ماريا كازاريس وألبير كامو: الحب العاصف الذي جعل العالم مكاناً أكثر رحابة

علاقتهما العاطفية استمرت 15 عاماً وانتهت بحادثة سير مفجعة

ماريا كازاريس وألبير كامو
ماريا كازاريس وألبير كامو
TT

ماريا كازاريس وألبير كامو: الحب العاصف الذي جعل العالم مكاناً أكثر رحابة

ماريا كازاريس وألبير كامو
ماريا كازاريس وألبير كامو

إذا كان الحب بأشكاله المختلفة تعبيراً بالغ الدلالة عن حاجة البشر إلى ظهير عاطفي يشد أزرهم في مواجهتهم القاسية مع الزمن والوحشة والموت، فإن الحاجة إليه تصبح أكثر إلحاحاً في أزمنة الحرب والأوبئة الفتاكة والكوارث الطبيعية؛ حيث يجهد الكائن الإنساني في البحث عن كنف وملاذ ملائم للاحتماء من هول الواقع وجحيمه الكارثي. ورغم أن الحاجة إلى الآخر المعشوق تنسحب على البشر العاديين بمختلف شرائحهم، فإنها تتخذ مع الكتّاب والمبدعين طابعاً أكثر ضراوة، وبخاصة في زمن الحرب حيث تصبح الذات النرجسية عرضة للتهديد والتشظي الكامل. ولعلنا نستطيع في ضوء هذه الملاحظة أن نقف على الأسباب الفعلية التي جعلت معظم كتاب الغرب ومبدعيه يندفعون أثناء حربي القرن الفائت العالميتين، للدخول في علاقات غرامية عاصفة لم يكن السرير الزوجي مسرحها الوحيد. ولم تكن العلاقة الجامحة التي جمعت بين ألبير كامو وماريا كازاريس، سوى واحدة من عشرات العلاقات المماثلة التي رسمت الأقدار لبعضها مصائر ومآلات أكثر مأساوية من الحرب نفسها.
على أن أي مقاربة عميقة لشخصية كامو وأدبه وتكوينه النفسي والعصبي، لا يمكن أن تتم بمعزل عن يتمه المبكر وحرمانه العاطفي وظروف نشأته القاسية. فكامو الذي ولد في قرية صغيرة، شرق الجزائر عام 1913، لم يكن يتجاوز عامه الأول حين سقط أبوه قتيلاً في معركة المارن، مع بداية الحرب العالمية الأولى. كما أن لجوء أمه الإسبانية المصابة بالصمم، إلى العمل في خدمة المنازل، لإعالة الأسرة التي تضمه مع أخيه وجدّته وعمه الكسيح، لم يكن بالأمر العادي الذي تمكن الطفل من تجاوزه بسهولة، بل كانت له آثاره العميقة في سلوكه ومواقفه السياسية وأعماله الروائية. ورغم أن نظام التعليم الفرنسي مكّنه من إنهاء دراساته العليا في جامعة الجزائر، ووفّر له سبل الاطلاع على تراث بلاده الأدبي وثقافة عصره، فإن إصابته بمرض السل، التي رسخت يقينه المزمن بعبثية الوجود وقسوته، لم تثنِه مع ذلك عن مقارعة أقداره الصعبة عبر 3 أسلحة متلازمة. هي قوة الحب وصلابة الموقف وسطوة اللغة.
ولعل مكابدات كامو الشاقة وأزماته الصحية والنفسية والمعيشية، هي التي تفسر انضمامه إلى الحركات المناهضة للفاشية، وانخراطه شاباً في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي انفصل عنه بعد 3 سنوات من التحاقه به. إلا أن كونر أوبراين يرى في كتابه عن كامو أن هذا الأخير لم يتفاعل مع التجربة الشيوعية، ولا مع فلسفة كارل ماركس، بقدر ما تفاعلت أفكاره مع كتابات نيتشه وأندريه جيد وأندريه مالرو. أما اعتناقه للفلسفة الوجودية التي نادى بها سارتر في تلك الحقبة فلم يدم طويلاً، ليس فقط بسبب اعتناقه اللاحق لفلسفة العبث والتمرد، بل لخلافات بين الطرفين، بعضها شخصي، وبعضها تسبب به ولاء سارتر المطلق للنموذج الشيوعي السوفياتي، وصولاً إلى سكوته التام عن الاستبداد الستاليني المفرط في دمويته. ومع أن العبث عند صاحب «الغريب» لم يكن يفضي إلى العدمية والفوضى، بل إلى التمرد على الواقع والسعي إلى تغييره والانحياز إلى قضايا الشعوب العادلة، فإن ما لم يغفره له كثيرون هو إصراره الحاسم على اعتبار الجزائر جزءاً من الأرض الفرنسية. ولم تكن دعوته لإنصاف الطبقات المحرومة والتخفيف من عنف السلطة الفرنسية الحاكمة وقبضتها الصارمة على الشعب الجزائري، لتلقى التفهم والقبول اللازمين من قبل ملايين المدافعين عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو من قبل الجزائريين المنادين بالاستقلال.
