إيمانويل ماكرون خلال 2022... بين هموم الداخل وإخفاقات الخارج

الرئيس الفرنسي ما زال قوياً وقادراً على المناورة رغم فقدانه الغالبية البرلمانية

الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)
TT

إيمانويل ماكرون خلال 2022... بين هموم الداخل وإخفاقات الخارج

الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)
الرئيس ماكرون لدى حضوره قمة «بغداد 2» في الأردن (أ.ف.ب)

من حق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن يشعر بالاعتزاز في الأيام الأخيرة من العام 2022، فزيارة الدولة المطوّلة التي قام بها إلى الولايات المتحدة بداية ديسمبر (كانون الأول) الجاري، جاءت لتضعه في مرتبة خاصة، إذ إنها الأولى التي تجري في عهد الرئيس جو بايدن الذي استنفد كامل مروحة التكريمات البروتوكولية لإبراز العلاقة القوية التي تربطه بضيفه الفرنسي شخصياً من جهة، والتقدير الأميركي غير المتناهي للدور الفرنسي بشكل عام وتعلق بلاده بالصداقة الأميركية - الفرنسية من جهة أخرى. ثم إن ماكرون يتميز عن كل من سبقه إلى قصر الإليزيه بأنه الوحيد، طيلة ستين سنة الذي حظي بزيارتَي دولة إلى واشنطن. وما كان لهذا أن يتحقق لولا نجاحه خلال الربيع الماضي، في التربّع على عرش السلطة لولاية جديدة من خمس سنوات، وقد حقق بذلك إنجازاً لم يُتَح لسابقيه فرنسوا هولاند ونيكولا ساركوزي. بل رغم خسار ماكرون الغالبية المطلقة في البرلمان المنتخب بشهر يونيو (حزيران)، فإنه أحسن الاختيار بتسمية إليزابيت بورن رئيسة للحكومة. فهذه الأخيرة نجحت في إثبات حضورها واللعب على حبل التناقضات بين المعارضات المتناحرة يميناً ويساراً، معتدلة ومتطرفة. وعندما تُسد بوجهها السبل وتجد صعوبة في جمع غالبية ظرفية لتمرير مشاريع القوانين في البرلمان، فإن ماكرون دأب على تمكينها من اللجوء إلى الفقرة 39 من الدستور التي تتيح لها طرح الثقة بحكومتها وربط مصيرها بمصير مشروع القانون المطروح على التصويت. ولأن الرئيس كان قد لوح سلفاً للمعارضة باستخدام «سلاح الردع»، أي حل المجلس النيابي... في حال سقوط الحكومة، ولأن لا أحد اليوم يريد الرجوع إلى صناديق الاقتراع، فإن النتيجة الماثلة أمام الجميع هي أن الحكومة ما زالت واقفة على قدميها، وتتأهب لطرح مشروع قانون تعديل سن التقاعد في العاشر من الشهر المقبل. ويبدو شبه مؤكد أنها ستلجأ مجدداً إلى سوط الفقرة 39 لتمريره.
يستطيع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، حقاً، الدفاع بثقة عن محصلة إدارته لشؤون بلاده وأن يقارن وضعها بوضع شركاتها في الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها ألمانيا أو مع جارتها بريطانيا. ففرنسا لا تعرف -حتى الآن- حراكاً اجتماعياً اعتراضياً يُعتدُّ به رغم ارتفاع كلفة الكهرباء والغاز والخدمات والتضخم وانهيار القدرة الشرائية للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة.
في المقابل، تعيش بريطانيا إرباكات سياسية وتواجه نزعات انفصالية -كما في حالة اسكوتلندا- وتراجعاً اقتصادياً وإضرابات واحتجاجات شعبية وتمرداً على مستوى الكومنولث. وبعكس فرنسا، فإن منتخبها الكروي أُخرج من سباق المونديال باكراً رغم أدائه الجيد ما ضاعف من خيبة لاعبيه ومناصريه والشعب البريطاني بأسره. وهذا بينما كان الشعور في باريس، رغم خسارة المنتخب الفرنسي المباراة النهائية بوجه الأرجنتين يوم الأحد 18 ديسمبر في الدوحة، يغلب عليه الامتنان لما فعله نجمه كيليان مبابي ورفاقه. ولم يتردد الرئيس ماكرون في السفر إلى قطر مرتين خلال أسبوع واحد... لا بل إنه نزل إلى أرض الملعب لتقديم الشكر للفريق على إنجازاته.
