توني جُت... مأزق المؤرخ اليهودي

لم تأتِ شهرته من مؤلفاته بقدر ما جاءت من معارضته للسياسات الإسرائيلية

توني جُت
توني جُت
TT

توني جُت... مأزق المؤرخ اليهودي

توني جُت
توني جُت

كان توني جُت (Judt) حتى وفاته عام 2010 أستاذاً متميزاً للتاريخ الحديث بجامعة نيويورك. هاجر من بريطانيا التي ولد فيها عام 1948، وحيث تلقى تعليمه، إلى الولايات المتحدة الأميركية ليستقر ويبدأ حياة حافلة بالنشاط الفكري والأكاديمي والسياسي، فيؤلف عدداً من الكتب وينشر كثيراً من الأوراق البحثية والمقالات في الصحافة الثقافية التي رسخت مكانته بين مؤرخي النصف الثاني من القرن العشرين في أوروبا وأميركا. من بين ما نشره كتاب صدر عام 2004 بعنوان «ما بعد الحرب» (Postwar)، وتناول في صفحاته التي تتجاوز التسعمائة صفحة، تاريخ أوروبا منذ 1945، وكان من رواج الكتاب أن انضم إلى قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعاً.
غير أن شهرة جُت لم تأتِ من مؤلفاته في التاريخ الحديث بقدر ما جاءت من معارضته للسياسات الإسرائيلية والسياسات الغربية الداعمة لها. وكان مما جعل تلك المعارضة ذات معنى خاص أن جُت يهودي الجذور، فهو ينحدر من أسرة يهودية هاجرت من أوروبا الشرقية لتستوطن في إنجلترا. لقد حرص والداه على ترسيخ هويته اليهودية فأدخلاه مدرسة لتعلم اللغة اليدّية (لغة اليهود في شرق أوروبا التي امتُزجت فيها العبرية بالألمانية)، علماً بأنهما كانا مثل كثير من اليهود آنذاك قد تخليا عن الديانة اليهودية. الانتماء اليهودي في تلك الفترة لم يكن على أي حال مرتبطاً بالدين قدر ارتباطه بعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية، كانت في طليعتها الآيديولوجيا الصهيونية التي تلقاها جُت من بيئته المحيطة، فتحمس في شبابه لتلك الآيديولوجيا بالقدر الذي جعله يذهب إلى إسرائيل للعمل في المستوطنات الزراعية - العسكرية الإسرائيلية المعروفة بالكيبوتسات. ولم يخِب حماسه للعمل هناك، إلى أن قامت حرب 1967 لتكشف له حقيقة الحلم الصهيوني المبني على طرد الفلسطينيين من أرضهم واحتلالها. كان جُت من الحالات النادرة لشخصية مهمة على الصعيد الثقافي الغربي ويكون في الوقت نفسه يهودياً آمن بالصهيونية، وعاش تجربة الاحتلال الإسرائيلي بصورة مباشرة ليعلن بعد ذلك تخليه عن ىتلك الآيديولوجيا، ثم ينتقد الاحتلال ويدعم حقوق الفلسطينيين بما يملك من أسلحة تحليلية وبلاغية.

