ماهي العلامة 162 التي تطالب الكويت بترسيم الحدود البحرية مع العراق بعدها؟

الوساطة الأممية توقّفت عند القرار (833) واتفاقية «خور عبد الله» ساهمت في تقدم محدود

الوساطة الأممية لترسيم الحدود الدولية استُبدلت بها لجنة وزارية من البلدين في 2011 لكنها لم تنجح في التوصل لاتفاق لما بعد العلامة 162 (أ.ف.ب)
الوساطة الأممية لترسيم الحدود الدولية استُبدلت بها لجنة وزارية من البلدين في 2011 لكنها لم تنجح في التوصل لاتفاق لما بعد العلامة 162 (أ.ف.ب)
TT

ماهي العلامة 162 التي تطالب الكويت بترسيم الحدود البحرية مع العراق بعدها؟

الوساطة الأممية لترسيم الحدود الدولية استُبدلت بها لجنة وزارية من البلدين في 2011 لكنها لم تنجح في التوصل لاتفاق لما بعد العلامة 162 (أ.ف.ب)
الوساطة الأممية لترسيم الحدود الدولية استُبدلت بها لجنة وزارية من البلدين في 2011 لكنها لم تنجح في التوصل لاتفاق لما بعد العلامة 162 (أ.ف.ب)

تعتبر مسائل ترسيم الحدود بين الكويت والعراق مسائل مصيرية عبر التاريخ بالنسبة لكلا الطرفين، نظراً لما اكتنفها من تطورات تاريخية نالت طابع الشد والجذب، وساهمت فيها التجاذبات التي سادت علاقات البلدين الجارين، طبقاً لمراقبين، ووصلت هذه التجاذبات ذروتها في أغسطس (آب) 1990 بالغزو العراقي للكويت، واستمرار آثاره من القضايا الثنائية العالقة حتى اليوم.

أول اتفاق حدودي
وبحسب المراسلات الرسمية بين البلدين فإن أول اتفاق ثنائي بشأن الحدود بين البلدين جاء في إطار تبادل رسمي للرسائل في عام 1932، قبل أن يعود العراق في عام 1961 عن الاتفاق مطالباً بضم الكويت دفعةً واحدة واعتبارها أرضا عراقية، ثم تبدّل الموقف مجدداً بحلول عام 1963 بُعيد اعتراف العراق بالكويت دولةً مستقلة، وإعادة التأكيد على اتفاق الحدود في مراسلات عام 1932 بين البلدين.

ذوبان قضية الحدود في الغزو العراقي للكويت
وفي صبيحة الثامن من أغسطس (آب) من عام 1990، عقب أسبوع من اندلاع الغزو العراقي للكويت، أعلن مجلس قيادة الثورة العراقي اندماجاً شاملاً وأبديًّاً بين العراق والكويت، كما أعلن العراق من طرف واحد ضم الكويت وأنها أصبحت المحافظة العراقية التاسعة عشرة، لتذوب مسائل الحدود بكل أشكالها في غياهب الغزو.

قرار أممي بترسيم الحدود
ولعبت الأمم المتحدة دور الوسيط الأساسي في العلاقات بين البلدَين، حيث طُلب منها في عام 1991، بعد العملية العسكرية التي آلت إلى خروج القوات العراقية من الكويت، ترسيم الحدود رسميًا بين البلدين، ليأتي التأكيد من جانب الأمم المتحدة على الترسيم في عام 1993بموجب قرار مجلس الأمن رقم 833، بيد أن ترسيم الأمم المتحدة للحدود البحرية توقّف عند النقطة المعروفة بـ «العلامة 162»، أي النقطة الأخيرة التي عيّن الكويتيون والعراقيون حدودها في المراسلات البينية التي سبقت مرحلة الغزو العراقي للكويت.
فما هي العلامة 162 التي توقف عندها ترسيم الحدود الكويتية – العراقية من جانب الأمم المتحدة لتترك شأنه لمفاوضات الجانبين؟
هي النقطة التي توقف عندها ترسيم الحدود الدولية الصادر من مجلس الأمن في عام 1993 برقم (833) والذي اعتبر «خور عبد الله» خطاً حدوديّاً بين الدولتين، ويقع خور عبد الله شمال الخليج العربي بين جزيرتي (بوبيان، ووربة) الكويتيتين، و(شبه جزيرة الفاو) العراقية.
بيد أن التوتر حول هذه العلامة بدأ في عام 2010 عندما وضعت الكويت حجر الأساس لبناء ميناء مبارك على الضفة الغربية للخور، في الوقت نفسه وضعت بغداد حجر الأساس لإنشاء ميناء الفاو الكبير في الضفة المقابلة، فيما اعتبر في حينه ردًا على الخطوة الكويتية.