- جانب أقل إشراقاً
بيد أن كل هذه العناصر لا ترسم سوى الجزء الإيجابي من المشهد الفرنسي السياسي الداخلي. إذ إن جزأه الثاني يبدو أقل إشراقاً حيث يختلف «ماكرون 2» يختلف عن «ماكرون 1».
الأول كان الحاكم بأمره. حزبه «الجمهورية إلى الأمام» كان مطواعاً كالخاتم في إصبعه، وشركاؤه في الحكم ما كانوا يردّون له طلباً. أما الآن، ولأنه لم يعُد قادراً على الترشح لولاية ثالثة، فإن معركة خلافته قد فُتحت وهناك عدد من الطامحين.
لذا، يجد الرئيس نفسه مضطراً للنزول من عليائه الرئاسية والمساومة وتدوير الزوايا، مع تجنب استفزاز الشارع كي لا تتكرّر تجربة احتجاجات «السترات الصفراء» التي هزّت أركان ولايته الأولى في العامين 2019 و2020.
أيضاً تتوجب الإشارة إلى أن ديون فرنسا العامة وصلت إلى مستويات قياسية لم تعرفها سابقاً. ففي الفصل الأول من العام المقبل، ستكون قد تخطت سقف الـ3000 مليار يورو، وهو الأعلى في تاريخها بحيث تصل المديونية إلى نسبة 113.7% من الناتج المحلي الخام. ومع هذا العبء الكبير ستزداد كلفة خدمة الديون السنوية -أي الفوائد- على خمسين مليار يورو، وذلك لسببين رئيسيين هما:
الأول، بطبيعة الحال، ارتفاع أرقام المديونية ما يعني آلياً ارتفاع قيمة الفوائد.
والثاني، أن معدل فائدة الديون قد ارتفع عالمياً بسبب التضخم. وخلال سنة واحدة فقط استدانت فرنسا 115 مليار يورو إضافي. ولا تفيد المؤشرات المتوافرة عن تحسن في وضع المديونية الفرنسية بناءً على ما تضمنته ميزانية العام 2023. وعليه لم تتوانَ الهيئات الرقابية في الداخل والخارج عن انتقاد السياسات التي تسير عليها الحكومة. بيد أن الأخيرة تفسّر ارتفاع قيمة وخدمة الديون بالسياسة التي انتهجها الرئيس ماكرون لمواجهة تبعات «كوفيد - 19» وبالتدابير المالية التي اتُّخذت خلال الأشهر الأخيرة للحد من عبء المحروقات على المستهلكين والمساعدات المالية التي قُدمت للشرائح الأكثر هشاشة لمواجهة موجة الغلاء والتضخم. وهو تضخم لم تعرف فرنسا مثيلاً له، كما البلدان المتقدمة الأخرى منذ أربعين سنة.
- الملف الأوكراني: خيبة من بوتين
من جهة ثانية، ثمة من يزعم أن ماكرون يعوّض عن تراخي قبضته في الداخل بالإكثار من الحراك الخارجي. وما يمكّنه من ذلك أن الدستور الفرنسي يضع بين يديه السياستين الخارجية والدفاعية. فهو الذي يرسمهما ويقودهما ويشرف عليهما والوزراء ينفذون. وثمة من يرى من الدستوريين أن رئيس الجمهورية الفرنسية يتمتع بسلطات تضاهي سلطات الملك لويس الرابع عشر. من هنا، ومع نهاية العام 2022، يصح التساؤل حول محصلة دبلوماسية ماكرون للعام المنقضي في ملفات رئيسية كالملف الأوكراني والعلاقة مع نظيره بوتين أو سياسة فرنسا الأفريقية والملف اللبناني والملف النووي الإيراني والجفاء بين باريس وبرلين. والحقيقة أنه بين كل الملفات المشار إليها، استحوذ الملف الأوكراني على القسط الأكبر من اهتمامات دبلوماسية ماكرون، وذلك منذ ما قبل بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) الماضي. فالرئيس الفرنسي زار نظيره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في الثامن من الشهر نفسه واستحصل منه على وعود أحدها إعادة القوات الروسية إلى مواقعها حالما تنتهي مناوراتها العسكرية أكانت مع القوات البيلاروسية أو قرب المشتركة الروسية - الأوكرانية. كذلك، زار العاصمة الأوكرانية كييف مرتين آملاً في الاستفادة من «العلاقة الخاصة» التي كان يعتقد أنه نسجها مع بوتين خلال ولايته الأولى. فقد كان ماكرون قد دعا بوتين إلى فرنسا مرتين، وإحداهما ذات معنى خاص، إذ كانت وجهتها صيف العام 2019 «حصن بريغونسون» المنتجع الرئاسي المطل على مياه المتوسط. كما أنه دافع دوما عن «انتماء روسيا إلى أوروبا» وعن الحاجة إلى «ربطها بالعربة الأوروبية» كي لا تلحق بالصين... وتشكل معها قوة توازن بوجه الغرب.
