فكر وحياة الماركيز دو ساد في «رسائل من السجن»

خطابات غاضبة تكشف عن قمع السلطات الفرنسية له وتفضح ممارساتها

فكر وحياة الماركيز دو ساد في «رسائل من السجن»
TT

فكر وحياة الماركيز دو ساد في «رسائل من السجن»

فكر وحياة الماركيز دو ساد في «رسائل من السجن»

صدر مؤخراً عن دار الرافدين العراقية كتاب «رسائل من السجن... بين سادية الخيال وسادية الواقع»، للفيلسوف والكاتب الفرنسي دوناتيان ألفونس فرنسوا، الماركيز دو ساد، (1740 - ديسمبر (كانون الأول) 1814)، وهو الذي حظرت سلطات بلاده على مدى سنوات طويلة مؤلفاته؛ ومنها «الفلسفة في المخدع»، و«مصائب الفضيلة» بزعم دعوتها للإيروسية المشبعة بالعنف والقسوة. ولم يتوقف ما تعرض له دو ساد عند هذا الحد، لكنه قضى أيضاً سبعة وعشرين عاماً من عمره رهن التوقيف والاحتجاز، حيث وجدت جميع الأنظمة التي حكمت بلاده، في كتاباته، خطراً على المجتمع.
وفي «رسائل من السجن» الذي قدم نسخته العربية المترجم المصري لطفي السيد منصور، يدافع دو ساد عن نفسه، في مواجهة مضطهديه، ويعترف بأنه «فاسق»؛ وأنه تخيل في كتاباته كل شيء يمكن القيام به، لكنه لم يفعل كل ما تخيله، ويذكر أنه ليس مجرماً ولا قاتلاً، ولما وجد نفسه مجبراً على وضع اعتذاره جنباً إلى جنب الدفاع عن نفسه، قال، إن أولئك الذين يدينونه ظلماً هم مثله، كما أنهم لم يكونوا يوماً قادرين على موازنة عيوبهم بالأعمال الصالحة، وخلال سطور رسائل كثيرة بعثها لها، كال دو ساد لزوجته مدام دو ساد، الاتهامات وأطلق الصفات التي تحط من قدر عائلتها، مشيراً إلى أنه يكره أسرتها الشائنة، وسوف تتطابق حلقات انتقامه يوماً ما مع كل عوائدها الشرسة.
وتكشف الرسائل التي تزيد على 70 رسالة تتراوح بين التلغرافية والمحاورات الطويلة عن فكر وحياة ونفسية دو ساد، وفيها يبدو شخصية أخرى غير التي يعرفها القراء من خلال كتاباته الأدبية والفلسفية، فتارة يظهر ساخطاً على ابنه الأكبر بسبب جفائه، وتارة يشعر بالمسؤولية تجاه أبنائه، ويتمنى أن تربيهم جدتهم لأمهم أفضل مما رُبي هو، كما يظهر فيها بوصفه مفكراً لا يساوم على مبادئه من أجل أي شيء. حتى لو كانت الحرية...
وتساوت جميع السلطات القمعية التي كان دو ساد عرضة لها، في فرنسا على أسلوب واحد للتعامل، مع كتاباته وأفكاره، فقد رفضتها وتحفظت على ما جاء فيها، ولا فرق في ذلك بين النظام الملكي، وحكومة القناصل والنظام الإمبراطوري، والجمهوري، فقد قامت بوضعه تارة تحت الإقامة الجبرية والحبس في سجن الباستيل، وتارة عزلته في «مصحة شارنتون»، وهي مستشفى للأمراض العقلية، عاش فيها دو ساد مع المصابين بالجنون والصرع والأمراض العقلية الأخرى، ولما وجد نفسه في مواجهة يومية معهم؛ كون من بينهم فرقة مسرحية، سرعان ما قدمت عروضاً عامة، ومهرجاناً شبه احتفالي، هرع إليه معظم سكان باريس، وتلقى دعماً كبيراً من مدير المشفى، الذي كان يرى فيه مزايا كبيرة، فيما يتعلق بحالة النزلاء، لكن دو ساد، رغم كل هذا التشجيع وجد نفسه، ومحاولته الاستثنائية لابتكار نوع مفيد من العلاج للنزلاء، يصل لطريق مسدودة، بعد أن قررت السلطات منعه من الاستمرار، وأوقف نشاط الفرقة.
