«الخوف» يحاصر مستقبل نيجيريا

تزايد حوادث العنف المدفوعة باعتبارات «طائفية وقبلية»

العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)
العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)
TT

«الخوف» يحاصر مستقبل نيجيريا

العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)
العنف المتزايد صار آفة في نيجيريا (أ.ب)

بات شبح الخوف يهدد مستقبل نيجيريا، خاصة في ولاياتها الشمالية، في ظل استمرار أحداث العنف المدفوع بصراعات قبلية ودينية وطائفية، تنذر بتفجر الأوضاع إذا ما تحالفت عصابات «قطاع الطرق»، ذات الانتماءات القبلية والدوافع المادية، مع تنظيم «بوكو حرام» المتطرف، بدوافعه السياسية المعروفة والرامية إلى فرض السيطرة على عدد من دول القارة الأفريقية، تحت لواء «تنظيم داعش» الإرهابي. أيا كانت الجهة المسؤولة عن أحداث العنف، فالمواطنون النيجيريون هم من يدفعون الثمن.، وخلال الفترة الماضية شهدت البلاد حوادث دامية بدأت بحادث أسفر عن مقتل 12 مصليا واختطاف آخرين في هجوم للعصابات المسلحة في شمال البلاد. ولم تمض أيام قليلة، حتى قُتل مدنيان وأربعة شرطيين برصاص مسلّحين هاجموا دورية للشرطة قرب سوق تجارية بالقرب من الحدود مع النيجر، وفقا لما أعلنته السلطات النيجيرية. وتأتي مثل هذه الحوادث استمرارا لمسلسل العنف الدامي في نيجيريا، ففي الخامس من شهر يوليو (تموز) الماضي، اقتحم أكثر من مائة مسلح سجن كوجي بضواحي العاصمة أبوجا، مستخدمين المتفجرات لتحرير مئات المعتقلين، وبينهم حوالي 70 متطرفاً. ثم يوم 20 يوليو قتل 17 شخصا بينهم 5 شرطيين في هجمات مسلحة شنتها عصابة إجرامية في ولاية كاتسينا (شمال غربي نيجيريا)، ووفقا للمعلومات الرسمية فإن «مجموعة تضم 300 من قطاع الطرق، أغاروا على قرية غاتاكاوا في منطقة كانكارا، وهاجموا مركزا للشرطة». ولم يمر أسبوع واحد حتى قتل 13 شخصا من هواة جمع الخردة المعدنية في مدينة باما، بولاية بورنو (شمال شرق) في انفجار قنبلة من بقايا الصراع الطويل بين الحكومة والجماعات المتطرفة، الذي تسبب في مقتل أكثر من 40 ألف شخص، وتشريد 2.2 مليون آخرين، وفقا للتقديرات الحكومية الرسمية، في حين يقدر عدد ضحايا العنف، جراء هجمات مجموعات قطاع الطرق بأكثر من 2600 مدني عام 2021، بزيادة تتجاوز 250 في المائة مقارنة بعام 2020، كما تسبب قطاع الطرق في تشريد نحو 11500 نيجيري.
تصاعد أحداث العنف اليومية في نيجيريا يرصده مجلس العلاقات الخارجية الأميركي بشكل دوري. ولقد أشار أخيراً إلى أن أعداد الضحايا جراء هذه الأحداث، بصرف النظر عن الجهة المسؤولة (الدولة، بوكو حرام، الجماعات الطائفية، وغيرها) بلغ 93.938 شخصا في الفترة من مايو (أيار) 2011 وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2022، بينهم 18.992 شخصا ضحايا هجمات تنظيم «بوكو حرام»، و22.658 شخصا ضحايا هجمات مشتركة أجهزة الدولة و«بوكو حرام»، إضافة إلى 15.980 شخصا ضحايا أحداث نفذتها أجهزة الأمن، و19.983 شخصا سقطوا في صراعات طائفية. ووفق مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، فإن مستقبل نيجيريا في خطر بسبب تصاعد أعمال العنف اليومية، بما في ذلك عمليات الاختطاف، والهجمات ذات الدوافع الدينية، والاعتداءات من قبل العصابات المسلحة ووحشية الشرطة في حال فشل السلطات في احتواء هذه الفوضى.