وخلال الأسابيع والأشهر التي تلت انطلاقة الحرب، بقي ماكرون على تواصل مع الرئيس الروسي رغم الانتقادات التي وُجهت إليه، خصوصاً من دول بحر البلطيق وبولندا وغيرها من دول شرق أوروبا، لما عدّته «تساهلاً» مع بوتين. وبالتوازي، كان ماكرون على تواصل شبه دائم مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وغالباً ما أكد أن الأخير هو من يدعوه لاستمرار الاتصال ببوتين. إلا أن تصريحات سابقة لماكرون مثل «لا يجوز إذلال الرئيس الروسي»، أو أخيراً عندما لفت إلى الحاجة لـ«تقديم ضمانات أمنية لروسيا»، هشّمت صورته إلى حد بعيد، علماً بأن باريس، منذ شهر مارس (آذار) الماضي أصبحت من أشد المنددين بموسكو. وبعدما كانت تتردد في تسليم القوات الأوكرانية أسلحة، تغير موقف باريس من النقيض إلى النقيض. ويوم 13 الجاري، استضافت العاصمة الفرنسية مؤتمرين، أحدهما دولي والآخر ثنائي فرنسي - أوكراني افتتحهما ماكرون وزيلينسكي معاً، وكان هدف الأول توفير الدعم للاستجابة للحاجات الأوكرانية الطارئة (كهرباء، ومياه، وصحة، ونقل، وأمن غذائي، وبنى تحتية) لتمكين أوكرانيا من تمضية فصل الشتاء بعد تركيز الروس على قصف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية. ونجحت فرنسا بالفعل في توفير ما يزيد على مليار يورو لهذه الأغراض. وعدّت مبادرة باريس مسعى لإبراز وقوفها إلى جانب كييف بينما لم يتردد زيلينسكي بوصف ماكرون بـ«العزيز إيمانويل» مقابل «العزيز فولوديمير».
من جانب لآخر، منذ أكثر من شهر، يؤكد ماكرون أنه سيتصل ببوتين ولكن هذه المرة لدعوته لوقف مهاجمة المنشآت المدنية الأوكرانية التي وصفها بأنها «جريمة حرب» ومن أجل سحب الأسلحة مختلفة الأنواع من محيط محطة زابوروجيا النووية. لكن الاتصال لم يحصل. وحتى الساعة، ليس هناك تاريخ محدد للتواصل بين الرئيسين. ووفق مصادر أوروبية في باريس، فإن ثمة «تمنعاً» روسياً بقبول التواصل مجدداً مع ماكرون، لسبيين اثنين:
الأول، أن الكرملين يرى أن فرنسا لم تعد مؤهلة للعب دور الوسيط «لأن مواقفها لم تعد مختلفة عن المواقف الأميركية والأطلسية» بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا، وأنها تنشط لشد الخناق الدبلوماسي والاقتصادي على موسكو.
