إيمانويل ماكرون خلال 2022... بين هموم الداخل وإخفاقات الخارج

الرئيس الفرنسي ما زال قوياً وقادراً على المناورة رغم فقدانه الغالبية البرلمانية

الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)
TT

إيمانويل ماكرون خلال 2022... بين هموم الداخل وإخفاقات الخارج

الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)

من حق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يشعر بالاعتزاز في الأيام الأخيرة من العام 2022، فزيارة الدولة المطوّلة التي قام بها إلى الولايات المتحدة بداية ديسمبر (كانون الأول) الجاري، جاءت لتضعه في مرتبة خاصة، إذ إنها الأولى التي تجري في عهد الرئيس جو بايدن الذي استنفد كامل مروحة التكريمات البروتوكولية لإبراز العلاقة القوية التي تربطه بضيفه الفرنسي شخصياً من جهة، والتقدير الأميركي غير المتناهي للدور الفرنسي بشكل عام وتعلق بلاده بالصداقة الأميركية - الفرنسية من جهة أخرى. ثم إن ماكرون يتميز عن كل من سبقه إلى قصر الإليزيه بأنه الوحيد، طيلة ستين سنة الذي حظي بزيارتَي دولة إلى واشنطن. وما كان لهذا أن يتحقق لولا نجاحه خلال الربيع الماضي، في التربّع على عرش السلطة لولاية جديدة من خمس سنوات، وقد حقق بذلك إنجازاً لم يُتَح لسابقيه فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوزي. بل رغم خسار ماكرون الغالبية المطلقة في البرلمان المنتخب بشهر يونيو (حزيران)، فإنه أحسن الاختيار بتسمية إليزابيت بورن رئيسة للحكومة. فهذه الأخيرة نجحت في إثبات حضورها واللعب على حبل التناقضات بين المعارضات المتناحرة يميناً ويساراً، معتدلة ومتطرفة. وعندما تُسد بوجهها السبل وتجد صعوبة في جمع غالبية ظرفية لتمرير مشاريع القوانين في البرلمان، فإن ماكرون دأب على تمكينها من اللجوء إلى الفقرة 39 من الدستور التي تتيح لها طرح الثقة بحكومتها وربط مصيرها بمصير مشروع القانون المطروح على التصويت. ولأن الرئيس كان قد لوح سلفاً للمعارضة باستخدام «سلاح الردع»، أي حل المجلس النيابي... في حال سقوط الحكومة، ولأن لا أحد اليوم يريد الرجوع إلى صناديق الاقتراع، فإن النتيجة الماثلة أمام الجميع هي أن الحكومة ما زالت واقفة على قدميها، وتتأهب لطرح مشروع قانون تعديل سن التقاعد في العاشر من الشهر المقبل. ويبدو شبه مؤكد أنها ستلجأ مجدداً إلى سوط الفقرة 39 لتمريره.
يستطيع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حقاً، الدفاع بثقة عن محصلة إدارته لشؤون بلاده وأن يقارن وضعها بوضع شركاتها في الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها ألمانيا أو مع جارتها بريطانيا. ففرنسا لا تعرف -حتى الآن- حراكاً اجتماعياً اعتراضياً يُعتدُّ به رغم ارتفاع كلفة الكهرباء والغاز والخدمات والتضخم وانهيار القدرة الشرائية للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة.
في المقابل، تعيش بريطانيا إرباكات سياسية وتواجه نزعات انفصالية -كما في حالة اسكوتلندا- وتراجعاً اقتصادياً وإضرابات واحتجاجات شعبية وتمرداً على مستوى الكومنولث. وبعكس فرنسا، فإن منتخبها الكروي أُخرج من سباق المونديال باكراً رغم أدائه الجيد ما ضاعف من خيبة لاعبيه ومناصريه والشعب البريطاني بأسره. وهذا بينما كان الشعور في باريس، رغم خسارة المنتخب الفرنسي المباراة النهائية بوجه الأرجنتين يوم الأحد 18 ديسمبر في الدوحة، يغلب عليه الامتنان لما فعله نجمه كيليان مبابي ورفاقه. ولم يتردد الرئيس ماكرون في السفر إلى قطر مرتين خلال أسبوع واحد... لا بل إنه نزل إلى أرض الملعب لتقديم الشكر للفريق على إنجازاته.