تقدّم عبر اتفاقية «خور عبد الله»
ووفقاً للجانب الكويتي، فقد طالبت الحكومة الكويتية نظيرتها في العراق، غير ذي مرة، بالنظر في تسوية قضية الحدود البحرية، وبدأت هذه المطالبات منذ عام 2005 بعد سقوط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.
ومع أن البلدين لم يتوصّلا إلى أي اتفاق بهذا الشأن، فإن تطوراً حصل لاحقاً بعد اتفاق الجانبين في 29 من أبريل (نيسان) لعام 2012 على تنظيم الملاحة البحرية في «خور عبد الله» المشترك بينهما، وصودق على الاتفاقية في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام التالي 2013 بعنوان (اتفاقية الخطة المشتركة لضمان سلامة الملاحة في خور عبد الله)، نتيجةً لعقد اللجنة الوزارية الكويتية - العراقية المشتركة أولى اجتماعاتها في عام 2011 في الكويت، حيث أكد الجانب العراقي خلالها التزامه بكل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن، لا سيما القرار (833) الخاص بترسيم الحدود بين البلدين.

احتجاج عراقي رسمي لدى مجلس الأمن
من جانبها، فقد أعلنت الحكومة العراقية في مطلع عام 2017 استكمال التزامها بتنفيذ الاتفاقية، قبل أن يوجه العراق شكوى رسمية إلى مجلس الأمن، في السابع من أغسطس 2019 ضد ما اعتبره قيام الكويت بإحداث تغييرات جغرافية في المنطقة البحرية الواقعة بعد «العلامة «162 في خور عبدالله، من خلال تدعيم منطقة «فشت العيج» الضحلة وإقامة منشأة مرفئية عليها من طرف واحد دون علم وموافقة بغداد، الأمر الذي نفاه مسؤول كويتي، مؤكّداً أن «المنطقة البحرية وعلاماتها وترسيمها، كانت حاضرة في كل الاجتماعات الثنائية، وأن منشاة فشت العيج تقع ضمن مياه الكويت الإقليمية».
وعادت أزمة ترسيم الحدود البحرية بين الجانبين إلى السطح مجدّداً بعد كلمةٍ ألقاها رئيس الوزراء الكويتي، الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح، الأربعاء، خلال مؤتمر «بغداد 2» في الأردن قال فيها «إننا مطالبون بالعمل على إغلاق كل الملفات العالقة بما في ذلك ترسيم الحدود البحرية بعد العلامة 162 لننطلق معا في الانتقال بعلاقاتنا إلى آفاق جديدة».

تضامن خليجي مع سيادة الكويت
وكانت القمة الخليجية المنعقدة في دورتها الماضية بالعاصمة السعودية الرياض، قد شدّدت في بيانها الختامي على أهمية التزام العراق بسيادة دولة الكويت وعدم انتهاك قرار مجلس الأمن رقم (833)، كما دعا المجلس العراق إلى استكمال ترسيم الحدود البحرية مع الكويت لما بعد العلامة 162، معبّراً عن رفضه القاطع لأي انتهاك يمس سيادة الكويت واحتفاظها بحقها في الرد وفق القنوات القانونية.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)
السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)
TT

مقاربة من 5 خطوات لـ«تفكيك الميليشيات» العراقية

السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)
السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه أبو فدك (إعلام حكومي)

رغم مطالب أميركية متواصلة للسلطات العراقية بكبح الفصائل، وتفكيكها، يلاحظ مراقبون الغياب شبه الكلي لهذا الملف عن اجتماعات قادة «الإطار التنسيقي» المعني حصرياً بهذه المسألة، وما قد يهدد بخسارة الدعم الأميركي للحكومة الجديدة، في حين يطرح خبراء مقاربة من 5 خطوات لتفكيك أعقد ملف أمني سياسي في البلاد.

ويبدو الإصرار الأميركي على تفكيك الفصائل المسلحة بات أمراً في غاية الوضوح خلال الفترة الأخيرة عبر سلسلة من الإجراءات العقابية، ابتدأت بوضع جائزة 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» أبو حسين الحميداوي، مروراً بوضع 7 فصائل على لائحة العقوبات، والإرهاب، وانتهاء بجائزة مماثلة لمن يدلي بمعلومات عن أبو آلاء الولائي زعيم «كتائب سيد الشهداء».

