إنجازات 2022 العلمية... انطلاقة بعد «هدوء إجباري»

مهمات فضائية وكونية جديدة وأبحاث طبية وابتكارات تكنولوجية مذهلة

مهمة «دارت» الكوكبية
مهمة «دارت» الكوكبية
TT

إنجازات 2022 العلمية... انطلاقة بعد «هدوء إجباري»

مهمة «دارت» الكوكبية
مهمة «دارت» الكوكبية

أجبرت جائحة «كورونا» قطار البحث العلمي على السير بهدوء شديد، فلم يكن المزاج العام يحتفي كثيراً بأي إنجاز خارج نطاق الأدوية واللقاحات التي تتعامل مع تحديات الوباء، لكنّ الباحثين الذين استثمروا فترات الإغلاق التي فرضتها الجائحة، في مزيد من البحث والتفكير، كشفوا عن بعض الاكتشافات المذهلة في عام 2022، عندما بدأت سحابة «كورونا» تنقشع إلى حد ما، عن حياتنا اليومية.
واستطاع الباحثون تغيير الكثير من المفاهيم عن أشياء كثيرة، من فترات ما قبل التاريخ، إلى مستقبل الفضاء، إلى سبب تقدم البشر في العمر، وما يستطيع الدماغ القيام به، ولماذا تكون الخسائر الناجمة عن تغير المناخ أكثر خطورة مما يُعتقد حاليا، كما اتخذوا خطوة مهمة نحو فهم الكثير من الأمراض، بما قد يقود لاحقا لأدوية ولقاحات جديدة...
ومن أبرز الإنجازات العلمية الإعلان في 13 ديسمبر (كانون الأول) الحالي عن نجاح علماء الفيزياء الأميركيين في إنتاج طاقة الاندماج النووي (Nuclear fusion energy)، بعد حصولهم، تجريبياً ولأول مرة، على طاقة ناتجة أكبر من الطاقة التي استخدمت لإنتاج الاندماج نفسه بنسبة 1.54. وقد أجريت التجربة في منشأة الإشعال الوطني التابعة لمختبر لورنس ليفرمور الوطني في كاليفورنيا.
وفيما يلي أبرز الإنجازات الأخرى.
ما قبل التاريخ
1. فترات ما قبل التاريخ. حملت إنجازات هذا العام كثيرا من الاكتشافات التي تعود إلى فترات ما قبل التاريخ، ومنها:
* وثّق علماء جامعة كالغاري في كندا، اكتشاف أنثى ماموث صوفي يبلغ من العمر حوالي 30 ألف عام، بأظافر أصابع وجلد وجذع وشعر محفوظ تماماً… وكان عمال المناجم في كندا قد اكتشفوا حيواناً متجمداً داخل التربة الصقيعية، وسرعان ما تواصلوا مع الباحثين من جامعة كالغاري، الذين صُدموا عندما اكتشفوا أنهم أمام اكتشاف أقرب ما يكون إلى الماموث الحي، لدرجة أنه لا يزال لديه شعر، رغم مرور 30 ألف عام على وفاته، ووصف دان شوغار، الباحث المشارك بالدراسة، الاكتشاف بأنه «أكثر الأشياء العلمية إثارة على الإطلاق».
* كشفت دراسة نُشرت في أغسطس (آب) أن العلماء وجدوا 88 أثراً متحجراً لأقدام بالغين وأطفال، يرجع تاريخها على الأرجح إلى 12000 عام، في مجاري الأنهار الضحلة في ولاية يوتا الأميركية، وهذا يشير إلى أن البشر احتلوا المنطقة قبل 7500 عام مما كان يُعتقد سابقاً، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى زعزعة الفهم الحالي لكيفية تطور البشر.
* توصلت دراسة لمعهد ماكس بلانك الألماني لعلوم تاريخ البشرية، نشرتها مجلة «ساينس أدفانسيس» في فبراير (شباط)، إلى أن كهف (ماندرين) على أحد التلال المطلة على وادي الرون الخلاب في جنوب فرنسا، اجتذب كلاً من الإنسان البدائي «إنسان نياندرتال» و«الإنسان الحديث»، قبل فترة طويلة من الاعتقاد بأن هذا الأخير قد وصل إلى هذا الجزء من أوروبا.
الكون والفضاء
2. بدايات نشأة الكون. ومن عصور ما قبل التاريخ إلى فترات أبعد، وهي بدايات نشأة الكون، التي يكشف أسرارها تلسكوب «جيمس ويب» من وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، حيث كان العالم هذا العام على موعد مع صور فريدة التقطها هذا التلسكوب، والذي ينظر في الفترة التي تلت الانفجار العظيم في بدايات تشكل النجوم والمجرات قبل 13.8 مليار سنة.
وتوصف الصور الخمس التي نشرتها وكالة ناسا يومي 11 و12 يوليو (تموز)، بأنها تمثل «فجر حقبة جديدة في علم الفلك»، إذ إنها «أعمق صور فلكية للكون البعيد»، وتُظهر أقدم ضوء موثق في تاريخ الكون، منذ أكثر من 13.5 مليار سنة ضوئية... وهذه الصور هي:
* صور لعنقود المجرات (SMACS 0723)، المعروف باسم «الحقل العميق»، وهي تفيض بالتفاصيل، وتُظهر آلاف المجرات.
- البصمة الكيميائية لكوكب خارج المجموعة الشمسية، حيث يظهر في الصورة التحليل الطيفي للغلاف الجوي المشبع ببخار الماء لكوكب (WASP-96 b)، وهو واحد من أكثر من 5 آلاف كوكب خارجي مؤكد في مجرة درب التبانة.
* السديم الكوكبي الدائري الجنوبي الذي كان مخفيا في السابق عن علماء الفلك، والذي يبعد عنا بمقدار حوالي 2500 سنة ضوئية.
* خمس مجرات متقاربة يطلق عليها «خماسية ستيفان»، وتقع على بُعد 290 مليون سنة ضوئية.
* حافة منطقة تَشكُّل نجومٍ قريبة في سديم كاريناتسمى (NGC 3324)، ويقع سديم كارينا على بُعد 7600 سنة ضوئية، ويُعتبر حضانةً للنجوم الناشئة، وتوصف هذه الصورة بأنها أكثر المناظر الطبيعية جمالا، حيث تبدو وكأنها جبال ووديان مليئة بالنجوم المتلألئة.
3. عام التوجه إلى القمر. ومن الماضي البعيد إلى الحاضر، حيث شهد هذا العام إطلاق مهمتين إلى القمر، بالإضافة إلى ظهور نتائج أبحاث حول عينات تم الحصول عليها من مهام سابقة للقمر، لذلك يمكن وصف عام 2022 بأنه هو الاتجاه إلى القمر، وهو ما يظهر في الآتي:
* إطلاق المركبة أوريون ضمن برنامج «أرتميس» بوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) من مركز كينيدي للفضاء في كيب كنافيرال بولاية فلوريدا، ونجحت مهمتها إلى القمر التي استغرقت 25 يوما، وعادت إلى الأرض. وتمهد هذه الرحلة لصعود رواد فضاء على متن الرحلة التالية، حيث يطيرون حول القمر ويعودون في أقرب وقت في عام 2024، ويمكن أن يتبع ذلك هبوط شخصين على سطح القمر بينهما أول امرأة وأول شخص من أصحاب البشرة الملونة بحلول نهاية عام 2025.
* إرسال المستكشف راشد الإماراتي، والذي يقوم برحلته إلى القمر بواسطة مركبة الهبوط «هاكوتو - آر» التي بنتها الشركة اليابانية «آي سبيس»، ونقل صاروخ «فالكون 9»، التابع لشركة «سبيس إكس» الأميركية، المهمة إلى الفضاء، يوم 11 ديسمبر من قاعدة كيب كانافيرال الفضائية، في ولاية فلوريدا، ويدرس المستكشف راشد خصائص التربة على سطح القمر وصخور وجيولوجيا القمر، كما سيدرس حركة الغبار والبلازما والغلاف الكهروضوئي.
* وبالإضافة إلى هذه المهام، فإن عينات قمرية تقدر بـ1731 غراما، جلبتها مهمة «تشانغ آه - 5» الصينية، التي عادت إلى الأرض في 2020، خضعت للدراسة، لتظهر النتائج في سبتمبر (أيلول) حاملة معها مفاجأة جديدة، وهي اكتشاف معدن جديد على سطح القمر، تمت تسميته Changesite- (Y)، وهذا هو سادس معدن جديد تكتشفه البشرية على سطح القمر، وأصبحت الصين ثالث دولة في العالم بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق تكتشف معدنا جديدا على سطح القمر.
4. أول مهمة للدفاع الكوكبي. ومن الماضي والحاضر للاستعداد للمستقبل، وذلك عبر تنفيذ وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» أول مهمة للدفاع الكوكبي في سبتمبر.
ونجحت المركبة الفضائية التي أطلقتها (ناسا) في تغيير مدار الكوكيب «ديمورفوس»، وهو جسم صغير قطره 530 قدما (160 مترا)، يدور حول كويكب أكبر يبلغ ارتفاعه 2560 قدما (780 مترا) يسمى «ديديموس»، ولا يشكل أي من الكويكبين أي تهديد للأرض، والهدف الذي كانت تسعى له المهمة، هو اختبار إمكانية تنفيذ مهمة شبيهة في المستقبل، عندما يكون هناك تهديد بوجود كويكب في مسار تصادمي مع الأرض.
وبينما كان هدف المركبة (دارت) هو تقصير مدار الكويكب «ديمورفوس» حول الكويكب الأكبر (ديديموس)، بمقدار 73 ثانية على الأقل، جاءت النتائج أكثر من المأمول، حيث أعلن مسؤولو ناسا، أن الحسابات أظهرت أن اصطدام (دارت) بالكويكب أدى إلى اختصار مداره بمقدار 32 دقيقة، فبعد أن كان يدور حول (ديديموس) كل «11 ساعة و55 دقيقة» أصبحت الفترة المدارية كل «11 ساعة و23 دقيقة».