برز التوتر بين جُت والمؤسسة الصهيونية والإسرائيلية؛ سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل، حين أثنى بعض الثناء على المقالة التي نشرها اثنان من الباحثين الأميركيين أكدا فيها سيطرة اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأميركية. فقد استعرت النار من حول الرجل وبدأت التهديدات تتوالى عليه، كما ذكر في مقابلة أجريت معه عام 2004 نشرتها جريدة «الفايننشيال تايمز». ذلك أن التهديد، كما ذكر، وصل إلى حد تهديد أولاده بالقتل.
ردة الفعل الحادة تجاه نقد جُت لإسرائيل يفسرها النقد الجاد والشامل الذي وجهه للكيان الصهيوني. في عام 2006 نشر جُت مقالة في صحيفة «هاآرِتس» الإسرائيلية بعنوان «البلاد التي ترفض أن تنضج»، كان من بين ما أثارته رفض الأسلوب الإسرائيلي في اتهام كل منتقد للسياسات والممارسات الإسرائيلية بمعاداة السامية. يرفض جُت الربط بين نقد السياسات الإسرائيلية ومعاداة اليهود أو بين تلك السياسات واليهود بصفة عامة:
حين تنتهك إسرائيل القانون الدولي في المناطق المحتلة، حين تهين إسرائيل السكان الواقعين تحت سلطتها والذين انتَزعت أرضهم - ثم ترد على نقادها بصراخ عالٍ بأن ذلك «معاداة للسامية» - فإنها عملياً تقول إن تلك الممارسات
ليست ممارسات إسرائيلية: الاحتلال ليس احتلالاً إسرائيلياً، إنه احتلال يهودي، وإن لم تعجبك هذه الأمور فإن ذلك بسبب أنك تكره اليهود.
يقول جُت في المقالة نفسها إن إسرائيل إن كانت تريد البقاء بلاداً لكل اليهود وتمحو معاداة السامية، فإن عليها «أن تعيد إلى الفلسطينيين أرضهم». ثم يذكّرها بأن الدعم الأميركي ليس دائماً: «لكن هذه الثقة الكسولة والمتأصلة في موافقة أميركية غير مشروطة - وفي الدعم المعنوي والعسكري والمالي الذي توفره تلك الموافقة - قد يثبت أن فيه انهيار إسرائيل».
الغضب الإسرائيلي والموقف الرافض الذي تبنته المؤسسات اليهودية الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة أسفرا عن نفسهما بصورة مباشرة وحادة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2006 حين تدخل اللوبي اليهودي - الصهيوني، لإيقاف محاضرة كان جُت سيلقيها في القنصلية البولندية بنيويورك. كانت المحاضرة ستتناول اللوبي الإسرائيلي في أميركا لولا أن القنصلية ألغت المحاضرة قبل وقت قصير من بدئها، ليتضح أن الإلغاء تم بعد اتصال من منظمتين يهوديتين كبريين، كما وضح القنصل البولندي نفسه. ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة من نوعها، فقد ألغيت محاضرات أخرى لجُت.
تحليل جت لما يعرف بمعاداة السامية في تاريخ أوروبا يتسق مع مواقفه تجاه إسرائيل، فهو في ذلك التحليل حريص على إبراز معاناة اليهود من ناحية والتشكيك في المقولات الشائعة حول مواقف أوروبا تجاه اليهود في مرحلة ما بعد الحرب. فهو يرى أن أوروبا التي أساءت لليهود قبل الحرب الثانية لم تعد تتبنى تلك المواقف، فعلى عكس ما يدعيه بعض الأميركيين اليمينيين والمناصرين لإسرائيل، فإن «الشعور المعادي لليهود كان غير معروف إلى حد بعيد في أوروبا المعاصرة...»، معاداة اليهود جاءت غالباً من المسلمين والعرب المنحدرين من أصول عربية بين المقيمين في أوروبا، وحتى مشاعر العداء تلك كانت «نتيجة مباشرة للأزمة المتفاقمة في الشرق الأوسط». بل إن الفرنسيين، كما يقول جُت، كرهوا القادمين من شمال أفريقيا أكثر من اليهود.
