قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته

صابر رشدي ينوع مناخاتها في شخص حزين يستطيع الضحك

قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته
TT

قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته

قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته

تحتفي المجموعة القصصية «شخص حزين يستطيع الضحك» للقاص: صابر رشدي الصادرة أخيرا عن دار «بيت الياسمين» بالقاهرة بالحضور الإنساني في أقصى لحظات نصوعه وهشاشته، وتلعب على أوتار حزنه وفرحه في الواقع المعاش وتداعياته على شتى المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
تضم المجموعة 18 قصة، تتنوع أفكارها وموضوعاتها، ولكن يربط بينها جميعا رشاقة الأسلوب واللغة المحكمة، وأيضا مجهولية الشخصيات وعدم تسميتهم من قِبل المؤلف، وكذلك الأماكن على تنوعها واختلافها، فالقصص لا تخص شخصيات أو أماكن، بل تخص الإنسان في أي مكان، حيث يسبح السرد في مدارات متأملة في الكون، متسلحا بخبال جامح، يستعيد الحلم بقوة الذاكرة والعكس أيضا. كما يبرز في مناخات القصص الإحساس بالتوجس والترصد ومحاولة الاستقواء بالضعف الإنساني، كمحطة أخيرة للأمل، وهو ما يتجسد على نحو ما في قصة «لا تخف»، والتي تحكي عن شخص يعاني من الخوف والتوجس والإحساس الدائم بالمراقبة ممن هم حوله، ويشعر بأن هناك من يبغي قتله والتخلص منه. كل هذه الوساوس تدور في مخيلته ولا توجد حقائق تؤكدها في الواقع، فهو يعيش حالة «ضبابية» تحجب عنه الرؤية، تجعله يرى من خلالها الناس من حوله «أشباح».
كما يبدو الحلم وسيلة للهروب من الواقع في الكثير من القصص، مثل: (ضوء شفيف - ديالكتيك) ففيهما تتقاطع أحلام اليقظة والخيالات مع الواقع، ويكون اللجوء إلى الحلم وسيلة للهروب من الواقع العسير على الفهم. ففي قصة «ضوء شفيف»، الشخص هنا دائمًا ما كان يرى محبوبته في منامه، ولكن هذه المرة يراها حقيقة ماثلة أمامه، ويقع في حيرة وتخبط بين الحلم والواقع، ولكنه يستيقظ من أحلامه على فراغ الغرفة واختفاء الحبيبة وخفوت صوت الموسيقى التي كانا يرقصان على أنغامها. بينما تعتمد قصة «ديالكتيك» تعتمد من عنوانها على الجدل والحوار الذي يدور بين رجل وامرأة، وكذلك على كشف المتناقضات في المجتمع لمحاولة تجاوزها، وتختلط أحداثها بين المنام واليقظة، في سرد رائع برع فيه المؤلف.
ويسيطر الهم بالفلسفة على أغلب أجواء قصص المجموعة، ومنها قصص (الرجل الذي اكتشف الطمأنينة - ساعة يد ثمينة - ثعابين ملونة - الرومانسي الأخير - شخص حزين يستطيع الضحك - كم أنتِ جميلة - دروب - إصبع على الزناد)، فثمة شذرات وموتيفات فلسفية تستبطن روح السرد، وتشف بسلاسة وانسيابية. ففي قصة «الرجل الذي اكتشف الطمأنينة»، حيث نواجه بشخص «مخبول»، يظن نفسه عالمًا يعكف على تجارب معملية وهمية: «فكم تمنى أن يبقى العالم مُضاءً بصورة دائمة ولا يزول النور عن الوجود»، إنها محض خيالات وأوهام وانتصارات كاذبة خادعة، ينشد من ورائها أن ينضم لزمرة العلماء الذين خلدهم التاريخ ولكن كلها تجارب فاشلة يعيشها وحده، بطموحات عاجزة وقدرات محدودة، من دون مبالاة ممن هم حوله الذين يعانون من حالة الهوس التي اعتادوا عليها. وفي قصة «ساعة يد ثمينة» يتخذ السرد منحى جديدا في قصص المجموعة، فبطل القصة شخص متأمل للحياة، يرضخ لمشيئة القدر وما يرسمه لنا من خطوط وتصاريف دون تدخل منا وإن كنا نغفل ذلك.. وتطرح قصة «الرومانسي الأخير» علاقة غير سوية بين شخص يشعر دائما بالدونية تجاه محبوبته، وعدم الثقة في نفسه، فيلجأ إلى الرومانسية متوهما أنها الحل، لكن الفتاة تنجذب إلى شاب آخر عادي صادق تشعر معه بأنوثتها وجمالها. أما قصة «شخص حزين يستطيع الضحك» عنوان المجموعة، فتحكي عن شخص يعيش حياة بائسة وحيدًا في غرفة فقيرة، يشاركه فيها أعقاب السجائر وفأر يتجول في الغرفة على حريته دون أن يعيره اهتماما! ذاته مشوشة خربة، الأسى والحزن لا يفارقانه، حتى عندما انفجر في نوبة ضحك، كانت على تصرفه في دورة المياه عندما قام بفك أزرار القميص بدلاً من السروال: «وأخذ يضحك كثيرًا، حتى انهمرت كل الدموع الحبيسة من عينيه، وراحت تنساب ساخنة فوق وجهه، ثم تتقاطر فوق جسده الهزيل دون توقف». بينما يتدفق السرد بتلقائية، مكثفا معاناة الشخص الحزين من زوايا كثيرة.