- جانب أقل إشراقاً
بيد أن كل هذه العناصر لا ترسم سوى الجزء الإيجابي من المشهد الفرنسي السياسي الداخلي. إذ إن جزأه الثاني يبدو أقل إشراقاً حيث يختلف «ماكرون 2» يختلف عن «ماكرون 1».
الأول كان الحاكم بأمره. حزبه «الجمهورية إلى الأمام» كان مطواعاً كالخاتم في إصبعه، وشركاؤه في الحكم ما كانوا يردّون له طلباً. أما الآن، ولأنه لم يعُد قادراً على الترشح لولاية ثالثة، فإن معركة خلافته قد فُتحت وهناك عدد من الطامحين.
لذا، يجد الرئيس نفسه مضطراً للنزول من عليائه الرئاسية والمساومة وتدوير الزوايا، مع تجنب استفزاز الشارع كي لا تتكرّر تجربة احتجاجات «السترات الصفراء» التي هزّت أركان ولايته الأولى في العامين 2019 و2020.
أيضاً تتوجب الإشارة إلى أن ديون فرنسا العامة وصلت إلى مستويات قياسية لم تعرفها سابقاً. ففي الفصل الأول من العام المقبل، ستكون قد تخطت سقف الـ3000 مليار يورو، وهو الأعلى في تاريخها بحيث تصل المديونية إلى نسبة 113.7% من الناتج المحلي الخام. ومع هذا العبء الكبير ستزداد كلفة خدمة الديون السنوية -أي الفوائد- على خمسين مليار يورو، وذلك لسببين رئيسيين هما:
الأول، بطبيعة الحال، ارتفاع أرقام المديونية ما يعني آلياً ارتفاع قيمة الفوائد.
والثاني، أن معدل فائدة الديون قد ارتفع عالمياً بسبب التضخم. وخلال سنة واحدة فقط استدانت فرنسا 115 مليار يورو إضافي. ولا تفيد المؤشرات المتوافرة عن تحسن في وضع المديونية الفرنسية بناءً على ما تضمنته ميزانية العام 2023. وعليه لم تتوانَ الهيئات الرقابية في الداخل والخارج عن انتقاد السياسات التي تسير عليها الحكومة. بيد أن الأخيرة تفسّر ارتفاع قيمة وخدمة الديون بالسياسة التي انتهجها الرئيس ماكرون لمواجهة تبعات «كوفيد - 19» وبالتدابير المالية التي اتُّخذت خلال الأشهر الأخيرة للحد من عبء المحروقات على المستهلكين والمساعدات المالية التي قُدمت للشرائح الأكثر هشاشة لمواجهة موجة الغلاء والتضخم. وهو تضخم لم تعرف فرنسا مثيلاً له، كما البلدان المتقدمة الأخرى منذ أربعين سنة.
- الملف الأوكراني: خيبة من بوتين
من جهة ثانية، ثمة من يزعم أن ماكرون يعوّض عن تراخي قبضته في الداخل بالإكثار من الحراك الخارجي. وما يمكّنه من ذلك أن الدستور الفرنسي يضع بين يديه السياستين الخارجية والدفاعية. فهو الذي يرسمهما ويقودهما ويشرف عليهما والوزراء ينفذون. وثمة من يرى من الدستوريين أن رئيس الجمهورية الفرنسية يتمتع بسلطات تضاهي سلطات الملك لويس الرابع عشر. من هنا، ومع نهاية العام 2022، يصح التساؤل حول محصلة دبلوماسية ماكرون للعام المنقضي في ملفات رئيسية كالملف الأوكراني والعلاقة مع نظيره بوتين أو سياسة فرنسا الأفريقية والملف اللبناني والملف النووي الإيراني والجفاء بين باريس وبرلين. والحقيقة أنه بين كل الملفات المشار إليها، استحوذ الملف الأوكراني على القسط الأكبر من اهتمامات دبلوماسية ماكرون، وذلك منذ ما قبل بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. فالرئيس الفرنسي زار نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في الثامن من الشهر نفسه واستحصل منه على وعود أحدها إعادة القوات الروسية إلى مواقعها حالما تنتهي مناوراتها العسكرية أكانت مع القوات البيلاروسية أو قرب المشتركة الروسية - الأوكرانية. كذلك، زار العاصمة الأوكرانية كييف مرتين آملاً في الاستفادة من «العلاقة الخاصة» التي كان يعتقد أنه نسجها مع بوتين خلال ولايته الأولى. فقد كان ماكرون قد دعا بوتين إلى فرنسا مرتين، وإحداهما ذات معنى خاص، إذ كانت وجهتها صيف العام 2019 «حصن بريغونسون» المنتجع الرئاسي المطل على مياه المتوسط. كما أنه دافع دوما عن «انتماء روسيا إلى أوروبا» وعن الحاجة إلى «ربطها بالعربة الأوروبية» كي لا تلحق بالصين... وتشكل معها قوة توازن بوجه الغرب.
