إليت أليشكا: أقدِّم الوجه الآخر للمنظمات الدولية وفق رؤية إبداعية ساخرة

الكاتب والدبلوماسي الألباني يرى أنهم ما زالوا مجهولين للمواطنين الغربيين العاديين

الكاتب الألباني إليت أليشكا
الكاتب الألباني إليت أليشكا
TT

إليت أليشكا: أقدِّم الوجه الآخر للمنظمات الدولية وفق رؤية إبداعية ساخرة

الكاتب الألباني إليت أليشكا
الكاتب الألباني إليت أليشكا

يجمع الكاتب الألباني إليت أليشكا (مواليد 1951)، بين الأدب والدبلوماسية في ثنائية لافتة حقق في كليهما إنجازات لافتة. فدبلوماسياً وصل إلى منصب سفير لبلاده لدى فرنسا، وأدبياً حصد كثيراً من الجوائز في القصة القصيرة والرواية والسينما. أثارت روايته الأخيرة «الدوليون» التي صدرت ترجمتها العربية عن دار «العربي» بالقاهرة، بعنوان «الدبلوماسي» جدلاً واسعاً؛ كونها تتناول الوجه الآخر المسكوت عنه للمنظمات الدولية الغربية التي تعمل في بلاده.
واتسعت دائرة الجدل حين بدا أن المؤلف يستفيد من تجربته المباشرة في العمل الدبلوماسي، الأمر الذي كاد يضعه في دائرة الاتهام بـ«إفشاء أسرار المهنة». ومع ذلك تمت ترجمة العمل إلى لغات عدة، منها: الإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والصينية.
أسهم أليشكا بحظ وافر في مجال كتابة السيناريو؛ حيث قُدِّم كثير من الأعمال المأخوذة عن مؤلفاته، مثل «شعارات» وهو فيلم فرنسي- ألباني حاز جائزتين في كل من مهرجانَي «كان» و«طوكيو» السينمائيين.
هنا حوار معه، حول هذه الرحلة بضفتيها الأدبية والدبلوماسية، وروايته التي أثارت كل هذا الجدل.