ما يذكر أن ارتفاع عدد ضحايا العنف جراء هجمات عصابات «قطاع الطرق» دفع الحكومة النيجيرية الاتحادية في يونيو (حزيران) الماضي إلى «حث السكان على حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم»، نتيجة لـ«النقص في تمويل تنفيذ العمليات ضد قطاع الطرق»، ما اعتبره محللون إنذارا بتفجر الأوضاع. إلا أن مجلة «فورين بوليسي» الأميركية، في تقرير نشرته في يوليو الجاري، علّقت معتبرة «أن وضع السلاح بين أيدي المدنيين سيكون بمثابة دعوة لفوضى شاملة، تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح، وتزيد من ترسيخ الصراع العنيف الذي طال أمده في ولاية زامفارا، والمنطقة الشمالية الغربية بشكل عام».
- صراع قبلي أم نزاع على الموارد
تتمركز عصابات قطاع الطرق في ولايات شمال غربي نيجيريا، وتعتبر ولاية زامفارا «بؤرة الأزمة» حيث يوجد فيها، وفي خمس ولايات شمالية أخرى مجاورة حوالي 30 ألف شخص منتمين لهذه العصابات، التي تُغير على القرى وتمارس أعمال العنف ضد سكانها، وتتسبب في موتهم وتهجيرهم. وبينما تشير «فورين بوليسي» إلى أن هذه العصابات تأتي مدفوعة بالانتهازية الاقتصادية لا الآيديولوجية السياسية، وهو ما يميزها عن الجماعات الإرهابية مثل «بوكو حرام» و«داعش غرب أفريقيا»، يربط آخرون هذه العصابات بالنزاع القبلي في نيجيريا. إذ يشير فيلم وثائقي أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية الـ(بي بي سي) بنهاية يوليو 2022، عن ولاية زامفارا إلى أن «عصابات قطاع الطرق تنتمي إلى قبائل الفولاني، التي شكّل شبابها عصابات قطاع طرق مسلحة تغير على القرى، وتقتل كل من يعارضها، في المقابل شكل أفراد من قبائل الهاوسا جماعات للحماية والردع تعمل مع القوات الحكومية لرد هجوم العصابات، لينتهي تاريخ طويل من السلام عاشه الشعبان الكبيران (بغالبيتهما المسلمتان) جنبا إلى جنب، حيث كان الهاوسا يعملون في الزراعة، والفولاني في الرعي».
«الصراع القبلي في نيجيريا، هو امتداد للصراع القبلي في عدد من الدول الأفريقية»، بحسب الدكتورة نرمين توفيق، الباحثة في الشؤون الأفريقية، والمنسق العام لمركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، التي أوضحت في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» أن «قبائل الهاوسا تمتد في عدة دول أفريقية، وأعدادها بالملايين. والصراعات القبلية متكررة في عدد كبير من دول القارة، ومنها نيجيريا، وهي صراعات في الغالب على الموارد الطبيعية، وتزداد حدتها في ظل التغيرات المناخية التي يشهدها العالم... ثم إن مشكلة الشمال تكمن في شعور سكانه الدائم بالتهميش».
ومع أن الأوضاع في نيجيريا ليست على نفس مستوى درجة السوء أو التطور الذي تشهده دول أفريقية أخرى كالسودان والصومال، يوضح السفير صالح حليمة، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، ونائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «البلاد تعاني من صراع بأبعاد طائفية دينية وقبلية، حيث تنشط فيها الجماعات المتطرفة المرتبطة بـ(داعش)، بالإضافة إلى عصابات قطاع الطرق، وغيرها من الأطراف التي تعبث بالقارة السمراء».
- التركيبة السكانية