ولا يوجه دو ساد رسائله لشخصيات يعرفها فقط، مثل عمته «رئيسة دير سان بينوا»، وزوجته «رينيه بيلاجي دي مونتروي» ووالدتها، لكن أيضاً يبعث خطاباته لمستقبل غير محدد، يتمثل تارة في سجانيه، ويسميهم «السادة المديرين»، وتارة يوجه كلامه في الرسائل إلى جمهور لانهائي، وغير محدود، يقول «أنا أؤكد للكون كله».
ويصف دو ساد «حماته» في إحدى خطاباته، بـ«الرئيسة مونتروي»، و«العادلة والمنصفة» ثم يعود ويقول إنها سبب تعاسته الممتدة، بعد إصرارها على تزويجه من ابنتها الكبرى رغم أنه كان يتمنى الصغرى التي مال لها ومالت له، وقد راح بعد فترة شديدة من الغيرة تجاه زوجته، يركَّز غضبه الساخر على والدتها، متهِماً إياها بأنها السبب الوحيد لمصائبه كافة، وقد أسرّت له ذلك، وراحت تنكل به وتستغل أفكاره وكتاباته لمعاقبته كلما أرادت.
وتشكِّل، رسائل الماركيز إلى جوفريدي، وهو رجل أعمال وصديق طفولته معاً وموكله، الجزء الأكبر من مراسلاته، وفيها تظهر انفعالاته سواء مُعنَّفاً، مهدَّداً، مهاناً، ممدوحاً أو متوسلاً، ولا ينفصل كل ذلك عن تحولاته الفكرية. وبسبب العديد من المغامرات، يحاول جوفريدي، مع تقدُّم العمر، أن ينأى بنفسه عن موكله الرهيب. وهو بالطبع، ما لا يناسب ميل الماركيز.
وبين رسائل دو ساد هناك خطابات بعث بها إلى فينو، وهو كاتب العدل في بلدة شارنتون التي تقع ضمن ضواحي باريس، والذي أودع لديه وصيته، يطلب فيها عدم إصدار أي وثيقة تتعلق بالموافقة على زواج ابنه، وذلك حتى يكشف «المؤامرة والتهديدات التي تتم ممارستها عليَّه للحصول على موافقته، كما يدعوه للاحتفاظ بالمستندات كوديعة لديه».
وفي الرسائل التي يبعث بها دو ساد لزوجته يظهر غيوراً عليها، ويطلب منها عندما تأتي لزيارته في «الباستيل» أن ترتدي ملابس محتشمة، ولا تأتي بصحبة أحد رجال الشرطة، كما يقوم في بعضها بمجادلة خصومه مفنداً الجرائم التي ألصقوها به، ويطالبهم بوضعها في حجمها الحقيقي، ومعاقبة الآخرين الذين كانوا طرفاً فيها، وتسببوا فيما وصل إليه، وقد بدا ذلك واضحاً في رسالته إلى إميلي دي بيمار، التي صارت حماة نجله، ووقعت تحت تأثير سحره، حيث كانت تزوره في مصحة «شارنتون»، وصارت مفتونة بشخصيته الخارجة عن المألوف، وحاولت أن تهديه إلى الإيمان الديني والأخلاق الاجتماعية بجعله يقرأ كتاب «عبقرية المسيحية» تأليف شاتوبريان، وقد جاء رده ساخراً، وراح يسألها مستنكراً، لماذا يعظني الذين يضطهدونني بإله لا يقلِّدونه؟ كم من المرات يجب أن أشكو بمرارة، من مخاوف وهمية يتصورها البعض عنه ولا تستند سوى إلى افتراءات.
ويذكر دو ساد لـ دي بيمار، أن من يضطهدونه ويجعلونه يعاني لم يتمكَّنوا من إضفاء الشرعية على احتجازه الصارخ، فهم يعملون على إثارة الشكوك حوله لدى من لا يعرفونه بأنه ارتكب جرائم أخرى، وينشرون في حقه هو وعائلته كثيراً من الفضائح، وذلك كله بغض واضح يكمن في أنهم يسعون لإيقافه عن الكتابة وتحطيم قلمه.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

