من «الحرم المكي» إلى مسجد «الإمام الصادق».. نحو ذاكرة بلا ثقوب

الذكرى الرابعة والعشرون لعملية «حزب الله الكويتي» التي نتج عنها 26 شهيدًا ومصابًا

ما قامت به «أحزاب الله» في المنطقة من حرائق لم تستثن حتى الحرم المكي، هو ذاته ما يقوم به «داعش» بانتهاكه حرمة المعابد الدينية والمساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية (أ.ب)
ما قامت به «أحزاب الله» في المنطقة من حرائق لم تستثن حتى الحرم المكي، هو ذاته ما يقوم به «داعش» بانتهاكه حرمة المعابد الدينية والمساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية (أ.ب)
TT

من «الحرم المكي» إلى مسجد «الإمام الصادق».. نحو ذاكرة بلا ثقوب

ما قامت به «أحزاب الله» في المنطقة من حرائق لم تستثن حتى الحرم المكي، هو ذاته ما يقوم به «داعش» بانتهاكه حرمة المعابد الدينية والمساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية (أ.ب)
ما قامت به «أحزاب الله» في المنطقة من حرائق لم تستثن حتى الحرم المكي، هو ذاته ما يقوم به «داعش» بانتهاكه حرمة المعابد الدينية والمساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية (أ.ب)