يبلغ عدد سكان نيجيريا نحو 206 ملايين نسمة، وفقا لتقديرات عام 2020، وعليه فهي الدولة الأكثر سكانا في أفريقيا، ويقطنها خليط متنوع من الشعوب والقبائل، ويُعد شعب الهاوسا المكوّن الأكبر (ومعظمه من المسلمين)، بنسبة تتجاوز الـ27 في المائة من السكان. يليه شعب اليوروبا (المقسوم مناصفة تقريباً بين المسيحيين والمسلمين) بنحو 25 في المائة، ثم شعب الإيجبو - أو الإيبو - (سواده الأعظم مسيحي)، ثم شعب الفولاني (سواده الأعظم مسلم)، ثم تأتي باقي المكوّنات العرقية واللغوية الأخرى، ويفرض هذا التنوع في الانتماءات القبلية تنوعا في اللغة، واللهجات. ويقول الخبراء إن «سكان نيجيريا يتكلمون ما يقرب من 500 لغة قبائلية وعشائرية مختلفة، وإن كانت اللغة الإنجليزية، ولغات الهاوسا (من اللغات التشادية الأفروآسيوية) واليوروبا والإيجبو والفولاني (الشعوب الثلاثة لغتهم من اللغات النيجر - كونغولية) أهم اللغات السائدة»، أما دينيا فغالبية السكان تدين بالإسلام بنسبة تقترب من 52 في المائة، أما الباقي فموزع بين الطوائف المسيحية المختلفة، مع نسبة ضئيلة جدا لا تتجاوز الواحد في المائة للمعتقدات الأفريقية الأخرى.
هذا المزيج من القبائل والأعراق يصبغ الصراع بملامح طائفية، فشعب الفولاني التي يعمل معظم أفراده في الرعي ويمتد حضوره من شمال نيجيريا حتى السنغال وغينيا غرباً، عانى بعض أبنائه من التهميش (رغم تولي عدد من زعمائهم حكم نيجيريا)، ومصادرة الحكومة الاتحادية لأراضيه، في حين ينتمي غالبية المزارعين للديانة المسيحية، ولذلك شهد الصراع انتهاكات للرموز الدينية للطرفين. وحسب الدكتورة أميرة محمد عبد الحليم، في بحثها المنشور على موقع مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عام 2018، شهدت «ولايات وسط وجنوب نيجيريا خلال الفترة من 2010 وحتى 2018 مواجهات دورية بين الرعاة والمزارعين، كانت أكثرها دموية عام 2018».
من ناحية أخرى، يلعب الدين دوراً معقداً في انتشار العنف وتكثيفه في نيجيريا، بحسب إبنزز أوبادار، الباحث في الشؤون الأفريقية بمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، الذي يقول في مقال نشره في شهر يونيو الماضي، إن «تنظيم (بوكو حرام) قتل الآلاف منذ بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وشملت الأهداف الكنائس والمساجد والمدارس، ومراكز الشرطة... ويتقاطع الدين في نيجيريا، ويتفاعل ديناميكيا مع الهوية العرقية والمنطقة والطبقة والمهنة، وتزيد النزاعات بين المزارعين والرعاة عبر ولايات شمال وجنوب الحزام الأوسط من تعقيد المشهد»، مضيفاً أن «العنف له دوافع دينية بحتة خاصة موجة القتل بتهمة التجديف».
- التغيّرات المناخية
ولكن يبدو أيضاً أن للمناخ تأثيره على تأجج الصراع في نيجيريا التي تمتلك موارد طبيعية متنوعة على رأسها النفط. وهنا تقول عبد الحليم إن «التغيرات المناخية هي العامل الأكبر وراء الصراع الجاري في الحزام الأوسط في نيجيريا، بمساعدة مجموعة من العوامل الأخرى، المتمثلة في ضعف تكيّف مجتمعات الرعاة مع التغيرات المناخية، وعجز الحكومة النيجيرية عن التعامل مع تأثيرات هذه التغيرات في شمال البلاد، بالإضافة إلى الأزمات المتعلقة بالتهميش والمظالم التاريخية الواقعة على بعض الجماعات». وبالفعل، تزايدت أحداث