«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

الأوساط الثقافية الفرنسية تحتفي بمرور ثمانين سنة على صدورها

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
TT

«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير

تبدو في الوهلة الأولى كتاباً للأطفال برسوماتها المرحة وأسلوبها السردي البسيطـ لكن القارئ لرواية «الأمير الصغير»، سرعان ما يكتشف أنها رواية عميقة شاعرية عن المنفى والطفولة والحب والتضحية ومعانٍ أخرى عميقة وجدت صداها في كل ثقافات العالم. ورغم إجماع الكّل على القيمة الأدبية لهذا العمل فإن الآراء اختلفت حول تصنيفها فمن يعتبرها قصّة للأطفال أو رواية فلسفية، وحتى رواية سياسية، أو كتابة تحليلية تغوص في أعماق نفسية الطفل الذي يوجد بداخل كل واحد فينا. هذا الاختلاف جعل الرواية مرتعاً خصباً للبحوث والدراسات بدأ بالغلاف ودلالات رسوماته وأشكاله الهندسية والعنوان وإلى غاية الإيحاءات الرمزية التي تمثلها عناصر الرواية كالوردة والكوكب والخروف والثعلب.
الرواية التي تحتفل الأوساط الثقافية بمرور ثمانين سنة على ظهورها، هي من أشهر أعمال الأديب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري وأكثر الروايات انتشاراً في العالم، حيث بيع منها أكثر من ثمانين مليون نسخة، وترجمت لأكثر من مائتي لغة (وهي الرواية الأكثر ترجمة بعد الإنجيل) كما أن صحيفة لوموند اختارتها كواحدة من أفضل الأعمال الأدبية التي ميزت القرن العشرين. الرواية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسطورة «الكاتب الطيار»، وهي جزء من أدب أنطوان دو سانت إكزوبري. فكتابه «ريح ورمال ونجوم» تناول الطيران كمغامرة، وفي «أرض الرجال» كتب عن بسالة وتضحيات الطيارين الفرنسيين في مواجهة الاحتلال النازي. أما رواية «طيران في الليل»، فقد استقاها من تجاربه في الطيران التجاري في أميركا الجنوبية، إلى غاية «الأمير الصغير»، التي يظهر فيها البطل كطيار سقطت طائرته في مكان ما من صحراء شمال أفريقيا، وهي الأسطورة التي رافقت الكاتب الفرنسي إلى آخر أيامه، حيث وافته المنية وهو على متن طائرته صيف 1944. الرواية مرتبطة أيضاً بالمنفى الأميركي للكاتب الذي كان قد لجأ إليه بعد هزيمة فرنسا، آملاً في لعب دور في عودة الحلفاء إلى الأرض الأوروبية وإنقاذها من العدو النازي، وقد كان سانت إكزوبري آنذاك، مقارنة بالمثقفين الفرنسيين الآخرين الذين هاجروا إلى أميركا هرباً من النازيين أمثال أندريه بروتون وليفي ستراوس، الأكثر شهرة وشعبية على الإطلاق. المعروف أيضاً أن فكرة الرواية ولدت في نيويورك عام 1942 وجاءت من ناشره الأميركي، وتحديداً من زوجة هذا الناشر، التي حاولت شغله بالكتابة بعد أن لاحظت عليه بوادر الكآبة بسبب معاناته من العزلة في منفاه البعيد، وهي الإشكالية التي ظهرت بشكل واضح في عمل الكاتب، فكلا الشخصيتين: الطفل والطيار بعيد عن موطنه ومشتاق إلى العودة إليه. وقد كان الباحث الأميركي جاكوب غرييل قد قدم في كتابه «العلوم السياسية للأمير الصغير» (دار نشر بوكس) هذه الرواية على أنها «دليل ممتاز لفن الحكم السياسي»، مقارناً إياها بكتاب «الأمير» لمكيافيللي. فكلاهما كما يقول الكاتب الأميركي، يتضمن دروساً للكبار، ما عدا أن «الأمير الصغير» يبحث عن الآخرين لا لفرض سلطته عليهم بالخوف، بل للاستفادة من رفقتهم وحديثهم. ففي إحدى فقرات القصّة يقف الأمير الصغير على قمة الجبل صارخاً: «كونوا أصدقائي..... أنا تعيس...».
