أسبوع الـ«هوت كوتير» للموسم المقبل يتراقص على نغمات فنية وتجارية

بين رومانسية إيلي صعب ودرامية ستيفان رولان وتمرد جون بول غوتييه

من عرض ستيفان رولان  -  من عرض إيلي صعب  -  من عرض ستيفان رولان  -  من عرض إيلي صعب  -  من عرض «فيكتور آند رولف»  -  من عرض جون بول غوتييه
من عرض ستيفان رولان - من عرض إيلي صعب - من عرض ستيفان رولان - من عرض إيلي صعب - من عرض «فيكتور آند رولف» - من عرض جون بول غوتييه
TT

أسبوع الـ«هوت كوتير» للموسم المقبل يتراقص على نغمات فنية وتجارية

من عرض ستيفان رولان  -  من عرض إيلي صعب  -  من عرض ستيفان رولان  -  من عرض إيلي صعب  -  من عرض «فيكتور آند رولف»  -  من عرض جون بول غوتييه
من عرض ستيفان رولان - من عرض إيلي صعب - من عرض ستيفان رولان - من عرض إيلي صعب - من عرض «فيكتور آند رولف» - من عرض جون بول غوتييه

انتهى موسم الـ«هوت كوتير» بباريس في الأسبوع الماضي مخلفا أصداء إيجابية من الناحيتين الفنية والتجارية. فرغم أن التجاري كان هو الغالب بعد أن اكتسب فنية معاصرة تدل على ذكاء وقراءة جيدة لأحوال السوق ومتطلباته الجديدة، فإن عروضا أخرى لم تركب هذه الموجة، وحاولت السباحة ضد التيار، وهو ما كان مثيرا، لأنك لم تكن تتوقع ما سيقدمه أي مصمم، أو تكون فكرة واضحة عنه قبل نهاية العرض.
من هذا المنطلق، يمكن حصر الأسبوع في موجتين: الأولى تخاطب المرأة الرومانسية والعصرية التي تريد أزياء مبهرة أقرب إلى التحف الفنية، شكلا ومضمونا، على شرط أن لا تحتاج منها إلى أي تفكير أو جهد، وهو ما لباه مصممون من أمثال إيلي صعب، دوناتيلا فرساتشي، جيورجيو أرماني وآخرون. والثانية تخاطب امرأة تريد التميز بأي شكل، واتبعت نفس الدقة لكن مع إضافة بهارات إخراجية ومسرحية قوية تجعل الأزياء تلعب دورا ثانويا طوال العرض. أكثر من جسد هذه الموجة هم جون غاليانو لدار «ميزون مارجيلا»، جون بول غوتييه وفرانك سوربييه و«فيكتور آند رولف» وإلى حد ما ستيفان رولان.
افتتح الأسبوع بنغمات رومانسية اقترحتها دوناتيلا فرساتي واختتم بنفس النغمات في عرض زهير مراد، الذي قال إنه استلهم تشكيلته من النجوم والسماء، مما يفسر غناها بالبريق الذي رصع فساتين طويلة بألوان داكنة شكلت أرضية مناسبة لومض الخرز وأحجار الكريستال.
لكن بين «أتولييه فرساتشي» وزهير مراد، كانت هناك عدة عروض تفتح جدلا فكريا كما تفتح الشهية عليها. نذكر منها ما قدمه المصمم جون غاليانو لدار «ميزون مارجيلا». كان كل ما فيه مثيرا ليس فقط لأنه أول عرض له في البرنامج الرسمي بباريس، بل لأن الكثير من المتابعين لا يزالون يتساءلون عن مدى تأقلمه مع وظيفته الجديدة. فالمعروف أن «ميزون مارجيلا» لا تميل إلى الدراما المسرحية التي ارتبطت به وبأسلوبه سابقا ولا تشاركه شغفه بقرون ماضية مثل القرن الثامن عشر، فهي تميل إلى تقديم اختبارات تجريبية وأفكار مستقبلية سابقة لأوانها. جواب غاليانو على هذا السؤال، كان مفحما، من خلال تشكيلة كتبها بلغة جديدة وغير متوقعة، ركز فيها على الحرفية والفنية التي يتقنها جيدا مستعملا إمكانيات الدار البسيطة. فأول شيء يبدو أنه كان عليه أن يتأقلم معه، هي أدوات الـ«هوت كوتير» في دار لا تعترف كثيرا بالأقمشة المترفة وتفضل عليها أقمشة غريبة، قد تكون القنب مثلا، تصوغها بأسلوبها المبتكر، ولا بأس أن ترصعها بالزجاج أو قطع مرايا وما شابه من أمور عوض أحجار الكريستال، وكأنها تريد أن تُظهر كيف أن الجمال يمكن أن يولد من أبسط الأشياء، وهو ما يستقطب لها معجبات وزبونات مخلصات يعرفن أنهن سيحصلن منها على قطع لا مثيل لها. جون غاليانو، استمات في مهمته وقدم 26 قطعة بأسلوب «ميزون مارجيلا» التجريبي لكن بلمساته الخاصة وطياته الفنية المعروفة، ما أضفى عليها سحرا ونوعا من اللامبالاة الناعمة، جعلته يختلف تماما عما قدمته بيوت الأزياء الكبيرة مثل «شانيل» أو «جورجيو أرماني» وطبعا «ديور» التي كان يمسك بزمامها لأكثر من عقد من الزمن. لأنه بصراحة بدا هنا وكأنه يعود إلى بدايته حين قدم تشكيلته للتخرج في معهد سانترال سانت مارتن، التي لفت بها الانتباه، معتمدا على خيال خصب وإمكانيات بسيطة.