في المقابل، وخلافاً للحديث الذي تصاعد قبل نحو 3 أشهر عن ضرورة نزع سلاح الفصائل، وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» تلتزم قوى «الإطار التنسيقي» الصمت رغم الانخراط الفعلي للفصائل في الحرب مع إيران، وقيامها بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية داخل الأراضي العراقية والخارجية على بعض دول الخليج العربي.

الحرب قوضت الجهود

يقول مصدر قيادي من قوى «الإطار التنسيقي» إن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على إيران «قوضت ما يمكن تسميته جهود دمج الفصائل».

ويؤكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «(الإطار التنسيقي) كان قد بدأ بالفعل نقاشات أولية حول آليات معالجة الملف، لكن الحرب أطاحت بكل شيء، لأنها أوجدت الذريعة المناسبة للفصائل لرفض نزع أسلحتها، باعتبار أن الحرب تمثل تهديداً وجودياً لها».

ويشير المصدر إلى أن «قادة (الإطار التنسيقي) يدركون حجم المخاطر التي تمثلها المطالب الأميركية، وجديتها، لكنهم يضطرون لتجاهل ذلك نزولاً عند ضغط الفصائل، والفاعل الإيراني»، مشيراً إلى أن «بعض القوى والشخصيات التي تمتلك فصائل مسلحة لديها رغبة حقيقية بدمج عناصرها مع الجيش، وإعادة هيكلة (الحشد الشعبي)، لكنها تبدو عاجزة عن اتخاذ أي رد فعل جراء الأحداث الإقليمية المتسارعة، وتعثر جهود تشكيل الحكومة».

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» (رويترز)

تفكيك منظومة التمويل

ويعتقد الكاتب والباحث السياسي الدكتور باسل حسين أن تفكيك الفصائل يرتبط بما أسماها «منظومة التمويل». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن قوى «الإطار التنسيقي» «ليست كتلة صماء متراصة، بل هي ائتلاف هش تتقاطع فيه مصالح متباينة، وتتجاذبه آراء عدة، وتم إثبات تلك الحقيقة المدركة في مناسبات عدة».

ويشير إلى أن «الفصائل المسلحة ليست مجرد ذراع تنفيذية في يد الأحزاب، بل هي في أحيان كثيرة العمود الفقري الذي تقوم عليه هذه الأحزاب اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، إذ تتشابك شبكات المقاولات، والمنافذ الحدودية، والموانئ الموازية، والعقود مع هذه الفصائل تشابكاً عضوياً لا يقبل الفصل».

ويتابع أن «أي مسعى جدي لتفكيك الفصائل سيعني حتماً تفكيك منظومة التمويل بأسرها، وهو ما يرقى إلى الانتحار السياسي لمن يقدم عليه، ولهذا فإنها ستظل دائماً منقوصة، وانتقائية تتحاشى المساس بصميم البنية التي يقوم عليها نفوذ الميليشيات».

إلى جانب هذه الأسباب، يرى حسين أن «تفكيك الفصائل ليس قراراً عراقياً محضاً، بل هو أمر يتعلق بالرؤية الإيرانية التي طالما نظرت إلى هذه الفصائل باعتبارها ركيزة لاستراتيجية الدفاع الأمامي لطهران، وبالتالي فلن تضحي إيران بهذه الورقة إلا في سياق تسوية شاملة ربما تعقد يوماً ما مع واشنطن».

ويخلص إلى أن «الفصائل حين يشتد عليها الضغط الأميركي ويضيق بها هامش المناورة ستنحني كرهاً لا طوعاً، فتلجأ إلى حل شكلي تستر به واجهتها دون أن تمس جوهرها، فهي قد تغير الاسم وتبقي البنية، وتذوب في مؤسسات الدولة شكلاً، بينما تحتفظ بشبكاتها، وسلاحها، وولاءاتها خارج أي رقابة فعلية».