سؤال آخر يعود مراراً بخصوص هذه الرواية: هل هي موجهة للأطفال أم للكبار؟ والاستفهام مبرر إذا علمنا أن سانت إكزوبري قد وجّه في مقدمة عمله إهداء لصديقه العزيز ليون فيرس موضحاً: «أقدم اعتذاري للأطفال لأني أهديت هذا الكتاب لواحد من الكبار، لكن لي عذر جاد، وهو أن هذا الشخص من الكبار هو أفضل صديق لي في هذا العالم، ولي عذر آخر هو أن هذا الشخص يستطيع فهم كل شيء حتى كتب الأطفال... وإن لم تكن كل هذه الأعذار كافية، فسأهدي هذا الكتاب إلى الطفل الّذي كانه هذا الشخص الراشد. كل الأشخاص الكبار كانوا أطفالاً صغاراً، ولكن قليلاً منهم من يتذكر ذلك، أصحّح إهدائي وأقول إلى ليون عندما كان... صغيراً»، فهل كتب سانت إكزوبري الرواية مخاطباً بها الطفل أم الراشد الذي حافظ على روح الطفل بداخله؟ حين سئل الفيلسوف الألماني المعروف مارتن هايدغر صاحب كتاب «دروب موصّدة» عن أهم كتاب قرأه في حياته أجاب دون تردّد «الأمير الصغير»، مضيفاً بأنه «ليس كتاباً موجهّاً للأطفال... بل هو رسالة شاعر عظيم يخفف عنا كل أشكال الوحدة وهو الذي يقودنا إلى فهم الأسرار العظيمة لهذا العالم»... وفي كتابها «الأمير الصغير، لغز الوردة» (دار نشر لارماتان) تكتب الفيلسوفة الفرنسية لورانس فانان ما يلي: «(الأمير الصغير) رواية فلسفية استثنائية تحت ستار نص شعري مكتوب للأطفال لكنها تستهدف الراشدين» لورانس فانان تذهب لغاية دعوتنا بعدم ترك الرواية في أيدي الأطفال، ولا سيما الصغار سناً لأنهم ليسوا ناضجين وليسوا مستعدين بما فيه الكفاية لاستيعاب دقتها الرائعة. أستاذ الأدب الفرنسي والحاصل على جائزة «غونكور» للسيرة الذاتية فيليب فورست يقدم إجابة أكثر تعقيداً حيث يكتب: «(الأمير الصغير) مواجهة بين طفل وشخص راشد ودمج لقصّة للأطفال داخل رواية للكبار هذه الازدواجية تمنح الرواية خصوصية، وهي أننا نستطيع قراءتها من منظور الشخص الراشد، ولكن أيضاً من منظور الطفل وكأن أعظم إنجاز لسانت إكزوبري هو هذه الكتابة العبقرية التي تسمح بهذه القراءة المزدوجة والمتكاملة». ومن الناحية السّردية، يواصل الباحث: «تقع الرواية في مفترق الطرق بين جنسين أدبيين هما رواية المغامرة الخيالية والفانتازيا، فالقارئ أمام خيارين فإما أن يقتنع بقصّة الصداقة التي تجمع بين الأمير الصغير والطيار وإما أن يسلم بأن لقاء الشخصيتين هو نتيجة هلوسات طيار ضائع ومرهق وسط صحراء قاحلة». وإن لم تكن «الأمير الصغير» رواية للأطفال فهي على الأقل، حسب الباحث الفرنسي فيليب فورست، كتابة سردية حول عالم الطفولة والبراءة والخيال الجامح مثل ما كانت عليه رواية «بيتر بان» لجيمس ماثيو باري أو «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول. البعض يذهب إلى غاية تصنيفها بالسيرة الذاتية، فالقصّة حسب بعض المحللّين النفسانيين استحضار لصدمات الطفولة البعيدة التي عاشها أنطوان دو سانت إكزوبري، ولا سيما بعد وفاة أخيه الأصغر فرنسوا وهو في سن الرابعة عشر بمرض عضال. كما أن القصّة تترك أيضاً انطباعاً بأن الكاتب يحتفل بخيال الأطفال وفضولهم. فالشخص الراشد (الراوي) هو في الواقع طفل اصطدم بعمى عقول وعيون الكبار، فاختار الطائرة بديلاً عن ريشة الرسام... واختار السماء عوضاً عن الأرض... حيث يكتب الراوي مدافعاً عن موقف الأطفال ضد الراشدين بأن الكبار نصحوه بترك الرسم، والاتجاه لدراسة الجغرافيا، والتاريخ والحساب، وقواعد اللغة. ولذلك في عمر ست سنوات اعتزل بطلنا الرسم، واتجه لاختيار مهنة أُخرى. يقول عن ذلك: «لقد عشت كثيراً وسط الأشخاص الكبار، فرأيتهم عن كثب.
ولم يغير هذا الاحتكاك من موقفي الشيء الكثير، لما كنت أصادف أحدهم وأتوسم فيه قدراً من الذكاء، كنت أختبره برسمي رقم 1 لكنه كان يجيب (إنها قبعة) فلا أحدثه بعدها لا عن ثعبان البوا ولا عن الغابة العذراء ولا عن النجوم، وكنت أجاريه وأحدثه عن لعبة البريدج أو الغولف، أو عن السياسة أو ربطات العنق ويحس هذا الشخص الراشد بالسرور لأنه تعرف على إنسان بهذا القدر من الحصافة». في الفقرة الأولى من روايته، يوحي إكزوبري أن الكبار قد فقدوا القدرة على التخيل، وهم لا يفهمون أفكار الصغار، وأحلامهم ولغتهم. وهم دائماً يحاولون إبعاد أطفالهم عن الخيال، وسحبهم لأرض الواقع.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)
TT