أبحاث جديدة
5. أبحاث الخلايا الجذعية. وما زلنا في الاستعداد للمستقبل، لكن في مجال آخر، وهو الصحة، حيث ستقود أبحاث الخلايا الجذعية إلى اختراقات خلال الأعوام القادمة، ظهرت بشائرها هذا العام، من خلال الآتي:
* قام باحثون أستراليون بتنمية خلايا المخ البشري من الخلايا الجذعية وأجنة الفئران إلى دماغ صغير يتكون من 800 ألف خلية، وقد نجحوا في تدريب تلك الخلايا على أن تلعب لعبة فيديو.
* نجح باحثون في كلية الطب بجامعة ستانفورد الأميركية في زرع أنسجة من المخ البشري في الفئران، حيث أصبحت جزءا وظيفيا من أدمغتهم، وتم إنشاء أنسجة المخ البشري المزروعة في المختبر باستخدام تقنية تسمح للعلماء بتحويل خلايا الجلد إلى ما يعادل الخلايا الجذعية الجنينية، وهي الخلايا التي تنمو منها جميع الخلايا الأخرى مع نمو الجنين، وستشمل التطبيقات الفورية لهذه الدراسة البحث في علاج حالات مرضية حرجة مثل التوحد والصرع والفصام والإعاقات الذهنية.
* نجح فريق بحثي دولي، عبر مشروع «بايوريسكو»، الذي يشرف عليه معهد «لايبنتز» بألمانيا، في إنتاج خلايا جرثومية بدائية، من الخلايا الجذعية لوحيد القرن الأبيض الشمالي، وهي خطوة نحو إنشاء بويضات وحيوانات منوية في المختبر، لهذا النوع الفرعي المهدد بالانقراض.
والخطوة التالية التي يجب على العلماء تنفيذها، هي الانتقال لمهمة صعبة، وهي إنضاج الخلايا الجرثومية الأولية في المختبر، لتحويلها إلى خلايا بويضة وحيوانات منوية وظيفية، ليتم زرع الأجنة الناتجة في إناث وحيد القرن الأبيض الجنوبية ذات الصلة الوثيقة، والتي ستحمل بعد ذلك النسل البديل إلى المدى البعيد، وبالتالي فإن سلالات وحيد القرن الأبيض الشمالية التي قضى عليها البشر بالفعل بشكل فعال من خلال الصيد الجائر، قد يتم إنقاذها بفضل هذه التقنيات.
6. أدوية جديدة تدخل الخدمة قريبا. ومن بشائر ما زلنا ننتظرها مع أبحاث الخلايا الجذعية، إلى بشائر تحققت بالفعل مع بعض الأدوية، التي دخل بعضها الخدمة، والبعض الآخر بات قريبا جدا من ذلك، ومنها:
* دواء (ليكانيماب) لعلاج ألزهايمر، الذي طورته شركتا «إيساي» اليابانية و«بيوغن» الأميركية للأدوية، وأجريت تجربة إكلينيكية للدواء على مدار 18 شهرا، مع 1795 متطوعاً يعانون المرض في مراحله المبكرة، ووجد الباحثون في الدراسة التي نُشرت في مجلة «نيو إنغلاند» الطبية أن الدواء أبطأ تدمير المرض للدماغ بنسبة 27 في المائة، وذلك عن طريق مهاجمة بروتين «بيتا أميلويد»، الذي يتراكم في أدمغة الأشخاص المصابين بمرض ألزهايمر... ويتم في الوقت الحالي تقييم بيانات ونتائج الدراسة من الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة، التي سوف تقرر قريباً ما إذا كان يمكن الموافقة على استخدام الدواء على نطاق واسع.
* دواء «ريبيوتا»، وهو أول علاج باستخدام البكتيريا لعلاج اضطراب الأمعاء، ويعطي الدواء كعلاج بجرعة واحدة لعدوى بكتيريا «المطثية العسيرة»، حيث تعطل هذه البكتيريا المنتجة للسموم التوازن الطبيعي في الجهاز الهضمي للشخص، وقد وافقت إدارة الغذاء والدواء الأميركية في نوفمبر على تسويق هذا الدواء.
* المركب (SK-124)، هو دواء لا يزال في طور التجارب، أنتجه باحثون من جامعة كاليفورنيا الأميركية، كعلاج لهشاشة العظام، حيث يتم تقديمه كعلاج فموي بديل لأدوية الحقن، التي تعطى لمرضى الهشاشة.
* البروتين الشوكي الشهير الذي يعطي فيروس «كورونا» المستجد، شكله التاجي الشهير (بروتين سبايك)، سيصبح قريبا علاجا لأحد أخطر أنواع السرطانات، وهو سرطان الرئة، وذلك وفقا لـ«كاليبادا باهان»، أستاذ الكيمياء الحيوية وعلم الأدوية بجامعة راش الأميركية، والذي قاد دراسة نشرت بدورية (كانسر) وأثبتت فاعلية هذا البروتين في علاج حيوانات التجارب، وقال باهان لـ«الشرق الأوسط»: «نبحث في الوقت الحالي عن شركاء لنقل هذه التقنية في العلاج إلى عيادة سرطان الرئة قريبا، وفي البداية، سنختار مرضى سرطان الرئة في المراحل المتأخرة للتجارب السريرية».
* اكتشف باحثون من جامعة نوتنغهام البريطانية، فئة جديدة من «البوليمر» يمكنها تحفيز الخلايا المناعية وغير المناعية للمساعدة في التئام جروح السكري التي يصعب علاجها، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية «أدفانسيد ماتريالز».
7. حل ألغاز الأمراض. وفي سبيل السعي نحو إنتاج المزيد من الأدوية، لا بد من فهم الأعضاء البشرية جيدا، وشهد عام 2022، الكثير من الإنجازات في هذا المجال، وأهمها نجاح فريق بحثي مكون من أكثر من 160 باحثا، في إنتاج أطلس رقمي ضخم يضم خرائط تمثل التعبير الجيني عما يقرب من نصف مليون خلية يعود مصدرها إلى 24 عضواً ونسجياً بشرياً، من ضمنها الرئتان والجلد والقلب، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في شهر مايو (أيار) بدورية «ساينس».
وهذا الأطلس هو مشروع مرجعي، يضم أنسجة متعددة من متبرعين، وهو الأول من نوعه الذي يحتوي على صور تشريحية للأنسجة، ويكشف تفاصيل المجتمعات الميكروبية التي تتخذ أجزاء مختلفة من قناتنا الهضمية مسكنا، وهذا من شأنه أن يزيد من المعرفة بصحة الإنسان، والأمراض التي تصيبه.

