توني جُت... مأزق المؤرخ اليهودي

لم تأتِ شهرته من مؤلفاته بقدر ما جاءت من معارضته للسياسات الإسرائيلية

توني جُت
توني جُت
TT

توني جُت... مأزق المؤرخ اليهودي

توني جُت
توني جُت

كان توني جُت (Judt) حتى وفاته عام 2010 أستاذاً متميزاً للتاريخ الحديث بجامعة نيويورك. هاجر من بريطانيا التي ولد فيها عام 1948، وحيث تلقى تعليمه، إلى الولايات المتحدة الأميركية ليستقر ويبدأ حياة حافلة بالنشاط الفكري والأكاديمي والسياسي، فيؤلف عدداً من الكتب وينشر كثيراً من الأوراق البحثية والمقالات في الصحافة الثقافية التي رسخت مكانته بين مؤرخي النصف الثاني من القرن العشرين في أوروبا وأميركا. من بين ما نشره كتاب صدر عام 2004 بعنوان «ما بعد الحرب» (Postwar)، وتناول في صفحاته التي تتجاوز التسعمائة صفحة، تاريخ أوروبا منذ 1945، وكان من رواج الكتاب أن انضم إلى قائمة «نيويورك تايمز» للكتب الأكثر مبيعاً.
غير أن شهرة جُت لم تأتِ من مؤلفاته في التاريخ الحديث بقدر ما جاءت من معارضته للسياسات الإسرائيلية والسياسات الغربية الداعمة لها. وكان مما جعل تلك المعارضة ذات معنى خاص أن جُت يهودي الجذور، فهو ينحدر من أسرة يهودية هاجرت من أوروبا الشرقية لتستوطن في إنجلترا. لقد حرص والداه على ترسيخ هويته اليهودية فأدخلاه مدرسة لتعلم اللغة اليدّية (لغة اليهود في شرق أوروبا التي امتُزجت فيها العبرية بالألمانية)، علماً بأنهما كانا مثل كثير من اليهود آنذاك قد تخليا عن الديانة اليهودية. الانتماء اليهودي في تلك الفترة لم يكن على أي حال مرتبطاً بالدين قدر ارتباطه بعوامل اجتماعية وثقافية وسياسية، كانت في طليعتها الآيديولوجيا الصهيونية التي تلقاها جُت من بيئته المحيطة، فتحمس في شبابه لتلك الآيديولوجيا بالقدر الذي جعله يذهب إلى إسرائيل للعمل في المستوطنات الزراعية - العسكرية الإسرائيلية المعروفة بالكيبوتسات. ولم يخِب حماسه للعمل هناك، إلى أن قامت حرب 1967 لتكشف له حقيقة الحلم الصهيوني المبني على طرد الفلسطينيين من أرضهم واحتلالها. كان جُت من الحالات النادرة لشخصية مهمة على الصعيد الثقافي الغربي ويكون في الوقت نفسه يهودياً آمن بالصهيونية، وعاش تجربة الاحتلال الإسرائيلي بصورة مباشرة ليعلن بعد ذلك تخليه عن ىتلك الآيديولوجيا، ثم ينتقد الاحتلال ويدعم حقوق الفلسطينيين بما يملك من أسلحة تحليلية وبلاغية.