قبل ثلاث ليالٍ مضت، كانت الذكرى الرابعة والعشرين لتفجيرات مكة الإرهابية من قبل «حزب الله» الكويتي في عام 1989، والتي راح ضحيتها 26 شهيدا ومصابا، تلك الحادثة التي أحالت الترانيم المقدسة المطمئنة لحجاج بيت الله في مكة إلى ابتهالات الخائفين. كما تترافق الذكرى مع وفاة المعمم الشيعي محمد باقر المهري قبل أيام من الذكرى، وهو وكيل خامنئي وبعض المرجعيات الشيعية في دولة الكويت، والمتهم باعترافات المنفذين بتوليه التخطيط للعملية واختيار أفراد الخلية الإرهابية، وفقا لتحقيقات الأمن السعودي.
يأتي استحضار هذه الذكرى من أجل ذاكرة بلا ثقوب في فهم الظاهرة الإرهابية التي عمت المنطقة على أيدي الجماعات الإرهابية من كلا المتطرفين في الطائفتين، الشيعية والسنية. فما قامت به «أحزاب الله» في المنطقة من حرائق لم تستثن حتى الحرم المكي، هو ذاته ما يقوم به «داعش» بانتهاكه حرمة المعابد الدينية والمساجد الخاصة بأبناء الطائفة الشيعية. ولكن لعل الفارق الأبرز بين التجربتين أن أذرع الإسلام السياسي الشيعي المسلحة مدعومة كليا وعلانية من قبل صناع القرار في طهران، بينما عواصم دول الاعتدال في المنطقة - وفي مقدمتها الرياض - تقود حربا لا مواربة فيها على «الإسلام السياسي» المسلح بشقيه، وتضع «داعش» وتوابعه، و«حزب الله» وتوابعه، في سلة واحدة.
في الصراع السياسي والحرب الباردة التي نتجت عن الصراع السياسي في منطقة الشرق الأوسط في سياقاته التاريخية المعروفة، لم تتوان إيران الثورة عن استخدام الأقليات الشيعية العربية كأحد أسلحتها في إدارة الحرب من جانبها.
لقد اعتمدت إيران على نُخَب مجندة لكي تعمل كرأس حربة لها في توجيه الرأي والمزاج السياسي العام للدفاع عن مواقفها ومواقف الفصائل المحسوبة عليها علنا في الأوساط الشيعية العربية. وانتظمت هذه النخب تحت مظلة عريضة عُرِفَتْ باسم «خط الإمام» أو «السائرون على نهج الإمام»؛ وتوجد تحت هذا العنوان العريض عناوين فرعية لفصائل أكثر نخبوية من حيث التجنيد والتدريب. وعملت الفصائل الأكثر تدريبا والأدق تنظيما تحت مسمى «حزب الله» بتفرّعات جغرافية مثل «حزب الله الحجاز» و«حزب الله الكويت».
«أتذكر حادثة شهدتها بنفسي أواخر عام 1979 وفيها دلالات لا تزال سارية المفعول حتى وقتنا الراهن. حذّر أحد خطباء المنبر الحسيني في منطقة القطيف مستمعيه من الاستجابة لدعوة الخميني إلى تصدير ثورته الإسلامية. ونبه هذا الخطيب مستمعيه إلى أن الخميني ورفاقه يقودون دولة لها مصالحها التي قد تتعارض مع مصالح الدولة التي ينتسبون إليها، والخطاب الموجه لمنتسبي المذهب الشيعي مجرد رافعة سياسية تستخدمها إيران للضغط على جاراتها بتهديد أمنها واستقرارها»، كما يقول الكاتب السعودي كامل الخطي في حديثه لـ«الشرق الأوسط».
الخطي، الذي هو ابن واحد من أهم مرجعيات الشيعة الدينية، الفقيه عبد الحميد الخطي، يزيد في مداخلته: «هذا الخطيب المشار إليه هنا، كان أحد وجهاء مدينته، وكان يمتاز بالشهامة والنخوة، وصرف من عمره شطرا غير يسير في السعي لقضاء حاجات الناس، وحل مشاكلهم، وكان من المثقفين العروبيين التقليديين البارزين. تعرض هذا الخطيب إلى نبذ اجتماعي بعد قوله رأيه في الخمينية ودعوتها إلى تصدير الثورة، وكانت الإشاعة هي السلاح الذي استخدم في الاغتيال المعنوي الذي ارتُكِب في حقه؛ فقد انتشرت ضده إشاعة مفادها أنه قال في أحد مجالسه إن حذاء بن غوريون أطهر من لحية الخميني. الإشاعة التي أطلقت وخسفت بحيثية ومكانة هذا الرجل في مجتمعه لم تكن عمل فرديا، وإنما كانت عملا منظما استحضر بوعي شرير رمزية بن غوريون إلى مشهد الصراع لكي يدفع حتى تلك الآلاف التي تقف صامتة حيال الأحداث إلى نبذ الرجل وعزله اجتماعيا؛ فالذي أطلق الإشاعة كان يعي أن لحية الخميني لا تحرك وحدها مشاعر الأغلبية الصامتة وتدفعها للإسهام في الجريمة، فقرنها في مفاضلة مع حذاء بن غوريون، مما استفز مشاعر حتى غير المتعاطفين مع ثورة الخميني، وجندهم كقوة غاشمة من دون وعي».
ولكن ما هو التطور التاريخي الذي طرأ على الأنساق الثقافية لجماعات الإسلام السياسي الشيعي منذ تلك الحقبة إلى اليوم؟ يجيب الكاتب الأكاديمي المصري هاني نسيرة بلمحة من جانبين: «النسق الثقافي لـ(جهاديات الإسلام السياسي الشيعي والسني) لم تتغير، مثل غياب فكرة ومفهوم الوطن عن كليهما: فأدبيات (الجهاديين) السنة والشيعة على السواء لا تؤمن بفكرة الوطن، إنما تؤمن وفقط بمقولة الوطن، هي أممية الاعتقاد وضد فكرة الأوطان والدول الوطنية، لذا يكون المنتمي إليها غير مبال إذا قام بعملية في وطنه أو ضد بني جنسه. هو يحلم بدولته العالمية ونزوعه الأممي. كان الظواهري دائما يسمى الوطنية صنم الوطنية، ويراها طاغوتا، كذلك لم يجعل الخميني تنمية الوطن ورفاه الشعب الإيراني همه، بل كان همه الأول هو تصدير الثورة الإيرانية».