بعض من مؤلفات أليشكا

> إلى أي مدى يمكن اعتبار رواية «الدبلوماسي» نوعاً من السيرة الذاتية؟
- أغلب الرواية كذلك في الواقع، فهي إلى حد بعيد «سيرة ذاتية عاطفية» إن جاز القول. وصحيح أن حياة المؤلف تنعكس غالباً بدرجة ما، بشكل أو بآخر، على العمل الذي يكتبه أياً كان موضوعه، إلا أن تلك الرواية تتقاطع مع سيرتي الذاتية بشكل كبير، واستفدت فيها من خبرتي المهنية والإنسانية.
> بينما يتسم العمل الدبلوماسي بالتحفظات والمجاملات وقواعد البروتوكول، تبدو الرواية منغمسة في كشف الأسرار. كيف ترى هذا التناقض؟
- هذا التناقض ذاته له جذوره في الواقع الألباني نفسه، ويلخص -على وجه الخصوص- واقع البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية، والتي ثبت أنها أكثر تعقيداً وتجزئة من مبادئ المنظمات الدولية نفسها. في كثير من الحالات تظل المبادئ المحظورة، أو القواعد العالمية التي تحكم أسس هذه المنظمات نفسها، غير واقعية وغير مناسبة عند مواجهة مواقف محددة في الواقع المعقد. حتى في حالات قليلة، يتم تفسيرها وفقاً للأذواق والمشاعر الفردية للممثلين الدوليين.
في بلد مثل ألبانيا، الذي خرج من فترة طويلة وقاسية من العزلة في ظل الديكتاتورية، استوعب الناس نوعاً من عقدة النقص الممزوجة بحس الضيافة التقليدي. في كثير من الأحيان، كان مثل هذا السلوك ولا يزال يساء فهمه من قبل الأجانب الذين يزورون ألبانيا، ما أدى إلى شعور هؤلاء الأجانب بنوع من التفوق الزائف على المواطن المحلي. بعد خبرة طويلة في العمل مع الأجانب، بوعي أو بغير وعي، كان دافعي في هذه الرواية هو إزالة الغموض عن هذا الإحساس الظاهر بالتفوق، وإظهار صورة حقيقية للأشخاص العاديين، مع رذائلهم وقيمهم أيضاً، مع التأكيد على فكرة أننا جميعاً متساوون في هذا العالم.
بالنسبة لبلد صغير ليس له وزن كبير على المسرح الدولي، سيكون هناك دائماً وقت ومساحة للمناقشات المتعلقة بعلاقة ألبانيا بالأجانب. إضافة إلى ذلك، فإننا نواجه معضلات تتعلق بالمصلحة الدولية في ألبانيا التي كانت ولا تزال تنظر إلينا باعتبارنا حالة طارئة.
> هل كان من الممكن أن تنشر مثل هذا العمل عندما كنت سفيراً لبلدك في باريس؟
- في الواقع، لقد نشرتُ الرواية قبل أن أصبح سفيراً. ومع ذلك، يجب أن أعترف بأنه بعد نشر الرواية، كان هناك كثير من المناقشات الرسمية والعامة المتناقضة حول حرية التعبير وأخلاقيات الموظفين العموميين، ودور الأدب، وما إلى ذلك. ربما كان هذا هو السبب وراء ترجمة الرواية ونشرها بعدة لغات أخرى، مثل: الفرنسية، والإيطالية، والنرويجية، والفارسية، والصينية، والإنجليزية. على المستوى الشخصي، عندما كنت في منصب سفير، كنت خائفاً من أن أصبح أنا نفسي موضوعاً أو شخصية لأي من روايات كاتب آخر.
> تكشف الرواية عن الجانب الذي لا يتحدث عنه أحد في عالم المنظمات الدولية، وتركز على اختلاط الباطل والادعاءات بما تدعي هذه المنظمات تقديمه لدول العالم الثالث. إلى أي مدى تعكس هذه الرؤية الأدبية حقيقة موجودة بالفعل على الأرض؟
- إنها مشتقة من الواقع نفسه. ثم إن هناك كثيراً من الموظفين والمسؤولين الدوليين الذين غالباً ما يكونون مجهولي الهوية في بلدانهم، والذين عند قدومهم إلى ألبانيا، في أثناء العمل لمساعدة هذا البلد أو لإظهار طريق التقدم للسكان المحليين، تأخذ حياتهم معنى جديداً، وذلك بفضل الاهتمام والضيافة من السكان الأصليين للبلد المضيف. في الوقت نفسه، على المستوى الاقتصادي، فإن الخدمة في مثل هذه البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية تتزامن مع بعض الامتيازات المالية غير الموجودة في أي مكان آخر. بينما على المستوى الروحي، يسير هذا الاتجاه لصالح العقلية النرجسية للأجانب الذين يوصفون عادة بأنهم «شجعان وأبطال» يعملون ويخاطرون بحياتهم في هذا البلد المفقود.
> يلاحظ أن نبرة السخرية تبدو عالية في النص، بحيث يمكن تصنيفها على أنها نوع من «الكوميديا السوداء». فهل تعمدت ذلك؟
- هذا هو أسلوبي في الكتابة عموماً، وربما تأثرت بالكتاب العظماء، مثل خوسيه ساراماغو وهاينريش بويل. بمعنى آخر: إنها طريقتي في رؤية كيف يواجه الإنسان الحياة، كما أنني أفضل هذا الأسلوب في التعبير عن المصائر السيئة للبشر، بشكل أقل دراماتيكية أو مأساوية.