هذا الموقف الحاد في نقده لإسرائيل وسياساتها ومواقفها بصفة عامة جعل داعمي إسرائيل والمتبنين للآيديولوجيا الصهيونية يتهمون جُت بتهم شتى منها أنه منكر لوجود إسرائيل وأنه كاره للذات، إلى غير ذلك من التهم. لكن ذلك الموقف يتأسس في نهاية المطاف على حرص على مصلحة عليا لإسرائيل ورغبة في استمرارها. إنه خطاب الناصح الأمين، كما رآه جُت نفسه بطبيعة الحال، وكما رآه آخرون تبنوا الرؤية نفسها من منتقدي إسرائيل من اليهود. هو خطاب نقدي كرره جُت في غير موضع مثلما كرر أنه لا يقل انتماءً للجماعة اليهودية عن غيره. ففي مقابلة نشرتها مجلة «ذا أتلانتك» الأميركية قبيل وفاته نجده يجدد نقده لإسرائيل بعد أن أكد أن وجودها حقيقة لم يعد هناك مجال لمناقشته:
ومع ذلك فإنني، مثل كثير من اليهود خارج إسرائيل، أشعر بانتماء يتضاءل مع إسرائيل: سلوكها، ثقافتها، سياساتها، عزلتها، وتحيزها لا علاقة له بالانتماء اليهودي بالنسبة لي واعرف أن ذلك يصح بصفة خاصة على الشبان اليهود، باستثناء المتشددين دينياً. لذا حتى لو سارت الأمور عكس ما يريد اليهود اليوم،
فإني لا أعتقد أن أكثرنا يود أن يذهب للعيش في إسرائيل.
موقف جُت من إسرائيل والصهيونية لم يعنِ تخليه عن انتمائه، كما أنه لم يؤدِ إلى عدم إبراز دور اليهود في تشكيل الحضارة الغربية، وبالتأكيد ليس عن إبراز معاناة اليهود في أوروبا إبان الفترة التي أرخ لها بصورة رئيسية. في كتابه الشهير «ما بعد الحرب» نجده يؤكد الإسهام اليهودي في تطور الثقافات الغربية فكراً وعلوماً وفنوناً. بل إنه يمكن القول إن تأليف الكتاب كان أحد بواعثه التأمل في أوضاع اليهود بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. يقول جُت في مقدمة الكتاب إنه كان في فيينا عام 1989، العام الذي شهد انحسار المد الشيوعي - السوفياتي عن أوروبا الشرقية، وكانت فيينا المدينة الواقعة على البرزخ الذي كان حتى ذلك العام يفصل شطري أوروبا... «كانت فيينا عام 1989 المكان المناسب (للتفكير) أوروبياً»، أي بالانشغال بأوروبا، وذلك لأسباب منها أن المدينة تمتعت بعدد من المميزات التي تشمل الوضع الاقتصادي المزدهر إلى جانب «السلام الاجتماعي المؤمَّن نتيجة للوظائف والمكاسب المادية الموزعة دون قيود على الفئات الاجتماعية الرئيسية والأحزاب السياسية...»، لكن من تلك الأسباب أيضاً أن الازدهار والسلام والعدالة أخفت تاريخاً سابقاً من العنف وحالات من الظلم لا تشير إليه محطات القطار الهادئة والشوارع الجميلة والبنايات العامرة بالسكان. أخفت الأوضاع الهادئة والمزدهرة في العاصمة النمساوية كثيراً من آثار الحرب، لكن صمتاً واحداً استرعى انتباه جُت. لقد صمتت فيينا بصفة خاصة عن معاناة فئة واحدة هي فئة اليهود: «أما بشأن اليهود الذين ملأوا ذات يوم كثيراً من بنايات وسط المدينة، والذين أسهموا بصورة حاسمة في الفن والموسيقى والمسرح والأدب والصحافة والأفكار التي شكلت فيينا في أوج مجدها، فإن المدينة كانت أكثر صمتاً». ومن الواضح أن ذلك كان من الدوافع إلى استنطاق التاريخ ليروي ما لم ترد بعض مناطق أوروبا الإبانة عنه. وما لم يرد التاريخ الإبانة عنه يشمل وجوهاً كثيرة للمؤرخ الحق في تحليلها وتفسيرها، لكن من الواضح أن وجهاً واحداً شغل المؤرخ البريطاني - اليهودي. ذلك الوجه تكشف عنه وقفات جُت عند مسائل مثل «معاداة السامية» والصراع العربي - الإسرائيلي ومنه نشوء إسرائيل. فهو يشير مثلاً إلى تجاهل الزعماء الأوروبيين مثل تشرشل وديغول للجانب العنصري في الاضطهاد النازي لليهود. كلا الزعيمين في فترة ما بعد الحرب رأى أن ما فعلته ألمانيا كان نتيجة للنزعة العسكرية العدائية لبوروسيا، وليس موقفاً عرقياً عنصرياً موجهاً ضد اليهود بصفة خاصة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
TT

