الصغير»، مضيفاً بأنه «ليس كتاباً موجهّاً للأطفال... بل هو رسالة شاعر عظيم يخفف عنا كل أشكال الوحدة وهو الذي يقودنا إلى فهم الأسرار العظيمة لهذا العالم»... وفي كتابها «الأمير الصغير، لغز الوردة» (دار نشر لارماتان) تكتب الفيلسوفة الفرنسية لورانس فانان ما يلي: «(الأمير الصغير) رواية فلسفية استثنائية تحت ستار نص شعري مكتوب للأطفال لكنها تستهدف الراشدين» لورانس فانان تذهب لغاية دعوتنا بعدم ترك الرواية في أيدي الأطفال، ولا سيما الصغار سناً لأنهم ليسوا ناضجين وليسوا مستعدين بما فيه الكفاية لاستيعاب دقتها الرائعة. أستاذ الأدب الفرنسي والحاصل على جائزة «غونكور» للسيرة الذاتية فيليب فورست يقدم إجابة أكثر تعقيداً حيث يكتب: «(الأمير الصغير) مواجهة بين طفل وشخص راشد ودمج لقصّة للأطفال داخل رواية للكبار هذه الازدواجية تمنح الرواية خصوصية، وهي أننا نستطيع قراءتها من منظور الشخص الراشد، ولكن أيضاً من منظور الطفل وكأن أعظم إنجاز لسانت إكزوبري هو هذه الكتابة العبقرية التي تسمح بهذه القراءة المزدوجة والمتكاملة». ومن الناحية السّردية، يواصل الباحث: «تقع الرواية في مفترق الطرق بين جنسين أدبيين هما رواية المغامرة الخيالية والفانتازيا، فالقارئ أمام خيارين فإما أن يقتنع بقصّة الصداقة التي تجمع بين الأمير الصغير والطيار وإما أن يسلم بأن لقاء الشخصيتين هو نتيجة هلوسات طيار ضائع ومرهق وسط صحراء قاحلة». وإن لم تكن «الأمير الصغير» رواية للأطفال فهي على الأقل، حسب الباحث الفرنسي فيليب فورست، كتابة سردية حول عالم الطفولة والبراءة والخيال الجامح مثل ما كانت عليه رواية «بيتر بان» لجيمس ماثيو باري أو «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول. البعض يذهب إلى غاية تصنيفها بالسيرة الذاتية، فالقصّة حسب بعض المحللّين النفسانيين استحضار لصدمات الطفولة البعيدة التي عاشها أنطوان دو سانت إكزوبري، ولا سيما بعد وفاة أخيه الأصغر فرنسوا وهو في سن الرابعة عشر بمرض عضال. كما أن القصّة تترك أيضاً انطباعاً بأن الكاتب يحتفل بخيال الأطفال وفضولهم. فالشخص الراشد (الراوي) هو في الواقع طفل اصطدم بعمى عقول وعيون الكبار، فاختار الطائرة بديلاً عن ريشة الرسام... واختار السماء عوضاً عن الأرض... حيث يكتب الراوي مدافعاً عن موقف الأطفال ضد الراشدين بأن الكبار نصحوه بترك الرسم، والاتجاه لدراسة الجغرافيا، والتاريخ والحساب، وقواعد اللغة. ولذلك في عمر ست سنوات اعتزل بطلنا الرسم، واتجه لاختيار مهنة أُخرى. يقول عن ذلك: «لقد عشت كثيراً وسط الأشخاص الكبار، فرأيتهم عن كثب.
ولم يغير هذا الاحتكاك من موقفي الشيء الكثير، لما كنت أصادف أحدهم وأتوسم فيه قدراً من الذكاء، كنت أختبره برسمي رقم 1 لكنه كان يجيب (إنها قبعة) فلا أحدثه بعدها لا عن ثعبان البوا ولا عن الغابة العذراء ولا عن النجوم، وكنت أجاريه وأحدثه عن لعبة البريدج أو الغولف، أو عن السياسة أو ربطات العنق ويحس هذا الشخص الراشد بالسرور لأنه تعرف على إنسان بهذا القدر من الحصافة». في الفقرة الأولى من روايته، يوحي إكزوبري أن الكبار قد فقدوا القدرة على التخيل، وهم لا يفهمون أفكار الصغار، وأحلامهم ولغتهم. وهم دائماً يحاولون إبعاد أطفالهم عن الخيال، وسحبهم لأرض الواقع.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.