ويضيف نسيرة في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «لكن دعني أنبه هنا إلى شيء، هناك تشابه في الغايات بين الحاكمية والإمامة، فقد استقر الفقه والتراث الشيعي على عدم (الجهاد) في غيبة الإمام وفي عصر الغيبة، ولكن منذ ظهرت ولاية الفقيه على يد الخميني ونظامه صار (الجهاد) وتصدير الثورة عقيدتهم الأولى منذ تأسيس الحرس الثوري عام 1981 بفيالقه الخمسة التي تكلف الاقتصاد الإيراني 200 مليون دولار كل عام على الأقل، لتمويل العمليات في الخارج التي يضطلع بها فيلق القدس تحديدا».
شَكّلَ منتسبو كل إقليم جغرافي القوام الرئيسي لمنظمات «حزب الله» الفرعية، وكُلِّفَت هذه المنظمات الفرعية بالقيام بأعمال لصالح إيران. تراوحت درجة خطورة الأعمال التي نفذتها أفرع «حزب الله» من الضغط على رجال الدين المحليين لمنعهم من اختيار مرجعياتهم الفقهية، ومحاولات إجبارهم على اختيار مرجعيات فقهية مؤمنة بمبدأ ولاية الفقيه بغرض إحكام السيطرة على المجتمعات الشيعية العربية، وتوجيه سلوكها بما يتفق والمصلحة الإيرانية، إلى التصفية المعنوية التي طالت مشايخ ووجهاء وأعيانا شيعة في مجتمعاتهم.
ذنبهم بحسب الخطي «أنهم ليسوا من المؤمنين بمبدأ ولاية الفقيه، وصولا إلى القيام بأعمال عنيفة مثل الاغتيالات والتفجيرات، كما حدث في منشآت شركة (صدف) في مدينة الجبيل الصناعية شرق المملكة، وكما حدث في موسم حج عام 1989 في مكة المكرمة».
ويتابع الخطي: «أزْعُم أنه لو دُرِسَت خارطة توزع الولاءات السياسية في المجتمعات الشيعية في دول الخليج العربية، بدقة، فلن تظهر نتيجة إحصائية لصالح إيران، وربما لن تظهر أي نتيجة إحصائية تدل على قدرة أي فصيل من فصائل الإسلام السياسي الشيعي على الحصول على أغلبية موالية؛ لكن طبيعة الأمور في الظاهر لا تسير وفق الواقع الذي قد تشخصه الدراسة والإحصاء؛ فالدراسة والإحصاء قد يُنْطِقان صمت الأغلبية، بينما المشهد الظاهر يقع تحت سطوة أقليات منظمة تمتلك أدوات تعبير تبدو من خلالها، للعيان، كأنها ممثل شرعي للغالبية، وهذا يجلب معه تبعات، أخطرها على الإطلاق تعميق أزمة الثقة، وتعزيز الشكوك في الولاء الوطني، وإدامة قلق ازدواج الهوية».
على الرغم من كل هذا الإرث الدموي الذي أنهت به «أحزاب الله» الإيرانية أواخر الألفية الثانية، كان عام 2006 ولادة جديدة روّجت لها بعض مجاميع اليسار واليسار القومي، بعد حربه الدعائية ضد إسرائيل التي كلفت لبنان بنيته التحتية. وكانت إحدى القنوات التلفزيونية الخليجية المرموقة المنبر الأول للجماعات الأصولية السنية من «القاعدة» و«الإخوان المسلمين»، كما كانت أيضا المنبر الأول للإسلام السياسي الأصولي الشيعي في تلك الفترة.
بحسب الخطي: «استثمرت إيران في عامل التمييز الذي أَضَّر بالأقليات الشيعية العربية، وشاركها في استثمارها طيف من اليسار واليسار القومي، خابت آماله بفشل مشروعه السياسي، مما حوله إلى معارض للأنظمة القائمة دون مشروع نهضوي واضح السمات».
غير أن نسيرة يفضل عدم الاستغراب من هذا التداخل: «في ظني أن الثورة الخمينية عند اندلاعها كما كثير من الثورات والانتفاضات، وما ترفعه من شعارات، خدعت كثيرا من المخلصين، وكثيرا من القوى المدنية. كثير من شباب الثورة انتخبوا (محمد) مرسي مثلا ووقفوا معه، ثم كانوا جزءا من حراك خلعه في 30 يونيو (حزيران)! هذا أيضا ما حدث مع كثير من ناشطي ومثقفي اليسار في الموقف من ثورة الخميني أو في الموقف من حزب الله، الكثيرون ينجذبون لدعاوى المقاومة وشعارات التنظيمات، لكن بعد اختبارها ينفصلون عنه. أذكر أن السيد هاني فحص مثلا كان مقربا جدا من الخميني في حياته، لكنه باقي عمره صار مناهضا للتمدد الإيراني ومعارضا لحزب الله نفسه!.. وكذلك آخرون».
الأكيد أن ذكرى تفجيرات مكة على يد «حزب الله الكويتي» وعلى أيدي كويتيين تتقاطع مع حالة الإرهاب المتناسل من قبل «داعش» والموجه في أحد أطيافه ضد المساجد الشيعية في السعودية والكويت. فيما تواجه المنطقة دهاليز غير مسبوقة من العتمة مع استقطابها للمجرمين والمرتزقة الغرباء الذين لا أوطان لهم مستغلة تسخين الملف الطائفي.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.