بافيت: علاقة غيتس بإبستين «مقززة»... لكنها ليست السبب بتغيير قراراتي الخيرية

وارن بافيت (أ.ب)
وارن بافيت (أ.ب)

أعلن الملياردير الأميركي وارن بافيت، اليوم الأربعاء، أن قراره استبعاد مؤسسة بيل غيتس من تبرعاته الخيرية يعود أساساً إلى قناعته بأن أبناءه الثلاثة أصبحوا جاهزين لتولي مسؤولية كيفية توزيع ثروته بالكامل، وليس بسبب علاقة بيل غيتس بالمدان في قضايا الاعتداء الجنسي جيفري إبستين.

وأضاف المستثمر البالغ من العمر 95 عاماً، في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»، أن علاقة غيتس بإبستين «مقززة»، لكن أشار إلى أن تصرفات غيتس لا تختلف كثيراً عن الأخطاء التي ارتكبها هو نفسه على مر السنين في توظيف الشخص الخطأ أو في اختيار الأصدقاء.

بيل غيتس ووارن بافيت (أرشيفية - أ.ب)

وأوضح بافيت: «لا أحد ينجح بنسبة 100 في المائة عندما يتعلق الأمر باختيار الأشخاص».

وذكر أن غيتس لم يتفاجأ بالقرار الذي أعلنه أمس الثلاثاء بالتبرع بما تبقى من أسهمه في شركة «بيركشاير هاثاواي» والتي تقدر قيمتها بنحو 140 مليار دولار لمؤسسات تابعة لعائلته وأبنائه الثلاثة: هوارد، وسوزي، وبيتر.

وكان غيتس أعلن أنه التقى إبستين فقط لاعتقاده بأن ذلك قد يساعده في جمع التبرعات للأعمال الخيرية، وأنه لم يكن على علم بالجرائم التي كان إبستين يرتكبها في ذلك الوقت.

وسبق أن أعلن بافيت في عام 2024 أنه يعتزم وقف التبرعات لمؤسسة غيتس بعد وفاته، على أن يتولى أبناؤه الثلاثة مسؤولية تحديد كيفية توزيع ما تبقى من ثروته.