واشنطن تربط وقف النار بالتزامن مع نزع سلاح «حزب الله»

الدخان يتصاعد نتيجة غارات جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
الدخان يتصاعد نتيجة غارات جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

واشنطن تربط وقف النار بالتزامن مع نزع سلاح «حزب الله»

الدخان يتصاعد نتيجة غارات جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
الدخان يتصاعد نتيجة غارات جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

تكليف رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وزير الشؤون الاستراتيجية السابق رون ديرمر بالتعامل مع الملف اللبناني والتواصل بشأنه مع الإدارة الأميركية، لا يعني أن الطريق سالكة سياسياً أمام استجابته لدعوة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لمفاوضات مباشرة برعاية دولية في ضوء ارتفاع منسوب المخاوف من أن تكون واشنطن قد أطلقت يده عسكرياً في لبنان، ولن يبقى لبيروت من خيار سوى التسليم بوضع سلاح «حزب الله» على الطاولة، ليس للتفاوض حوله، وإنما لنزعه بالتزامن مع وقف النار كممر إلزامي لبدء المفاوضات.

حرية تقدير عسكرية لإسرائيل

وفي هذا السياق، كشف مصدر دبلوماسي غربي أن الإدارة الأميركية، وإن كانت تصر على فصل الحرب الإسرائيلية على لبنان عن تلك الدائرة في إيران، وتلقى التجاوب المطلوب من الحكومة اللبنانية بإصرارها على تحييد إيران عن الملف اللبناني ومنعها من الإمساك به واستخدامه للتفاوض بالنيابة عنه، فإنها في المقابل، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، تترك لنتنياهو الحرية في تقديره عسكرياً لمجريات المواجهة.

عناصر دفاع مدني في إسرائيل يتفقدون مبنى تعرض لأضرار نتيجة صواريخ أطلقها «حزب الله» باتجاه شمال إسرائيل (رويترز)

وسأل المصدر الدبلوماسي، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، كيف سيكون الوضع على الأرض لو أن الإدارة الأميركية أعطت الضوء الأخضر لنتنياهو، بخلاف أنها تدّعي عدم تدخلها لا سلباً ولا إيجاباً؟ وقال المصدر إن نتنياهو يخوض حربه على لبنان كأنها آخر الحروب، في مقابل إصرار «حزب الله» على التصدي للجيش الإسرائيلي في معركة مصيرية يتعاطى معها على أنها وجودية، ولن يسمح بإلغائه.

واستطرد المصدر من قناة «إيران»، وقال إنها ليست مضطرة لتوريط الحزب في حرب غير محسوبة، وإقحامها البلد بمواجهة عسكرية مع إسرائيل لا يريدها، وقال إنه لا مبرر لمدح المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، المعيّن خلفاً لوالده، للحزب بذريعة مواصلته الدفاع عن إيران، ولا لما أعلنه «الحرس الثوري» بتنفيذه عمليات مشتركة ضد إسرائيل، وذلك لتمرير رسالة للداخل والخارج بأن الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، من وجهة نظر إيران، بات متعذراً إن لم يكن مستحيلاً.

ترحيل «الحرس الثوري»

المصدر نفسه أبدى ارتياحه للخطوات التي اتخذتها الحكومة وكانت وراء ترحيل العشرات من مسؤولي «الحرس الثوري» ممن دخلوا لبنان بجوازات سفر دبلوماسية، تبين لاحقاً أنهم خبراء، وأن بعضهم اغتالته إسرائيل لوجودهم إلى جانب أبرز قيادات الحزب السياسية والعسكرية الذين اغتالتهم، وارتياحه أيضاً للتعليمات التي أعطاها وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي للقنصليات اللبنانية في إيران بعدم إعطاء سمات دخول للإيرانيين ممن يودون المجيء إلى لبنان.