قد يكون شقي الموضة الفرنسية، جون بول غوتييه، الوحيد الذي يمكن القول إنه مثل جون غاليانو يعشق ما تعنيه «الهوت كوتير» من أزياء مختلفة وغير متوقعة، ولو على حساب التجاري. ما يُحسب لهما أنهما لا يقدمان أزياء تريدها المرأة بل أزياء لم تكن تعرف بوجودها من قبل وتكتشفها معهما لأول مرة. مثل غاليانو، يتمتع غوتييه بأسلوب خاص قلما يحيد عنه، أو ربما لا يريد أن يحيد عنه وكأنه يتحدى الموضة وإملاءاتها. في بعض الأحيان، تشعر بأنه يريد أن يدهش ذوق المرأة ويدخلها عالما آخر، أكثر جرأة وغرابة وطبعا إثارة. في أغلب الأحيان تقتصر هذه الغرابة على طريقة التقديم والموسيقى والإخراج، لأن الأزياء، وبعد تفكيكها وإخراجها من إطار العرض وما يفرضه من دراما، تتمتع بجمالية فرنسية لا يتقنها سوى قلة، لا سيما بعد أن أصبح معظم مصممي باريس من جنسيات غير فرنسية، مثل الألماني كارل لاغرفيلد في «شانيل»، والبلجيكي راف سيمونز في «ديور»، والأميركي ألكسندر وانغ في «بالنسياجا» وهكذا.
ما لا يختلف عليه اثنان أن عروض غوتييه من أمتع العروض الباريسية، لأنه لا يأخذ الموضة بجدية، ويعتبرها متعة. هذه المرة ترجم نظرته بالمبالغة في أحجام الكثير من الإكسسوارات والتصاميم، التي شرح أنه استقاها من الفطائر الفرنسية، ما يفسر أشكالها المستديرة والمدورة، التي ظهرت في الكثير من التنورات. المثير للاستغراب أن المصمم كان لحد الآن لا يميل إلى اللعب بالعناصر الفرنسية، لأنه كان يتمرد عليها ويحاول تكسير كل التابوهات المتعلقة بها، بينما هو هنا يحتفل بها. هل هذا يعني أنه بدأ يشيخ، باعتبار أننا كلما كبرنا في العمر، عدنا إلى الوراء نقدر ونحن إلى أشياء لم نكن نرى جمالياتها من قبل؟ صحيح أن ترجمته كانت واضحة مع بعض المبالغة في الكثير من القطع، لكنها أيضا كانت ببصمة قوية ستتعرف عليها المرأة من النظرة الأولى، وهذا ما يحلم به أي مصمم.
ينضم إلى فريق جون غاليانو وجون بول غوتييه الفني والمغامر، الثنائي فيكتور هورستينغ ورولف سنورين، مؤسسا دار «فيكتور آند رولف». كانت تشكيلتهما عبارة عن لوحات فنية متحركة، بالمعنى الحرفي وليس المجازي كما هو متعارف عليه عادة في عروض الأزياء. يفسر البعض هذا الأمر بالقول إنه مفهوم باعتبار أن الثنائي بدآ حياتهما العملية في مجال الفن، وكانت أزياؤهما تعرض في المتاحف، لكن من الصعب القول بأن المكان الطبيعي لما قدماه في الأسبوع الماضي هو المتاحف. فليس كل ما يأخذ شكل لوحة فنية يعني أنه كذلك، لأنه من الصعب تصور امرأة تمشي بهذه الفساتين في الشوارع باستثناء حفنة من الاستعراضيات، أو في حال تم التخفيف من غلوائها وجنوحها للفني حسب تعليمات وطلبات الزبونة. وحتى إذا لم تنجح هذه التشكيلة تجاريا، فلن يصاب الثنائي بالأرق أو القلق على مصيرها، لأنهما في نفس اليوم أقاما حفلا كبيرا احتفلا فيه بمرور عشر سنوات على إطلاق عطرهما الناجح «فلاوروبومب». فهذا العطر هو الذي يدر عليهما الأرباح، فيما تبقى الـ«هوت كوتير» بالنسبة لهما مجرد مسرح لاستعراض عضلاتهما وخيالهما.
