الرياض وبيشكك لتعظيم التعاون في مسارات الاقتصاد الأخضر

علييف لـ«الشرق الأوسط»: نتطلع لتنسيق ثنائي شامل في مجالات الطاقة المتجددة والمناخ والتكنولوجيا

نائب رئيس وزراء قيرغيزستان عادلبيك قاسم علييف يعتمر القبعة التقليدية في بلاده (الشرق الأوسط)
نائب رئيس وزراء قيرغيزستان عادلبيك قاسم علييف يعتمر القبعة التقليدية في بلاده (الشرق الأوسط)
TT

الرياض وبيشكك لتعظيم التعاون في مسارات الاقتصاد الأخضر

نائب رئيس وزراء قيرغيزستان عادلبيك قاسم علييف يعتمر القبعة التقليدية في بلاده (الشرق الأوسط)
نائب رئيس وزراء قيرغيزستان عادلبيك قاسم علييف يعتمر القبعة التقليدية في بلاده (الشرق الأوسط)

بينما تتجه الرياض وبيشكك لتعظيم شراكتهما الشاملة، كشف النائب الأول لرئيس وزراء قيرغيزستان عادلبيك قاسم علييف، عن مساعٍ قرغيزية سعودية لتعظيم التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري في مجالات البنى التحية والطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح وتكنولوجيا الإنتاج الزراعي والاقتصاد الأخضر والمناخ.
وقال النائب الأول لرئيس وزراء قيرغيزستان في حوار مع «الشرق الأوسط» في الرياض: «أثق تماماً أن العلاقات السعودية القيرغيزية ستتطور وتستمر في القوة والتعاون ونتطلع إلى مستقبل أفضل» مرجحاً أن يتضاعف عدد السياح القادمين إلى بلاده العام المقبل إلى 8 آلاف سائح سعودي. وكشف حول أجندة زيارته الأخيرة للسعودية أن اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة بين البلدين يدعم التعاون وآفاقه في المستقبل، خصوصاً الفرص الاستثمارية والاقتصادية والتجارية والمشاريع التي يمكن تنفيذها بالتعاون مع الشركاء في المملكة.

- تحت التنفيذ
وأضاف «أن الاقتصاد القرغيزي بحاجة للاستثمارات؛ لذا ركزت الموضوعات الأساسية التي تباحثناها حول التعاون في عدة مجالات شملت الطاقة واستدامة الطاقة والاقتصاد الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، خصوصاً أن قرغيزستان ثرية باحتياطات موارد الطاقة الكهرومائية، فبلادنا تستغل 10 في المائة فقط من هذه الطاقة، ونريد تفعيلها من خلال جذب الاستثمارات السعودية للبلاد».
وتابع: «في مجال الزراعة لدينا إمكانات ضخمة للإنتاج الزراعي، إذ إن الأرض خصبة، وهناك وفرة في المياه العذبة ومياه الري بكميات كبيرة في مناطق الجبال، وتحدثنا أيضاً عن هذه الفرص الاستثمارية، بجانب مجال السياحة وسبل تطوير المجال، والتعاون في القطاع خصوصاً أن البلاد تتمتع بإمكانات سياحية كبيرة في ظل توافر الإمكانات التكنولوجية الممكنة للاستثمار في القطاع، وقطاع التكنولوجيا الحديثة وتبادل الخبرات».
ووفق النائب الأول لرئيس الوزراء القرغيزي، شملت المباحثات الثنائية، سبل تطوير التعاون في المجالات الاجتماعية والتعليم والعلوم والصحة والثقافة كعقد مواسم ثقافية في البلدين، بجانب التعاون في مجال البنية التحتية وتطويرها في تنفيذ المشاريع البنى التحتية، حيث يوجد تعاون في هذا الصدد مع الصندوق السعودي للتنمية، مشيراً إلى مساعٍ جارية حالياً لتنفيذ مشاريع في قيرغيزستان مثل بناء الطرق، وبرنامج الإسكان.
وزاد قاسم علييف: «سبق أن اتفقنا على ترتيب زيارة عمل سعودية إلى قيرغيزستان برئاسة وكيل وزارة الاستثمار السعودية والشركات السعودية الكبيرة في الفترة من 27 إلى 29 نوفمبر (تشرين الثاني)، لاستكشاف الفرص عن قرب وترجمة التعاون الاقتصادي الثنائي على أرض الواقع».