ورأى المصدر، نقلاً عن مسؤولين أميركيين أن إدارتهم لن تتدخل للضغط على نتنياهو لوقف الحرب، محملين الحكومة اللبنانية مسؤولية التساهل مع «حزب الله»، وعدم تشدّدها بتطبيقها القرارات التي اتخذتها بفرض حظر على نشاطه العسكري والأمني، ومن ثم توفيرها الضمانات المطلوبة منها لوضع استكمال تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة ليشمل جميع الأراضي اللبنانية بعد أن توقفت عند حدود المنطقة الممتدة من شمال نهر الليطاني حتى الأوّلي، خصوصاً أنه تبين، في ضوء تدخل الحزب بإطلاقه الدفعة الأولى من الصواريخ إسناداً لإيران ورد إسرائيل أن جنوب الليطاني لم يكن خالياً من السلاح كما يجب، وإلا من أين أتى به فور اندلاع المواجهة على امتداد جنوب النهر؟

ولفت إلى أن عون كان أمهل قيادة «حزب الله»، ودخل معها في حوار لاستيعابها تمهيداً لانخراطها في مشروع الدولة على قاعدة موافقتها على تسليم سلاحها تأييداً لحصريته بيد الدولة وانسجاماً مع مشاركتها في الحكومة بوزيرين على أساس تبنّيها بيانها الوزاري الذي نص على احتكار الدولة للسلاح. وقال إن التواصل بين عون والحزب يمر في قطيعة وبقرار من عون، محملاً إياه مسؤولية حيال ما ترتّب على قراره بإلحاق لبنان بإيران من تداعيات تبرر لإسرائيل توسعتها للحرب، مع أنها ليست بحاجة لذريعة.

عون يتجنب الصدام

ورغم أن عون بحسب المصدر، يتجنب الدخول في صدام مع الحزب وهو يعول، وما زال، على بري لتنعيم مواقف حليفه وإقناعه بضرورة تغيير سلوكه للالتحاق بمشروع الدولة على أساس تسليمه لسلاحه، فإن دعوته للتفاوض المباشر تبقى معلّقة على إصرار واشنطن على توفير الضمانات اللبنانية لتحقيق التزامن بين التطبيق الفوري لحصرية السلاح بالكامل ووقف النار كأساس لبدء المفاوضات للتوصل لتفاهم حول رزمة من الترتيبات الأمنية تكون بمثابة اتفاق أمني بين البلدين لطمأنة إسرائيل بأن شمالها في مأمن، في مقابل انسحابها من الجنوب.

امرأة نازحة من الضاحية الجنوبية تغطي خيمة أطفالها من المطر على شاطئ بيروت (رويترز)

وأكد أن الحراك الدولي الداعم لدعوة عون للتفاوض لن يتوقف، وهو الآن أسير الموقف الأميركي الذي يتوجّه باللوم للحكومة بذريعة عدم تشدّدها في ملاحقة الحزب وإلزامه بتسليم سلاحه. وقال إن دعوة بري لإحياء اجتماعات لجنة الـ«ميكانيزم» لتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية تطبيقاً للقرار 1701 غير قابلة للتنفيذ بعد أن أحالتها واشنطن إلى التقاعد بالمفهوم السياسي للكلمة، ورأى أن الحل يكمن في الدخول في مفاوضات مباشرة لن ترى النور بلا توفير ضمانات، كما تطالب الإدارة الأميركية بالإنابة عن إسرائيل، بأن الحكومة تملك من الأوراق ما يتيح لها الضغط على «حزب الله» لتسليم سلاحه بالتلازم مع إلزام إسرائيل بوقف النار.

لذلك يدخل لبنان في حرب مفتوحة مفروضة عليه ما لم يعد «حزب الله» النظر في حساباته ويغير مواقفه ولا يربطها بإيران، خصوصاً أن وقف الحرب على الجبهة الإيرانية لن ينسحب على لبنان؛ لذلك تبقى الآمال معقودة على بري لعله يتمكن من إقناع حليفه بالوقوف خلف خيار الدولة، والتسليم بالخطة التي تبنّتها لوقف العدوان على لبنان قبل فوات الأوان لئلا يغرق الجنوب ومعه الضاحية الجنوبية لبيروت في مستنقع هو أشبه بغزة ثانية.