إيلي صعب ينتمي، ومنذ البداية، إلى المدرسة الرومانسية العصرية، ولم يغير جلده. يمكن تخليص كل تشكيلته لخريف وشتاء 2015-2016 واختزالها في فستان الزفاف. ليس لأنه كان تحفة فنية فحسب، أو لأنه استغرق في تنفيذه وتطريزه أسابيع ومئات الساعات فحسب، بل لأنه كان كل القصة. فالمتعارف عليه أن الكثير من زبونات الـ«هوت كوتير» يحضرن العروض لاختيار فساتين الزفاف والسهرة، لهذا فإنه يكون أغلى ما في التشكيلة وأجمل ما فيها أيضا، حتى يفتح شهية كل امرأة على الزواج. وهذا ما يعرفه إيلي صعب ولبّاه عن طيب خاطر. أما باقي الأزياء، فلم تحمل جديدا يذكر، باستثناء المزيد من الإتقان والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، التي يمكن رؤيتها بسهولة لأنها تزين خارج الفستان، أو لا يمكن رؤيتها لكنك تشعر بوجودها بين الطيات والثنيات والتبطين، مع كل حركة وخطوة تقوم بها العارضة. كالعادة كانت هناك فساتين محددة على الجسم وأخرى بتنورات واسعة، بعضها مطرز بالأحجار وبعضها الآخر مطبوع بالورود، لكن دائما بألوان تستحضر ألوان الأحجار الكريمة، مثل الذهبي والماسي والزمردي والياقوتي. قال المصمم إن هذه التشكيلة كانت لفتة لحقبة التسعينات، التي شهدت زواجه وتلك الصورة المحفورة في ذاكرته وهو يرى عروسه تختال في فستان زفاف ذهبي اللون من تصميمه. كان ذلك منذ نحو 25 عاما، لكن مع ذلك يبدو وكأن الزمن توقف في تلك اللحظة التي تعبق بالسعادة والجمال والأمل، وعكسته هذه التشكيلة، سواء في فساتين السهرة أو في البنطلونات أو الإكسسوارات، بل وحتى في الأكمام والتفاصيل المصنوعة من الفرو. تجدر الإشارة إلى أن إيلي صعب، وفي مساء نفس اليوم، افتتح رسميا ثاني محل له في باريس، بالقرب من فندق جورج V بديكور يعكس نظرته العصرية التي تعبق بالفخامة. نظرة سريعة إلى ضيفاته تكشف أنهن شابات في مقتبل العمر ومن كل أنحاء العالم، حضرن الافتتاح وهن يتخايلن بتصاميمه، مما يشير إلى أنه لا يحتاج إلى تغيير جلده بل فقط الحفاظ عليه براقا ولامعا.
المصمم ستيفان رولان، في المقابل، قدم عرضا مصغرا في معمله الواقع بشارع «جورج V». الفكرة جيدة لتغذية فضول كل من لم يدخل معمله من قبل، لكن المصمم لم يحسب أن جمهوره كبير ولا يمكن أن يستوعبه المكان بسهولة. فقد تدافع الناس وتصارعوا، ولم تساعد حرارة الطقس في ترطيب الأجواء بأي شكل، بل جعلت حتى أكثر الناس أدبا يفقدون أعصابهم وهم ينتظرون بفارغ الصبر ما ستجود به قريحة هذا المصمم المبدع. لحسن الحظ أنه لم يخيب الآمال وعوض انتظارهم جمالا وفنية، مما أنسى الحضور ضيق المكان وحرارة الطقس. فقد ظهرت العارضات في فساتين طويلة بنقشات غرافيكية، قال المصمم إنه استوحاها من «الآرت ديكو» وأخرى تستحضر أجواء «الديسكو» قال إنه استوحاها من حقبة السبعينات. رغم أن لمساته الهندسية كانت واضحة، إلا أن الجديد هذه المرة أنه مزج خامات مثل الجلد مع الجيرسيه أو حرير الكريب. كما أنه أبدع قطعا عصرية مثل «الجامبسوت» أي بنطلونا مستقيما مشبوكا مع قميص ومع «كاب» يتدلى بسخاء من على الكتف ليمنح الإطلالة تأثيرا قويا. ما يحسب له هنا أنه عوض عن الدراما التي تعتمد على الأحجام الضخمة، بدراما أكثر هدوءا تعتمد على خطوط بسيطة ومحددة وبدرجات ألوانه المفضلة التي تتباين بين الأبيض والكاراميل، والبيج الرملي والأسود مع خطوط خفيفة من الذهبي، ظهرت حينا في الياقات وحينا آخر في الخصر. أما زبونته المعتادة على الدراما الفنية والهندسية، فقد أبدع فستانا تزين جانبا من كتفه قطعة منحوتة على شكل نار ملتهبة، كما قدم لها «جامبسوت» (قطعة واحدة) مزينة بما يشبه الأجنحة وبأكمام واسعة.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.