برز التوتر بين جُت والمؤسسة الصهيونية والإسرائيلية؛ سواء في الولايات المتحدة أو إسرائيل، حين أثنى بعض الثناء على المقالة التي نشرها اثنان من الباحثين الأميركيين أكدا فيها سيطرة اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأميركية. فقد استعرت النار من حول الرجل وبدأت التهديدات تتوالى عليه، كما ذكر في مقابلة أجريت معه عام 2004 نشرتها جريدة «الفايننشيال تايمز». ذلك أن التهديد، كما ذكر، وصل إلى حد تهديد أولاده بالقتل.
ردة الفعل الحادة تجاه نقد جُت لإسرائيل يفسرها النقد الجاد والشامل الذي وجهه للكيان الصهيوني. في عام 2006 نشر جُت مقالة في صحيفة «هاآرِتس» الإسرائيلية بعنوان «البلاد التي ترفض أن تنضج»، كان من بين ما أثارته رفض الأسلوب الإسرائيلي في اتهام كل منتقد للسياسات والممارسات الإسرائيلية بمعاداة السامية. يرفض جُت الربط بين نقد السياسات الإسرائيلية ومعاداة اليهود أو بين تلك السياسات واليهود بصفة عامة:
حين تنتهك إسرائيل القانون الدولي في المناطق المحتلة، حين تهين إسرائيل السكان الواقعين تحت سلطتها والذين انتَزعت أرضهم - ثم ترد على نقادها بصراخ عالٍ بأن ذلك «معاداة للسامية» - فإنها عملياً تقول إن تلك الممارسات
ليست ممارسات إسرائيلية: الاحتلال ليس احتلالاً إسرائيلياً، إنه احتلال يهودي، وإن لم تعجبك هذه الأمور فإن ذلك بسبب أنك تكره اليهود.
يقول جُت في المقالة نفسها إن إسرائيل إن كانت تريد البقاء بلاداً لكل اليهود وتمحو معاداة السامية، فإن عليها «أن تعيد إلى الفلسطينيين أرضهم». ثم يذكّرها بأن الدعم الأميركي ليس دائماً: «لكن هذه الثقة الكسولة والمتأصلة في موافقة أميركية غير مشروطة - وفي الدعم المعنوي والعسكري والمالي الذي توفره تلك الموافقة - قد يثبت أن فيه انهيار إسرائيل».
الغضب الإسرائيلي والموقف الرافض الذي تبنته المؤسسات اليهودية الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة أسفرا عن نفسهما بصورة مباشرة وحادة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2006 حين تدخل اللوبي اليهودي - الصهيوني، لإيقاف محاضرة كان جُت سيلقيها في القنصلية البولندية بنيويورك. كانت المحاضرة ستتناول اللوبي الإسرائيلي في أميركا لولا أن القنصلية ألغت المحاضرة قبل وقت قصير من بدئها، ليتضح أن الإلغاء تم بعد اتصال من منظمتين يهوديتين كبريين، كما وضح القنصل البولندي نفسه. ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة من نوعها، فقد ألغيت محاضرات أخرى لجُت.
تحليل جت لما يعرف بمعاداة السامية في تاريخ أوروبا يتسق مع مواقفه تجاه إسرائيل، فهو في ذلك التحليل حريص على إبراز معاناة اليهود من ناحية والتشكيك في المقولات الشائعة حول مواقف أوروبا تجاه اليهود في مرحلة ما بعد الحرب. فهو يرى أن أوروبا التي أساءت لليهود قبل الحرب الثانية لم تعد تتبنى تلك المواقف، فعلى عكس ما يدعيه بعض الأميركيين اليمينيين والمناصرين لإسرائيل، فإن «الشعور المعادي لليهود كان غير معروف إلى حد بعيد في أوروبا المعاصرة...»، معاداة اليهود جاءت غالباً من المسلمين والعرب المنحدرين من أصول عربية بين المقيمين في أوروبا، وحتى مشاعر العداء تلك كانت «نتيجة مباشرة للأزمة المتفاقمة في الشرق الأوسط». بل إن الفرنسيين، كما يقول جُت، كرهوا القادمين من شمال أفريقيا أكثر من اليهود.
هذا الموقف الحاد في نقده لإسرائيل وسياساتها ومواقفها بصفة عامة جعل داعمي إسرائيل والمتبنين للآيديولوجيا الصهيونية يتهمون جُت بتهم شتى منها أنه منكر لوجود إسرائيل وأنه كاره للذات، إلى غير ذلك من التهم. لكن ذلك الموقف يتأسس في نهاية المطاف على حرص على مصلحة عليا لإسرائيل ورغبة في استمرارها. إنه خطاب الناصح الأمين، كما رآه جُت نفسه بطبيعة الحال، وكما رآه آخرون تبنوا الرؤية نفسها من منتقدي إسرائيل من اليهود. هو خطاب نقدي كرره جُت في غير موضع مثلما كرر أنه لا يقل انتماءً للجماعة اليهودية عن غيره. ففي مقابلة نشرتها مجلة «ذا أتلانتك» الأميركية قبيل وفاته نجده يجدد نقده لإسرائيل بعد أن أكد أن وجودها حقيقة لم يعد هناك مجال لمناقشته:
ومع ذلك فإنني، مثل كثير من اليهود خارج إسرائيل، أشعر بانتماء يتضاءل مع إسرائيل: سلوكها، ثقافتها، سياساتها، عزلتها، وتحيزها لا علاقة له بالانتماء اليهودي بالنسبة لي واعرف أن ذلك يصح بصفة خاصة على الشبان اليهود، باستثناء المتشددين دينياً. لذا حتى لو سارت الأمور عكس ما يريد اليهود اليوم،
فإني لا أعتقد أن أكثرنا يود أن يذهب للعيش في إسرائيل.
موقف جُت من إسرائيل والصهيونية لم يعنِ تخليه عن انتمائه، كما أنه لم يؤدِ إلى عدم إبراز دور اليهود في تشكيل الحضارة الغربية، وبالتأكيد ليس عن إبراز معاناة اليهود في أوروبا إبان الفترة التي أرخ لها بصورة رئيسية. في كتابه الشهير «ما بعد الحرب» نجده يؤكد الإسهام اليهودي في تطور الثقافات الغربية فكراً وعلوماً وفنوناً. بل إنه يمكن القول إن تأليف الكتاب كان أحد بواعثه التأمل في أوضاع اليهود بفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. يقول جُت في مقدمة الكتاب إنه كان في فيينا عام 1989، العام الذي شهد انحسار المد الشيوعي - السوفياتي عن أوروبا الشرقية، وكانت فيينا المدينة الواقعة على البرزخ الذي كان حتى ذلك العام يفصل شطري أوروبا... «كانت فيينا عام 1989 المكان المناسب (للتفكير) أوروبياً»، أي بالانشغال بأوروبا، وذلك لأسباب منها أن المدينة تمتعت بعدد من المميزات التي تشمل الوضع الاقتصادي المزدهر إلى جانب «السلام الاجتماعي المؤمَّن نتيجة للوظائف والمكاسب المادية الموزعة دون قيود على الفئات الاجتماعية الرئيسية والأحزاب السياسية...»، لكن من تلك الأسباب أيضاً أن الازدهار والسلام والعدالة أخفت تاريخاً سابقاً من العنف وحالات من الظلم لا تشير إليه محطات القطار الهادئة والشوارع الجميلة والبنايات العامرة بالسكان. أخفت الأوضاع الهادئة والمزدهرة في العاصمة النمساوية كثيراً من آثار الحرب، لكن صمتاً واحداً استرعى انتباه جُت. لقد صمتت فيينا بصفة خاصة عن معاناة فئة واحدة هي فئة اليهود: «أما بشأن اليهود الذين ملأوا ذات يوم كثيراً من بنايات وسط المدينة، والذين أسهموا بصورة حاسمة في الفن والموسيقى والمسرح والأدب والصحافة والأفكار التي شكلت فيينا في أوج مجدها، فإن المدينة كانت أكثر صمتاً». ومن الواضح أن ذلك كان من الدوافع إلى استنطاق التاريخ ليروي ما لم ترد بعض مناطق أوروبا الإبانة عنه. وما لم يرد التاريخ الإبانة عنه يشمل وجوهاً كثيرة للمؤرخ الحق في تحليلها وتفسيرها، لكن من الواضح أن وجهاً واحداً شغل المؤرخ البريطاني - اليهودي. ذلك الوجه تكشف عنه وقفات جُت عند مسائل مثل «معاداة السامية» والصراع العربي - الإسرائيلي ومنه نشوء إسرائيل. فهو يشير مثلاً إلى تجاهل الزعماء الأوروبيين مثل تشرشل وديغول للجانب العنصري في الاضطهاد النازي لليهود. كلا الزعيمين في فترة ما بعد الحرب رأى أن ما فعلته ألمانيا كان نتيجة للنزعة العسكرية العدائية لبوروسيا، وليس موقفاً عرقياً عنصرياً موجهاً ضد اليهود بصفة خاصة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)
معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)
معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أصدر وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، قراراً بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية في محيط معبد كلابشة بأسوان، وتشكيل لجنة عليا متخصصة من المجلس الأعلى للآثار للمعاينة الميدانية، وإعداد تقرير مفصل بشأن المباني الخدمية الموجودة في المنطقة.