أما على المستوى العاطفي، فقد كان لغياب الأب المبكر ومشاغل الأم التعيسة، الأثر الأكبر في دفع كامو المفتقر إلى الرعاية والحدب، للبحث عن ملاذ دافئ يجنبه صقيع الحياة ووحشتها. وهو ما يفسر ولعه المفرط بالنساء وتعدد علاقاته الغرامية التي وفرتها له جاذبيته الشخصية من جهة، وانخراطه في عالم المسرح ومناخاته المنفتحة من جهة أخرى. ومع ذلك فقد آل زواجه المتسرع من الممثلة سيمون هيي إلى فشل ذريع، ليس فقط بسبب إدمانها على المخدرات، بل بسبب خيانتها له مع طبيبها المعالج. وبعد انفصاله عن زوجته الأولى بـ5 سنوات، التقى كامو في باريس بفرانسين فور، عازفة البيانو ومدرسة الرياضيات والمولودة مثله في الجزائر. ورغم أنه كان في تلك الفترة عاطلاً عن العمل، فلم يتوانَ الكاتب الشغوف بالسباحة وكرة القدم عن الزواج من فرانسين عام 1940، إلا أن قدر الزوجين الصعب شاء لهما أن يغادرا فرنسا إلى الجزائر، إثر الاجتياح النازي الصاعق للعاصمة الفرنسية في مطالع الحرب العالمية الثانية. غير أن كامو ما لبث أن عاد ثانية إلى بلاده لينخرط في صفوف المقاومة، ويشارك في إصدار جريدة «المعركة»، معلناً آنذاك أن الهدف من المقاومة ليس تحرير الأمة فحسب، بل إعادة اختراعها في الوقت ذاته.
كان كامو في الثلاثين من عمره، حين قدّم له ميشيل ليريس، ربيع العام 1944، زميلته في التمثيل ماريا كازاريس، ابنة سانتياغو كازاريس، رئيس حكومة الجمهوريين الإسبان، المنفي إلى فرنسا. وقد أدرك صاحب «الطاعون» أن شيئاً ما في شخصية الفتاة، ساحراً وغير قابل للتفسير، قد نفذ إلى صميم قلبه، وانتابه إحساس غريزي بأن هذا اللقاء، الذي تم أثناء إقامة زوجته في الجزائر، سينعطف بحياته نحو مسارات دراماتيكية عاصفة لم تكن في الحسبان. وإذا كانت الصدف المجردة قد شاءت أن يعترف كل من الطرفين بحبه للآخر، في 6 يونيو (حزيران) عام 1944، أي في اليوم نفسه الذي بدأ فيه الحلفاء بإنزال جيوشهم في النورماندي، فإن ما حدث بدا نوعاً من الظفر الاستثنائي، الذي شعر الكاتب المقاوم أنه كوفئ به على الصعيد الشخصي، بفعل ما قدّمه لبلاده في سنواتها العجاف من جهود وتضحيات.
لم تكن الكيمياء وحدها هي التي وضعت كلاً من ماريا وكامو في طريق الآخر، بل كانت هناك قواسم كثيرة مشتركة، بينها تعلقهما المصيري بأهداب الكتابة والفن، ورزوحهما الثقيل تحت وطأة الاحتلال والاستبداد. وفيما بدت الأشهر الأولى من علاقة الطرفين أشبه ببركان من الشغف المحموم والرغبات المشتعلة، كانت لدى كامو مخاوف دائمة من أن تعمد ماريا بذريعة أو بأخرى إلى قطع علاقتها به. وإذ كان يخشى من أن يكون حبها له نوعاً من الملاذ المؤقت الذي يعصمها من هول الحرب، يخاطبها بعد أقل من شهرين على بداية علاقتهما بالقول: «لا أعتقد أن نهاية الحرب تعني أن علينا نحن أيضاً أن ننتهي. على الحبيبين يا ماريا أن يبنيا حياتهما، ليس فقط ضد الظروف، بل ضد كل ما يحدّهما. ولذا لا أريدك أن تهجريني، وأن تغوصي في الرفض الواهم».
واللافت في الأمر أن حدس كامو الاستشرافي بهجران حبيبته له قد وجد طريقه إلى التحقق في غضون أسابيع؛ حيث إن نهاية الحرب بالذات هي التي سمحت لمئات آلاف الفرنسيين المهاجرين بالعودة إلى وطنهم الأم، وكانت فرانسين التي عادت من الجزائر لتلتحق ببيتها العائلي واحدة من هؤلاء، الأمر الذي أحرج ماريا وجعلها تقطع علاقتها بكامو. لكن أقدار العاشقين أبت إلا أن تضع أحدهما مرة ثانية في طريق الآخر، حيث التقيا عن طريق الصدفة في الذكرى الرابعة للقائهما الأول، وظلت علاقتهما في تصاعد مستمر حتى لحظة الرحيل المأساوي للكاتب الشهير.
على أن العلاقة الوطيدة التي جمعت بين الطرفين لم يكن لها أن تُعرف على نطاق عالمي، لولا الدور الإيجابي المتفهم الذي لعبته كاترين، ابنة كامو، لا في دفع الرسائل التي يربو عدد صفحاتها عن الألف إلى النشر فحسب، بل في دفاعها عن العلاقة الغرامية المتأججة التي أقامها كامو خارج المؤسسة الزوجية، ومسامحتها لأبيها في الوقت نفسه على ما تسبب به لأمها من آلام. وإذ عملت كاترين على كسب ودّ ماريا، التي كانت قد اعتزلت الوسط الفني، وأصرت على الاحتفاظ برسائلها المتبادلة مع كامو في الأدراج، رغم العروض السخية المقدمة لها من قبل الناشرين، لم تتردد الأخيرة في تسليمها مئات الرسائل التي تبادلها العاشقان على امتداد عقد ونصف عقد من الزمن. ولم تكتفِ الابنة المثقفة بدفع الرسائل إلى النشر، كاشفة النقاب عن بعض أجمل نصوص الحب والوله في القرن العشرين وأكثرها اتصالاً بشغاف القلب ولهب الشعر، بل تولت بنفسها وضع توطئة مؤثرة للنصوص المنشورة، تقول فيها: «رسائلهما جعلت العالم أوسع والفضاء أكثر إشراقاً والهواء أكثر عذوبة، لأنهما ببساطة كانا عاشقين».