ابتكارات ومفاجآت
8. ابتكارات تكنولوجية مذهلة. وتبرز في خريطة الإنجازات العلمية، ابتكارات تكنولوجية مذهلة هدفها مساعدة البشر وتسهيل حياتهم، ومنها:
* طور باحثون من جامعة «نورث كارولاينا»، روبوتا ناعما موفرا للطاقة يمكنه السباحة بأكثر من أربع مرات أسرع من الروبوتات السابقة للسباحة، وأطلقوا عليه اسم «روبوتات الفراشة»، لأن حركته في السباحة تشبه الطريقة التي تتحرك بها أذرع الشخص عندما يسبح بضربة الفراشة، وتم الإعلان عن هذا الإنجاز في دورية «ساينس أدفانسيس».
* ابتكر علماء في جامعة نورث ويسترن بولاية إلينوي الأميركية «أصغر روبوت» في العالم، لإنجاز مهام دقيقة للغاية، ووفق دراسة نشرت في دورية «ساينس روبوتكس»، فإن هذا الروبوت يبلغ عرضه، حوالي نصف ملّيمتر، أي أصغر من سمك عملة «البنس» المعدنية، ويتم التحكم فيه عن بعد، ويأخذ أشكال حيوانات صغيرة مثل الديدان والسرطانات، ويكون هذا الروبوت في حالته الأصلية مسطحا، مثل قطعة من الورق، ثم يتم إدخال حرارة الليزر لتتغير حالته ويبدأ في التحرك.
* عرضت إحدى شركات السيارات، تصميما جديدا لسيارة يمكن للمستخدمين تغيير لونها من الأبيض إلى الأسود أو العكس بضغطة زر.
9. تأثيرات التغيرات المناخية. وبالتزامن مع ظواهر مناخية متطرفة شهدها العالم هذا العام، اهتم البحث العلمي برصد تداعيات التغيرات المناخية في أكثر من اتجاه، ومن أبرز الأبحاث التي تناولت الظاهرة، الآتي:
* رصدت دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس»، أن أكبر صفيحة جليدية في العالم، والمعروفة أيضا باسم غرينلاند، تختفي بشكل أسرع مما كان يعتقد العلماء سابقا، حيث أدى ارتفاع درجة حرارة مياه المحيطات وارتفاع درجات حرارة الهواء إلى تسريع الذوبان، حيث تفقد غرينلاند حوالي 250 مليار طن متري من الجليد كل عام.
* رجحت دراسة للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي بأميركا، تغير المناخ، كسبب لاختفاء مليار سلطعون من ألاسكا في العامين الماضيين، وهذا العدد يمثل 90 في المائة من أعدادها. وقالت الإدارة، إن ألاسكا هي الأكثر سخونة في الولايات المتحدة، وتحتاج السرطانات إلى الماء البارد للبقاء على قيد الحياة.
10. مفاجآت علمية. ولم تخل إنجازات 2022 من بعض المفاجآت، ومنها:
* اكتُشف أن بعض الأشخاص الذين يبدو أنهم في غيبوبة قد يكونون في الواقع واعين ويسمعوننا. ويطلق على ذلك اسم «الوعي الخفي»، وهي حالة يتفاعل فيها الدماغ مع العالم الخارجي ببعض الفهم، لكن الجسم يظل غير مستجيب، وذكر باحثون من جامعة كولومبيا، أن ما يصل إلى 15 إلى 20 في المائة من المرضى الذين يبدو أنهم في غيبوبة يظهرون هذا النوع من الوعي الخفي عند مراقبته باستخدام تقنية يمكنها قياس نشاط الدماغ.
* اكتشفت دراسة ألمانية نشرت في ديسمبر بدورية «نيتشر إيجينغ»، مؤشرات على أن تأثير عقار «رابامايسين» الواعد لمكافحة الشيخوخة، سيكون أكثر فاعلية عند النساء، مقارنة بالرجال.



حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

في الطب الحديث لم يعد السرطان مجرد كتلة من الخلايا الشاذة تنمو في أحد أعضاء الجسم، بل يُنظَر إليه، اليوم، بوصفه نظاماً بيولوجياً معقَّداً تتفاعل فيه الخلايا السرطانية مع جهاز المناعة والأنسجة المحيطة بها، ضِمن شبكة دقيقة من الإشارات الجزيئية.

الورم يحمل بصمته الجينية الخاصة

كل ورم يحمل بصمته الجينية الخاصة وسلوكه البيولوجي المختلف، حتى بين مرضى يعانون النوع نفسه من السرطان.

لهذا بدأ العلماء يدركون أن السؤال الحقيقي في علاج السرطان لم يعد ببساطة: ما الدواء المناسب لهذا المرض؟ بل أصبح سؤالاً أكثر دقة وعمقاً: ما العلاج الأنسب لهذا المريض تحديداً؟ أيْ أن الطب لم يعد يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل ورم وكل مريض.

هذا التحول الفكري يقود، اليوم، ثورة علمية جديدة في علم الأورام، تقف في قلبها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والصور النسيجية والسجلات السريرية. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الهائلة، بدأ العلماء يتحدثون عن مرحلة جديدة قد يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من قراءة خريطة الورم البيولوجية قبل أن يقرر الطبيب أي علاج هو الأنسب.

الذكاء الاصطناعي يحلل البيئة الدقيقة للورم

لغة الورم الخفية

خلال مؤتمر الطب الدقيق العالمي «Precision Medicine World Conference»، الذي عُقد في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) 2026، عرض باحثون من شركة «بوسطنجين» (BostonGene) نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل التعقيد البيولوجي للأورام السرطانية، بهدف اختيار العلاج المناعي الأكثر فاعلية لكل مريض. وتعتمد هذه النماذج على تحليل كميات ضخمة من البيانات الجزيئية والجينية الخاصة بالورم، بما يسمح بفهمٍ أعمق للبيئة البيولوجية التي ينمو فيها السرطان داخل الجسم.

وتنتمي هذه الأنظمة إلى ما يُعرَف في علوم الذكاء الاصطناعي باسم نماذج الأساس «Foundation Models»، وهي خوارزميات متقدمة صُممت للتعامل مع مجموعات هائلة من البيانات البيولوجية؛ مثل المعلومات الجينية، وخصائص الخلايا المناعية، وبيئة الورم الدقيقة. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الواسعة، تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط خفية في سلوك الورم يصعب على الإنسان ملاحظتها، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد يصبح فيها اختيار العلاج مبنياً على قراءة دقيقة لخريطة الورم البيولوجية.

حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السرطان

يوضح الدكتور ناثان فاولر، المدير الطبي بشركة «بوسطنجين»، أن التحدي الحقيقي في علم الأورام لم يعد نقص البيانات، بل القدرة على فهمها وتحليلها بصورة متكاملة. فكل ورم سرطاني يُنتج شبكة معقدة من المعلومات البيولوجية تشمل الطفرات الجينية، وأنماط التعبير الجيني، واستجابة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية. وتُعرف هذه الشبكة المعقدة في علم الأورام باسم «البيئة الدقيقة للورم» وهي البيئة البيولوجية التي يتفاعل فيها الورم مع الخلايا المحيطة به داخل الجسم.