8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
TT

8 أفكار قد تسرق منك حياتك

البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)
البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات وضياع الفرص والوقوع في دوامة التفكير المفرط (بيكسلز)

يجد الإنسان نفسه في كثير من الأحيان عالقاً داخل دائرة من الأفكار المتكررة، التي قد تؤدي إلى الإصابة بالإرهاق الذهني والقلق المستمريْن، حيث تسيطر المخاوف والاحتمالات السلبية على عقل الشخص وتوجه طريقة تفكيره.

وتُعرف هذه الحالة بفرط التفكير، وقد تؤثر على التركيز، والمزاج، وحتى جودة النوم والحياة اليومية بشكل عام، ونتخيل التفكير المفرط عادة كعقلٍ مُفرط النشاط مليء بأسوأ السيناريوهات. وقد يكون الأمر كذلك بالفعل. ولكن في كثير من الأحيان، يتخفى التفكير المفرط وراء قناعٍ أكثر وداً. وغالباً ما يظهر بمظهر الحذر والمسؤولية، وكأنه محاولة لاتخاذ القرار «الصحيح»، وفق الدكتور جيفري بيرنشتاين، المختص في علم النفس ومؤلف لسبعة كتب شهيرة في هذا المجال.

يقول بيرنشتاين في مقال له نشر، الثلاثاء، على موقع «سيكولوجي توداي»، فكّر في كم من هذه الأفكار يبدو مألوفاً لديك؟

وينصح بأن نقرأ هذه الأفكار، وأن نحاول معرفة كم من هذه الأفكار تُسيطر عليك وتؤثر عليك للدرجة التي تجعلها قد تُفوّت عليك فرصاً قيّمة قد لا تعوض مرة أخرى. يستعرض بيرنشتاين بعضاً من هذه الأفكار التي تتردد داخل عقولنا في صورة عبارات أو أسئلة أثيرة من نوع:

«ماذا لو فشلت؟»، «أنا لست مستعداً»، «ماذا لو حكم عليّ الناس؟»، «أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة»، «ماذا لو خيّبتُ آمالهم؟»، «ماذا لو ندمتُ على هذا القرار؟»، «ماذا لو كان هناك خيار أفضل؟»، وأخيراً: «هل يجب أن أفكر في هذا الأمر لفترة أطول؟».

فخ الأمان الزائف

يقول بيرنشتاين: «لا تفهم كلامي على أنه دعوة للاندفاع في الحياة بتهور. كلا، أنا لا أقول إن أياً من الأفكار المذكورة أعلاه (سيئة). فلكل منها قيمة في السياق المناسب. ولكن تكمن المشكلة عندما تصبح هذه الأفكار مسارات تفكير تلقائية بدلاً من كونها مجرد أفكار عابرة».

ويوضح أن الكثيرين يعتقدون، دون وعي، أنهم إذا فكروا ملياً، أو استعدوا جيداً، أو حللوا بدقة كافية، فسوف يتخلصون من الشك. لكننا نعلم جميعاً أن الحياة لا تقدم ضمانات.

ويتابع: «لا يمكن لأي قدر من التفكير أن يضمن نتيجة مثالية، أو موافقة الجميع، أو اتخاذ قرارات خالية من الأخطاء. في الواقع، بناءً على خبرتي التي تمتد لخمسة وثلاثين عاماً بصفتي أخصائياً نفسياً، رأيت من خلال عيون عملائي أن البحث عن اليقين يؤدي إلى تأجيل القرارات، وضياع الفرص، والبقاء عالقاً لفترة طويلة بعد فوات الأوان للمضي قدماً».

ثمن التفكير المفرط

ويطالب بيرنشتاين بالرجوع إلى قائمة الأفكار التي قدمها، وأن نتذكر جيداً «أن لكل فكرة متكررة من أفكار التفكير المفرط ثمنٌ خفي»، مشدداً على أن للأمر عواقب عاطفية وسلوكية وخيمة نتيجة للأفكار المتضاربة، وموضحاً أن عبارة «ماذا لو فشلت؟» قد تمنعك من المحاولة. وعبارة «ماذا لو حكم عليّ الناس؟» تُبقيك صامتاً. وعبارة «ماذا لو خيبت أمل أحدهم؟» قد تُوقعك في فخ إرضاء الآخرين. ومع مرور الوقت، ستسرق هذه الأفكار حياتك إن سمحت لها بذلك.