جاء ذلك بعد اتهامات وجهها متخصصون في الحضارة المصرية وجمعيات أهلية للدفاع عن الحضارة المصرية، للمسؤولين عن إنشاء مبان خدمية في محيط المتحف بتشويه الآثار، وعدم الحفاظ على الطابع البانورامي للمنطقة الأثرية المسجلة ضمن التراث العالمي لليونيسكو.

وانتقد أكثر من متخصص، المباني التي أقيمت في محيط معبد كلابشة، واعتبروها تنم عن عدم دراية بقيمة الأثر وبضرورة الحفاظ على المشهد البانورامي الذي يمثله.

ويعد معبد كلابشة بأسوان من المعابد الأثرية التي تعود للعصر الروماني، ويصفه الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار بأنه «من أجمل وأكمل المعابد القائمة في النوبة السفلى»، وتم بناؤه في عصر أغسطس، أول إمبراطور روماني، ما بين عامي 30 قبل الميلاد و14 ميلادية، وكان مخصصاً بشكل أساسي للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك المعبودات المصرية القديمة كإيزيس وزوجها أوزوريس.

جانب من إنشاء المباني الخدمية في محيط معبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

وبعد الإعلان عن صدور قرار وزير السياحة والآثار بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية منذ 10 مايو (أيار) الحالي، توالت التعليقات المرحبة برد الفعل السريع من قبل الوزير، وقال الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن هذا الموقف والقرار اللذين اتخذهما الوزير يستحقان الشكر لسرعة الاستجابة لمطالب العديد من الآثاريين برفض هذه المباني التي تشوه محيط الأثر»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «استجابة الوزير للرأي العام أمر يستوجب الشكر والاحترام، وفي الوقت نفسه يجعلنا نواصل حملاتنا للمطالبة بحفظ وحماية الآثار والمواقع المختلفة مثل منطقة الأهرامات من العديد، من المظاهر السلبية والمرفوضة بها»، مؤكداً أن «الحملة والمهتمين بالآثار والتاريخ عموماً يقومون بعرض السلبيات ليتم علاجها؛ حباً في الحضارة المصرية، وغيرةً على بلدهم، ورغبة منهم في أن تظهر بأجمل صورة ولا يتم المساس بها أو تشويهها». وأشار إلى إمكانية إقامة المباني الخدمية من قبل اللجنة العليا، تتضمن عناصر تتوافق مع الأثر، وتتناغم مع البانوراما العامة للموقع الأثري.

و«يعد معبد كلابشة أحد أهم معابد النوبة التاريخية، ليس فقط لقيمته المعمارية والدينية، بل أيضاً لارتباطه بملف إنقاذ آثار النوبة، وهو ما يفرض ضرورة التعامل مع محيطه باعتباره جزءاً من ذاكرة ثقافية وتاريخية تستحق الحماية والحفظ»، وفق تصريحات الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار وقف إنشاء مبانٍ بمحيط المعبد خطوة ضرورية تتماشى مع المبادئ العلمية المعتمدة في إدارة وحماية المواقع الأثرية، خصوصاً أن المناطق المحيطة بالأثر تُعد جزءاً من قيمته البصرية والتاريخية، وليست مجرد فراغ عمراني يمكن التعامل معه بمعزل عن السياق الحضاري للموقع».

وأكدت أن الصور المتداولة خلال الفترة الماضية أثارت نقاشاً واسعاً بين المتخصصين في الآثار والتراث، بسبب التخوف من تأثير أي إنشاءات حديثة على المشهد البانورامي للمعبد، بما قد يؤدي إلى تشويه الهوية البصرية للموقع وإضعاف طابعه التاريخي الفريد. ومن المعروف أكاديمياً أن الحفاظ على «السياق الأثري» يُعد عنصراً أساسياً في صون القيمة التراثية لأي موقع، وفقاً للمواثيق الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي.

وفي المقابل، تؤكد أن «التنمية السياحية والخدمية في المناطق الأثرية ليست مرفوضة في حد ذاتها، لكنها تحتاج إلى تخطيط دقيق يوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على أصالة الموقع الأثري، مع الالتزام بالاشتراطات الخاصة بالارتفاعات، والخامات، وخطوط الرؤية البصرية للمعبد».