العنف خلال الفترة الأخيرة مدفوعة بتدهور قدرة الدولة وضعف إنفاذ القانون، لترتفع نسب الاختطاف مقابل طلب فديات، إذ اختطف 1484 شخصا بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) من العام الجاري، بحسب أوبادار، الذي يضيف أنه «إضافة إلى التوترات العرقية والدينية، فإن هجمات الرعاة على المستوطنات الزراعية تأتي مدفوعة بالتصحّر، الذي تفاقم بسبب الجفاف الشديد الناجم عن تغير المناخ، بين عامي 2017 و2020، حين قتل الرعاة 2539 شخصاً في ما يقرب من 654 هجوماً»، لافتا إلى أن «60 في المائة من الأراضي في نيجيريا تواجه خطر التصحر».
هذا، ولعل أشهر حوادث الاختطاف كانت حادثة خطف ما يقرب من 300 فتاة من مدرسة داخلية في منطقة جانغيبي بولاية زامفارا، خلال فبراير (شباط) 2021، وقد أطلق سراحهن فيما بعد، مقابل فدية بحسب الخاطفين وإن لم تعترف الحكومة بدفع الفدية. وتقول الدكتورة نرمين توفيق إن «جماعات قطاع الطرق المسلحة بدأت تنتهج نفس نهج الجماعات المتطرفة مثل (بوكو حرام) في القيام بعمليات خطف مقابل الحصول على فدية». وتشير أيضاً إلى أن «التغيرات المناخية تلعب دورا في تصعيد الصراع في نيجيريا... ورغم أن نيجيريا غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط، فإن سكانها يعيشون في ظروف صعبة، نتيجة الفساد السياسي». وللعلم، وفقا لبيانات ساعة الفقر العالمية للعام الجاري، فإن نيجيريا تعتبر «الأولى» في أفريقيا من حيث عدد الفقراء، حيث يعيش أكثر من 70 مليونا من سكانها تحت خط الفقر.
- تحديات أمنية... وصراع سياسي
ووسط التحديات الأمنية التي تواجهها نيجيريا حاليا، من تنظيم «بوكو حرام» المتطرف في الشمال الشرقي، وتزايد العنف بين الرعاة (من الفولاني) والمزارعين (من الهاوسا) على امتداد الحزام الأوسط جنوباً إلى منطقة الشمال الغربي، تشهد نيجيريا حاليا انتشارا لما يسمى بـ«الجماعات الأهلية المسلحة لمكافحة الجريمة»، وهي عبارة عن مجموعات صغيرة من المتطوعين، أنشأتها حكومات الولايات، للمساعدة في حماية المناطق من هجمات المجموعات المسلحة وقطاع الطرق، وهو الأمر الذي ترى مجموعة الأزمات الدولية في تقرير نشرته في أبريل (نيسان) الماضي أنه «يزيد من تفاقم المشاكل في البلاد، ويهدد بمزيد من الصراعات الطائفية».
ومن ناحية أخرى، يربط البعض بين تصاعد أعمال العنف في نيجيريا، وبين الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها العام المقبل. ويقول أوبادار إن «أحداث العنف التي تشهدها البلاد تأتي مدفوعة بعدة عوامل، من بينها احتدام المنافسة السياسية، قبيل الانتخابات المقرر عقدها العام المقبل، حيث تدفع المخاطر السياسية الساسة إلى البحث عن قنوات غير رسمية، لتحقيق أهدافهم ما يؤدي إلى تزايد أعمال العنف». ويتابع «ثلثا النيجيريين يفتقرون إلى الثقة في النظام القضائي، بينما يعتقد 88 في المائة أنه فاسد، بحسب استطلاع رأي أجري عام 2020، وانعدام الثقة في القانون يدفع الناس لتسوية نزاعاتهم بأنفسهم».