وخلال الأسابيع والأشهر التي تلت انطلاقة الحرب، بقي ماكرون على تواصل مع الرئيس الروسي رغم الانتقادات التي وُجهت إليه، خصوصاً من دول بحر البلطيق وبولندا وغيرها من دول شرق أوروبا، لما عدّته «تساهلاً» مع بوتين. وبالتوازي، كان ماكرون على تواصل شبه دائم مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وغالباً ما أكد أن الأخير هو من يدعوه لاستمرار الاتصال ببوتين. إلا أن تصريحات سابقة لماكرون مثل «لا يجوز إذلال الرئيس الروسي»، أو أخيراً عندما لفت إلى الحاجة لـ«تقديم ضمانات أمنية لروسيا»، هشّمت صورته إلى حد بعيد، علماً بأن باريس، منذ شهر مارس (آذار) الماضي أصبحت من أشد المنددين بموسكو. وبعدما كانت تتردد في تسليم القوات الأوكرانية أسلحة، تغير موقف باريس من النقيض إلى النقيض. ويوم 13 الجاري، استضافت العاصمة الفرنسية مؤتمرين، أحدهما دولي والآخر ثنائي فرنسي - أوكراني افتتحهما ماكرون وزيلينسكي معاً، وكان هدف الأول توفير الدعم للاستجابة للحاجات الأوكرانية الطارئة (كهرباء، ومياه، وصحة، ونقل، وأمن غذائي، وبنى تحتية) لتمكين أوكرانيا من تمضية فصل الشتاء بعد تركيز الروس على قصف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية. ونجحت فرنسا بالفعل في توفير ما يزيد على مليار يورو لهذه الأغراض. وعدّت مبادرة باريس مسعى لإبراز وقوفها إلى جانب كييف بينما لم يتردد زيلينسكي بوصف ماكرون بـ«العزيز إيمانويل» مقابل «العزيز فولوديمير».
من جانب لآخر، منذ أكثر من شهر، يؤكد ماكرون أنه سيتصل ببوتين ولكن هذه المرة لدعوته لوقف مهاجمة المنشآت المدنية الأوكرانية التي وصفها بأنها «جريمة حرب» ومن أجل سحب الأسلحة مختلفة الأنواع من محيط محطة زابوروجيا النووية. لكن الاتصال لم يحصل. وحتى الساعة، ليس هناك تاريخ محدد للتواصل بين الرئيسين. ووفق مصادر أوروبية في باريس، فإن ثمة «تمنعاً» روسياً بقبول التواصل مجدداً مع ماكرون، لسبيين اثنين:
الأول، أن الكرملين يرى أن فرنسا لم تعد مؤهلة للعب دور الوسيط «لأن مواقفها لم تعد مختلفة عن المواقف الأميركية والأطلسية» بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا، وأنها تنشط لشد الخناق الدبلوماسي والاقتصادي على موسكو.
والآخر، أن موسكو لم تتردّد في التعبير عن حنقها من بث القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي برنامجاً وثائقياً ليل 30 يونيو الماضي تضمّن تسجيلاً مصوّراً لمكالمة هاتفية من تسع دقائق حصلت يوم 20 فبراير الماضي، بين ماكرون وبوتين. وعلق لافروف في 6 يوليو (تموز) على هذا بقوله: «إن الأعراف الدبلوماسية لا تتقبل تسريبات أحادية الجانب لتسجيلات كهذه». وفي المحصلة، لا يمكن القول إن دبلوماسية ماكرون قد أصابت نجاحاً في ملف رئيسيّ كالحرب في أوكرانيا رغم الجهود التي بذلها بل إن بعض مبادراته شوشت صورته لدى الطرفين الروسي والغربي.