وخلال الستينات من القرن الماضي، نُقل معبد كلابشة، مثل غيره من معابد النوبة، من موقعه الأصلي في جزيرة كلابشة إلى جزيرة كلابشة الجديدة؛ من أجل إنقاذه بعد ارتفاع منسوب مياه النيل إبان بناء السد العالي بأسوان، وتم إدراج الآثار المصرية في النوبة، من أبو سمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لليونيسكو في عام 1979.

وبينما أبدت أستاذ مساعد الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، ترحيبها باستماع الوزير واستجابته للانتقادات التي وُجهت للمباني الخدمية، تساءلت: «كيف وافقت اللجنة الدائمة على مثل هذا الأمر؟»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «كان الأولى تشكيل لجان علمية من متخصصين لمراجعة هذا الأمر قبل البدء فيه، ونتمنى أن يكون قرار الوزير خطوة في سبيل تصحيح الأوضاع والحفاظ على الموقع الأثري».

وعدّ الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، «وقف الأعمال التي حدثت أمام معبد كلابشة رسالة واضحة بأن الدولة تحافظ على آثارها والتعامل بما يليق بمكانتها العظيمة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الدولة المصرية تتعامل بشكل رائع في كل الملفات السياحية والأثرية، وتسعى لتحسين التجربة الأثرية والسياحية دون تشويهٍ للمعالم الأثرية».

وأوضح عامر أن «وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً محورياً لرصد أي مخالفات، وبالفعل هذا ما حدث، وتم التعامل بشكل حاسم مع الأمر».


مصر: اتهامات لمسلسل «قانون الفرنساوي» بالإساءة للمحاماة

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)
عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)
TT

مصر: اتهامات لمسلسل «قانون الفرنساوي» بالإساءة للمحاماة

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)
عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على «فيسبوك»)

أحال المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر شكوى ضد مسلسل «قانون الفرنساوي» الذي يعرض حالياً على منصة «يانغو بلاي» إلى لجنة الدراما؛ لبحثها ودرسها بعدما تقدَّم مكتب «الفرنساوي للمحاماة» بشكوى ضد المسلسل.

واستند المكتب في شكواه للمجلس إلى كون العمل «يسيء إلى مهنة المحاماة، ويتعدَّى على العلامة التجارية المُسجَّلة باسم المكتب»، وفق بيان للمجلس الأعلى للإعلام، الثلاثاء.

ومسلسل «قانون الفرنساوي» من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، وبطولة عمرو يوسف، وتدور أحداثه عبر 10 حلقات، وتشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد.

ومن خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي» نشاهد المحامي الشاب الذي لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحةً مرنةً قابلةً لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

عمرو يوسف في مشهد من مسلسل «قانون الفرنساوي» (حسابه على «فيسبوك»)

وجاءت إحالة الشكوى إلى لجنة الدراما، بوصف منصة العرض حاصلةً على ترخيص من المجلس الأعلى للإعلام، العام الماضي، وفق ضوابط تنظيم الصحافة والإعلام بوصفها منصةً روسيةً، على أن تلتزم بما يصدر عن المجلس من قرارات.

من جهته، وصف الناقد أحمد سعد الدين الشكوى بـ«المبالغ فيها». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التعامل مع الأعمال الدرامية يجب أن يتم من منظور فني وإبداعي، وليس من خلال حالة من الانفعال أو التعصب، خصوصاً أنَّ اسم (الفرنساوي) ليس حكراً على شخص واحد»، متسائلاً: «هل يوجد فرنساوي واحد فقط في مصر حتى يتم اعتبار العمل موجهاً لشخص بعينه».

وأضاف سعد الدين أن «الدراما بطبيعتها تعتمد على تقديم شخصيات ونماذج متعددة من داخل كل مهنة، سواء كانت المحاماة أو الطب أو الإعلام أو غيرها، وهو أمر اعتادت عليه الأعمال الفنية منذ سنوات طويلة، ووجود شخصية تحمل صفات معينة لا يعني بالضرورة أنَّها تشير إلى شخص حقيقي، إلا إذا توافرت دلالات مباشرة وواضحة لا تحتمل التأويل».