- استكشاف الفرص
ويستطرد: «في محضر اللجنة الحكومية المشتركة في الرياض وضعنا الطاقة وبقية المجالات محل اهتمام البلدين لتعزيز التعاون في مختلف المجالات والفرص المتاحة واستكشاف الفرص الجديدة، وتوصلنا إلى توجيه فريق عمل إلى شركات كبيرة بقيرغيزستان لدراسة الفرص الاستثمارية المتاحة في جميع المجالات مثل الطاقة والمعادن والسياحة والزراعة في البلاد خلال اليومين المقبلين».
وحول انعكاسات إطلاق نظام الإعفاء من التأشيرة لمدة 60 يوماً للسعوديين على السياحة بين البلدين وخطة تطوير النظام لزيادة مدته، قال قاسم علييف: «هذا النظام يعمل منذ عام 2012، لمدة 10 أعوام فالمواطن السعودي لا يحتاج تأشيرة للدخول إلى قيرغيزستان، ويمكنه التواجد لمدة شهرين في البلاد».
وأضاف: «لما رأينا زيادة في عدد السعوديين الراغبين في السفر إلى بلادنا وجدنا إتاحة شهرين للزيارات المتعلقة بالاستمتاع بأجواء الإجازات السنوية، أما فيما يتعلق برجال الأعمال السعوديين وجدنا هناك حاجة لاستثناء لمن يرغب منهم لزيارة البلاد... لذلك نفكر حالياً في زيادة مدة تأشيرة الزيارة حتى يكون حافزاً لهم لإطلاق أعمالهم واستثماراتهم في البلاد».

- السياح السعوديون
وتوقع قاسم علييف، زيادة السياح السعوديين لبلاده خلال العام الحالي، مرجحاً أن يتضاعف عددهم إلى 8 آلاف سائح في ظل تزايد عدد السياح من دول خليجية وعربية أخرى فضلاً عن القادمين من دول أخرى من العالم، مشيراً إلى أنه قبل جائحة كرونا بلغ عدد السياح السعوديين 7 آلاف سائح، أما خلال الجائحة فكان العدد أقل بكثير لصعوبة الوضع، ولكن بدأ عدد السعوديين الزائرين للبلاد يزيد منذ عام 2021 حتى بلغ 4 آلاف.
ووفقاً للبيانات الرسمية للجمهورية القيرغيزية، فإن عدد القادمين من السعودية المندرجين ضمن تصنيف منظمة السياحة العالمية، بلغ 5340 سائحاً خلال الـ9 أشهر لعام 2022، بينما في عام 2021 بلغ عدد المواطنين السعوديين 3399 شخصاً، وفي عام 2020 كان عدد المواطنين السعوديين صفراً خلال فترة الوباء.
وأوضح قاسم علييف، أن مجموع السعوديين القادمين لبلاده خلال الـ5 أعوام الأخيرة، بلغ عددهم 30.6 ألف سائح، فيما بلغ عدد المواطنين السعوديين 6771 مواطناً في عام 2019، وكان العدد 9994 سائحاً في عام 2018.
وعلى الصعيد القرغيزي الخليجي، أوضح النائب الأول لرئيس الوزراء القرغيزي، أن عدد السياح من دول الخليج لبلاده لمدة 9 أشهر من عام 2022 بلغ 12.1 ألف سائح خليجي، منهم 595 بحرينياً، و2076 كويتياً و5340 سعودياً وً4146 إماراتياً.
- ازدهار اقتصادي
على الصعيد القرغيزي، قال قاسم علييف: «خلال الـ8 أشهر الماضية خلال عام 2022، نلاحظ نمواً اقتصادياً في البلاد بلغ 7 في المائة، خصوصاً أن لدينا نمواً في مجال الصناعة وهو مجال حيوي مهم ويدر دخلاً كبيراً للبلاد، وينمو القطاع الزراعي بشكل جيد، وكذلك قطاع الخدمات، فيما تعد قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح قطاعات واعدة».
وأضاف قاسم علييف: «نركز حالياً على الطاقة لاحتياطاتنا الضخمة في موارد الطاقة، خصوصاً الطاقة الكهرومائية، فخلال الـ30 عاماً نستخدم من حجم الطاقة الكهرومائية ما يكفينا؛ ولذلك لم يكن هناك اهتمام بتطوير هذا القطاع، ولكن حالياً أصبحت هناك حاجة لزيادة إنتاجنا من الطاقة الكهرومائية، نسبة لزيادة نمو الاقتصاد ولذلك بدأنا نطور حالياً القطاع».
وتابع: «لدينا حالياً شركاء من كوريا الجنوبية وتركيا للاستثمار في الطاقة الكهرومائية، لأنها أرخص أنواع الكهرباء، وهناك شركات أجنبية للاستثمار في محطات الطاقة الكهرومائية، بجانب الشركات المحلية والقطاع الخاص المحلي الذين يستثمرون في محطات كهرومائية صغيرة الحجم، وتركز الحكومة على بناء المحطات الشمسية وطاقة الرياح، حيث ننتج في السنة 15 مليار كيلواط في الساعة، ولذلك نجذب الاستثمار الأجنبي في القطاع».