إن تحليل هذه البيئة الدقيقة يتطلب قدرة حسابية هائلة تتجاوز قدرة التحليل البشري التقليدي، وهنا يظهر الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على دراسة ما يُعرَف ببيانات «متعددة الأوميكس» (Multi-Omics)، وهي مجموعات بيانات تشمل علم الجينوميات الذي يدرس المادة الوراثية، وعلم البروتيوميات؛ أي دراسة البروتينات التي تنتجها الخلايا، إضافة إلى بيانات الجهاز المناعي والسجلات السريرية للمريض. ومن خلال دمج هذه الطبقات المتعددة من المعلومات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رسم خريطة بيولوجية شاملة للورم تساعد الأطباء على فهم سلوكه واختيار العلاج الأكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي يقود الطب نحو العلاج الشخصي

أبحاث حديثة: التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي

في دراسةٍ نُشرت، عام 2026، بمجلة «إن بي جيه بريسيجن أونكولوجي» (NPJ Precision Oncology) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، أظهر فريق بحثي دولي من مراكز أبحاث السرطان بالولايات المتحدة وأوروبا أن تحليل البيئة المناعية للأورام باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة يمكن أن يساعد في التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي بدقّةٍ تفوق الطرق التقليدية. وقد أوضحت الدراسة أن فهم العلاقة بين الخلايا السرطانية والخلايا المناعية داخل الورم قد يصبح مفتاحاً أساسياً لاختيار العلاج الأكثر فاعلية لكل مريض.

كما كشفت دراسات أخرى حديثة أن استخدام الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) يتيح للعلماء دراسة العلاقات المكانية بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية داخل نسيج الورم. ويُعد هذا التفاعل المكاني عاملاً مهماً في علم الأورام؛ لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمدى استجابة المرضى للعلاج وبفرص بقائهم على قيد الحياة. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات الجينية، بل بدأ أيضاً قراءة البنية الميكروسكوبية المعقدة للورم وفهم كيفية تفاعل خلايا الورم مع البيئة المحيطة بها.

ثورة العلاج المناعي

خلال العقد الأخير، أصبح العلاج المناعي أحد أهم التحولات في علم الأورام الحديث. فبدلاً من مهاجمة الورم مباشرة، كما يحدث في العلاج الكيميائي، يعمل هذا النوع من العلاج على تنشيط جهاز المناعة ليقوم هو نفسه بالتعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة طريقة التفكير في علاج السرطان؛ لأنها تعتمد على تسخير قدرات الجسم الدفاعية، بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية السامّة للخلايا.

لكن التحدي الكبير في هذا المجال أن العلاج المناعي لا ينجح إلا لدى نسبة محدودة من المرضى، فبعض الأورام تستجيب له بصورة ملحوظة، بينما لا يظهر تأثيره لدى مرضى آخرين، لهذا يسعى العلماء، اليوم، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الخصائص البيولوجية لكل ورم، والتنبؤ مسبقاً بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا العلاج، قبل البدء به. وقد يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الشخصي، حيث يصبح اختيار العلاج مبنياً على فهم دقيق لخريطة الورم لدى كل مريض على حدة.

من ابن سينا إلى الطب الدقيق

رغم حداثة هذه التقنيات المتقدمة، فإن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ الطب. ففي كتابه الشهير «القانون في الطب» شدّد الطبيب والفيلسوف العربي ابن سينا على أن مهمة الطبيب لا تقتصر على علاج المرض بوصفه ظاهرة عامة، بل تمتد إلى فهم طبيعة المريض نفسه بكل اختلافاته الفردية. وقد أشار إلى أن استجابة الناس للأمراض والعلاجات ليست واحدة، وأن الطبيب الحكيم ينبغي أن يراعي خصائص كل مريض وظروفه الجسدية والبيئية.

واليوم، يعود هذا المبدأ القديم في إطار علمي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق «Precision Medicine»، حيث لم تعد القرارات العلاجية تعتمد فقط على اسم المرض، بل على الخصائص البيولوجية الفريدة لكل مريض، مثل التركيب الجيني، وخصائص الورم، وطبيعة استجابة الجهاز المناعي. وفي هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية تساعد الأطباء على تحليل هذه الطبقات المعقَّدة من البيانات واختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.

التحدي الأخلاقي

إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار الطبي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن للآلة أن تشارك في قرارٍ قد يرتبط بحياة إنسان ومستقبله الصحي؟ فالتقنيات الحاسوبية أصبحت قادرة، اليوم، على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية، لكن هذا التطور يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التفكير في حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه الخوارزميات داخل الممارسة الطبية.

ويرى معظم الباحثين في أخلاقيات الطب الرقمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الأنماط البيولوجية المعقدة في البيانات الجينية أو النسيجية، لكنها لا تستطيع أن تدرك البعد الإنساني للمريض، أو أن تُوازن بين الاعتبارات الطبية والنفسية والاجتماعية التي تدخل في القرار العلاجي. لهذا يؤكد الخبراء أن دور الطبيب سيبقى محورياً؛ لأنه الوحيد القادر على الجمع بين الدقة العلمية والحكم الإنساني عند اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

طبّ المستقبل

مع تسارع تطور هذه التقنيات قد يصبح تحليل الجينوم والبيئة المناعية للورم جزءاً روتينياً من تشخيص السرطان، خلال السنوات القليلة المقبلة. فعوضاً عن الاعتماد على نماذج علاجية عامة تُطبَّق على جميع المرضى، يتجه علم الأورام نحو مرحلةٍ يُبنى فيها القرار العلاجي على الخريطة البيولوجية الفريدة لكل ورم ولكل مريض. وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قادرة على قراءة ملايين الإشارات الجينية والمناعية التي تُشكل شخصية الورم وسلوكه داخل الجسم.

إن ما نشهده، اليوم، ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة علاج السرطان. فالعلاج لم يعد يستند فقط إلى اسم المرض، بل إلى فهم دقيق لتفاعلات الخلايا والأنسجة والجهاز المناعي داخل الورم. ومع قدرة الخوارزميات على تحليل هذه الطبقات المعقّدة من البيانات، قد يصبح اختيار العلاج في المستقبل أقرب إلى قراءة خريطة بيولوجية دقيقة لكل مريض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة لغة الخلايا والأنسجة والبيانات الجينية، يبقى دور الطبيب أن يقرأ شيئاً لا تستطيع الخوارزميات إدراكه بالكامل: الإنسان نفسه. ففي النهاية يظل الطب علماً بالدقة... لكنه أيضاً فنٌّ بالحكمة والرحمة.


الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها
TT

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

على مدى العامين الماضيين، جرى تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للإنتاجية، وأداة لخفض التكاليف، وسباقاً في تطوير البنية التحتية، بل إنه وُصف في الأيام الأكثر دراماتيكية بكونه «نقطة تحول حضارية». وفي هذه الأجواء تطالب مجالس الإدارات بخرائط طريق للذكاء الاصطناعي، ويعلن الرؤساء التنفيذيون عن أجندات تضع «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بينما تُعاد هيكلة أقسام بأكملها حول أدوات تتغير قدراتها كل ربع سنة.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق الوضوح الاستراتيجي

ولكن، خلف هذا الضجيج، تكمن حقيقة أكثر هدوءاً وأبعد أثراً: الذكاء الاصطناعي لا يخلق وضوحاً استراتيجياً، وإنما يكشف مدى وجود ذلك الوضوح بالأساس.

لقد جادلتُ سابقاً بأن الطبقة التالية من المزايا التنافسية للشركات في مجال الذكاء الاصطناعي لن تأتي من امتلاك البنية التحتية، وإنما من بناء نماذج داخلية أفضل لكيفية عمل بيئة الأعمال فعلياً. كما حذرتُ من أن اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد أداة لتقليص القوى العاملة هو «قصر نظر استراتيجي»؛ لأن التقنيات العامة نادراً ما تقدم قيمتها الحقيقية من خلال برامج الكفاءة البسيطة.

والنتيجة المنطقية التالية حتمية: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية، وإنما سيكون اختباراً كاشفاً لها.

وهم «الذكاء المستورد»

ثمة افتراض مُغرٍ يترسخ في الكثير من أدبيات الذكاء الاصطناعي اليوم، مفاده أن «الذكاء» يمكن إضافته إلى المؤسسة بالطريقة نفسها التي تُضاف بها تراخيص البرمجيات... أي يكفي أن تنشر نموذجاً لغوياً كبيراً، وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سير العمل، وتؤتمت التحليلات، وتدعم الموظفين؛ ليزداد الذكاء تلقائياً.

بيد أن المؤسسات ليست «أوعية فارغة» تنتظر من يملؤها بالمعرفة. وإنما هي أنظمة معقدة من الحوافز، والعمليات التراكمية الموروثة، والافتراضات الضمنية، وتدفقات البيانات المجزأة، والتوازنات السياسية.

كشف العيوب

وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا النظام، فإنه لا يطفو فوقه، إنما يتفاعل معه... فإذا كانت بياناتك مجزأة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على إبراز هذا التجزؤ وتضخيمه على نطاق واسع.

وإذا كانت حوافزك غير متوافقة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين النتائج الخاطئة... وإذا كانت استراتيجيتك غامضة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق هذا الغموض وتغليفه بصياغات إنشائية بليغة.

إن النماذج اللغوية الكبيرة هي «آلات أنماط» قوية، ولكنها — كما استعرضتُ سابقاً — لا تمتلك فهماً راسخاً. فهي «مجرد» أدوات لتوليد مخرجات محتملة ذات دلالة إحصائية. وينسحب الأمر نفسه على المستوى المؤسسي؛ فالفصاحة ليست تماسكاً، والنشاط ليس بالضرورة استراتيجية.

إن البنية التحتية المشتركة لا تنتج فهماً مشتركاً، والأدوات المشتركة لا تنتج حكماً (تقديرياً) مشتركاً.

الذكاء الاصطناعي: «اختبار للجهد الاستراتيجي»

كل موجة تكنولوجية تكشف عن نقاط ضعف هيكلية. فقد عاقبت شبكة الإنترنت الشركات التي تعاملت معها كمجرد «كتيّب دعائي»، وعاقبت تقنيات الهاتف المحمول أولئك الذين تمسكوا بافتراضات أنها مثل الحواسيب المكتبية، كما عاقبت الحوسبة السحابية الشركات المهووسة بامتلاك الأجهزة بدلاً من بناء القدرات.

بيد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق إلى أبعد من ذلك؛ لأنه يعمل على مستوى الإدراك والمعرفة: في التنبؤ، والتسعير، والتوظيف، وتقييم المخاطر، والتفاعل مع العملاء، وتطوير المنتجات... وفي كل مجال تقريباً تتخذ فيه المؤسسات قرارات مصيرية ذات عواقب ملموسة.

وهذا ما يجعل منه «اختبار جهد» استراتيجياً.

مثالان لمسارين مختلفين باعتماد النموذج نفسه

بإمكان شركتين اعتماد نماذج تقنية متماثلة، ومع ذلك تمران بمسارين مختلفين تماماً:

الشركة (أ): تمتلك رؤية واضحة لكيفية خلق القيمة الخاصة بها، حيث تتدفق البيانات بسلاسة عبر جميع الوظائف، وتسمح قيادتها بالتجريب. وهي تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات». وتكون حلقات التغذية الراجعة صريحة. ويجري تحديث الافتراضات بصورة منهجية.

الشركة (ب): تعلن عن مبادرة للذكاء الاصطناعي، فتنتشر المشاريع التجريبية في «جزر منعزلة». ويعمل كل قسم على تحسين عائد الاستثمار الخاص به فقط، ويهيمن منطق «خفض التكاليف» على المشهد. تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «إجابات نهائية»، وتظل الاستراتيجية مجرد شعارات في عروض «باور بوينت».

أدوات متماثلة... ونتائج متباينة

تؤكد الأبحاث أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي ليست متساوية، بل تعتمد على السياق المؤسسي؛ حيث يصف «معهد تصميم البيانات الرقمية» بجامعة هارفارد ما يسميه «الحدود التكنولوجية المتعرجة - jagged technological frontier»، حيث يتفوق الذكاء الاصطناعي في مهام محددة بينما يخفق في أخرى، ما يعيد تشكيل أنماط التعاون بطرق غير متوقعة. وهذا «التعرج» يعني أن الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع، وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع.

وبالمثل، كشفت دراسة واسعة النطاق أجراها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية - NBER» حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم العملاء عن مكاسب إنتاجية ملموسة بصفة عامة، لكن مع تأثيرات متفاوتة؛ حيث استفاد العمال الأقل خبرة بشكل أكبر، ما أعاد تشكيل كيفية انتشار المعرفة داخل الشركات. ففي هذه الحالة، لم يعمل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للأتمتة، وإنما عمل كآلية لنقل «أفضل الممارسات».