ولكنه يستطرد بأن الخبر السار في الأمر هو أن إحدى الاستراتيجيات المفيدة هنا، هي تعلم ملاحظة الأفكار بدلاً من الانقياد لها تلقائياً. لذا، بدلاً من الجدال مع فكرة ثقيلة وسلبية ومُثقلة بالقلق، حاول تصنيفها.

ويضيف: يمكنك أن تقول: «ها هي فكرة (ماذا لو فشلت؟)» أو «ها هي فكرة (أحتاج أن أكون متأكداً بنسبة 100 في المائة)». هذا يخلق مسافة ثمينة بينك وبين هذه الأنواع من الأفكار، مشدداً على أن الأهم من ذلك، أن تتوقف عن التعامل مع كل فكرة كأنها أمرٍ مُلزم، وتبدأ في النظر إليها كأنها نشاط ذهني قد يستحق أو لا يستحق انتباهك الكامل.


ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
TT

ترند يشجع النساء على «الأنانية»... ويربط الضغط النفسي بالأمراض المناعية

«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)
«كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» (بكسلز)

انتشر على منصات التواصل الاجتماعي شعار مثير للجدل يدعو النساء إلى التوقف عن التضحية الدائمة بأنفسهن، مستخدماً عبارة صادمة مفادها: «توقفي عن إرضاء الآخرين... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي» أو «كوني أنانية... أو ستصابين بمرض مناعي ذاتي».

ويستند أصحاب هذا الطرح إلى فكرة أن الإفراط في إرضاء الآخرين يسبب ضغوطاً نفسية مزمنة قد تؤثر سلباً في الجسم على المدى الطويل. وذهب بعض المستخدمين إلى حد الادعاء بأن السعي الدائم إلى إرضاء الآخرين هو السبب الرئيس وراء إصابة النساء بأمراض المناعة الذاتية.

ويشير هؤلاء إلى حقيقة علمية معروفة، وهي أن نحو 80 في المائة من المصابين بأمراض المناعة الذاتية من النساء، وهي ظاهرة لا تزال تحيّر العلماء منذ سنوات، وفق تقرير نشره موقع «أفريداي هيلث».

وفي المقابل، تشجع بعض النساء على إعطاء الأولوية لاحتياجاتهن الشخصية، وعدم الشعور بالذنب عند الدفاع عن حقوقهن، أو رفض ما يرهقهن، بل إن بعضهن يربطن بين هذا التغيير وتحسن بعض المشكلات الصحية، مثل الإكزيما.

لكن الأطباء يؤكدون أن العلاقة بين التوتر المزمن وأمراض المناعة الذاتية أكثر تعقيداً بكثير مما تروج له هذه المنشورات.

لماذا انتشرت هذه الفكرة؟

يصعب تحديد مصدر هذا الاتجاه، لكنه يعكس استياء كثير من النساء من الضغوط الاجتماعية التي تدفعهن إلى التحلي باللطف الدائم، وتقديم احتياجات الآخرين على احتياجاتهن الشخصية، مهما كان الثمن النفسي، أو الجسدي.

وتوضح الدكتورة راشيل غابلمان، اختصاصية علم النفس السريري في مركز ويكسنر الطبي التابع لجامعة أوهايو، أن كثيراً من الفتيات ينشأن على رسائل اجتماعية تشجعهن على الهدوء، والطاعة، والسعي إلى نيل رضا الآخرين.

وتضيف أن هذه التربية تجعل كثيراً من النساء، مع مرور الوقت، أكثر ميلاً إلى تجنب المواجهة، أو المطالبة بما يحتجنه فعلاً.

الميل إلى إرضاء الآخرين يرافق النساء حتى مرحلة البلوغ

وتشير أبحاث إلى أن النساء أكثر ميلاً من الرجال إلى محاولة إرضاء الآخرين.