- الطلاق مع ألمانيا
على المستوى الأوروبي أيضاً، من نافل القول التذكير بأن ألمانيا وفرنسا تُعدّان، تاريخياً، «القاطرة» التي تدفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام. ومنذ ستة عقود، عمل قادة البلدين يداً بيد، مثل الجنرال شارل ديغول وكونراد أديناور، وفاليري جيسكار ديستان وهيلموت شميت، أو فرنسوا ميتران وهيلموت كول... بل حتى ماكرون وأنجيلا ميركل. وعندما تصاب هذه العلاقة بالاهتزاز تتوقف المسيرة الأوروبية.
لكن منذ مجيء أولاف شولتس إلى المستشارية في برلين قبل سنة تماماً، غابت الحرارة عن العلاقة بينه وبين ماكرون، ولم يكن الجانب الشخصي المسؤول الأوحد. فلقد بينت أشهر العام 2022 عن اختلاف الرؤى بين الجانبين الأمر الذي برز بقوة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما أجل الاجتماع السنوي الرئيسي بين حكومتي البلدين الذي كان مفترضاً انعقاده برئاسة ماكرون وشولتس في ذلك الشهر في قصر فونتينبلو التاريخي الواقع جنوب باريس.
الطرفان سعيا لإخفاء الأسباب الحقيقية التي حالت دون التئامه، ولكن دون جدوى. وبرزت في الأفق ثلاثة ملفات خلافية، اعتبرت باريس أن برلين تخلت فيها عن التضامن معها مفضلةً عليها خيارات أخرى. ويأتي في مقدمها ملف بناء درع دفاع جوي أوروبي الذي قادته ألمانيا بمشاركة 14 دولة أوروبية ولكن من دون فرنسا. وما أزعج باريس أن قرار برلين، التي قرّرت تخصيص 100 مليار يورو لتعزيز قواتها المسلحة، جاء لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل بينما بقيت الصناعات الدفاعية الأوروبية على الهامش... مع أن فرنسا وإيطاليا تعملان على بناء دفاعات صاروخية.
ويضاف إلى ما سبق أن برلين وباريس تختلفان بشأن تحديد سقف لأسعار الغاز الروسي على غرار ما حصل بالنسبة للنفط. وبينما باريس تدفع بالشروع إلى الأمام، تعارض برلين ذلك -مدعومة من الدنمارك وهولندا- مخافة أن تتوجه شحنات الغاز إلى الأسواق التي توفر العائد الأعلى. أيضاً، فإن الجانبين يتناقضان في رؤية خطة برلين دعم صناعاتها، إذ ترى فيها باريس ضرباً للمنافسة الشريفة. ويضاف إلى كل ذلك أن مجموعة من المشاريع الصناعية الدفاعية المشتركة (طائرة قتالية مشتركة، دبابة المستقبل...) لم تحقق اختراقات ذات معنى، بل استدارت ألمانيا نحو الولايات المتحدة لتجديد قوتها الجوية بتوقيع عقد لشراء طائرة «إف 35» متجاهلةً طائرة «رافال» الفرنسية القتالية. وهكذا، ترى فرنسا أن خيارات ألمانيا تعني نسف الطموحات الأوروبية لبناء صناعات دفاعية مشتركة ومنافسة، وتضعف الدعوة لاستقلالية دفاعية واستراتيجية أوروبية.
