ماريا كازاريس وألبير كامو: الحب العاصف الذي جعل العالم مكاناً أكثر رحابة

علاقتهما العاطفية استمرت 15 عاماً وانتهت بحادثة سير مفجعة

ماريا كازاريس وألبير كامو
ماريا كازاريس وألبير كامو
TT

ماريا كازاريس وألبير كامو: الحب العاصف الذي جعل العالم مكاناً أكثر رحابة

ماريا كازاريس وألبير كامو
ماريا كازاريس وألبير كامو

إذا كان الحب بأشكاله المختلفة تعبيراً بالغ الدلالة عن حاجة البشر إلى ظهير عاطفي يشد أزرهم في مواجهتهم القاسية مع الزمن والوحشة والموت، فإن الحاجة إليه تصبح أكثر إلحاحاً في أزمنة الحرب والأوبئة الفتاكة والكوارث الطبيعية؛ حيث يجهد الكائن الإنساني في البحث عن كنف وملاذ ملائم للاحتماء من هول الواقع وجحيمه الكارثي. ورغم أن الحاجة إلى الآخر المعشوق تنسحب على البشر العاديين بمختلف شرائحهم، فإنها تتخذ مع الكتّاب والمبدعين طابعاً أكثر ضراوة، وبخاصة في زمن الحرب حيث تصبح الذات النرجسية عرضة للتهديد والتشظي الكامل. ولعلنا نستطيع في ضوء هذه الملاحظة أن نقف على الأسباب الفعلية التي جعلت معظم كتاب الغرب ومبدعيه يندفعون أثناء حربي القرن الفائت العالميتين، للدخول في علاقات غرامية عاصفة لم يكن السرير الزوجي مسرحها الوحيد. ولم تكن العلاقة الجامحة التي جمعت بين ألبير كامو وماريا كازاريس، سوى واحدة من عشرات العلاقات المماثلة التي رسمت الأقدار لبعضها مصائر ومآلات أكثر مأساوية من الحرب نفسها.
على أن أي مقاربة عميقة لشخصية كامو وأدبه وتكوينه النفسي والعصبي، لا يمكن أن تتم بمعزل عن يتمه المبكر وحرمانه العاطفي وظروف نشأته القاسية. فكامو الذي ولد في قرية صغيرة، شرق الجزائر عام 1913، لم يكن يتجاوز عامه الأول حين سقط أبوه قتيلاً في معركة المارن، مع بداية الحرب العالمية الأولى. كما أن لجوء أمه الإسبانية المصابة بالصمم، إلى العمل في خدمة المنازل، لإعالة الأسرة التي تضمه مع أخيه وجدّته وعمه الكسيح، لم يكن بالأمر العادي الذي تمكن الطفل من تجاوزه بسهولة، بل كانت له آثاره العميقة في سلوكه ومواقفه السياسية وأعماله الروائية. ورغم أن نظام التعليم الفرنسي مكّنه من إنهاء دراساته العليا في جامعة الجزائر، ووفّر له سبل الاطلاع على تراث بلاده الأدبي وثقافة عصره، فإن إصابته بمرض السل، التي رسخت يقينه المزمن بعبثية الوجود وقسوته، لم تثنِه مع ذلك عن مقارعة أقداره الصعبة عبر 3 أسلحة متلازمة. هي قوة الحب وصلابة الموقف وسطوة اللغة.