والدلالة هنا واضحة: الذكاء الاصطناعي يضخم المنطق المؤسسي القائم ولا يحل محله.

* الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع*

أتمتة الارتباك

من أخطر الغرائز القيادية في هذه اللحظة هو السؤال: «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين هذه العملية؟».

إنه سؤال أول خاطئ؛ فإذا كانت العملية نفسها تعكس افتراضات عفى عليها الزمن، فإن تحسينها بالذكاء الاصطناعي سيجعل من هذا الخلل أسرع وأرخص فحسب. أنت هنا لا تغير العمل، بل «تؤتمت الارتباك».

السؤال الأنسب هو: «ما هي الافتراضات حول عملائنا، ووضعنا الاقتصادي، وموقعنا التنافسي المتضمنة في سير العمل هذا؟ وماذا سيحدث إذا لم تعد تلك الافتراضات صالحة؟».

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي «مزعجاً»؛ لأنه يجبر المؤسسات على مواجهة تناقضات نجحت في تجاهلها طويلاً.

المرآة المزعجة

ثمة سبب يدفع العديد من الشركات للاكتفاء بسرديات «خفض التكاليف» عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. فالكفاءة قابلة للقياس، وتقليص عدد الموظفين يترجم بوضوح في الأرباح ربع السنوية، وهي قصة مفهومة للجميع، على عكس «التأمل الاستراتيجي» الذي يفتقر لهذا الوضوح.

وعندما يكشف الذكاء الاصطناعي عن بُنى بيانات مجزأة، فإن ذلك يعكس سنوات من نقص الاستثمار في التكامل. وعندما يكشف عن مؤشرات أداء متناقضة بين الأقسام، فإن ذلك يشير إلى فشل في الحوكمة. وعندما ينتج مخرجات غير متسقة بسبب انعزال المعرفة الداخلية، فإن ذلك يضع التشرذم الثقافي تحت مجهر الاختبار.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المشكلات، وإنما يُسلط الضوء عليها

إن التاريخ يدعونا للحذر من التسرع في وضع مقاييس الأداء المبكرة؛ فقد لاحظ الاقتصادي روبرت سولو في مقال شهير بملحق مراجعة الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» عام 1987: «يمكنك أن ترى عصر الحوسبة في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية». لاحقاً، أُعيدت صياغة «مفارقة الإنتاجية» لعصر تقنية المعلومات عبر مفهوم «منحنى جيه للإنتاجية - Productivity J-Curve»؛ حيث تتأخر المكاسب الملموسة لأن الاستثمارات المكملة (مثل إعادة التصميم التنظيمي، وتطوير المهارات، ونماذج الأعمال الجديدة) هي أصول غير ملموسة ولا تظهر بوضوح في البيانات الأولية.

ومن المرجح أن يتبع الذكاء الاصطناعي مساراً مماثلاً؛ إذ ستكون أهم المكاسب مشتتة وكامنة في العمليات المعاد تصميمها وأشكال التنسيق الجديدة، ولن تظهر بشكل فوري في نسب التكاليف. لذا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كآلية لتقليص كشوف الرواتب ينطوي على مخاطرة بالتضحية بالمزايا الهيكلية طويلة الأمد في سبيل تحقيق «وضوح ظاهري» قصير الأجل.

من مجرد أدوات إلى «إدراك مؤسسي»

إن الفرصة الأعمق في الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الأتمتة، وإنما في التعلم المؤسسي. فالنماذج المتقدمة تتيح محاكاة السيناريوهات، وإظهار الحالات الشاذة (كشف الثغرات)، واختبار الافتراضات البديلة، وضغط دورات التغذية الراجعة بشكل هائل. ولكن، هذه السرعة لا تخلق قيمة إلا إذا كانت المؤسسة قادرة على «تحديث قناعاتها».

بهذا المعنى، تنتقل الميزة التنافسية إلى مستوى أعلى: من البنية التحتية إلى «الإدراك». وكما جادل يانسيتي ولاخاني في كتابهما «المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي»، فإن المنافسة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تنحاز بشكل متزايد للشركات القادرة على دمج البيانات والخوارزميات والعمليات التنظيمية في «أنظمة تعلم متماسكة». إن الفارق الجوهري ليس في النموذج التقني بحد ذاته، وإنما في مدى إحكام دمجه ضمن عملية اتخاذ القرار.

هذه هي «الحدود» التي يجب على المديرين التنفيذيين التفكير فيها.

والسؤال هنا ليس: «أي نموذج يجب أن نعتمد؟»، وإنما: «ما الذي نؤمن به حقاً حول كيفية تحقيقنا للفوز؟ وهل نحن مستعدون لأن يتحدى الذكاء الاصطناعي هذه القناعات؟».

شكل جديد للميزة التنافسية

تتحول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى سلعة عامة متاحة للجميع؛ فالنماذج التأسيسية متاحة على نطاق واسع، والحوسبة السحابية مشتركة، والأنظمة البيئية مفتوحة المصدر تتطور بسرعة مذهلة. وبينما تصبح البنية التحتية أمراً شائعاً، ينتقل التميز إلى مستوى أعلى وآفاق أرحب.

ولا يكمن التميز في الرقائق الاحتكارية، ولا في المشاريع التجريبية المشتتة؛ وإنما في «الذكاء المؤسسي المُنظم».

إن الشركات التي ستتسارع وتيرتها وتحقق قفزات نوعية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي «تؤتمت» عملياتها بأسرع شكل، وإنما تلك التي تتعلم بأسرع شكل؛ تلك التي تعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات»، وتجعل التغذية الراجعة جزءاً من بنيتها المؤسسية، والتي توائم حوافزها مع التكيف طويل الأمد بدلاً من «المكاسب الجذابة» قصيرة الأجل.

لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الاستراتيجية، ولكنه سيجعل إخفاء غيابها أمراً مستحيلاً.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان
TT

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

علاقة جينية بين أمراض المناعة الذاتية والسرطان

كشفت دراسة دولية حديثة عن وجود توازن وراثي معقّد بين خطر الإصابة بقصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي والحدّ من تطور بعض أنواع السرطان، في اكتشافٍ قد يغير فهم العلماء للعلاقة بين المناعة والسرطان ويفتح آفاقاً جديدة للطب الدقيق.