- منجم «كومتور»
على صعيد الفوائد التي جنتها قيرغيزستان من عودة ملكية منجم ذهب كومتور إلى البلاد، ومدى التزام الطرفين القرغيزي والكندي بهذا الصدد، شدد قاسم علييف، على أن ملكية المنجم آلت هذا العام إلى البلاد بنسبة 100 في المائة لبلاده، مبيناً أن المفاوضات مع الشركة الكندية بشأنها كانت ناجحة. وقال قاسم علييف: «اتفقنا على حل الصفقة بشكل سلمي، حيث إنه قبل أن تؤول ملكية منجم شركة كومتور إلى البلاد، كانت الشركة الكندية تزود الخزينة بـ10 مليارات دولار سوم، ففي العام الماضي أعطتنا 125 مليون دولار، أما في هذا العام خلال 10 شهور أمدت خزينتنا بما يعادل 300 مليون دولار بزيادة 4 أضعاف، حيث إن الشركة، قبل أن يؤول المنجم إلى البلاد، كانت تعطينا 70 مليون دولار فقط خلال الأعوام الماضية».

- الأزمة الأوكرانية
وحول تأثيرات الأزمة الروسية الأوكرانية على الاستقرار والاقتصاد والغذاء على مستوى العالم وفي أوروبا وعلى الجانب القرغيزي بشكل خاص، أكد قاسم علييف أن الأزمة، أثرت على جميع اقتصادات دول العالم بما في ذلك الاقتصاد القرغيزي، فيما ارتفعت الأسعار في كل المنتجات والسلع، فكان تأثيرها سلبياً على الاقتصاد العام، بينما تراجعت إيرادات الاتحاد الجمركي بالنسبة للاقتصاد عموماً.
ووفق النائب الأول لرئيس وزراء قيرغيزستان، فإن المؤشرات تشير إلى أن ميزانية الدولة كانت 300 مليار (سوم) مشيراً إلى أنه بعد حدوث هذه الأزمة تراجعت إيرادات الخزينة القرغيزية 1 في المائة، بما يقدر بقيمة 3.5 مليار (سوم) وتعادل 41.5 مليون دولار.


مقالات ذات صلة

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

خاص محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

أعلنت شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» تحولاً استراتيجياً في مركزها المالي.

الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

يقود صندوق الاستثمارات العامة التحول الاقتصادي عبر استثمارات استراتيجية تعزِّز التنويع، وتمكِّن القطاع الخاص، وترسِّخ مكانة المملكة عالمياً.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030».

دانه الدريس (الرياض)

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» في «اجتماع الوداع»: بين نيران «هرمز» وصراع الاستقلالية

باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)
باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية في مارس الماضي (رويترز)

يتجه مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو عقد اجتماع تاريخي يوم الأربعاء المقبل، في لحظة توصف بأنها «منعطف السيادة والرحيل»؛ إذ يُفترض أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول قبل انتهاء ولايته في منتصف مايو (أيار) المقبل.

ويأتي هذا الوداع المرتقب يومي 28 و29 أبريل (نيسان) وسط أجواء مشحونة تضع المؤسسة النقدية الأقوى في العالم في عين عاصفة مزدوجة؛ حيث تتقاطع نيران الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط مع صراعات النفوذ السياسي داخل واشنطن، مما يجعل قرار تثبيت أسعار الفائدة المتوقع في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة مجرد قشرة خارجية لتعقيدات أعمق بكثير.

لقد بات المشهد الاقتصادي الذي يغادر فيه باول منصبه محكوماً بجغرافيا سياسية متفجرة، بعدما تسببت المواجهات العسكرية في مضيق هرمز في إرباك سلاسل الإمداد العالمية ورفع تكاليف الطاقة إلى مستويات حرجة. هذا الواقع الجيوسياسي الجديد أعاد إحياء شبح التضخم الذي قفز في مارس (آذار) الماضي إلى 3.3 في المائة، مما أجبر «الاحتياطي الفيدرالي» على التخلي عن خطط التيسير النقدي والتمسك بسياسة «الانتظار والترقب». وبدلاً من أن ينهي باول حقبته بانتصار ناجز على الغلاء، يجد نفسه مضطراً لترك الدفة وسط «صدمة طاقية» تعصف بميزانيات المستهلكين والشركات على حد سواء، مما يجعل أي حديث عن خفض قريب للفائدة أمراً سابقاً لأوانه.