ولعل مكابدات كامو الشاقة وأزماته الصحية والنفسية والمعيشية، هي التي تفسر انضمامه إلى الحركات المناهضة للفاشية، وانخراطه شاباً في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي انفصل عنه بعد 3 سنوات من التحاقه به. إلا أن كونر أوبراين يرى في كتابه عن كامو أن هذا الأخير لم يتفاعل مع التجربة الشيوعية، ولا مع فلسفة كارل ماركس، بقدر ما تفاعلت أفكاره مع كتابات نيتشه وأندريه جيد وأندريه مالرو. أما اعتناقه للفلسفة الوجودية التي نادى بها سارتر في تلك الحقبة فلم يدم طويلاً، ليس فقط بسبب اعتناقه اللاحق لفلسفة العبث والتمرد، بل لخلافات بين الطرفين، بعضها شخصي، وبعضها تسبب به ولاء سارتر المطلق للنموذج الشيوعي السوفياتي، وصولاً إلى سكوته التام عن الاستبداد الستاليني المفرط في دمويته. ومع أن العبث عند صاحب «الغريب» لم يكن يفضي إلى العدمية والفوضى، بل إلى التمرد على الواقع والسعي إلى تغييره والانحياز إلى قضايا الشعوب العادلة، فإن ما لم يغفره له كثيرون هو إصراره الحاسم على اعتبار الجزائر جزءاً من الأرض الفرنسية. ولم تكن دعوته لإنصاف الطبقات المحرومة والتخفيف من عنف السلطة الفرنسية الحاكمة وقبضتها الصارمة على الشعب الجزائري، لتلقى التفهم والقبول اللازمين من قبل ملايين المدافعين عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو من قبل الجزائريين المنادين بالاستقلال.
أما على المستوى العاطفي، فقد كان لغياب الأب المبكر ومشاغل الأم التعيسة، الأثر الأكبر في دفع كامو المفتقر إلى الرعاية والحدب، للبحث عن ملاذ دافئ يجنبه صقيع الحياة ووحشتها. وهو ما يفسر ولعه المفرط بالنساء وتعدد علاقاته الغرامية التي وفرتها له جاذبيته الشخصية من جهة، وانخراطه في عالم المسرح ومناخاته المنفتحة من جهة أخرى. ومع ذلك فقد آل زواجه المتسرع من الممثلة سيمون هيي إلى فشل ذريع، ليس فقط بسبب إدمانها على المخدرات، بل بسبب خيانتها له مع طبيبها المعالج. وبعد انفصاله عن زوجته الأولى بـ5 سنوات، التقى كامو في باريس بفرانسين فور، عازفة البيانو ومدرسة الرياضيات والمولودة مثله في الجزائر. ورغم أنه كان في تلك الفترة عاطلاً عن العمل، فلم يتوانَ الكاتب الشغوف بالسباحة وكرة القدم عن الزواج من فرانسين عام 1940، إلا أن قدر الزوجين الصعب شاء لهما أن يغادرا فرنسا إلى الجزائر، إثر الاجتياح النازي الصاعق للعاصمة الفرنسية في مطالع الحرب العالمية الثانية. غير أن كامو ما لبث أن عاد ثانية إلى بلاده لينخرط في صفوف المقاومة، ويشارك في إصدار جريدة «المعركة»، معلناً آنذاك أن الهدف من المقاومة ليس تحرير الأمة فحسب، بل إعادة اختراعها في الوقت ذاته.
كان كامو في الثلاثين من عمره، حين قدّم له ميشيل ليريس، ربيع العام 1944، زميلته في التمثيل ماريا كازاريس، ابنة سانتياغو كازاريس، رئيس حكومة الجمهوريين الإسبان، المنفي إلى فرنسا. وقد أدرك صاحب «الطاعون» أن شيئاً ما في شخصية الفتاة، ساحراً وغير قابل للتفسير، قد نفذ إلى صميم قلبه، وانتابه إحساس غريزي بأن هذا اللقاء، الذي تم أثناء إقامة زوجته في الجزائر، سينعطف بحياته نحو مسارات دراماتيكية عاصفة لم تكن في الحسبان. وإذا كانت الصدف المجردة قد شاءت أن يعترف كل من الطرفين بحبه للآخر، في 6 يونيو (حزيران) عام 1944، أي في اليوم نفسه الذي بدأ فيه الحلفاء بإنزال جيوشهم في النورماندي، فإن ما حدث بدا نوعاً من الظفر الاستثنائي، الذي شعر الكاتب المقاوم أنه كوفئ به على الصعيد الشخصي، بفعل ما قدّمه لبلاده في سنواتها العجاف من جهود وتضحيات.