الثابت حتماً أن الحرب الروسية واقتراب الخطر يدفعان ألمانيا لمزيد من التقارب مع واشنطن على حساب علاقاتها الأوروبية. بيد أن الجانبين الفرنسي والألماني سعيا في الأسابيع الأخيرة إلى قلب صفحة الخلافات فتكاثرت الزيارات الوزارية المتبادلة في الاتجاهين، وزار شولتس باريس للتعويض عن الاجتماع المشترك المؤجل ما خفّض حرارة التوتر. وكان لافتاً أن ماكرون كلف شولتس تمثيله في «قمة الاتحاد الأوروبي - منظمة دول جنوب شرقي آسيا»، ما يدل على الرغبة في التقارب مجدداً بانتظار الاجتماع الحكومي الموسع الشهر المقبل بمناسبة الذكرى الستين للتوقيع على «معاهدة الإليزيه» التي كرست المصالحة بينهما.
- إيران: الدبلوماسية الخاسرة
> يوم 20 سبتمبر (أيلول) الماضي وبعد أربعة أيام على «وفاة» الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني، اجتمع الرئيس إيمانويل ماكرون في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بنظيره الإيراني إبراهيم رئيسي لمناقشة مصير الاتفاق النووي الذي وصلت المفاوضات بشأنه بين طهران والغربيين بوساطة أوروبية إلى طريق مسدود.
الاجتماع كان الأول وجهاً لوجه، لكن ماكرون سبق أن تواصل مع رئيسي غير مرة، وكان الرئيس الغربي الوحيد الذي بقي ثابتاً في التواصل بشكل منهجي مع السلطات الإيرانية مهما كان لونها السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنه سعى عام 2019 لوساطة بين طهران وواشنطن لا بل إنه دفع للتواصل ولكن دون نتيجة بين الرئيسين دونالد ترمب وحسن روحاني.
أيضاً كان ماكرون من أشد المدافعين عن الاتفاق النووي، وحاول إيجاد آلية للالتفاف على العقوبات الأميركية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترمب لإقناع روحاني بالبقاء داخل الاتفاق. لكن الجهود الفرنسية ومعها الأوروبية ممثلة في «وزير» خارجية الاتحاد جوزيب بوريل لم تؤتِ ثمارها، لا بل إن العلاقات بين باريس وطهران بالغة السوء في الوقت الحاضر، لجملة أسباب منها أن باريس، كما العواصم الغربية، تحمّل طهران مسؤولية فشل المفاوضات، ولم تعد باريس تتردد في التنديد بإيران لا بل تهديدها بنقل الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي ما يعني آلياً إعادة فرض العقوبات الدولية عليها بموجب آلية «سناب باك» التي لا تحتاج لقرار جديد من مجلس الأمن. وبالتوازي، فإن باريس قلقة من تطور البرنامج النووي الإيراني ومما يشكله من خطر على الإقليم.
ومن الأسباب أيضاً أن إيران تسجن سبعة مواطنين فرنسيين تسوق بحقهم تهماً مختلفة ليس أقلها التجسس والسعي لإطاحة النظام... بينما ترى باريس أن هؤلاء الأشخاص «رهائن دولة» يريدهم الجانب الإيراني للضغط عليها وربما لاستخدامهم أوراقاً للمساومة من أجل استرجاع مواطنين إيرانيين في السجون الأوروبية وتحديداً في بروكسل. وغير مرة، دعت وزيرة الخارجية كاترين كولونا، طهران للإفراج «الفوري» عن السبعة ولكن دون طائل.
- فرنسا... و«الصفعة الأفريقية»
> منذ العام 2014 ترابط قوة فرنسية وصل عديدها إلى أكثر من خمسة آلاف رجل في دول الساحل الأفريقي خصوصاً في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وهذه القوة -اسمها «برخان»- جاءت امتداداً لقوة أخرى أرسلتها فرنسا بشكل طارئ إلى مالي لمنع سقوطها بأيدي التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «داعش - الصحراء الكبرى» و«القاعدة» (نصرة الإسلام والمسلمين). وبعد ثماني سنوات من التمركز في مالي، اضطر المسؤولون الفرنسيون إلى إنهاء وجودها في هذا البلد الذي عرف انقلابين عسكريين عامي 2020 و2021، وعمد «المجلس العسكري» الذي سيطر على السلطة هناك إلى التقارب مع ميليشيا «فاغنر» الروسية رغم التحذيرات التي وجهتها باريس، علماً بأن الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا فرضا عقوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية على الطغمة العسكرية.