«عفريتة هانم» ترسل تلويحة الوداع عن عمر 96 عاماً

الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)
الفنانة والراقصة كيتي (صورة أرشيفية)

بعد غيابها عن الأضواء لأكثر من 60 عاماً، رحلت الفنانة المصرية من أصول يونانية، كيتي، في العاصمة اليونانية أثينا، الجمعة، عن عمر ناهز الـ96 عاماً، وذلك بعد صراع طويل مع المرض، وفق وسائل إعلام محلية، وتصدَّر اسم كيتي، «الترند»، على موقع «غوغل» الجمعة، في مصر، عقب تداول خبر الوفاة بكثافة على مواقع «سوشيالية».

بدأت كيتي، العمل بالسينما المصرية في منتصف الأربعينات، وذاع صيتها خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث شاركت بالتمثيل والرقص والاستعراضات في كثير من أفلام السينما المصرية التي دُوِّنت في أرشيفها وما زالت تلقى رواجاً حتى الآن، وفق آراء نقدية وجماهيرية.

وعلى الرغم من شهرتها فإن كيتي اختفت عن الأضواء، وسافرت إلى اليونان، وسط شائعات عدة طالت اسمها حينها، وتنوَّعت بين المرض، والاتهام بالجاسوسية، والموت.

الكاتب المصري محمد الشماع، أكد خبر وفاة الفنانة والراقصة الاستعراضية، عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «بعد نشر تحقيق عن (كيتي) بالاشتراك مع الصديق عبد المجيد عبد العزيز منذ سنوات، والاتصالات لم تنقطع بيننا وبينها سواء بشكل مباشر، أو عبر وسطاء».

وأضاف الشماع: «عرفنا الكثير الذي يستحق أن يُنشَر ويعرفه الناس، ليس فقط لأنها مجرد ممثلة وراقصة ظهرت في السينما المصرية لسنوات، لكن لأنها جزء من تاريخ بشر عاشوا في مصر وخرجوا وهم يحملون حباً خاصاً لها».

الفنانة كيتي في مرحلتَي الشباب والشيخوخة (حساب الكاتب محمد الشماع على «فيسبوك»)

ويستكمل الشماع: «توفيت كيتي بهدوء، بعد معرفة دامت لسنوات، وكان حظنا سيئاً لأننا عرفناها في سنوات عمرها الأخيرة، على الرغم من حفاظها على صحتها وعقلها وذكرياتها»، ونوه الشماع إلى أنه علم بخبر الوفاة، من الطبيب والكاتب اليوناني مانوليس تاسولاس، وهو أحد أصدقاء كيتي المقربين منها في سنواتها الأخيرة.

وعن رأيه في أعمال كيتي، ومشوارها في التمثيل إلى جانب الرقص والاستعراضات التي اشتهرت بها في السينما المصرية، وما الذي ميَّزها بين فنانات جيلها، أكد الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي أن «حياة كيتي كانت غامضة جداً، حتى إن الناس كانوا يسألون: هل ما زالت على قيد الحياة؟».

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «ما أفاد كيتي، أنها تميَّزت بطابع خاص وطريقة غربية نوعاً ما، وكانت تتمتع بملامح جميلة وجذابة، في ظل وجود راقصات شرقيات في حجم تحية كاريوكا، وسامية جمال، ونعيمة عاكف، وزينات علوي، وغيرهن، في ذلك الوقت».