لم تكن الكيمياء وحدها هي التي وضعت كلاً من ماريا وكامو في طريق الآخر، بل كانت هناك قواسم كثيرة مشتركة، بينها تعلقهما المصيري بأهداب الكتابة والفن، ورزوحهما الثقيل تحت وطأة الاحتلال والاستبداد. وفيما بدت الأشهر الأولى من علاقة الطرفين أشبه ببركان من الشغف المحموم والرغبات المشتعلة، كانت لدى كامو مخاوف دائمة من أن تعمد ماريا بذريعة أو بأخرى إلى قطع علاقتها به. وإذ كان يخشى من أن يكون حبها له نوعاً من الملاذ المؤقت الذي يعصمها من هول الحرب، يخاطبها بعد أقل من شهرين على بداية علاقتهما بالقول: «لا أعتقد أن نهاية الحرب تعني أن علينا نحن أيضاً أن ننتهي. على الحبيبين يا ماريا أن يبنيا حياتهما، ليس فقط ضد الظروف، بل ضد كل ما يحدّهما. ولذا لا أريدك أن تهجريني، وأن تغوصي في الرفض الواهم».
واللافت في الأمر أن حدس كامو الاستشرافي بهجران حبيبته له قد وجد طريقه إلى التحقق في غضون أسابيع؛ حيث إن نهاية الحرب بالذات هي التي سمحت لمئات آلاف الفرنسيين المهاجرين بالعودة إلى وطنهم الأم، وكانت فرانسين التي عادت من الجزائر لتلتحق ببيتها العائلي واحدة من هؤلاء، الأمر الذي أحرج ماريا وجعلها تقطع علاقتها بكامو. لكن أقدار العاشقين أبت إلا أن تضع أحدهما مرة ثانية في طريق الآخر، حيث التقيا عن طريق الصدفة في الذكرى الرابعة للقائهما الأول، وظلت علاقتهما في تصاعد مستمر حتى لحظة الرحيل المأساوي للكاتب الشهير.
على أن العلاقة الوطيدة التي جمعت بين الطرفين لم يكن لها أن تُعرف على نطاق عالمي، لولا الدور الإيجابي المتفهم الذي لعبته كاترين، ابنة كامو، لا في دفع الرسائل التي يربو عدد صفحاتها عن الألف إلى النشر فحسب، بل في دفاعها عن العلاقة الغرامية المتأججة التي أقامها كامو خارج المؤسسة الزوجية، ومسامحتها لأبيها في الوقت نفسه على ما تسبب به لأمها من آلام. وإذ عملت كاترين على كسب ودّ ماريا، التي كانت قد اعتزلت الوسط الفني، وأصرت على الاحتفاظ برسائلها المتبادلة مع كامو في الأدراج، رغم العروض السخية المقدمة لها من قبل الناشرين، لم تتردد الأخيرة في تسليمها مئات الرسائل التي تبادلها العاشقان على امتداد عقد ونصف عقد من الزمن. ولم تكتفِ الابنة المثقفة بدفع الرسائل إلى النشر، كاشفة النقاب عن بعض أجمل نصوص الحب والوله في القرن العشرين وأكثرها اتصالاً بشغاف القلب ولهب الشعر، بل تولت بنفسها وضع توطئة مؤثرة للنصوص المنشورة، تقول فيها: «رسائلهما جعلت العالم أوسع والفضاء أكثر إشراقاً والهواء أكثر عذوبة، لأنهما ببساطة كانا عاشقين».