ولم تخرج «برخان» وحدها من مالي، إذ سبقتها في الخروج قوة الكوماندوس الأوروبية «تاكوبا» التي جهدت باريس لتشكيلها من سبع دول أوروبية. وبالتوازي، أخذت عدة دول مشاركة في القوة في إعلان انسحابها من قوة السلام الدولية في مالي «مينوسما» عقب القرار الفرنسي، آخرها ساحل العاج، وذلك بعد السويد وبريطانيا ومصر، وتتأهب ألمانيا لاتخاذ قرار مماثل.
حقيقة الأمر أن باريس مُنيت بلطمة في مالي وهي بصدد إعادة انتشار قواتها وتريد تغيير استراتيجيتها التي ثبت إخفاقها بالتركيز على دول خليج غينيا التي تتخوف من نزول المتطرفين من الشمال باتجاه أراضيها. فضلاً عن ذلك، مُنيت الدبلوماسية الفرنسية بنكستين إضافيتين في مستعمرتيها السابقتين الأخريين تشاد وبوركينا فاسو. في تشاد، لم تفتح وفاة الرئيس إدريس ديبي، الباب لانتقال دستوري للسلطة، بل تولى ابنه الشاب الجنرال محمد إدريس ديبي السلطة، وعمد إلى حل البرلمان وترحيل الحكومة، وأسس سلطة جديدة وضعت فرنسا في موقف صعب. فباريس ما فتئت تدعو إلى تعزيز الديمقراطية والحوكمة الرشيدة. وفي بوركينا فاسو وقع انقلاب عسكري آخر في سلسلة خضّاتها السياسية.
فضلاً عن ذلك، تشكو فرنسا من منافسات متعددة لنفوذها في أفريقيا من كل من الصين وتركيا والولايات المتحدة، وخصوصاً روسيا عبر «فاغنر». وبيّنت واشنطن، من خلال «القمة الأميركية - الأفريقية» في واشنطن أنها تملك القوة الضاربة وأنها عائدة للاهتمام بأفريقيا فيما النفوذ الفرنسي آخذ بالضمور.
... والبحث المستمر عن دور في لبنان
> ليس سراً بالنسبة لأحد أن إيمانويل ماكرون يريد أن يكون له دور في لبنان. ولا حاجة للتذكير بالزيارتين اللتين قام بهما في أغسطس (آب) وسبتمبر من العام 2020 عقب انفجاري المرفأ وطرحه «خطة إنقاذ» مالية، اقتصادية وحتى سياسية.
كذلك، تجدر الإشارة إلى الوعود التي أغدقها، ومنها الدعوة لمؤتمر دولي جديد من أجل إنقاذ لبنان إذا نفّذت الخطة الإصلاحية. هذا فضلاً عن اجتماعات «مجموعة الدعم للبنان» التي التأمت مراراً من أجله والاتصالات التي قام بها مع قادة كبار من المنطقة، وطرحه الملف اللبناني في كل محفل حل به بما في ذلك إبان زيارته لواشنطن واجتماعه بالرئيس جو بايدن وفي اجتماع «قمة بغداد 2» في الأردن. وأيضاً كان لماكرون دور في التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.
لكنَّ همَّ فرنسا اليوم -وهي التي نبّهت منذ الصيف الماضي إلى الشغور الرئاسي- أن تدفع سريعاً باتجاه تقصير زمنه لما له من انعكاسات على كل الأوضاع اللبنانية. والحال أن تجربة ماكرون اللبنانية مُرّة الطعم، والطبقة السياسية اللبنانية بمختلف تشكيلاتها خيّبت أمله. والمشكلة الأساسية التي عانى منها أن وعوده لم تكن كافية لإغوائها، وهراوة العقوبات التي رفعها بوجهها كانت غير رادعة. واليوم تريد باريس رئيساً جديداً للجمهورية وهي خائفة على مصير لبنان. بيد أن العقدة الأساسية موجودة في طهران عبر «حزب الله» وشروطه وإصراره على التمسك باختيار رئيس جديد يتماشى مع خياراته. ورغم التواصل المستمر، عبر قنوات عدة، بين باريس و«حزب الله»، تبدو قدرة التأثير الفرنسية عليه، عبر طهران، محدودة بسبب تراجع العلاقات بينها وبين باريس.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.