ونوه الشناوي إلى أن «الفترة التي كانت تشهد على خلاف بين فريد الأطرش وسامية جمال كانت تتم الاستعانة بها، وهذا الأمر أفادها كثيراً»، مضيفاً: «كيتي راقصة خفيفة الظل، وكانت تتمتع بحضور قوي، لكنها لم تكن ممثلة بالمعنى الحرفي للكلمة».

اشتهرت كيتي، التي وُلدت في ثلاثينات القرن الماضي في مدينة الإسكندرية المصرية الساحلية، بخفة الدم والحركة، والرقص وتقديم الاستعراضات في الأفلام التي شاركت بها، وكان أشهر أدوارها مع الفنان الكوميدي الراحل إسماعيل ياسين، حيث قدَّمت معه مجموعة من الأفلام السينمائية المصرية الشهيرة من بينها «في الهوا سوا»، و«اديني عقلك»، و«ابن ذوات»، و«عفريتة هانم»، و«بنت البلد»، و«الظلم حرام»، و«إسماعيل ياسين في متحف الشمع»، و«أبو عيون جريئة»، بينما كان آخر فيلم جمعهما معاً «العقل والمال»، في منتصف الستينات، بجانب مشاركتها في أفلام سينمائية أخرى، حيث يضم أرشيفها أكثر من 70 فيلماً.


البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
TT

البيانات الضخمة... كنز من المعلومات يقودنا لفهم العالم وترويضه

البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)
البيانات الضخمة تساعد في معرفة تفضيلات السائحين (المتحف المصري)

من خلال هذه البيانات الضخمة يمكن قياس معدل إنفاق السائحين في الفنادق والمطاعم والأماكن المختلفة، يمكن أيضاً التنبؤ بما يريدونه وما لا يريدونه، ويمكن متابعة وتيرة ومناطق الجرائم المتكررة والحد منها فيما يعرف بالشرطة التنبؤية بأميركا، ويمكن أيضاً التحكم في طريقة استهلاك الطاقة في بلد من البلاد كما يحدث في الإمارات. وكذلك الاستعانة بهذه البيانات الضخمة في تحليل العديد من الأمور والظواهر الاجتماعية، خصوصاً في ظل غياب البيانات التقليدية. فما هي طبيعة هذه البيانات الضخمة، وما مصادرها، وما استخداماتها بشكل عام؟

يجيب على هذا السؤال كتاب «البيانات الضخمة BIG DATA: مصادرها واستخداماتها في التنمية» للدكتورة حنان جرجس، الصادر مؤخراً عن «دار العربي للنشر والتوزيع» في القاهرة.

يعرف الكتاب في البداية أهمية علم البيانات ودوره في حصر العديد من الأمور مثل التعداد السكاني وتعداد المدارس والمنشآت وغيرها، والفارق بين البيانات التقليدية، التي يتم جمعها بشكل مباشر من الشارع أو عبر استطلاعات رأي مقصودة، والبيانات الضخمة التي يتم تعريفها مبدئياً بأنها «البيانات ذات الكميات الكبيرة التي يتم إنشاؤها/ جمعها من التفاعلات اليومية للأفراد مع المنتجات أو الخدمات الرقمية، أو من أفعال وتفضيلات الأفراد القابلة للتبع عبر وسائط متنوعة، وهي بيانات تنشأ بصورة يومية طبيعة وليست لأغراض دراسة معينة.

هذه البيانات الضخمة إذن هي كل ما يدور على الشبكة العنكبوتية من تعاملات بوسائل التواصل الاجتماعي أو التطبيقات المختلفة، أو حتى كروت الفيزا أو البطاقة الشخصية أو أي بيانات يمكن التعامل بها رقمياً، ومن ثم تصبح جزءاً من الكم الهائل من البيانات التي يمكن استخدامها لأغراض متنوعة، خصوصاً في مجال التنمية في أكثر من مجال كما أوضحنا في البداية. نحن إذن أمام كنز من المعلومات التي تساعد في فهمنا للعالم وترويضه أيضاً وتحسين صورته عبر التنمية المستدامة.