«الحميداوي»... رجل إيران الغامض في العراق

صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021
صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021
TT

«الحميداوي»... رجل إيران الغامض في العراق

صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021
صورة منسوبة للحميداوي يضع قناعاً ونظارات شمسية وغطاء للرأس خلال ظهوره العلني الوحيد في 6 نوفمبر 2021

تضاربت الأنباء حول مصير قائد «كتائب حزب الله» في العراق، أبو حسين الحميداوي، بين من تحدث عن مقتله في الضربة التي استهدفت منزلاً تابعاً للحركة فجر السبت في حي الكرادة ببغداد، ومن رجّح نجاته، قبل تداول مقطع فيديو للحادث يظهر فيه شخص يُعتقد أنه الحميداوي، وقد تعرض لإصابة في الرأس. فمن هو الرجل الذي يُعد منذ سنوات «رجل إيران الغامض في العراق»؟

رغم النفوذ الذي تتمتع به «كتائب حزب الله» التي أسسها نائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» السابق، أبو مهدي المهندس، الذي قتل بغارة أميركية عام 2021 قرب مطار بغداد، والدور العسكري الذي تضطلع به، سواء في تكوين العصب الأساسي لأجنحة «الحشد الشعبي»، أو الهجمات التي تشنها على المصالح الأميركية في العراق، فإن القيادات البارزة في هذه الجماعة ظلت محاطةً بسياج كبير من الغموض والسرية، بالنظر لعدم ظهورها الإعلامي والصرامة الأمنية التي فرضتها على عناصرها القيادية.

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

رجل إيران الغامض

ارتبط اسم أحمد محسن فرج الحميداوي، المعروف بلقب «أبو حسين الحميداوي»، بالعديد من الأحداث التي وقعت خلال السنوات الأخيرة في العراق، إلا أن معظم المعلومات المتداولة لا تكشف على نحو حاسم حقيقة هذه الشخصية، وباستثناء الصور المتداولة عن والده محسن الحميداوي، تغيب صورة الابن (القائد) عن وسائل الإعلام منذ سنوات.

وتشير معلومات متداولة عن الحميداوي إلى أنه وُلد في بغداد عام 1971، وأيضاً إلى أن أسرته تنحدر من محافظة ميسان الجنوبية، ويحتمل أنها هاجرت إلى العاصمة بغداد في خمسينات أو ستينات القرن الماضي.

كذلك تشير بعض التقارير والتحليلات إلى أنه ينتمي لعائلة لها نفوذ داخل «الكتائب»، حيث يُعتقد أن نجله زيد الحميداوي هو صاحب حساب «أبو علي العسكري» المعروف بنشر بيانات الجماعة عبر منصة «إكس»، وأشقاؤه هم من كبار المسؤولين في الفصيل المسلح.

وتقول مصادر قريب من فصائل «الحشد» إن «الحميداوي يتمتع بحس أمنى شديد. لا يستعمل الهواتف النقالة أو الأجهزة الإلكترونية إلا عبر مساعدين موثوقين، وغالباً لا يعرف أحد تحركاته إلا حلقة ضيقة جداً».

ورغم الغموض الذي يحيط بالحميداوي، فإنه يوصف بـ«رجل إيران الغامض في العراق»، كما جعلت منه الأعمال العسكرية التي يقوم بها منذ سنوات ضمن دائرة الاستهداف الأميركية، وقد أدرجته وزارة الخارجية الأميركية كـ«إرهابي عالمي» مصنف بشكل خاص (SDGT) في فبراير (شباط) 2020، وذلك لدوره الرئيسي في قيادة الكتائب المصنفة هي الأخرى كمنظمة إرهابية من قبل واشنطن منذ عام 2009.

تشييع عنصر في «كتائب حزب الله» في بغداد بعد يوم من مقتله بضربة جوية في جنوب العراق يوم 4 مارس 2026 (أ.ف.ب)

سجل «الكتائب»

تتهم «الكتائب» وقائدها الحميداوي من قبل جماعات الحراك الاحتجاجي عام 2019 في التورط بعمليات قتل واغتيال لبعض الناشطين.

ويعتقد على نطاق واسع أن الكتائب مسؤولة عن كثير من العمليات العسكرية ضد السفارة الأميركية في بغداد والمناطق والمعسكرات التي توجد فيها القوات الأميركية، وتعدها بعض الجهات الشيعية أقوى فصيل عراقي مسلح يوالي إيران ويلتزم تعليمات الحرس الثوري الإيراني.