ويشرح أوبادار، الذي يرصد اختلاف أنماط العنف في نيجيريا طيلة العقد الماضي، فيقول عبر «تزايد العنف العشوائي، كما هو الحال في جنوب شرق البلاد، بدأ من خلال شرعنة العمليات التي تقوم بها جماعة (IPOB) في بيافرا، لحماية نفسها. ثم بدأت الجماعة بتنفيذ ما يشبه عمليات العنف المجاني للجميع، حتى قررت الحكومة تصنيفها كجماعة إرهابية عام 2017»، وهو يعتبر أن «منح حق الدفاع عن النفس لبعض الجماعات، والموافقة على تسليحها، ربما يكون مبررا لتصاعد العنف، خاصة أن هؤلاء يتفرقون فيما بعد عبر التجمعات المختلفة حاملين معهم أسلحتهم».
ختاماً، إن الصراع في نيجيريا ليس داخليا فحسب، فهناك قوى غربية ربما تساهم في تأجيج الصراع، خاصة في ظل الأزمة الروسية - الأوكرانية، والصراع الروسي - الأميركي على النفوذ في القارة الأفريقية، وحسب السفير حليمة فإن «الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا والصين على السيطرة والنفوذ في القارة الأفريقية، يزيد من دخول الأطراف الداخلية المتنازعة كحلقة في الصراع السياسي، مما ينذر بتفجر الأوضاع».
- تاريخ الصراعات الدينية والعرقية في نيجيريا
> يحفل تاريخ نيجيريا بالصراعات والحروب بين مكوناتها العرقية المختلفة، ولا يكاد يمر يوم دون أنباء عن صراع ديني أو قبلي، في الدولة الأكثر سكانا في أفريقيا.
في عام 1901 أصبحت نيجيريا مستعمرة بريطانية، واستمر الحكم البريطاني حتى عام 1960، حين نالت البلاد استقلالها، في إطار حركات التحرر والاستقلال داخل قارة أفريقيا. وبعد ثلاث سنوات تكوّنت الجمهورية النيجيرية الأولى عام 1963، ولم تستمر الجمهورية طويلا إذ خضعت البلاد للحكم العسكري عام 1966. وفي عام 1967، أعلنت حركة انفصالية من شعب الإيجبو (الإيبو) عن قيام جمهورية بيافرا في جنوب شرقي البلاد، ما تسبب في اندلاع حرب أهلية في البلاد، استمرت 3 سنوات.
بعد الحرب قامت الجمهورية الثانية، التي وضعت دستورا للبلاد عام 1979، لكن الجيش استولى مرة ثانية على السلطة، واستمر في الحكم 10 سنوات، حتى تم إعلان الجمهورية الثالثة عام 1993، وهي الجمهورية التي انتهت بانقلاب قاده الجنرال ساني أباتشا - الذي توفي عام 1998 - ليجري إعلان الجمهورية الرابعة عام 1999.
- حرب بيافرا الأهلية 1967 - 1970
راح ضحية الحرب الأهلية بين الحكومة النيجيرية والقوى الانفصالية من شعب الإيجبو أكثر من مليون شخص، وفقا للتقديرات الرسمية
- أحداث شغب ميتاتسين (1980 - 1985)
تعتبر هذه الأحداث هي أول موجة كبيرة من موجات العنف المرتبط بالدين في شمال نيجيريا، ونشأت حركة «ميتاتسين» من شعب الهاوسا بقيادة محمدو مروة، وتسببت أحداث الشغب في مقتل الآلاف في مختلف الولايات النيجيرية
- أحداث دلتا النيجر
بدأ الصراع منذ تسعينات القرن الماضي على خلفية التوزيع غير العادل للثروة النفطية وتدهور الظروف البيئية، ما أفقد السكان مصدر رزقهم، لتبدأ الأنشطة الإجرامية في دلتا النيجر التي تتضمن الخطف والقرصنة والتخريب والهجمات على المنشآت النفطية، وما زالت الجرائم ترتكب هناك حتى الآن.
- أزمة المزارعين بداية من عام 2000
أدى التضاؤل المتزايد للموارد، وانتشار الأسلحة الصغيرة إلى تأجيج التوترات بين المجتمعات الزراعية والرعاة في نيجيريا، وهو صراع قائم على خلفيات قبلية ودينية، حيث وصفت مجموعة الأزمات الدولية هذا الصراع بأنه «أخطر تحد أمني لنيجيريا».
- «بوكو حرام» 2009... وحتى الآن
بدأت الجماعة المسلمة المتطرفة المسلحة في الظهور والنشاط في شمال نيجيريا عام 2009، وتسببت في مقتل وتشريد الآلاف.