والآخر، أن موسكو لم تتردّد في التعبير عن حنقها من بث القناة الثانية في التلفزيون الفرنسي برنامجاً وثائقياً ليل 30 يونيو الماضي تضمّن تسجيلاً مصوّراً لمكالمة هاتفية من تسع دقائق حصلت يوم 20 فبراير الماضي، بين ماكرون وبوتين. وعلق لافروف في 6 يوليو (تموز) على هذا بقوله: «إن الأعراف الدبلوماسية لا تتقبل تسريبات أحادية الجانب لتسجيلات كهذه». وفي المحصلة، لا يمكن القول إن دبلوماسية ماكرون قد أصابت نجاحاً في ملف رئيسيّ كالحرب في أوكرانيا رغم الجهود التي بذلها بل إن بعض مبادراته شوشت صورته لدى الطرفين الروسي والغربي.
- الطلاق مع ألمانيا
على المستوى الأوروبي أيضاً، من نافل القول التذكير بأن ألمانيا وفرنسا تُعدّان، تاريخياً، «القاطرة» التي تدفع الاتحاد الأوروبي إلى الأمام. ومنذ ستة عقود، عمل قادة البلدين يداً بيد، مثل الجنرال شارل ديغول وكونراد أديناور، وفاليري جيسكار ديستان وهيلموت شميت، أو فرنسوا ميتران وهيلموت كول... بل حتى ماكرون وأنجيلا ميركل. وعندما تصاب هذه العلاقة بالاهتزاز تتوقف المسيرة الأوروبية.
لكن منذ مجيء أولاف شولتس إلى المستشارية في برلين قبل سنة تماماً، غابت الحرارة عن العلاقة بينه وبين ماكرون، ولم يكن الجانب الشخصي المسؤول الأوحد. فلقد بينت أشهر العام 2022 عن اختلاف الرؤى بين الجانبين الأمر الذي برز بقوة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما أجل الاجتماع السنوي الرئيسي بين حكومتي البلدين الذي كان مفترضاً انعقاده برئاسة ماكرون وشولتس في ذلك الشهر في قصر فونتينبلو التاريخي الواقع جنوب باريس.
الطرفان سعيا لإخفاء الأسباب الحقيقية التي حالت دون التئامه، ولكن دون جدوى. وبرزت في الأفق ثلاثة ملفات خلافية، اعتبرت باريس أن برلين تخلت فيها عن التضامن معها مفضلةً عليها خيارات أخرى. ويأتي في مقدمها ملف بناء درع دفاع جوي أوروبي الذي قادته ألمانيا بمشاركة 14 دولة أوروبية ولكن من دون فرنسا. وما أزعج باريس أن قرار برلين، التي قرّرت تخصيص 100 مليار يورو لتعزيز قواتها المسلحة، جاء لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل بينما بقيت الصناعات الدفاعية الأوروبية على الهامش... مع أن فرنسا وإيطاليا تعملان على بناء دفاعات صاروخية.
ويضاف إلى ما سبق أن برلين وباريس تختلفان بشأن تحديد سقف لأسعار الغاز الروسي على غرار ما حصل بالنسبة للنفط. وبينما باريس تدفع بالشروع إلى الأمام، تعارض برلين ذلك -مدعومة من الدنمارك وهولندا- مخافة أن تتوجه شحنات الغاز إلى الأسواق التي توفر العائد الأعلى. أيضاً، فإن الجانبين يتناقضان في رؤية خطة برلين دعم صناعاتها، إذ ترى فيها باريس ضرباً للمنافسة الشريفة. ويضاف إلى كل ذلك أن مجموعة من المشاريع الصناعية الدفاعية المشتركة (طائرة قتالية مشتركة، دبابة المستقبل...) لم تحقق اختراقات ذات معنى، بل استدارت ألمانيا نحو الولايات المتحدة لتجديد قوتها الجوية بتوقيع عقد لشراء طائرة «إف 35» متجاهلةً طائرة «رافال» الفرنسية القتالية. وهكذا، ترى فرنسا أن خيارات ألمانيا تعني نسف الطموحات الأوروبية لبناء صناعات دفاعية مشتركة ومنافسة، وتضعف الدعوة لاستقلالية دفاعية واستراتيجية أوروبية.