> إذن، كيف جمعت بين مهنة السفير التي تتطلب قدراً كبيراً من الانضباط والرصانة، ومهنة التأليف الإبداعي التي تتطلب قدراً كبيراً من التمرد وإطلاق طاقة الخيال؟
- مرة أخرى، يمكن أن يكون الأمر نتيجة للواقع الألباني نفسه أو انعكاساً له. إن التمرد يختلف عن الشجاعة، وهو شيء ينبع من الانطباع بأن الحساسية الدولية تجاه بلدنا تميل إلى نوع من الإجلال الشكلي؛ لكن غالباً ما يقلل من شأنها الخطب البالية. هناك كثير من التحيزات، حتى الدينية منها والكليشيهات والصور النمطية للأجانب، وغالباً ما يؤدي ذلك إلى توليد مواقف سلبية تجاه الألبان وألبانيا. أعتقد بأننا ما زلنا مجهولين كثيراً بالنسبة للمواطنين الغربيين العاديين. هناك تناقض بين هويتنا الحقيقية والمعقدة (على الأقل مثل كل أمة) وكيف أنها تبدو مثيرة أو غريبة في نظر المؤسسات الدولية، التي غالباً ما توفر مساحة للآراء المشوهة. كان الألبان يملكون صورة نمطية مفرطة في المثالية والتفاؤل في نظرتهم للغرب، ثم سرعان ما جاءت مشاعر خيبات الأمل بعد المعايشة المباشرة. لقد عشنا طويلاً نملك الصورة الوهمية للحرية والصورة المشوهة للواقع الغربي، ثم جاءت الصدمة مؤخراً.
> هل هذه التناقضات أو التباينات في مرايا الصورة التي عشتها، كانت حافزاً للجمع بين العمل الدبلوماسي والنشاط الأدبي؟
- نعم، في واقع الأمر، فإن صورة الدولة نفسها تقوم على الثقافة والسياسة. كما أنه من المقبول عموماً أن الدبلوماسية ليست فقط حماية وتعزيز المصالح الاستراتيجية أو التجارية، ولكنها أيضاً ناقلة للتمثيل الذاتي ونظام القيم الذي يقوم عليه المجتمع. هذا المزيج من النشاط الدبلوماسي والأدبي يدعم مكونات متعددة الأوجه، منها التاريخية والاجتماعية والثقافية، وحتى «الأنساب». من هنا يمكن النظر في التآزر بين الثقافة السياسية والرؤية الإبداعية على أساس كل حالة على حدة. إذا أشرنا إلى أمثلة من التاريخ، فهذا موضوع له أثر رجعي ومستقبلي على حد سواء؛ لأن تصنيف الكاتب الدبلوماسي نفسه واسع، لذلك لا توجد صورة فريدة. أعتقد بأن ظاهرة الكاتب الدبلوماسي تساعد على فهم السياق الآيديولوجي بشكل أفضل، والجمع بين تاريخ الأدب وتاريخ العلاقات الدولية.
> في هذه الرحلة، بمن تأثرت من الأدباء العالميين؟
- على سبيل المثال لا الحصر، هؤلاء مجموعة من المؤلفين الحاصلين على جائزة «نوبل» الذين تأثرت بهم: سانت جون بيرس، رومان غاري، بول موراند، بول كلوديل، مالابرت، سيفريس، إيفو أندريتش، بابلو نيرودا، ميغيل أنجيل أستورياس، تشيسلاف ميلوش، كارلوس فوينتيس، روبرتو إتشيفريا، غابرييلا ميسترال، أوكتافيو باز.
> لديك تجارب مهمة في السيناريو، ما الفرق بين الكتابة الأدبية والكتابة للسينما؟
- كلاهما له الهدف نفسه: أي اكتشاف بلاء الإنسان وتحدياته الوجودية والمجتمع البشري نفسه. يستخدم الأدب الكلمات، بينما تستخدم السينما الموسيقى والكلمات والأصوات، وقبل كل شيء الصورة. كلاهما يساهم بقوة في المجتمع. إلى جانب أدوات أخرى، يعتبر الاثنان أكثر ناقلات أو أدوات المعرفة امتيازاً ومصدراً للمعلومات الحقيقية للمجتمع. أما عندما ينتقدان، أو عندما يقومان بإضفاء الطابع الرومانسي على الواقع، كما في حالتي، يكون ذلك من خلال رسم الأبعاد الحقيقية لألبانيا المعاصرة والمجتمع الألباني.
> ماذا تمثل لك الجوائز وقد فزت بكثير منها في الأدب والسينما؟
- بالنسبة لأي كاتب، من الأفضل الحصول على جوائز، فعدم الحصول عليها يثير دائماً مشاعر الإحباط.
> أخيراً، ماذا تعني لك ترجمة رواية «الدبلوماسي» إلى العربية؟ وكيف ترى استقبال القارئ العربي لها؟
- مع خالص التقدير، كان من دواعي سروري أن تترجم روايتي إلى تلك اللغة العظيمة، والثقافة العظيمة؛ لا سيما في بلد مثل مصر؛ حيث ترتبط به ألبانيا بكثير من الروابط التاريخية. وقد ساهم في ذلك بعض المصادفات والظروف السعيدة التي بفضلها جعلتني ألتقي مدير دار «العربي» شريف بكر، في أحد المعارض الدولية للكتاب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
TT