ويقول الدكتور آرون برينن، الأستاذ المساعد في الطب النفسي والعلوم السلوكية بجامعة فاندربيلت، إن الشخص الذي يعتاد إهمال احتياجاته الخاصة من أجل الآخرين غالباً ما يعيش مستويات مرتفعة من التوتر.

ويضيف أن الجسم يتأثر بالضغوط النفسية والصدمات مع مرور الوقت، إذ تتراكم آثارها تدريجياً.

ولأن النساء أكثر عرضة للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، فقد حاول البعض الربط بين هاتين الظاهرتين.

هل تدعم الدراسات هذه الفرضية؟

استشهد بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بدراسات علمية لدعم وجهة نظرهم.

ففي إحدى الدراسات المنشورة عام 2021، شمل البحث 290 امرأة، وقيّم مدى ميلهن إلى كبت مشاعرهن، أو تجنب التعبير عن الغضب، ثم قارن ذلك بعدد من المؤشرات الصحية.

وأظهرت النتائج أن النساء اللواتي اعتدن كبت مشاعرهن كن أكثر عرضة للإصابة بتصلب الشرايين السباتية، وهو مرض لا يُعد من أمراض المناعة الذاتية التقليدية، لكنه يتشابه معها في بعض الجوانب.

كما أظهرت دراسة واسعة نُشرت عام 2018 أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات مرتبطة بالتوتر كانوا أكثر عرضة لاحقاً لتشخيصهم بأحد أمراض المناعة الذاتية، ما يشير إلى وجود علاقة محتملة بين التوتر وهذه الأمراض.

«العلاقة ليست بهذه البساطة»

رغم هذه النتائج، يؤكد الأطباء أن القول بأن الميل إلى إرضاء الآخرين يسبب أمراض المناعة الذاتية يُعد استنتاجاً مبالغاً فيه.

ويقول الدكتور ستانلي شوارتز، رئيس قسم الحساسية والمناعة والروماتيزم بجامعة بافالو، إن التوتر يؤثر بالفعل في الجهاز المناعي، لكن أمراض المناعة الذاتية تنتج عادة عن تفاعل معقد بين العوامل الوراثية، والبيئية، وعوامل أخرى لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وتحذر الدكتورة غابلمان من أن هذا النوع من الرسائل قد يدفع النساء إلى الشعور بالذنب، وكأنهن مسؤولات عن إصابتهن بالمرض، مؤكدة أن ذلك غير صحيح علمياً.

كما يعترض الدكتور برينن على استخدام أوصاف مهينة للنساء اللواتي يعبرن عن آرائهن، أو يدافعن عن حقوقهن، لأن ذلك يكرس صوراً نمطية قديمة.

ما الذي يصيب هذا الاتجاه؟

رغم المبالغات، يرى الخبراء أن الرسالة الأساسية التي يدعو إليها هذا الاتجاه تحمل جانباً صحيحاً.

فالتضحية المفرطة بالنفس ليست صحية، سواء من الناحية النفسية، أو الجسدية.

ويؤكد الدكتور برينن أهمية وضع حدود صحية في العلاقات، والتعبير بوضوح عما يستطيع الشخص القيام به، وما لا يستطيع تحمله.

وينصح بمراجعة الذات بانتظام، والتساؤل عما إذا كان الشخص يشعر بالاستياء لأنه يوافق باستمرار على تلبية طلبات الآخرين على حساب احتياجاته.

الخلاصة

يرتبط التوتر المزمن بالفعل بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض، من بينها بعض أمراض المناعة الذاتية، لكن الأطباء يؤكدون أنه ليس العامل الوحيد، ولا توجد أدلة علمية تثبت أن الميل إلى إرضاء الآخرين هو السبب المباشر لهذه الأمراض.

ويشدد الخبراء على أن الدفاع عن الاحتياجات الشخصية، ووضع حدود صحية لا يعنيان التصرف بعدوانية، أو قسوة، بل يمثلان جزءاً أساسياً من العناية بالنفس، والحفاظ على الصحة النفسية، والجسدية.