قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته

صابر رشدي ينوع مناخاتها في شخص حزين يستطيع الضحك

قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته
TT

قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته

قصص تحتفي بالحضور الإنساني في نصوعه وهشاشته

تحتفي المجموعة القصصية «شخص حزين يستطيع الضحك» للقاص: صابر رشدي الصادرة أخيرا عن دار «بيت الياسمين» بالقاهرة بالحضور الإنساني في أقصى لحظات نصوعه وهشاشته، وتلعب على أوتار حزنه وفرحه في الواقع المعاش وتداعياته على شتى المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
تضم المجموعة 18 قصة، تتنوع أفكارها وموضوعاتها، ولكن يربط بينها جميعا رشاقة الأسلوب واللغة المحكمة، وأيضا مجهولية الشخصيات وعدم تسميتهم من قِبل المؤلف، وكذلك الأماكن على تنوعها واختلافها، فالقصص لا تخص شخصيات أو أماكن، بل تخص الإنسان في أي مكان، حيث يسبح السرد في مدارات متأملة في الكون، متسلحا بخبال جامح، يستعيد الحلم بقوة الذاكرة والعكس أيضا. كما يبرز في مناخات القصص الإحساس بالتوجس والترصد ومحاولة الاستقواء بالضعف الإنساني، كمحطة أخيرة للأمل، وهو ما يتجسد على نحو ما في قصة «لا تخف»، والتي تحكي عن شخص يعاني من الخوف والتوجس والإحساس الدائم بالمراقبة ممن هم حوله، ويشعر بأن هناك من يبغي قتله والتخلص منه. كل هذه الوساوس تدور في مخيلته ولا توجد حقائق تؤكدها في الواقع، فهو يعيش حالة «ضبابية» تحجب عنه الرؤية، تجعله يرى من خلالها الناس من حوله «أشباح».
كما يبدو الحلم وسيلة للهروب من الواقع في الكثير من القصص، مثل: (ضوء شفيف - ديالكتيك) ففيهما تتقاطع أحلام اليقظة والخيالات مع الواقع، ويكون اللجوء إلى الحلم وسيلة للهروب من الواقع العسير على الفهم. ففي قصة «ضوء شفيف»، الشخص هنا دائمًا ما كان يرى محبوبته في منامه، ولكن هذه المرة يراها حقيقة ماثلة أمامه، ويقع في حيرة وتخبط بين الحلم والواقع، ولكنه يستيقظ من أحلامه على فراغ الغرفة واختفاء الحبيبة وخفوت صوت الموسيقى التي كانا يرقصان على أنغامها. بينما تعتمد قصة «ديالكتيك» تعتمد من عنوانها على الجدل والحوار الذي يدور بين رجل وامرأة، وكذلك على كشف المتناقضات في المجتمع لمحاولة تجاوزها، وتختلط أحداثها بين المنام واليقظة، في سرد رائع برع فيه المؤلف.
ويسيطر الهم بالفلسفة على أغلب أجواء قصص المجموعة، ومنها قصص (الرجل الذي اكتشف الطمأنينة - ساعة يد ثمينة - ثعابين ملونة - الرومانسي الأخير - شخص حزين يستطيع الضحك - كم أنتِ جميلة - دروب - إصبع على الزناد)، فثمة شذرات وموتيفات فلسفية تستبطن روح السرد، وتشف بسلاسة وانسيابية. ففي قصة «الرجل الذي اكتشف الطمأنينة»، حيث نواجه بشخص «مخبول»، يظن نفسه عالمًا يعكف على تجارب معملية وهمية: «فكم تمنى أن يبقى العالم مُضاءً بصورة دائمة ولا يزول النور عن الوجود»، إنها محض خيالات وأوهام وانتصارات كاذبة خادعة، ينشد من ورائها أن ينضم لزمرة العلماء الذين خلدهم التاريخ ولكن كلها تجارب فاشلة يعيشها وحده، بطموحات عاجزة وقدرات محدودة، من دون مبالاة ممن هم حوله الذين يعانون من حالة الهوس التي اعتادوا عليها. وفي قصة «ساعة يد ثمينة» يتخذ السرد منحى جديدا في قصص المجموعة، فبطل القصة شخص متأمل للحياة، يرضخ لمشيئة القدر وما يرسمه لنا من خطوط وتصاريف دون تدخل منا وإن كنا نغفل ذلك.. وتطرح قصة «الرومانسي الأخير» علاقة غير سوية بين شخص يشعر دائما بالدونية تجاه محبوبته، وعدم الثقة في نفسه، فيلجأ إلى الرومانسية متوهما أنها الحل، لكن الفتاة تنجذب إلى شاب آخر عادي صادق تشعر معه بأنوثتها وجمالها. أما قصة «شخص حزين يستطيع الضحك» عنوان المجموعة، فتحكي عن شخص يعيش حياة بائسة وحيدًا في غرفة فقيرة، يشاركه فيها أعقاب السجائر وفأر يتجول في الغرفة على حريته دون أن يعيره اهتماما! ذاته مشوشة خربة، الأسى والحزن لا يفارقانه، حتى عندما انفجر في نوبة ضحك، كانت على تصرفه في دورة المياه عندما قام بفك أزرار القميص بدلاً من السروال: «وأخذ يضحك كثيرًا، حتى انهمرت كل الدموع الحبيسة من عينيه، وراحت تنساب ساخنة فوق وجهه، ثم تتقاطر فوق جسده الهزيل دون توقف». بينما يتدفق السرد بتلقائية، مكثفا معاناة الشخص الحزين من زوايا كثيرة.