الثابت حتماً أن الحرب الروسية واقتراب الخطر يدفعان ألمانيا لمزيد من التقارب مع واشنطن على حساب علاقاتها الأوروبية. بيد أن الجانبين الفرنسي والألماني سعيا في الأسابيع الأخيرة إلى قلب صفحة الخلافات فتكاثرت الزيارات الوزارية المتبادلة في الاتجاهين، وزار شولتس باريس للتعويض عن الاجتماع المشترك المؤجل ما خفّض حرارة التوتر. وكان لافتاً أن ماكرون كلف شولتس تمثيله في «قمة الاتحاد الأوروبي - منظمة دول جنوب شرقي آسيا»، ما يدل على الرغبة في التقارب مجدداً بانتظار الاجتماع الحكومي الموسع الشهر المقبل بمناسبة الذكرى الستين للتوقيع على «معاهدة الإليزيه» التي كرست المصالحة بينهما.
- إيران: الدبلوماسية الخاسرة
> يوم 20 سبتمبر (أيلول) الماضي وبعد أربعة أيام على «وفاة» الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني، اجتمع الرئيس إيمانويل ماكرون في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بنظيره الإيراني إبراهيم رئيسي لمناقشة مصير الاتفاق النووي الذي وصلت المفاوضات بشأنه بين طهران والغربيين بوساطة أوروبية إلى طريق مسدود.
الاجتماع كان الأول وجهاً لوجه، لكن ماكرون سبق أن تواصل مع رئيسي غير مرة، وكان الرئيس الغربي الوحيد الذي بقي ثابتاً في التواصل بشكل منهجي مع السلطات الإيرانية مهما كان لونها السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنه سعى عام 2019 لوساطة بين طهران وواشنطن لا بل إنه دفع للتواصل ولكن دون نتيجة بين الرئيسين دونالد ترمب وحسن روحاني.
أيضاً كان ماكرون من أشد المدافعين عن الاتفاق النووي، وحاول إيجاد آلية للالتفاف على العقوبات الأميركية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترمب لإقناع روحاني بالبقاء داخل الاتفاق. لكن الجهود الفرنسية ومعها الأوروبية ممثلة في «وزير» خارجية الاتحاد جوزيب بوريل لم تؤتِ ثمارها، لا بل إن العلاقات بين باريس وطهران بالغة السوء في الوقت الحاضر، لجملة أسباب منها أن باريس، كما العواصم الغربية، تحمّل طهران مسؤولية فشل المفاوضات، ولم تعد باريس تتردد في التنديد بإيران لا بل تهديدها بنقل الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي ما يعني آلياً إعادة فرض العقوبات الدولية عليها بموجب آلية «سناب باك» التي لا تحتاج لقرار جديد من مجلس الأمن. وبالتوازي، فإن باريس قلقة من تطور البرنامج النووي الإيراني ومما يشكله من خطر على الإقليم.
ومن الأسباب أيضاً أن إيران تسجن سبعة مواطنين فرنسيين تسوق بحقهم تهماً مختلفة ليس أقلها التجسس والسعي لإطاحة النظام... بينما ترى باريس أن هؤلاء الأشخاص «رهائن دولة» يريدهم الجانب الإيراني للضغط عليها وربما لاستخدامهم أوراقاً للمساومة من أجل استرجاع مواطنين إيرانيين في السجون الأوروبية وتحديداً في بروكسل. وغير مرة، دعت وزيرة الخارجية كاترين كولونا، طهران للإفراج «الفوري» عن السبعة ولكن دون طائل.
- فرنسا... و«الصفعة الأفريقية»
> منذ العام 2014 ترابط قوة فرنسية وصل عديدها إلى أكثر من خمسة آلاف رجل في دول الساحل الأفريقي خصوصاً في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وهذه القوة -اسمها «برخان»- جاءت امتداداً لقوة أخرى أرسلتها فرنسا بشكل طارئ إلى مالي لمنع سقوطها بأيدي التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «داعش - الصحراء الكبرى» و«القاعدة» (نصرة الإسلام والمسلمين). وبعد ثماني سنوات من التمركز في مالي، اضطر المسؤولون الفرنسيون إلى إنهاء وجودها في هذا البلد الذي عرف انقلابين عسكريين عامي 2020 و2021، وعمد «المجلس العسكري» الذي سيطر على السلطة هناك إلى التقارب مع ميليشيا «فاغنر» الروسية رغم التحذيرات التي وجهتها باريس، علماً بأن الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا فرضا عقوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية على الطغمة العسكرية.