أفراد من «الحشد الشعبي» يقفون للحراسة خلال مظاهرة مؤيدة لإيران في ساحة التحرير ببغداد بتاريخ 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

5 خطوات للحل

من جانبه، يطرح فراس إلياس أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل، والمتخصص في الدراسات الإيرانية، مقاربة تتضمن خمس خطوات من شأنها المساعدة على تفكيك الفصائل، ويعتقد أن مستقبل الفصائل المسلحة في العراق سيعتمد بشكل مباشر على مستقبل الحرب بين طهران وواشنطن، فهي «ستتأثر بشكل مباشر بنتيجة هذه الحرب».

ويقول إلياس لـ«الشرق الأوسط» إن «الحديث عن الطرق العملية للتعامل مع الفصائل المسلحة يستدعي إنتاج مقاربة جديدة لمرحلة ما بعد الحرب، والطريقة العملية ليست (تفكيكاً فورياً)، بل إعادة هندسة تدريجية للقوة عبر الدولة».

ويتوقع إلياس أن قوى «الإطار» إذا نجحت في تشكيل الحكومة، وتحت ضغط أميركي، فإنها قد تتحرك عبر خمسة مسارات: «أولاً: الفصل بين (الحشد) كهيئة رسمية والفصائل كأذرع سياسية-عسكرية، وتثبيت أن (الحشد) الذي يتقاضى رواتب من الدولة يخضع حصراً للقائد العام، بينما أي تشكيل يحتفظ بقرار مستقل أو ارتباط خارجي يُعامل ككيان خارج الدولة».

أما ثاني التحركات فيرتبط بـ«السيطرة على المال قبل السلاح، ذلك أن أقوى مدخل هو تدقيق الرواتب، والعقود، والمنافذ، والشركات، والمكاتب الاقتصادية، والتحويلات. عندما تُقطع الموارد غير الرسمية، تصبح الفصائل أقل قدرة على المناورة».

وفي ثالث المسارات يتوقع إلياس «إعادة هيكلة القيادة عبر تغيير مواقع حساسة داخل «هيئة الحشد»، ونقل بعض الألوية إلى قواطع بعيدة عن الحدود، ودمج وحدات مختارة بالجيش أو الشرطة الاتحادية، وإحالة قيادات غير منضبطة إلى التقاعد، أو مناصب رمزية».

ويضيف الخبير العراقي مساراً رابعاً يتعلق بـ«التفكيك من الداخل لا بالمواجهة، فالحكومة قد تميز بين ثلاثة أنواع: فصائل قابلة للاندماج، وفصائل تحتاج لاحتواء سياسي، وفصائل رافضة تماماً. والتعامل معها يكون بالتجزئة: امتيازات للمنضبطين، عزلة للرافضين، وضغط قانوني على المتورطين».

ويخلص إلى المسار الخامس المتعلق بـ«تحويل الضغط الأميركي إلى غطاء سياسي داخلي، فـ(الإطار) قد يقول للفصائل: إمّا الانضباط داخل الدولة، أو مواجهة عقوبات، وعزلة مالية، وأمنية تطول الجميع. هنا يصبح التشدد الأميركي أداة بيد الحكومة، لا مجرد تهديد خارجي».

ورغم المسارات الخمسة، يعتقد إلياس أن «(الإطار) لن يفكك الفصائل بضربة واحدة، لأنها جزء من بنيته السياسية. لكنه قد يعمل على إفراغها تدريجياً من استقلالها العسكري، والمالي، مع الإبقاء على عنوان (الحشد) بصورة منضبطة، ومؤسساتية».


إسرائيل تعيّن دبلوماسياً عربياً لتحسين سمعتها بعد مساسها بالرموز المسيحية

صورة ملتقطة في 10 مارس في القدس تظهر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 10 مارس في القدس تظهر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تعيّن دبلوماسياً عربياً لتحسين سمعتها بعد مساسها بالرموز المسيحية

صورة ملتقطة في 10 مارس في القدس تظهر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)
صورة ملتقطة في 10 مارس في القدس تظهر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يتحدث خلال مؤتمر صحافي مشترك (د.ب.أ)

قرر وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، تعيين الدبلوماسي العربي جورج ديك، مبعوثاً خاصاً إلى العالم المسيحي، في خطوة قال إنها تهدف إلى «تعميق علاقات إسرائيل مع المجتمعات المسيحية حول العالم»، لكنها في الواقع جاءت لإنقاذ سمعتها السيئة الناجمة عن كثرة الاعتداءات على رموز دينية مسيحية، وآخرها تحطيم تمثال ديني مسيحي في قرية دبل بالجنوب اللبناني.