وتلعب قصص أخرى على الهوس بالجمال الأنثوي وكيف يتحول إلى نقمة تطارد صاحبته، كما تلعب بعضها على وتر الموسيقى وتأثيرها على النفس والارتقاء بالوجدان والإحساس، مثل قصة «دروب»، وذلك من خلال الشخص الذي يسير بين الحقول ويغني جذلاً، منتشيًا بصوته العذب، حتى يشعر أن الكائنات من حوله تهتز على نغمات صوته وموسيقاه ابتهاجًا وفرحًا، ويشعر هو بسعادة داخلية تغمره وتبعث في قلبه السرور. وتدور قصة «إصبع على الزناد» من خلال هذا الشخص / القناص، الذي يجمع بين الشتيتين، الرومانسية والقتل: «إنها معادلة صعبة ومعقدة قليلاً، حيث يحاول الموازنة بين وعيه السياسي ووعيه الفني، وألَّا يرجح كِفة على الأخرى ويخسر أحد جناحيه» وهنا يحيل المؤلف القصة إلى الإيحاءات والرمز، فيمكننا القول إنها ترمز إلى الدول الرأسمالية / أميركا بوجهها القبيح وإثارتها للفتن وإشعالها للحروب بين الدول تحقيقًا لأهدافها ومصالحها، بينما تدعو إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان!
وتتسم بعض القصص بنزعة صوفية، تتخذ من التأمل مناورة للسرد، مثل قصص (الطيور - نقوش البن - نبوءة - غرفة أعلى البناية - من أنت؟! - إغواء) حيث النزعة الصوفية ومحاولة كشف ستار الحُجب. قصة «الطيور» تتناول التأمل في مخلوقات الله والطبيعة من حولنا والإحساس بجمالها وروعتها، وعظمة صنعته، مما يؤدي إلى رقي المشاعر وصفاء الروح وسموها، فالتأمل يعتمد على نور البصيرة. قصة «نقوش البن» رغبة في قراءة المستقبل، وكشف الغيب، يلجأ الشخص إلى قراءة الفنجان والتي خَبَرها من جدته لأبيه وأضاف هو إليها التحليل النفسي لإبعادها عن قائمة الخرافات، حتى أنه كان واثقًا من عودة معشوقته «المتخيّلة» كما أخبره طالعه في الفنجان: «لن تحتملي الفراق طويلا. سيقهرك الحنين. وستعودين حزينة، ثم تدخلين في رحلة أخرى، سيتم طي الماضي من أجلها». وتحكي قصة «نبوءة» عن محنة يمر بها الشخص بطل القصة، الذي يشعر بالكرب وتحاصره الهموم: «فحلقه أفسدته المرارة وذائقته لم تعد تستسيغ أي شيء»، ولكنها كانت ببصيرتها دائمًا ما تبشره بقرب الفرج وإزاحة هذه الغمة: «رحمته آتية لا ريب فيها».
وتفارق هي الحياة وتتحقق نبوءتها، ولكن يشعر أن سعادته منقوصة، فقد كان يتمنى أن تكون بجانبه في هذه اللحظات. وحول التأمل في الذات واللجوء إلى الوحدة والاعتكاف. وفي قصة «غرفة أعلى البناية»، والتي يتخذها الشخص صومعة يخلو فيها إلى نفسه بعيدًا عن العالم من حوله بضجيجه وصخبه، فيخلد إلى الهدوء والراحة. تتحول الغرفة إلى بناية نورانية تسطع بالبهاء: «فلم يجد أمامه غير الاحتفاظ بما يجري سرًّا وكتمانه عن البشر، حتى لا يخبو هذا النور الساطع وتختفي من حياتهم الإشرافات البهية إلى الأبد». عن كرامات الأولياء الصالحين وكشفهم لحجُب الغيب، وعالم اللامعقول، أيضا تحكي قصة «من أنت؟!» عن الشخص البائس الذي يلازم رصيف المستشفى: «وتطلعت إليه مرة أخرى، فوجدت أمامي وجهَّا صادقَّا، وملامح عكست لدي ارتياحًا عميقًا وطمأنينة كاملة»، تتوالى كرامات هذا الرجل وتجلياته التي لا يستطيع العقل استيعابها، فهي تفوق قدراته على الفهم: «كان الأمر فوق طاقتي وقدرتي الضئيلة على الاستيعاب، غاب الواقع عن ذهني ولم يعد هناك شيء آخر مثار اهتمامي».
ولا تخلو قصص المجموعة من جو ساخر خاص يتمتع به الكاتب، مثلما في قصة «موت على الهواء»، فالبطل شخص غاوي شهرة، لكنه فاقد لأية موهبة، ومع ذلك طَرَق جميع السُبل التي تحقق له هذه الشهرة: مشاهدة مباريات الكرة في الملاعب - الصلاة بالمسجد الذي سيذيع التلفزيون الصلاة على الهواء - حضور المآتم لأصحاب الحظوة التي ستزدحم بالشخصيات الشهيرة في المجتمع وستقوم بتغطيتها الكاميرات - الغناء آملاً أن يصبح مطربًا مشهورًا - دخوله مجال السينما، حتى يخوض غمار السياسة فتكون نهايته كما يصفها المؤلف: «ففي لحظات قليلة تم إيقاف زحفه البريء والمتواصل تجاه المنصة، بوابل من الرصاص ثقب كل جزء من جسده النحيل» إنها ابتسامة ممزوجة بالشفقة على هذا العاشق الذي لقي حتفه تحت أضواء الهوس بالكاميرات.



اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.