وأكد سعد الدين أن «الجهات المختصة عادة ما تنظر إلى العمل في سياقه الفني الكامل»، متوقعاً أن «ينتهي الأمر وفق ما تحدِّده لجنة الدراما بالمجلس الأعلى للإعلام بعد فحص الشكوى والتعامل مع نقاط الاعتراض الواردة في الشكوى، هذا ما سيحدد القرار النهائي».


نديم مسيحي: 15 عاماً من الأحلام تُثمر «كينغ جوهان»

مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)
مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)
TT

نديم مسيحي: 15 عاماً من الأحلام تُثمر «كينغ جوهان»

مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)
مع أصدقاء الطفولة حوَّلوا الحلم حقيقة (نديم مسيحي)

يستعدّ المخرج اللبناني نديم مسيحي لعرض فيلمه السينمائي «كينغ جوهان» في الصالات اللبنانية، وهو ثمرة جهد جماعي بذله مع أصدقائه على مدى 15 عاماً. كان لا يزال يتابع دراسته حين قرَّر تنفيذ فيلم لبناني بطابع هوليوودي، فانطلق في رحلة أحلام تقاسمها مع أصدقاء الطفولة: عماد كريدي، وكريستيان عيسى، وإيلي مغيّر، وطوني الخوري، وإيلي عون، وداني بو مارون.

قصة ابن بلدة ساحل عَلما في جبل لبنان مع السينما لا تُشبه غيرها... فأحلامه التي لم يتخلَّ عنها يوماً شكّلت بالنسبة إليه أملاً أنار أيامه، رغم خيبات وصعوبات كثيرة. يقول إن الفكرة وُلدت بعدما فاز، في سن الـ15، بمسابقة عالمية عن فيلم قصير نفَّذه أيضاً مع أصدقائه، مضيفاً: «يومها لمعت الفكرة في رأسي. فطعم النجاح جميل، ويجعلك دائماً متعطشاً للمزيد».

«كينغ جوهان»... الفيلم السينمائي المنتظر لنديم مسيحي (نديم مسيحي)

ويتذكَّر كيف تسلَّم جائزته في تشيلي بعد رحلة طيران استغرقت 17 ساعة، قبل أن يطبع نسخاً عدة من الفيلم ويوزِّعها على الأهل والأصدقاء. غير أن حلمه السينمائي بدأ فعلياً عندما كان في العاشرة من عمره، يوم اصطحبه والده لمشاهدة فيلم «تروي (Troy)». ويقول: «أخبرت والدي يومها أن حلمي سيكون في هذا الاتجاه. فقد شدَّتني كثيراً أسطورة طروادة والعالم الميثولوجي. ومع ارتباطي بالأرض والطبيعة، بدأ حلمي يكبر يوماً بعد يوم».

ويروي فيلم «كينغ جوهان» قصة ابن ملك يخسر مملكته بسبب الحروب، فيتحوَّل واحداً من أفقر أبناء البلاد، لكن الناس يرون فيه أملاً بالخلاص.

ويوضح مسيحي لـ«الشرق الأوسط»: «هذا الولد يشبه لبنان في زمن عزِّه، وكيف خسر مكانته بسبب الحروب. ورسالة الفيلم واضحة: بالعزيمة نستطيع تحقيق أحلامنا، فالأحلام والسلام والازدهار لا تُستورد، بل يصنعها أبناء الوطن».

واختار مسيحي مجموعة أخرى من الأصدقاء والجيران لتشكيل فريق التمثيل، فرأى في جار طفولته الممثل جوليان فرحات الشخصية المناسبة لدور البطولة، إلى جانب لارا مطر، ومكرم فرام، ووسام صليبا، وجوزيف عازوري. ويقول: «لم يكونوا معروفين يومها، لكننا التقينا على الروح والإصرار نفسيهما».

ومع نحو 700 شخص بين ممثلين وكومبارس، تحوَّل الحلم حقيقة. ويشرح: «في عطلات نهاية الأسبوع، كنَّا نتواصل مع الأقارب والأصدقاء لجمع هذا العدد الكبير من الناس لتصوير مشاهد المعارك. كما قرأت عشرات الكتب السينمائية لأُكوِّن فكرة واضحة عمَّا أفعله».