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

أما على الصعيد القانوني والسياسي في واشنطن، فلم تكن رحلة الخروج لباول أقل تعقيداً، إذ عاشت أروقة «الفيدرالي» حالة من «الحصار السياسي» نتيجة الضغوط المستمرة من البيت الأبيض، والتي بلغت ذروتها في التحقيقات التي طالت تكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. ورغم أن الأيام القليلة الماضية شهدت انفراجة مشوبة بالحذر بقرار وزارة العدل الأميركية إسقاط التحقيق الجنائي وإحالته إلى المفتش الداخلي، إلا أن هذه «المناورة» تركت أثراً عميقاً في علاقة البنك بالسلطة التنفيذية، خصوصاً بعدما وصفها باول سابقاً بأنها وسيلة ضغط سياسي واضحة.

إن هذا التحول في الموقف القانوني قد يمهد الطريق لانتقال أكثر سلاسة للسلطة النقدية، ويزيل حجر العثرة أمام تأكيد خليفته المرتقب كيفين وارش في مجلس الشيوخ، خاصة بعدما رهن مشرعون بارزون موافقتهم بإنهاء هذا الملف القضائي المثير للجدل. وتترقب الأسواق الآن المؤتمر الصحافي لباول، ليس فقط لسماع قراءته للأرقام، بل لاستنباط موقفه النهائي وحسم التكهنات حول ما إذا كان سيغادر مجلس المحافظين بالكامل، أم سيبقى عضواً حتى عام 2028 لضمان انتقال آمن وصون استقلالية القرار النقدي في وجه الهجوم العنيف الذي تتعرض له المؤسسة.

وارش يؤدي اليمين الدستورية خلال جلسة استماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ب)

في المقابل، يبرز اسم كيفين وارش كخليفة يتأهب لقيادة «ثورة تصحيحية» داخل «الفيدرالي»، واعداً بتغيير جذري في طريقة تواصل البنك مع الأسواق وتقليص ميزانيته العمومية المتضخمة. هذا الانتقال من «عهد باول» إلى «عهد وارش» يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر النقدي الأميركي؛ حيث يسعى وارش إلى تقليل الاعتماد على «التوجيهات المستقبلية» المفصلة والعودة إلى نهج أكثر حزماً تجاه التضخم.

وبينما يطوي باول أوراقه في هذا الاجتماع الأخير، يظل السؤال المعلق في فضاء الاقتصاد العالمي: هل سيتمكن «الفيدرالي» من الحفاظ على بوصلته المستقلة وسط هذه الرياح العاتية، أم أن «نظاماً جديداً» قد بدأ يتشكل بالفعل تحت ضغط الأزمات الدولية والتقلبات السياسية؟


«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
TT

«رؤية 2030» تُعيد تعريف ثروات السعودية من مورِّد للنفط إلى مركز عالمي للطاقة

إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)
إحدى محطات الطاقة الشمسية في السعودية (واس)

لم تكتفِ السعودية بما حققته على مدى عقود من مكانة راسخة بوصفها المورِّد الأكثر موثوقية للطاقة في العالم، بل آثرت أن تُعيد النظر في علاقتها بثرواتها، وأن تسأل سؤالاً مختلفاً: كيف نجعل ما لدينا يعمل بأقصى طاقته؟ في عالم يتغيّر بسرعة.

كان ذلك جوهر ما جاءت به «رؤية 2030»، حين رأت في تنويع مصادر الطاقة وتعظيم قيمة النفط والغاز فرصاً ثمينة لتحقيق مزيد من الازدهار، مواكبةً للمتغيرات البيئية التي يشهدها العالم. وكانت أولى العلامات الدالة على هذا التحول إعادةُ تسمية وزارة البترول والثروة المعدنية لتصبح وزارة الطاقة، في إشارة واضحة إلى توسيع الأفق من النفط والغاز وحدهما إلى منظومة طاقة شاملة تضم المتجددة في صميمها.

أرض مؤهلة بطبيعتها

لم يكن الاختيار بلا دراسة. فالمملكة تمتلك من الممكِّنات الجغرافية ما يجعلها في مكانة تنافسية استثنائية؛ مناخ يُساعد على نجاح مشروعات الطاقة الشمسية، ومساحات شاسعة ملائمة لمشروعات طاقة الرياح، وتنوع جغرافي يُسهم في تنمية طاقة الهيدروجين، كل ذلك مدعوماً بقدرات استثمارية وخبرات بحثية متراكمة.