البيانات الضخمة تُستخدم في العديد من المجالات (الشرق الأوسط)

تتمتع هذه البيانات الضخمة بخصائص بعينها حتى تصبح قابلة للتعمل عليها وتحليلها، كبيرة الحجم، سريعة التواتر، عالية التنوع، لها قيمة كبيرة، على قدر كبير من الصدق. هذه الخصائص هي التي تحكم إمكانية استخدام تلك البيانات أم لا ومدى ملاءمتها للتعبير عن شأن معين أو قياس أمر ما.

وإذا كانت البيانات التقليدية مثل التعداد السكاني أو التعداد الاقتصادي أو الإحصاءات الحيوية مثل المواليد والوفيات، أو قاعدة بيانات الرقم القومي أو المسوح بأنواعها أو استطلاعات الرأي العام يمكنها أن تفيدنا في وضع خطط وسياسات بعينها تخدم الجمهور وتحقق أهداف الدولة، إلا أن البيانات الضخمة لها دور آخر أكثر دقة من سابقه، فهي يمكن أن تحدد اتجاهات عامة وشاملة في التعامل مع أحد القطاعات مثل السياحة أو الصحة أو التعليم أو الصناعة والطاقة، وتسهم في تنمية هذه القطاعات بطريقة مدروسة وعلمية، إذا توافرت شروط البيانات الضخمة ومصدرها وأمكن تحليلها وفق أحدث الطرق التكنولوجية المتاحة والتي سهلت كثيراً هذا الأمر.

يشير الكتاب ليس فقط إلى القيمة الكبيرة التي تمثلها البيانات الضخمة ولكن أيضاً لما تنبئ به من مستقبل مزدهر بناء على قراءة الواقع والاتجاهات العامة للجمهور في مجال بعينه وتغذية مفردات هذا الاتجاه ليكون مصدر جذب وتعظيم مخرجاته بكل السبل الممكنة بناء على البيانات التي تم الحصول عليها.

وتكمن هذه البيانات في كل ما يرتبط بالمفردات الرقمية من وسائل التواصل الاجتماعي للكروت الممغنطة إلى كل وثيقة أو تفاعل أو تعامل بصيغة رقمية في المجال العام أو الخاص، لتصبح هذه التفاعلات بشكل أو بآخر جزءاً من سلسلة متصلة متواصلة من إنتاج البيانات الضخمة التي يمكن الاستفادة منها بطريقة علمية في التنمية والاستدامة.

الكتاب الذي قدمه الدكتور ماجد عثمان وزير الاتصالات المصري سابقاً، وأشار في مقدمته إلى أهميته باعتباره فريداً في مجاله، فلم يسبق أن تناول أحد معالجة البيانات الضخمة بطريقة علمية تفيد خطط التنمية المحلية، يضم عدة فصول ما بين البيانات التقليدية والضخمة ومصادرها واستخداماتها، وربما استفادت الكاتبة من عملها محلياً ودولياً في مراكز لقياس الرأي العام، كما أنها شريك مؤسس لمركز بصيرة لاستطلاعات الرأي وقياس الرأي العام في مصر، وهي من الخبراء البارزين في مجالات الإحصاء والديموغرافيا والتنمية والبحوث الكمية.

ويعد هذا الكتاب بمنزلة خريطة طريق يمكن الاستفادة منه لمعرفة طريقة جمع البيانات الضخمة وتحليلها وتوجيهها بطريقة علمية وعملية للاستفادة منها في وضع سياسات وخطط تنموية في مجالات شتى.


أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري، أحمد مجدي، إن حماسه للمشارَكة في مسلسل «الست موناليزا» جاء لشعوره بأنَّ العمل يقدِّم تجربةً دراميةً متكاملةً على مستويي النَّصِّ، والرؤية الإخراجية وتركيبة الشخصيات، عادّاً أنَّ هذا النوع من المشروعات هو ما يبحث عنه بصفته ممثلاً يسعى إلى الاشتباك مع شخصيات مُركَّبة ومناطق إنسانية ملتبسة.