ويشير إلى الدور الذي لعبه الناقد والأكاديمي اللبناني إميل شاهين في مسيرته، قائلاً: «كان مرجعي الحقيقي في السينما، وكذلك جورج خباز، فهما من المناضلين الذين حفروا في الصخر للحفاظ على أحلامهم».

وخلال هذه الرحلة الطويلة، كان مسيحي يتابع دراسته الجامعية نهاراً، ويحضِّر للفيلم ليلاً. ويقول: «لم أكن أرتاد المقاهي، ولم أعش حياة السهر كغيري... كان حلمي هاجسي الوحيد، وركضت خلفه دائماً».

وعن استخدام الذكاء الاصطناعي، يوضح أنه يدير اليوم شركة مختصة في هذا المجال، لكنه فضَّل إنجاز الفيلم بالطريقة التقليدية. ويقول: «أهم الأفلام العالمية التي لا تزال حاضرة في ذاكرتنا لم تعتمد على الذكاء الاصطناعي. أردت أن يكون هذا الحلم مصنوعاً يدوياً؛ من أفكارنا وتعبنا. واستخدمنا التكنولوجيا الحديثة فقط لتحسين الصورة وتنقية ألوانها بما يواكب العصر».

وتحضر في الفيلم بقوة مشاهد الفرسان، والسيوف، والغبار، والخيول، والجيوش الكبيرة، وقد تكفَّل فريق العمل بكل التفاصيل. ويقول: «صمَّمتْ أختي وصديقاتُها الأزياء ونفَّذنها، فيما تولّى طوني الخوري الصوت، وعمل كريستيان عيسى وإيلي مغيّر على المؤثرات الخاصة، ووضع داني بو مارون الموسيقى، كما شارك الجميع في كتابة القصة».

وعن نصيحته لأصحاب الأحلام، يقول: «الذين لا يحلمون يفوّتون على أنفسهم أجمل لحظات الحياة؛ لأن الحلم هو الرجاء. أما الحالمون فأقول لهم: تشبّثوا بأحلامكم، ومهما واجهتم من خيبات فلا تستسلموا. أَبقُوا ولو على جمرة واحدة مشتعلة داخلكم؛ كي يعود الحلم ويتوهّج من جديد».

لقطة من الفيلم القصير «14 مارس» الذي يكرم فيه شهداء «ثورة الأرز» (نديم مسيحي)

من جهة أخرى، أخرج مسيحي أفلاماً قصيرة باستخدام الذكاء الاصطناعي حققت ملايين المشاهدات، من بينها فيلم «14 مارس»، الذي استعاد فيه شخصيات اغتيلت، منها رفيق الحريري، وسمير قصير، وجورج حاوي، ووسام عيد، وبيار الجميل، ووليد عيدو، مقدّماً إياهم بصورة إنسانية كأنهم لا يزالون بيننا. وخصّ الراحل جبران تويني بمساحة متفردة شكَّلت نهاية الفيلم، وقال إنها تُعبِّر عن مشاعره بعد لقائه إياه وهو على مقاعد الدراسة.

ويعلّق: «هؤلاء قُتلوا لأن أصواتهم بقيت عالية، لا لأنهم حملوا السلاح. وتكريماً لهم، قدَّمتهم بهذه الصورة، وختمت الفيلم بعبارة: (يا ليتكم لا تزالون بيننا)». كذلك أخرج فيلماً ثانياً قدَّم فيه رجال السياسة في لبنان كأنهم أبطال مسلسل «غيم أوف ثرونز (Game of Thrones)» الشهير، وثالثاً تناول فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب؛ وتلقَّى بسببه إشادة من إحدى مساعداته في البيت الأبيض.

ويختم قائلاً: «في عالم يزداد تصنّعاً، علينا أن نحافظ على علاقتنا بالقلب. حاولت استخدام الذكاء الاصطناعي من دون أن أفقد روح هؤلاء الأشخاص، وأن أقدِّمهم بمشاعرهم الإنسانية الحقيقية».

في سياق متصل، يستعدّ لتنفيذ سلسلة من الأعمال الدرامية والأفلام عن لبنان، يوظّف فيها الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً إبداعية. ويؤكد أن المشروعات المستقبلية كثيرة، لكنه يشدّد في المقابل على حرصه الدائم على الحفاظ على البعد الإنساني والمشاعر في تعامله مع هذه التكنولوجيا المتطورة.