وفرضت الخزانة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 عقوبات إضافية استهدفت قيادات في الفصائل العراقية، وأكدت استمرار القيود على الحميداوي بصفته المسؤول الأول عن الكتائب.

وتكرر الأمر ذاته في يناير (كانون الثاني) 2024، شملت عناصر في الكتائب، وضمنهم شقيقه أوقد الحميداوي، بتهم تتعلق بالدعم اللوجستي وتسهيل الأنشطة المالية والعملياتية للكتائب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«ليلة المسيرات والصواريخ» تنذر بحرب مفتوحة في العراق

رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)
رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)
TT

«ليلة المسيرات والصواريخ» تنذر بحرب مفتوحة في العراق

رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)
رجل برفقة أطفاله على طريق يمر بجانب شاحنات في ضواحي أربيل شمال العراق (أ.ب)

شهدت بغداد، فجر السبت، واحدة من أكثر الليالي الأمنية توتراً منذ أشهر، مع سلسلة هجمات وضربات متبادلة بدأت باستهداف منزل يستخدم مقراً بديلاً لفصيل مسلح داخل حي سكني في الكرادة، قبل أن تمتد إلى هجوم ثانٍ على سيارة تقل مسلحين شرق العاصمة، وتنتهي بهجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء، في تطور يراه مراقبون بداية مرحلة جديدة من المواجهة بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة الموالية لإيران.

منزل آمن للفصائل

وفق مصدر في الشرطة المحلية، فقد وقع الهجوم الأول عند الساعة 03:20 بالتوقيت المحلي، فجر السبت، عندما سقط صاروخ على منزل سكني في منطقة الكرادة – تقاطع المسرح شرقي العاصمة.

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن المنزل كان يُستخدم مقراً بديلاً تابعاً لـ«كتائب حزب الله»؛ ما أدى إلى تدميره بالكامل تقريباً، إذ لم تتجاوز واجهته 5 أمتار، وتَعَرَّض للدمار.

وبحسب المصدر، أسفر الهجوم عن مقتل 3 وجرح رابع، وجميعهم أعضاء في «كتائب حزب الله»، وبين القتلى شخص يدعى «أبو علي العامري» وهو مستشار عكسري بارز في الفصيل.

وأشارت مصادر أمنية إلى أن أحمد محسن فرج الحميداوي، المعروف باسم «أبو حسين الحميداوي» الأمين العام لـ«كتائب حزب الله»، كان داخل الموقع المستهدف لحظة الضربة، لكنه أصيب بجروح سطحية في الرأس، ونُقل إلى موقع آمن بعيداً عن الأنظار.

وبحسب روايات أمنية، تمكنت فرق الدفاع المدني من انتشال جثث متفحمة من تحت الأنقاض، قبل أن يتسلمها عناصر من فصيل مسلح نقلوها إلى جهة غير معلومة، ما زاد الغموض حول عدد الضحايا الفعلي.

عراقيون يهتفون ويرفعون العلم الإيراني في أثناء مشاركتهم في مسيرة يوم القدس في البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

هجوم ثانٍ في البلديات

وبعد نحو ساعتين من الضربة الأولى، وقع هجوم ثانٍ في منطقة البلديات شرق بغداد. وأفادت مصادر أمنية بأن سيارة تقل 3 أشخاص تعرضت لاستهداف مباشر، مرجحة أن أحد ركابها قيادي في «حركة النجباء»، إحدى الفصائل المسلحة المنضوية في «الحشد الشعبي».

وبحسب المعلومات المتداولة داخل الأوساط الأمنية، أدى الهجوم إلى مقتل ركاب السيارة الثلاثة، من دون صدور تأكيد رسمي بشأن هوياتهم.

هجوم مركّب على السفارة الأميركية

لم تمضِ ساعة تقريباً على الهجوم الثاني حتى اتسعت دائرة التصعيد لتصل إلى المنطقة الخضراء، حيث تعرضت السفارة الأميركية في بغداد لهجوم مركّب باستخدام صواريخ وطائرات مسيّرة.