على هذه الأرض الخصبة، انطلقت سلسلة من المبادرات والمشروعات؛ إذ أُطلق البرنامج الوطني للطاقة المتجددة، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين للطاقة المتجددة، وأُسس المركز الوطني لبيانات الطاقة المتجددة، لتتبعها مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بهدف تعزيز كفاءة توليد الكهرباء.

والنتيجة أرقام تتحدث بوضوح: ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من 3 غيغاواط عام 2020 إلى 46 غيغاواط عام 2025. وبلغ إجمالي المشروعات المرتبطة بهذا القطاع 64 مشروعاً تتوزع بين 40 مشروعاً للطاقة الشمسية، و9 مشروعات لطاقة الرياح، و15 مشروعاً لتخزين الطاقة.

الهيدروجين: الرهان الكبير

في قلب مدينة نيوم، يُولد مشروعٌ لا مثيل له على وجه الأرض؛ إنه مشروع الهيدروجين الأخضر، الأكبر والأول من نوعه عالمياً، بطاقة إنتاجية تبلغ 600 طن من الهيدروجين الأخضر يومياً.

ولدعم هذا التوجُّه، انطلقت المرحلة الأولى من مركز ينبع للهيدروجين الأخضر، مزوَّداً بمنشآت لتوليد الكهرباء من مصادر متجددة، ومحطات لتحلية المياه، ووحدات للتحليل الكهربائي، ومنشآت لتحويل الهيدروجين إلى أمونيا خضراء، فضلاً عن محطة تصدير مخصصة.

مدينة «أوكساجون» في السعودية (نيوم)

سباق البطاريات... والمملكة تقترب من الصدارة

الأرقام في قطاع تخزين الطاقة لا تقل إثارة؛ إذ تقترب المملكة من الصين في سباق تكلفة مشروعات تخزين البطاريات على المستوى العالمي، بتكلفة تبلغ 409 دولارات للكيلوواط للمشاريع ذات السعة التخزينية لأربع ساعات، مقارنة مع 404 دولارات للصين.

وقد بلغت إجمالي سعات مشروعات تخزين الطاقة المطروحة 30 غيغاواط/الساعة، بينما وصل ما ربط منها بالشبكة الكهربائية إلى 8 غيغاواط/الساعة.

وفي إنجاز لافت، نجحت «أرامكو» في تشغيل أول نظام تخزين طاقة متجددة من نوعه عالمياً لدعم عمليات إنتاج آبار الغاز، بقدرة 1 ميغاواط/ساعة، يدعم تشغيل 5 آبار لمدة 25 عاماً. ويعتمد هذا النظام على براءة اختراع سعودية، ويُمثل بديلاً موثوقاً لحلول الطاقة الشمسية التقليدية، بكفاءة عالية في الظروف المناخية القاسية واستجابة ذكية لاحتياجات الطاقة المتغيرة.

«سبارك»... حين تُصبح الصناعة هي القيمة

أدركت «رؤية 2030» أن الإنتاج وحده لم يعد كافياً، وأن القيمة الحقيقية تكمن في بناء صناعات وتوطين سلاسل الإمداد وتعزيز المحتوى المحلي. من هنا وُلدت فكرة مدينة الملك سلمان للطاقة «سبارك»، باستثمارات تفوق 12 مليار ريال 3.2 مليار دولار، وأكثر من 60 مستثمراً محلياً وعالمياً.

تقع «سبارك» في موقع استراتيجي قريب من مصادر الطاقة وشبكات الشحن والتصدير، وتضم ميناءً جافاً يتيح وصولاً أسرع. وقد افتُتح حتى الآن 7 مصانع، بينما يجري حالياً إنشاء 14 مصنعاً آخر.

توازن لا تفريط

في حين يتجه العالم نحو التحول لبدائل النفط والغاز، تتبنى المملكة رؤية مغايرة ترى أن التحول المتسرع قد يُضر بأمن العالم ونموه، في ظل عدم قدرة الطاقة المتجددة وحدها على تلبية الاحتياجات التنموية بشكل كامل.

لذا تواصل المملكة الاستثمار في استكشاف الحقول النفطية وتطويرها، ومن أبرز ذلك تطوير حقل الجافورة غير التقليدي، الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، الذي سيُسهم في تعظيم سلاسل قيمة الغاز والصناعات البتروكيميائية.

وهكذا تسير المملكة على خط دقيق يجمع بين صون إمدادات الطاقة للعالم، والدفع بالاستثمار في التقنيات التي تُزيل الانبعاثات الكربونية؛ لتكون اليوم مركزاً شاملاً للطاقة، ونموذجاً في الإدارة الرشيدة.


محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.