عادت بلدة دبل في جنوب لبنان نصب تمثال السيد المسيح بمساعدة الكتيبة الإيطالية العاملة في قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) بعد أيام من تحطيم تمثال مشابه على يد جندي إسرائيلي (أ.ب)

وأكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن موجة الغضب والاستنكار ضد إسرائيل بلغت أوجها في العالم المسيحي، جراء قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمنع مسيرة عيد الفصح في القدس.

وشكا الفاتيكان من تضييق حرية العبادة في المدينة المقدسة للفلسطينيين، المسلمين والمسيحيين، والتي تمثلت أيضاً في إهانة رجال الدين والراهبات ومحاولة إحراق كنيسة في مدينة الطيبة بالضفة الغربية وأعمال تخريب في عدة كنائس ومقابر وتدمير الكنائس الثلاث في قطاع غزة.

وخلال الاجتياح الإسرائيلي للجنوب اللبناني شكا المواطنون المحليون من اعتداءات شبيهة على المقدسات الدينية. وأشعلت لقطة مصورة لجندي إسرائيلي وهو يهشم رأس التمثال بمطرقة، بعد إسقاطه من موقعه في قرية دبل خلال الأسبوع الماضي.

وحاول الجيش التملص من المسؤولية في البداية، لكن قيام الجنود بنشر الصورة والتباهي بها، أحرجه، خصوصاً بعد موجة الغضب العالمية العارمة على شبكات التواصل، والتي أظهرت أن 10 ملايين شخص شاهدوا هذه الصورة.

ونشرت تعليقات كثيرة عليها سخرت غالبيتها من تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث يقولون إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يشعر فيها المسيحيون بحرية العبادة. وعرضوا صوراً لمواطنين يهود وهم يعتدون على المقدسات ورجال الدين المسيحيين والاعتداءات على المسجد الأقصى. فأقر الجيش الإسرائيلي بمسؤولية جنوده عن هذا الانتهاك، وقدّم نتنياهو وساعر، اعتذاراً علنياً، ووعدا بمعاقبة المسؤولين. ثم أعلن الجيش أنه اعتقل الجندي الذي حطّم التمثال والجندي الذي صوره ونشر الصور، وحكم عليهما بالسجن شهراً، وطردهما من الجيش.

كما عوقب ثمانية جنود، كانوا يتفرجون ولم يقدموا شكوى. وسارع الجيش إلى إعادة بناء التمثال، وجلب صليب كبير مكان الصليب الذي تم تحطيمه. ولكن صحيفة «معاريف» الإسرائيلية قالت إن المواطنين في دبل رفضوا التسامح مع اعتداء كهذا.

آلية عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية (رويترز)

ويعد جورج الديك من فلسطينيي 48، ويعيش في يافا، ويعمل في السلك الدبلوماسي الإسرائيلي منذ 18 سنة. وقد شغل مؤخراً منصب سفير إسرائيل لدى أذربيجان، بوصفه أول سفير عربي مسيحي.


دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)
فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)
TT

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)
فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي، والإجراءات المرتبطة بشرعية «حماس» دولياً، إلى جانب التدخلات الإسرائيلية، بما فيها العدوان العسكري.

جرت آخر انتخابات محلية على مستوى قطاع غزة، عام 2005، فيما تجري انتخابات السبت، بالتزامن مع الانتخابات في الضفة الغربية.

فلسطينيون أمام مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

انتخابات مقلصة

وفُتح عند الساعة السابعة صباحاً بالتوقيت المحلي في فلسطين، 12 مركزاً للاقتراع في مدينة دير البلح، الأقل تضرراً من آثار الحرب الإسرائيلية الأخيرة، التي استمرت عامين، وتتواصل بعدها الخروقات، ومن بين تلك المراكز، 9 تم تحديدها في خيام جُهِّزت بشكل كامل من لجنة الانتخابات المركزية في مناطق عدة بالدير، و3 أخرى في مقرات تتبع لمؤسسات المجتمع المدني.

ولوحظ انتشار عناصر الشرطة التي تتبع لحكومة «حماس» في قطاع غزة، بالقرب من مراكز الاقتراع، من دون حمل أي سلاح، وقدِّر عددهم بنحو 250 تم التوافق على نشرهم بهذه الطريقة منعاً لاستهدافهم من إسرائيل، التي كثفت من استهدافها للعناصر الشرطية مؤخراً وبالذات الجمعة، قبل أقل من 12 ساعة على الانتخابات، حيث لوحظ تحليق مكثف لطائرات مسيَّرة إسرائيلية في سماء المنطقة، وسط خشية فلسطينية من استهداف تلك العناصر.