وقال مصدر أمني إن إحدى الطائرات المسيّرة نجحت في إصابة منظومة اتصالات فضائية داخل مجمع السفارة كانت تستخدم لتبادل البيانات عبر الأقمار الاصطناعية؛ ما أدى إلى تدميرها.

وأضاف أن منظومة الدفاع الجوي الأميركية «C-RAM» داخل المجمع لم تتمكن من اعتراض الطائرة المسيّرة التي أصابت هدفها بدقة، في تطور عده مسؤولون أمنيون لافتاً.

وأفادت تقارير إعلامية بأن حريقاً اندلع داخل المجمع الدبلوماسي عقب الهجوم، بينما أصاب أحد الصواريخ مهبط المروحيات داخل السفارة مسبباً أضراراً مادية.

وقال سكان في محيط المنطقة الخضراء إن دوي عدة انفجارات قوية هز الأبنية السكنية القريبة، في واحدة من أعنف الهجمات التي تتعرض لها السفارة منذ سنوات.

اشتباكات وإغلاق المنطقة الخضراء

وبحسب مصادر مطلعة، حاول متظاهرون يوجدون منذ نحو أسبوعين قرب الجسر المعلق التقدم باتجاه السفارة الأميركية بعد الضربة؛ ما أدى إلى احتكاكات مع القوات المكلفة بحماية المنطقة.

وعلى إثر ذلك، جرى إغلاق بوابات المنطقة الخضراء بالكامل، ومنع الحركة فيها لساعات.

في المقابل، أدانت قيادة العمليات المشتركة ما وصفته بـ«التطور الخطير وغير المسبوق» المتمثل في استهداف الأفراد داخل الأحياء السكنية.

وقالت في بيان إن استهداف المواطنين داخل المناطق السكنية «جريمة مكتملة الأركان وانتهاك للقيم الإنسانية»، مؤكدة أن تحويل الأحياء المدنية إلى ساحات عمليات عسكرية يمثل خرقاً واضحاً للقوانين الدولية.

ولم يحدد البيان الجهة المسؤولة عن الضربات.

موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)

تحذيرات دبلوماسية

جاءت هذه التطورات في وقت أكد فيه وكيل وزارة الخارجية العراقية للعلاقات الثنائية محمد حسين بحر العلوم، خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية في بغداد جوشوا هاريس، أن استمرار الصراع في المنطقة يهدد أمن العراق واستقراره.

وأشار إلى أن البلاد تعرضت خلال الفترة الأخيرة إلى ضربات عسكرية في بغداد وكركوك والأنبار وبابل أدت إلى مقتل 14 مقاتلاً، وإصابة 24 آخرين، مؤكداً التزام بغداد بحماية البعثات الدبلوماسية وفق اتفاقية فيينا.

من جهته، أكد هاريس تمسك الولايات المتحدة بشراكتها الاستراتيجية مع العراق، مشيراً إلى أن السياسة الأميركية في المنطقة تقوم على الرد المحدود والدفاعي عن مصالحها ومنشآتها.

بداية «كسر العظم»

وترى مصادر أمنية وسياسية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن ما جرى يمثل تحولاً خطيراً في طبيعة المواجهة.

وقالت المصادر إن الضربة التي استهدفت المنزل في الكرادة تعكس امتلاك الأميركيين معلومات استخبارية دقيقة عن مواقع قيادات الفصائل، مشيرة إلى أن المرحلة الجديدة انتقلت من استهداف المواقع والأسلحة إلى استهداف الشخصيات.

وأضاف مصدر سياسي مطلع أن «المواجهة دخلت مرحلة كسر العظم»، مرجحاً أن تتسع الضربات المتبادلة خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب خطة ردع واضحة لدى الحكومة العراقية أو القوى السياسية الداعمة للفصائل المسلحة.

وبينما حذر مصدر أمني من أن الفصائل قد تلجأ إلى استهداف أهداف عراقية كبيرة إذا لم تجد أهدافاً أميركية مباشرة، يرى مراقبون أن البلاد تقف أمام مرحلة تصعيد قد تكون الأخطر منذ سنوات إذا استمرت الضربات المتبادلة بهذا المستوى.