وتلعب قصص أخرى على الهوس بالجمال الأنثوي وكيف يتحول إلى نقمة تطارد صاحبته، كما تلعب بعضها على وتر الموسيقى وتأثيرها على النفس والارتقاء بالوجدان والإحساس، مثل قصة «دروب»، وذلك من خلال الشخص الذي يسير بين الحقول ويغني جذلاً، منتشيًا بصوته العذب، حتى يشعر أن الكائنات من حوله تهتز على نغمات صوته وموسيقاه ابتهاجًا وفرحًا، ويشعر هو بسعادة داخلية تغمره وتبعث في قلبه السرور. وتدور قصة «إصبع على الزناد» من خلال هذا الشخص / القناص، الذي يجمع بين الشتيتين، الرومانسية والقتل: «إنها معادلة صعبة ومعقدة قليلاً، حيث يحاول الموازنة بين وعيه السياسي ووعيه الفني، وألَّا يرجح كِفة على الأخرى ويخسر أحد جناحيه» وهنا يحيل المؤلف القصة إلى الإيحاءات والرمز، فيمكننا القول إنها ترمز إلى الدول الرأسمالية / أميركا بوجهها القبيح وإثارتها للفتن وإشعالها للحروب بين الدول تحقيقًا لأهدافها ومصالحها، بينما تدعو إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان!
وتتسم بعض القصص بنزعة صوفية، تتخذ من التأمل مناورة للسرد، مثل قصص (الطيور - نقوش البن - نبوءة - غرفة أعلى البناية - من أنت؟! - إغواء) حيث النزعة الصوفية ومحاولة كشف ستار الحُجب. قصة «الطيور» تتناول التأمل في مخلوقات الله والطبيعة من حولنا والإحساس بجمالها وروعتها، وعظمة صنعته، مما يؤدي إلى رقي المشاعر وصفاء الروح وسموها، فالتأمل يعتمد على نور البصيرة. قصة «نقوش البن» رغبة في قراءة المستقبل، وكشف الغيب، يلجأ الشخص إلى قراءة الفنجان والتي خَبَرها من جدته لأبيه وأضاف هو إليها التحليل النفسي لإبعادها عن قائمة الخرافات، حتى أنه كان واثقًا من عودة معشوقته «المتخيّلة» كما أخبره طالعه في الفنجان: «لن تحتملي الفراق طويلا. سيقهرك الحنين. وستعودين حزينة، ثم تدخلين في رحلة أخرى، سيتم طي الماضي من أجلها». وتحكي قصة «نبوءة» عن محنة يمر بها الشخص بطل القصة، الذي يشعر بالكرب وتحاصره الهموم: «فحلقه أفسدته المرارة وذائقته لم تعد تستسيغ أي شيء»، ولكنها كانت ببصيرتها دائمًا ما تبشره بقرب الفرج وإزاحة هذه الغمة: «رحمته آتية لا ريب فيها».
وتفارق هي الحياة وتتحقق نبوءتها، ولكن يشعر أن سعادته منقوصة، فقد كان يتمنى أن تكون بجانبه في هذه اللحظات. وحول التأمل في الذات واللجوء إلى الوحدة والاعتكاف. وفي قصة «غرفة أعلى البناية»، والتي يتخذها الشخص صومعة يخلو فيها إلى نفسه بعيدًا عن العالم من حوله بضجيجه وصخبه، فيخلد إلى الهدوء والراحة. تتحول الغرفة إلى بناية نورانية تسطع بالبهاء: «فلم يجد أمامه غير الاحتفاظ بما يجري سرًّا وكتمانه عن البشر، حتى لا يخبو هذا النور الساطع وتختفي من حياتهم الإشرافات البهية إلى الأبد». عن كرامات الأولياء الصالحين وكشفهم لحجُب الغيب، وعالم اللامعقول، أيضا تحكي قصة «من أنت؟!» عن الشخص البائس الذي يلازم رصيف المستشفى: «وتطلعت إليه مرة أخرى، فوجدت أمامي وجهَّا صادقَّا، وملامح عكست لدي ارتياحًا عميقًا وطمأنينة كاملة»، تتوالى كرامات هذا الرجل وتجلياته التي لا يستطيع العقل استيعابها، فهي تفوق قدراته على الفهم: «كان الأمر فوق طاقتي وقدرتي الضئيلة على الاستيعاب، غاب الواقع عن ذهني ولم يعد هناك شيء آخر مثار اهتمامي».
ولا تخلو قصص المجموعة من جو ساخر خاص يتمتع به الكاتب، مثلما في قصة «موت على الهواء»، فالبطل شخص غاوي شهرة، لكنه فاقد لأية موهبة، ومع ذلك طَرَق جميع السُبل التي تحقق له هذه الشهرة: مشاهدة مباريات الكرة في الملاعب - الصلاة بالمسجد الذي سيذيع التلفزيون الصلاة على الهواء - حضور المآتم لأصحاب الحظوة التي ستزدحم بالشخصيات الشهيرة في المجتمع وستقوم بتغطيتها الكاميرات - الغناء آملاً أن يصبح مطربًا مشهورًا - دخوله مجال السينما، حتى يخوض غمار السياسة فتكون نهايته كما يصفها المؤلف: «ففي لحظات قليلة تم إيقاف زحفه البريء والمتواصل تجاه المنصة، بوابل من الرصاص ثقب كل جزء من جسده النحيل» إنها ابتسامة ممزوجة بالشفقة على هذا العاشق الذي لقي حتفه تحت أضواء الهوس بالكاميرات.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».