وأضاف مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يتمنَّى منذ فترة طويلة العمل مع مي عمر، وتَحقَّق ذلك أخيراً في ظروف إنتاجية وفنية مناسبة منحته دافعاً إضافياً للدخول في التجربة بثقة وحماس، خصوصاً في ظلِّ وجود سيناريو وصفه بـ«المُحكم والمكثف» كتبه محمد سيد بشير، «حيث تتوالى الأحداث دون ترهل، ومن دون وجود شخصيات زائدة عن الحاجة، إذ يؤدي كل خط درامي وظيفةً محددةً داخل عالم متشابك تتقاطع فيه المصائر، وتتراكم فيه الدوافع النفسية»، على حد تعبيره.

وأوضح مجدي أن «العمل لا يعتمد فقط على الإثارة الظاهرية أو الصدامات المباشرة، بل يراهن بالأساس على بناء نفسي طويل المدى للشخصيات، وعلى كشف تدريجي لتحولاتهم الداخلية، ما منحني فرصةً حقيقيةً للاشتغال على التفاصيل الدقيقة في الأداء».

أحد الملصقات الترويجية للمسلسل (الشركة المنتجة)

وتحدَّث مجدي مطولاً عن شخصية «حسن»، وعدَّها من أكثر الشخصيات تعقيداً التي تعامل معها، موضحاً أنها «شخصية لا يمكن اختزالها في توصيف أخلاقي بسيط، إذ تجمع بين النرجسية الحادة، والتمركز حول الذات، والقدرة على المراوغة والخداع، لكنها في الوقت نفسه ليست شريرةً على نحو كاريكاتيري أو مباشر، وقوتها الشخصية تكمن في كونها مكتوبةً بحيث تسمح للمُشاهد أن يراها من الداخل، وأن يتتبع كيف تَشكَّلت عبر تراكمات نفسية واجتماعية طويلة، لا عبر حدث واحد حاسم».

وأشار إلى أن «حسن» يمتلك قدرةً عاليةً على تضليل الآخرين، والأهم أنَّه ينجح في تضليل المُتفرِّج نفسه في المراحل الأولى من العمل، إذ يظهر بوصفه شخصاً يبدو بريئاً، حساساً، يبحث عن الحب والاحتواء، قبل أن تبدأ الطبقات الحقيقية للشخصية في الانكشاف تدريجياً، لتظهر دوافع أكثر ارتباطاً بالمال والسيطرة وتحقيق الذات، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، عادّاً أن هذا المسار التصاعدي في كشف الشخصية يخلق نوعاً من الصدمة النفسية المتراكمة لدى المشاهد، ويدفعه إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وفي طريقة قراءته للشخصيات الدرامية، مشيراً إلى أنه على الرغم من علمه بكراهية الجمهور لشخصية «حسن» بعد مشاهدة العمل، فإنه تحمَّس لها واستفزته فنياً ليقدمها.

وأكد مجدي أن ما يطرحه المسلسل قد يبدو للبعض قاسياً أو مبالغاً فيه، لكنه يرى أن الواقع أكثر قسوةً وتعقيداً مما تسمح به الدراما التلفزيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات المختلة داخل الأسرة أو في البيئات التي تسودها الأنانية والعنف النفسي، موضحاً أن التجارب الإنسانية في الحياة اليومية تحمل مستويات أعلى من الألم والتشوه النفسي، لكن الدراما تضطر إلى تقديمها في إطار مشوق ومتوازن يحافظ على قابلية المشاهدة ويمنح المتلقي فرصةً للتفاعل لا النفور الكامل.