فلسطينيون أمام مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

وتتنافس في الانتخابات التي ستغلق مراكز اقتراعها عند الساعة الخامسة عصراً بالتوقيت المحلي (أقل من ساعات الانتخاب في الضفة الغربية)، 4 قوائم انتخابية تموّل نفسها بنفسها، ولا تتبع أي تنظيم فلسطيني، رغم أن بعض المرشحين هم نشطاء في حركة «فتح»، وأن آخرين كانوا ينشطون سابقاً في «حماس»، كما أنه تطغى عليها الاستقلالية والعشائرية بشكل أكبر.

والقوائم المتنافسة هي: «السلام والبناء»، و«دير البلح تجمعنا»، و«مستقبل دير البلح»، و«نهضة دير البلح»، تضم كل منها 15 مرشحاً، بينهم أربع سيدات على الأقل، على أن يتم انتخاب رئيس البلدية من بين الأعضاء الفائزين، حيث تم خلال تقدمهم للترشح، إلزامهم بالتوقيع على تعهد يقضي بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها ممثلاً شرعياً.

ولوحظ، في الساعات الأولى من عملية الاقتراع، إقبال ضعيف من السكان في دير البلح، حيث يحق 70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية، التي يشرف 292 مراقباً عليها، ويعمل 675 موظفاً ضمن طواقم الاقتراع لضمان سيرها وفق الأصول القانونية والمهنية، على أن تعلن النتائج الأولية صباح الأحد، وفق ما ذكر جميل الخالدي، المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، لـ«الشرق الأوسط».

فلسطينيون يبكون خلال تشييع امرأة وطفليها سقطوا بهجوم إسرائيلي قرب مستشفى الشفاء في مدينة غزة السبت (أ.ب)

وأوضح الخالدي أن النظام الانتخابي يعتمد على القوائم المغلقة، حيث يختار الناخب قائمة واحدة ويمنح صوته لخمسة مرشحين منها، على أن يتم تشكيل المجلس البلدي من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن أربع سيدات.

تصعيد ميداني...

تزامن إجراء الانتخابات، مع تصعيد إسرائيل عملياتها العسكرية وخروقاتها لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وقتلت القوات الإسرائيلية 13 فلسطينياً في غضون ساعات قليلة، الجمعة، بدأت عند الساعة الرابعة بالتوقيت المحلي باستهداف اثنين من عناصر شرطة «حماس» في حي النصر شمال مدينة غزة، قبل أن تقتل بعد ساعتين، 4 عناصر من الشرطة، و3 مواطنين كانوا بجوارهم بعد قصف مركبة كانوا يعودون بها من فض شجار عائلي في خان يونس جنوبي القطاع.

فلسطينيتان متأثرتان خلال تشييع قتلى سقطوا بهجوم إسرائيلي قرب مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة السبت (رويترز)

وقُتلت سيدة وطفلاها بالتزامن مع حادثة خان يونس بقصف مدفعي استهدف منزلين في محيط مستشفى كمال عدوان ببلدة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة.

وأُعلن السبت، مقتل شاب برصاص القوات الإسرائيلية في مخيم جباليا، فيما قُتلت طفلة متأثرةً بجروحها إثر استهداف وقع غرب دير البلح وسط قطاع غزة، منذ أيام، ومقتل آخر متأثراً بجروحه إثر غارة استهدفت، الخميس، مجموعة من الفلسطينيين في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع.

فيما أُصيب صياد فلسطيني بجروح خطيرة في إطلاق نار من زوارق حربية إسرائيلية قبالة سواحل مدينة غزة، كما أُصيبت سيدة حامل بإطلاق نار في جباليا، مما أدى إلى وفاتها جنينها.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحكومة «حماس»، وفصائل فلسطينية منها الأخيرة، بالاستهداف المتكرر لعناصر الشرطة، معتبرةً أن ذلك يأتي في إطار محاولة خلق الفوضى في قطاع غزة. مطالبةً الوسطاء بالتحرك لوقف الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار.

ووصل عدد الضحايا الفلسطينيين منذ بداية وقف لإطلاق النار، أكثر من 810، فيما بلغ عدد المصابين 2267، والإجمالي التراكمي منذ السابع من أكتوبر 2023 وصل إلى 72585، والإصابات 172370.