ولم تخرج «برخان» وحدها من مالي، إذ سبقتها في الخروج قوة الكوماندوس الأوروبية «تاكوبا» التي جهدت باريس لتشكيلها من سبع دول أوروبية. وبالتوازي، أخذت عدة دول مشاركة في القوة في إعلان انسحابها من قوة السلام الدولية في مالي «مينوسما» عقب القرار الفرنسي، آخرها ساحل العاج، وذلك بعد السويد وبريطانيا ومصر، وتتأهب ألمانيا لاتخاذ قرار مماثل.
حقيقة الأمر أن باريس مُنيت بلطمة في مالي وهي بصدد إعادة انتشار قواتها وتريد تغيير استراتيجيتها التي ثبت إخفاقها بالتركيز على دول خليج غينيا التي تتخوف من نزول المتطرفين من الشمال باتجاه أراضيها. فضلاً عن ذلك، مُنيت الدبلوماسية الفرنسية بنكستين إضافيتين في مستعمرتيها السابقتين الأخريين تشاد وبوركينا فاسو. في تشاد، لم تفتح وفاة الرئيس إدريس ديبي، الباب لانتقال دستوري للسلطة، بل تولى ابنه الشاب الجنرال محمد إدريس ديبي السلطة، وعمد إلى حل البرلمان وترحيل الحكومة، وأسس سلطة جديدة وضعت فرنسا في موقف صعب. فباريس ما فتئت تدعو إلى تعزيز الديمقراطية والحوكمة الرشيدة. وفي بوركينا فاسو وقع انقلاب عسكري آخر في سلسلة خضّاتها السياسية.
فضلاً عن ذلك، تشكو فرنسا من منافسات متعددة لنفوذها في أفريقيا من كل من الصين وتركيا والولايات المتحدة، وخصوصاً روسيا عبر «فاغنر». وبيّنت واشنطن، من خلال «القمة الأميركية - الأفريقية» في واشنطن أنها تملك القوة الضاربة وأنها عائدة للاهتمام بأفريقيا فيما النفوذ الفرنسي آخذ بالضمور.
... والبحث المستمر عن دور في لبنان
> ليس سراً بالنسبة لأحد أن إيمانويل ماكرون يريد أن يكون له دور في لبنان. ولا حاجة للتذكير بالزيارتين اللتين قام بهما في أغسطس (آب) وسبتمبر من العام 2020 عقب انفجاري المرفأ وطرحه «خطة إنقاذ» مالية، اقتصادية وحتى سياسية.
كذلك، تجدر الإشارة إلى الوعود التي أغدقها، ومنها الدعوة لمؤتمر دولي جديد من أجل إنقاذ لبنان إذا نفّذت الخطة الإصلاحية. هذا فضلاً عن اجتماعات «مجموعة الدعم للبنان» التي التأمت مراراً من أجله والاتصالات التي قام بها مع قادة كبار من المنطقة، وطرحه الملف اللبناني في كل محفل حل به بما في ذلك إبان زيارته لواشنطن واجتماعه بالرئيس جو بايدن وفي اجتماع «قمة بغداد 2» في الأردن. وأيضاً كان لماكرون دور في التوصل إلى اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.
لكنَّ همَّ فرنسا اليوم -وهي التي نبّهت منذ الصيف الماضي إلى الشغور الرئاسي- أن تدفع سريعاً باتجاه تقصير زمنه لما له من انعكاسات على كل الأوضاع اللبنانية. والحال أن تجربة ماكرون اللبنانية مُرّة الطعم، والطبقة السياسية اللبنانية بمختلف تشكيلاتها خيّبت أمله. والمشكلة الأساسية التي عانى منها أن وعوده لم تكن كافية لإغوائها، وهراوة العقوبات التي رفعها بوجهها كانت غير رادعة. واليوم تريد باريس رئيساً جديداً للجمهورية وهي خائفة على مصير لبنان. بيد أن العقدة الأساسية موجودة في طهران عبر «حزب الله» وشروطه وإصراره على التمسك باختيار رئيس جديد يتماشى مع خياراته. ورغم التواصل المستمر، عبر قنوات عدة، بين باريس و«حزب الله»، تبدو قدرة التأثير الفرنسية عليه، عبر طهران، محدودة بسبب تراجع العلاقات بينها وبين باريس.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.