وحول منهجه في التحضير للشخصية، قال إن السؤال المركزي الذي ظلَّ يرافقه في كل جلسات النقاش مع المؤلف والمخرج هو: لماذا يتصرَّف «حسن» بهذه الطريقة؟ وما الجذور النفسية والتربوية التي أسهمت في تكوين هذا السلوك؟

أحمد مجدي تحدَّث عن الأدوار المُركَّبة (صفحته على «فيسبوك»)

وأضاف أن «كثيراً من الشخصيات النرجسية أو العنيفة تكون في الأصل نتاج خلل مبكر في منظومة التربية أو في الإحساس بالأمان والاحتواء، وهو ما حاول أن ينعكس بشكل غير مباشر في الأداء، وليس عبر خطاب مباشر أو تبرير سطحي»، متوقفاً عند العلاقة بين «حسن» وعائلته بوصفها تُشكِّل العمود الفقري لفهم الشخصية، لا سيما علاقته بأمه التي تجسِّدها الفنانة سوسن بدر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة تحمل قدراً عالياً من الالتباس العاطفي والتوتر الصامت، وتكشف عن مناطق حساسة داخل تكوينه النفسي، فتتجاور الحاجة إلى القبول مع الرغبة في السيطرة والتمرد، لافتاً إلى أن الأداء الهادئ والمركب للفنانة سوسن بدر منح هذه العلاقة عمقاً خاصاً، وجعل المَشاهد المشتركة قائمةً على الإيحاء والتراكم أكثر من المواجهة المباشرة.

وأضاف أن العلاقة مع الأب تمثِّل بدورها منطقة جرح داخلي نادر الظهور، لكنها شديدة التأثير، إذ لا تظهر إلا في لحظات محدودة داخل العمل، تكشف عن مرارة دفينة وشعور قديم بالظلم أو الخذلان، عادّاً أن هذه اللحظات هي الأصعب أداءً، لأنَّها تتطلب كسر الصورة الصلبة التي يقدِّمها «حسن» طوال الوقت، وإظهار هشاشته الإنسانية من دون الوقوع في الميلودراما أو التبرير الأخلاقي.

وأكد مجدي أن «الرهان كان دائماً على إبقاء عنصر المفاجأة حياً داخل المشهد الواحد، وعلى ألا تُكشف أوراق (حسن) كاملة في لحظة واحدة، بل أن تتسلل تدريجياً عبر التفاصيل الصغيرة في الأداء»، مشيراً إلى أن مشاهد الأكشن أو الحركة لم تُمثِّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، نظراً لوجود فريق متخصص ومخرج يمتلك رؤيةً واضحةً لكيفية تنفيذها، ما جعلها تسير بسلاسة وانضباط، بينما جاءت الصعوبة الحقيقية في المشاهد النفسية الدقيقة التي تتطلب تحكماً عالياً في الانفعال، وتوازناً دقيقاً بين ما يُقال وما يُخفى.

أحمد مجدي قدَّم دوراً له أبعاد نفسيه في المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشاد مجدي بتجربته في العمل مع مي عمر، عادّاً أنها تمتلك قدرةً لافتةً على قراءة الإيقاع الدرامي للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم الكبير بينهما انعكس بشكل إيجابي على المشاهد المركبة التي تجمعهما.

واعترف بأن المشاهد الرومانسية تمثل له تحدياً خاصاً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستوى الإنساني، نظراً للفارق بين هشاشة التعبير العاطفي في الحياة الواقعية والوضوح الذي تتطلبه الدراما التلفزيونية.

وفيما يتعلق بفكرة المنافسة في رمضان، أكد مجدي أنه لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه سباقاً أو معركة أرقام، بل مساحة للتعبير والتواصل وطرح الأسئلة، عادّاً أن الصناعة الفنية كيان واحد يتشارك مسؤولية تطوير الذائقة العامة وبناء الثقة مع الجمهور، مؤكداً أن نجاح التجارب المتنوعة ينعكس في النهاية على قوة المشهد الفني كله، ويمنح الفنانين مساحة أكبر للتركيز على جوهر عملهم بدل الانشغال بالمقارنات.