والواقع أن أي قراءة متأنية لرسائل كامو وماريا، تجعلنا ندرك تمام الإدراك أن ما كتبته كاترين عن تلك النصوص لا يتضمن أي قدر من المبالغة ولا يجافي الحقيقة بشيء. يكفي أن نقرأ نصاً من مثل «لو أنكِ فقط ترفعين عينيك إلى عنان السماء هذه الليلة، لكانت خبّرتكِ عن النار والصقيع، عن السهام والمخمل والعشق، كي تظلي إلى حين عودتي واقفة بلا حراك، نائمة ما عدا قلبك، ثم آتي لأوقظك مرة أخرى»، لكي نقف على ما تعكسه الرسائل برمتها من شاعرية عالية تتدفق رقة وحماساً. وفيما تصف كازاريس العلاقة بأنها «حب متأجج وشديد من البلور الخالص»، يطغى على رسائل ما بعد العودة عام 1948 نوع من الفرح الاحتفالي باستعادة كل من العاشقين للآخر، مصحوباً بتدفق مطرد للصور والمجازات، كما يظهر في مخاطبة الكاتب لحبيبته الغائبة بالقول: «سأختنق فاغر الفاه كسمكة خارج الماء، بانتظار الموجة ورائحة الليل وملح شعرك». ومع أن كامو كان يشعر في تلك الفترة بأن حياته قد بدأت ترسو على برّ الطمأنينة والثبات، على المستويين العائلي والعاطفي، فإن الأمر لم يكن كتلك بالنسبة للزوجة المحبطة التي ثبت فيما بعد أنها عانت من اضطرابات عصبية شديدة، وصولاً إلى تفكيرها الجديّ بالانتحار. وهذا الوضع المأساوي للزوجة يؤكده قول كامو في إحدى رسائله لماريا: «الوضع تفاقم هنا لدرجة أنّ عليّ أن أراقب فرانسين بطريقة دائمة. بالأمس تركتها بمفردها لثانية واحدة فأسرعتْ إلى الشرفة، ولو لم أتمكن من إمساكها في اللحظة الأخيرة، لكانت ألقت بنفسها إلى الأسفل، لأنها في حالة انهيار كامل».
كما تكشف الرسائل المتبادلة بين الحبيبين عن انقلاب نسبي في موازين العلاقة في حقبة الخمسينات؛ حيث تعبّر ماريا عن مخاوفها المتصاعدة من أن تكون مشاعر كامو تجاهها قد تبخرت، فيما يرد الأخير نافياً ومطمْئناً: «لا تترجيني أن أحبك، فأنا أحبك وأنتظرك»، ليعود ويذكّرها بأيام غرامهما الأولى، وبتوسله لأندريه جيد كي يوفر لهما في شقته، ولو لساعات قليلة، سبل الاختلاء. إلا أن حبه لها لم يمنعه حين فاتحته بموضوع الزواج، من القول على نحو صريح: «أنا أيضاً أحلم بحياة معك، لكنني وجدت نفسي في طريق غير نافذ. لذلك حلمت بعهد أسمى، وبنوع من الزواج السري الذي سيوثق رباطنا أنا وأنت، ولن نتوقف عن تعزيزه، واثقين من حب أحدنا للآخر حتى الممات».
ومع ذلك، فإن لحظات التشكيك والعتاب وسوء التفاهم بين الحبيبين، كانت أقل بكثير من لحظات الشغف المشبوب أو الهناءة الوادعة. كما أن حصول كامو على جائزة نوبل للآداب عام 1957 لم يزده إلا تعلقاً بكازاريس التي اعتبرها هدية السماء إليه، وجائزة وجوده الأثمن على الكوكب الأرضي. أما الرسالة الأخيرة التي عثر عليها بحوزته، إثر حادث السير المفجع الذي أودى بحياته في اليوم ما قبل الأخير من العام 1960، فقد عكست تلهفه الشديد للقاء المرأة الألصق بقلبه وروحه، التي قدّر لحياتها من بعده أن تطول حتى العام 2003؛ حيث كتب لها ممنياً نفسه بلقائها المرتقب: «أرسل إليك آلاف الأماني الرقيقة لرأس السنة، وأتمنى أن تتدفق الحياة عبرك خلال العام، كي تعطيك هذا الوجه العزيز الذي أحببته على مر السنين. إنني أطوي معطفك الخاص بالمطر، وأُرفق معه كل شموس قلبي. أقبّلك وأضمك بانتظار يوم الثلاثاء، حيث سأحتضنك مجدداً». لكن يوم الثلاثاء ذاك لم يأتِ أبداً، ولم يقدّر للأمنيات الموعودة أن تتحقق، حيث في السباق التراجيدي المتواصل بين الحب والموت، كان الثاني أسرع من الأول في احتضان جسد كامو المعطوب، وقلبه المتوقف عن الخفقان.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.


مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
TT

مصر: «البواب – السمسار» إلى الواجهة بعد تهديد طبيبة بالخطف

وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)
وزارة الداخلية المصرية (فيسبوك)

عادت مهنة «البواب - السمسار» إلى الواجهة في مصر، وسط جدل مجتمعي، على خلفية القبض على حارس عقار هدَّد طبيبة بالخطف، لرغبته في الحصول على عمولة «سمسرة» عقب شرائها شقة في العقار الذي يعمل به.

وكانت الأجهزة الأمنية قد ألقت القبض، في وقت سابق، على حارس عقار في منطقة الهرم بالجيزة، عقب انتشار مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تستغيث فيه طبيبة من تعرُّضها للتهديد بالخطف، والسبّ من قِبل البواب، ومنعها من دخول منزلها.

وحسب بيان لوزارة الداخلية، أفادت الطبيبة بأنها اشترت شقة في العقار، وفوجئت بالبواب يطالبها بمبلغ مالي كـ«سمسرة»، إضافة إلى تعدِّيه عليها بالسبِّ.

ولدى مواجهته، اعترف الحارس بارتكاب الواقعة، مستنداً إلى «اتفاقٍ مزعوم» مع الطبيبة على تقاضي عمولة نظير شرائها الشقة، ورفضها السداد.

ولاحقاً، قررت نيابة الهرم في الجيزة، السبت، إخلاء سبيل حارس العقار بضمان مالي قدره 20 ألف جنيه (الدولار يعادل 52.5 جنيه في البنوك المصرية)، على ذمة التحقيقات.