والواقع أن أي قراءة متأنية لرسائل كامو وماريا، تجعلنا ندرك تمام الإدراك أن ما كتبته كاترين عن تلك النصوص لا يتضمن أي قدر من المبالغة ولا يجافي الحقيقة بشيء. يكفي أن نقرأ نصاً من مثل «لو أنكِ فقط ترفعين عينيك إلى عنان السماء هذه الليلة، لكانت خبّرتكِ عن النار والصقيع، عن السهام والمخمل والعشق، كي تظلي إلى حين عودتي واقفة بلا حراك، نائمة ما عدا قلبك، ثم آتي لأوقظك مرة أخرى»، لكي نقف على ما تعكسه الرسائل برمتها من شاعرية عالية تتدفق رقة وحماساً. وفيما تصف كازاريس العلاقة بأنها «حب متأجج وشديد من البلور الخالص»، يطغى على رسائل ما بعد العودة عام 1948 نوع من الفرح الاحتفالي باستعادة كل من العاشقين للآخر، مصحوباً بتدفق مطرد للصور والمجازات، كما يظهر في مخاطبة الكاتب لحبيبته الغائبة بالقول: «سأختنق فاغر الفاه كسمكة خارج الماء، بانتظار الموجة ورائحة الليل وملح شعرك». ومع أن كامو كان يشعر في تلك الفترة بأن حياته قد بدأت ترسو على برّ الطمأنينة والثبات، على المستويين العائلي والعاطفي، فإن الأمر لم يكن كتلك بالنسبة للزوجة المحبطة التي ثبت فيما بعد أنها عانت من اضطرابات عصبية شديدة، وصولاً إلى تفكيرها الجديّ بالانتحار. وهذا الوضع المأساوي للزوجة يؤكده قول كامو في إحدى رسائله لماريا: «الوضع تفاقم هنا لدرجة أنّ عليّ أن أراقب فرانسين بطريقة دائمة. بالأمس تركتها بمفردها لثانية واحدة فأسرعتْ إلى الشرفة، ولو لم أتمكن من إمساكها في اللحظة الأخيرة، لكانت ألقت بنفسها إلى الأسفل، لأنها في حالة انهيار كامل».
كما تكشف الرسائل المتبادلة بين الحبيبين عن انقلاب نسبي في موازين العلاقة في حقبة الخمسينات؛ حيث تعبّر ماريا عن مخاوفها المتصاعدة من أن تكون مشاعر كامو تجاهها قد تبخرت، فيما يرد الأخير نافياً ومطمْئناً: «لا تترجيني أن أحبك، فأنا أحبك وأنتظرك»، ليعود ويذكّرها بأيام غرامهما الأولى، وبتوسله لأندريه جيد كي يوفر لهما في شقته، ولو لساعات قليلة، سبل الاختلاء. إلا أن حبه لها لم يمنعه حين فاتحته بموضوع الزواج، من القول على نحو صريح: «أنا أيضاً أحلم بحياة معك، لكنني وجدت نفسي في طريق غير نافذ. لذلك حلمت بعهد أسمى، وبنوع من الزواج السري الذي سيوثق رباطنا أنا وأنت، ولن نتوقف عن تعزيزه، واثقين من حب أحدنا للآخر حتى الممات».
ومع ذلك، فإن لحظات التشكيك والعتاب وسوء التفاهم بين الحبيبين، كانت أقل بكثير من لحظات الشغف المشبوب أو الهناءة الوادعة. كما أن حصول كامو على جائزة نوبل للآداب عام 1957 لم يزده إلا تعلقاً بكازاريس التي اعتبرها هدية السماء إليه، وجائزة وجوده الأثمن على الكوكب الأرضي. أما الرسالة الأخيرة التي عثر عليها بحوزته، إثر حادث السير المفجع الذي أودى بحياته في اليوم ما قبل الأخير من العام 1960، فقد عكست تلهفه الشديد للقاء المرأة الألصق بقلبه وروحه، التي قدّر لحياتها من بعده أن تطول حتى العام 2003؛ حيث كتب لها ممنياً نفسه بلقائها المرتقب: «أرسل إليك آلاف الأماني الرقيقة لرأس السنة، وأتمنى أن تتدفق الحياة عبرك خلال العام، كي تعطيك هذا الوجه العزيز الذي أحببته على مر السنين. إنني أطوي معطفك الخاص بالمطر، وأُرفق معه كل شموس قلبي. أقبّلك وأضمك بانتظار يوم الثلاثاء، حيث سأحتضنك مجدداً». لكن يوم الثلاثاء ذاك لم يأتِ أبداً، ولم يقدّر للأمنيات الموعودة أن تتحقق، حيث في السباق التراجيدي المتواصل بين الحب والموت، كان الثاني أسرع من الأول في احتضان جسد كامو المعطوب، وقلبه المتوقف عن الخفقان.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.