مقالات ذات صلة

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

العالم المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

المعلومات المضللة حول الانتخابات تشوه سمعة المؤسسات في نيجيريا

كشفت موجة المعلومات المضللة التي تستهدف حاليا لجنة الانتخابات وقضاة المحكمة العليا في نيجيريا، وهما الجهتان المسؤولتان عن الفصل في الانتخابات الرئاسية، عن تشويه سمعة المؤسسات في أكبر بلد في إفريقيا من حيث عدد السكان، وفقا لخبراء. في حين أن الانتخابات في نيجيريا غالبا ما تتميز بشراء الأصوات والعنف، فإن الإخفاقات التقنية والتأخير في إعلان النتائج اللذين تخللا انتخابات 25 فبراير (شباط)، أديا هذه المرة إلى انتشار المعلومات المضللة. وقال كيمي بوساري مدير النشر في منظمة «دوبابا» لتقصّي الحقائق إن تلك «مشكلة كبيرة في نيجيريا... الناس يسخرون من تقصّي الحقائق.

«الشرق الأوسط» (لاغوس)
العالم 8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

8 تلميذات مخطوفات يفلتن من خاطفيهن بنيجيريا

تمكنت 8 تلميذات خطفن على طريق مدرستهنّ الثانوية في شمال غربي نيجيريا من الإفلات من خاطفيهن بعد أسبوعين، على ما أعلنت السلطات المحلية الأربعاء. وأفاد صامويل أروان مفوض الأمن الداخلي بولاية كادونا، حيث تكثر عمليات الخطف لقاء فدية، بأن التلميذات خطفن في 3 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (كانو)
الاقتصاد هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

هل تنجح نيجيريا في القضاء على ظاهرة «سرقة النفط»؟

بينما يعاني الاقتصاد النيجيري على كل المستويات، يستمر كذلك في تكبد خسائر تقدر بمليارات الدولارات نتيجة سرقة النفط الخام.

العالم مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

مخيمات انتقالية للمتطرفين السابقين وضحاياهم في نيجيريا

يبدو مخيم الحج للوهلة الأولى شبيهاً بسائر مخيمات النازحين في شمال نيجيريا؛ ففيه تنهمك نساء محجبات في الأعمال اليومية في حين يجلس رجال متعطّلون أمام صفوف لا تنتهي من الخيم، لكن الفرق أن سكان المخيم جهاديون سابقون أو أشخاص كانوا تحت سيطرتهم. أقنعت الحكومة العناصر السابقين في تنظيم «بوكو حرام» أو تنظيم «داعش» في غرب أفريقيا بتسليم أنفسهم لقاء بقائهم أحراراً، على أمل وضع حد لحركة تمرد أوقعت عشرات آلاف القتلى وتسببت بنزوح أكثر من مليوني شخص منذ 2009. غير أن تحقيقاً أجرته وكالة الصحافة الفرنسية كشف عن ثغرات كبرى في آلية فرز المقاتلين واستئصال التطرف التي باشرتها السلطات بعد مقتل الزعيم التاريخي لحرك

«الشرق الأوسط» (مايدوغوري)
العالم «قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

«قضية مخدرات» تثير الجدل حول الرئيس النيجيري المنتخب

أثارت تغريدات لمنصة إعلامية على موقع «تويتر» جدلاً في نيجيريا بعد أن نشرت أوراق قضية تتعلق باتهامات وُجهت من محكمة أميركية إلى الرئيس المنتخب حديثاً بولا أحمد تينوبو، بـ«الاتجار في المخدرات»، وهو ما اعتبره خبراء «ضمن حملة إعلامية تديرها المعارضة النيجيرية لجذب الانتباه الدولي لادعاءاتها ببطلان الانتخابات»، التي أُجريت في فبراير (شباط) الماضي. والاثنين، نشرت منصة «أوبر فاكتس (UBerFacts»)، التي تعرّف نفسها على أنها «منصة لنشر الحقائق الموثقة»، وتُعرَف بجمهورها الكبير على موقع «تويتر»، الذي يقارب 13.5 مليون متابع، وثائق ذكرت أنها صادرة عن محكمة أميركية (متاحة للجمهور العام) في ولاية شيكاغو، تقول


«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.