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي

قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي (AIHT) autoimmune hypothyroidism هو أكثر أمراض المناعة الذاتية شيوعاً، ويحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي الغدة الدرقية عن طريق الخطأ، مما يؤدي إلى انخفاض إنتاج هرمونات تُنظم عملية الأيض. ورغم شيوعه لكن آلياته البيولوجية لا تزال غير مفهومة بالكامل.

وقد حددت الدراسة، التي قادها باحثون من معهد برود «Broad Institute» (هو مركز أبحاث طبية حيوية وجينومية يقع في كمبريدج بولاية ماساتشوستس الأميركية)، بالتعاون مع جامعة هلسنكي الفنلندية ومؤسسات أخرى، أكثر من 400 علامة وراثية مرتبطة بالمرض، وهو رقم يفوق بكثيرٍ ما توصلت إليه الدراسات السابقة. ومن بين هذه العلامات قرابة 50 تغيراً في جينات مُرمِّزة للبروتينات ترتبط بوظائف المناعة والغدة الدرقية.

ونُشرت نتائج البحث بمجلة «Nature Genetics»، في 25 فبراير (شباط) 2026، بعد تحليل جينيّ واسع شمل أكثر من 81 ألف شخص مصاب بالمرض، اعتماداً على بيانات مشروع «FinnGen» وهو أكبر مشروع أبحاث طبية في فنلندا يستخدم بيانات البنوك الحيوية، إضافة إلى بيانات بنك البيانات الحيوية بالمملكة المتحدة «UK Biobank».

فصل مكونات المرض وراثياً

يقول مارك دالي، الباحث المشارك في الدراسة من معهد الطب الجزيئي الفنلندي جامعة هلسنكي وعضو معهد برود، إن العمل يرسم مساراً واضحاً لكيفية استخدام علم الوراثة، لا لاكتشاف المتغيرات المرتبطة بالمرض فحسب، بل أيضاً لتقسيمها إلى مكونات مستقلة تمثل جوانب مختلفة منه.

وللمرة الأولى، تمكّن الفريق من التمييز بين العوامل الجينية المرتبطة بخلل المناعة الذاتية عموماً، وتلك الخاصة بوظيفة الغدة الدرقية تحديداً. وأظهرت النتائج أن 38 في المائة من الإشارات الجينية المكتشَفة ترتبط بالمناعة الذاتية، بشكل عام، في حين أن 20 في المائة منها خاصة بالغدة الدرقية كعضو مستهدف.

من جهتها توضح ماري بات ريف، الباحثة الرئيسية في الدراسة من معهد الطب الجزيئي بفنلندا والعالِمة في معهد برود، أن المرض يقع عندما تتقاطع المناعة ووظيفة الأعضاء والتمثيل الغذائي، مشيرة إلى أن جمع هذا العدد الكبير من الحالات منح الفريق القدرة الإحصائية على فصل الجوانب الوراثية المختلفة للمرض.

صلة مفاجئة للوقاية من سرطان الجلد

وتمثَّل أحد أبرز الاكتشافات في أن نحو 10 في المائة من المتغيرات الجينية المرتبطة بزيادة خطر قصور الغدة الدرقية المناعي الذاتي، أظهر، في الوقت نفسه، تأثيراً وقائياً ضد سرطان الجلد.

وظهر ارتباط عدد من هذه الجينات ببروتينات تُعرَف باسم «بروتينات نقاط التفتيش المناعية» checkpoint inhibitors التي تعمل ككابح للجهاز المناعي، لمنعه من مهاجمة الأنسجة السليمة. وتشير النتائج إلى أن المتغيرات التي تقلل نشاط هذه الكوابح قد تؤدي إلى استجابة مناعية أقوى قادرة على مهاجمة الخلايا السرطانية بكفاءةٍ أكبر، لكنها، في المقابل، قد تزيد من احتمال مهاجمة أنسجة الجسم السليمة مثل الغدة الدرقية.

ويحمل هذا الاكتشاف صدى سريرياً مهماً، إذ إن أدوية السرطان المعروفة باسم «مثبّطات نقاط التفتيش المناعية» تعمل على تحرير الجهاز المناعي من قيوده ليهاجم الأورام. ويلاحظ الأطباء أن بعض المرضى الذين يستجيبون جيداً لهذه الأدوية يصابون بقصور الغدة الدرقية كأثر جانبي، وغالباً ما تكون نتائج علاجهم السرطاني أفضل.

ويرى دالي أن النتائج تتسق مع الخبرة السريرية، حيث تُظهر أن المرضى الذين يطوّرون استجابات مناعية ذاتية أثناء العلاج المناعي، غالباً ما يحققون نتائج أفضل في مكافحة السرطان.

نحو فهم أعمق للآليات البيولوجية

تشير الدراسة إلى أن خطر الإصابة بالمناعة الذاتية أو السرطان قد يختلف من شخص لآخر، تبعاً لاختلافاتهم الجينية. ويعمل الفريق حالياً على فهم كيفية إسهام هذه المتغيرات في مكونات المرض المختلفة، تمهيداً لإيجاد سُبل تدخُّل علاجية أكثر دقة.

ويؤكد الباحثون أن علم الوراثة السكاني يمثل أداة قوية لاكتشاف الآليات الأساسية التي تنظّم المناعة، سواء على مستوى عضو محدد كالغدة الدرقية أم على مستوى الجسم ككل.

ويمثل هذا البحث خطوة مهمة نحو الطب الشخصي، حيث قد تساعد الخرائط الجينية التفصيلية مستقبلاً في التنبؤ بخطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية أو السرطان، بل ربما في تصميم علاجات تراعي التوازن الدقيق بين تنشيط المناعة وكبحها.

وفي عالمٍ تزداد فيه أمراض المناعة الذاتية والسرطان على حد سواء، يسلّط هذا الاكتشاف الضوء على حقيقة بيولوجية عميقة هي أن جهازنا المناعي يسير على حبل مشدود، وأن الجينات قد تكون هي ما يحدد اتجاه هذا التوازن الحساس بين الحماية والضرر.