وحسب وسائل إعلام محلية، أقرَّ حارس العقار أمام جهات التحقيق بصحة الواقعة، مبرراً تصرّفه بوجود اتفاق سابق مع المجني عليها لتقاضي عمولة «سمسرة» قدرها 75 ألف جنيه مقابل شرائها الشقة السكنية، مشيراً إلى أن رفضها سداد المبلغ هو ما أثار غضبه. في المقابل، أكدت الطبيبة في أقوالها أنها فوجئت بمطالبته بأموال دون وجه حق، ومنعها من دخول مسكنها عقب رفضها الاستجابة لطلباته.

وأعادت واقعة الطبيبة وحارس العقار مهن «البواب - السمسار - السايس» إلى واجهة الجدل الاجتماعي في مصر؛ إذ يرى البعض أن أصحاب هذه المهن «بسطاء» يستحقون الدعم والمساندة المالية، في حين يرى آخرون أنها تحقق مداخيل مرتفعة دون جهد موازٍ، في حين يشير خبراء إلى أن مهنة «البواب» تحديداً أصبحت تمثل تحوّلاً من مجرد خدمة إلى نفوذ متداخل في تفاصيل حياة السكان.

«البواب والسمسار» مهن تعود إلى واجهة الجدل في مصر (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور سعيد صادق أن مهنة «البواب» تُعد من أخطر المهن في مصر من الناحية الاجتماعية. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام، تجاوز البواب في مصر حدود مهنته، وتحول إلى صاحب سلطة، مُطَّلع وكاتم أسرار السكان؛ فهو يعرف كل صغيرة وكبيرة في المبنى، ولديه تفاصيل اجتماعية يصعب على غيره معرفتها؛ من العلاقات الأسرية، وحالات الزواج والطلاق، ومن يعيش بمفرده، والضيوف المترددين، ومواعيد خروج السكان وعودتهم، بل وحتى أنماط حياتهم اليومية». ويرى صادق أن هذه المعطيات «تنطوي على خطورة اجتماعية».

كما أشار إلى أن مصدر قوة البواب يكمن في امتلاكه معلومات دقيقة عن السكان، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى استغلال هذه المعرفة في ممارسات ابتزاز غير مباشر، أو التأثير على استقرار السكان، كالتسبب في طرد أحدهم أو عرقلة تجديد عقد إيجاره.

وقد تناولت السينما المصرية هذه الظاهرة في أعمال عدة، أبرزها فيلم «البيه البواب» (1987)، الذي جسَّد فيه الفنان أحمد زكي شخصية «عبد السميع»، القادم من الأقاليم إلى القاهرة بحثاً عن الرزق، حيث عمل بواباً ثم سمساراً، وتمكن بذكائه من جمع ثروة غيَّرت حياته، لكنه ظل متمسكاً بمهنته، وتزوج من إحدى ساكنات العقار، التي أدّت دورها الفنانة صفية العمري.

ويشير صادق إلى أن هذه المهنة شهدت تطورات ملحوظة منذ عرض الفيلم؛ إذ لم يعد البواب بحاجة إلى العمل سمساراً بشكل منفصل لتحسين دخله، بل أصبحت السمسرة جزءاً من مهامه، إلى جانب راتب شهري يسهم فيه السكان، ومسكن مجاني داخل العقار، فضلاً عن الإكراميات مقابل الخدمات المختلفة.

ويرى صادق أن الجدل المجتمعي حول هذه المهن يرجع إلى طبيعتها الخدمية ذات الدخل غير المحدد، والذي يختلف من شخص إلى آخر، حيث تتحدد جودة الخدمة وفقاً للمقابل المدفوع؛ فكلما زاد ما يدفعه الساكن، زادت الخدمات المقدمة له، سواء من البواب أو السايس أو السمسار.

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رشاد عبده أن مهناً مثل «البواب» و«السمسار» تندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، وقد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في دخول العاملين بها خلال السنوات الأخيرة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد البواب فقيراً كما كان يُعتقد، بل يمتلك دخلاً مرتفعاً؛ إذ يتمكن كثيرون منهم من شراء أراضٍ ومنازل في مناطقهم الأصلية. وكذلك السايس، رغم طبيعة دخله اليومي المتغير، فإنه يحقق حصيلة جيدة بنهاية اليوم، بينما تُعد مهنة السمسار من أكثر المهن ربحاً، نظراً للعمولات الكبيرة التي يحصل عليها مقارنة بالجهد المبذول».