في وداع أحمد قعبور الذي غنّى للمقهورين

الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)
الفنان الملتزم الذي واكب بألحانه جيلاً بكل تحولاته (فيسبوك)

في ظرف حالك، ودّع لبنان أحمد قعبور، الفنان الذي غنى بيروت والجنوب كما لم يفعل أحد. صراعه الطويل مع المرض لم يمنعه من أن يبقى كالرمح يقف على الخشبات حتى الرمق الأخير، ويمتّع جمهوره بحضوره الدمث وأغنياته التي حفرت عميقاً في وجدان الناس.

هو ابن الحروب والمعاناة، من رحمها وُلد، وبقي وفياً لآلام الناس وتفاصيلهم الصغيرة الحميمة. بيروتي أصيل، سكنت مدينته روحه، وقضايا المقهورين وجدانه. وُلد عام 1955 ونشأ في الستينات، في حين كانت النهضة اللبنانية الفنية في قمة فورانها. تأثر بوالده عازف الكمان محمود الرشيدي الذي اصطحبه معه إلى حفلات زرعت في نفسه حسّاً فنياً مبكراً، ثم جاء دخوله معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية ليشحذ ميوله الأولى، ويصقل موهبته.

أحمد قعبور في البدايات (فيسبوك)

هو ملحّن، ممثل، كاتب، مغنٍّ، تلفزيوني، إذاعي، مسرحي... تعددت اهتمامات أحمد قعبور، وبقيت كلها تصب في مكان واحدٍ: الفن الملتزم بالإنسانية نهجاً. تفرعت إبداعات أحمد قعبور، حتى قال إن تلك المجالات العديدة التي عمل فيها ربما شغلته عن التركيز. لكنه في حقيقة الأمر كان فناناً أخّاذاً، أينما يمّم وجهه.

قال ذات مرة وهو الذي بقي فلسطيني الهوى والبوصلة، إن قناعاته الآيديولوجية الأولى تحولت إلى كل ما له علاقة بالقيمة الإنسانية والكرامة، وصوب ذاكرته الفردية والجماعية.

مع بدء الحرب اللبنانية الأهلية، وكان في التاسعة عشرة من عمره، انخرط في دعم ومساعدة المواطنين، يجمع الأغذية ويوزعها على المحتاجين. في تلك الفترة كان يقرأ الشاعر توفيق زياد، ووقع على قصيدته «أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم، وأقول: أفديكم». أحبها ولحّنها، وغنّاها، أثناء تجوال له مع فرقة موسيقية شبابية صغيرة، في مستشفى ميداني في «جامعة بيروت العربية»، فجاء تجاوب الجرحى والمرضى مفاجئاً له، واضطر إلى أن يكررها مرّات ومرات وسط استغراب الموجودين واستغرابه هو أيضاً.

صارت أغنيته الأولى هذه نشيداً لا ينطفئ، وبقي الناس يرددونها طوال خمسين سنة، بالحماسة نفسها وكأنها وُلدت اليوم.

كرّت سبحة أغنيات قعبور، وبقيت كلها أمينة لنصيحة والده، حاملة «نبض الناس». هكذا جاءت «يا رايح صوب بلادي»، و«علوا البيارق»، و«نحنا الناس»، و«نبض الضفة»... حيث ظل الإنسان العادي الكادح، في صميم أعماله، وهو يمثل ويعلّم ويلحّن، ويكتب أغنياته.

بيروتي بحق، تأثر إلى حدّ بعيد بابن مدينته الفنان الثائر عمر الزعني الذي لُقب بـ«موليير الشرق». ولإعجابه الشديد به، أعاد أغنياته إلى الحياة في ألبوم خاص، بعد أن كان منسياً، كاشفاً عن عبقرية فذة ذات روح كاريكاتيرية، تنهل من الحياة اليومية، وتعيدها ألحاناً وكلمات.

يوم كان الغناء رسالة وأصحابه يجوبون المؤسسات التعليمية (فيسبوك)

رأى قعبور نفسه في هذا الفنان البيروتي المنتفض على الظلم الاجتماعي الذي التقط صور من حوله بعينَيه، وترجمها كلاماً هزلياً جارحاً وموسيقى متهادية. فغنى قعبور «بيروت زهرة في غير أوانها... محلاها ومحلا زمنها»، و«بدي غني للناس، إلي ما عندن ناس، وكانوا هني الأساس»، و«بيروت يا قصة، يا صندوق فرجة كبير». غرف من قاموس مدينته الجريحة، وهو يغني قاموسه الفني، دون أن تجفّ بئره. ابن حارات «البسطة التحتى»، نسج لكل مناسبة وركن في بيروت أغنية، من العيد إلى رمضان بفوانيسه، إلى شوارعها، وبحرها، وشمسها، وعصافيرها... غنى لأمه التي ودّعته في الصباح «بضفيرة قليلة ويدين من دعاء»، وأوقدت «ناراً صغيرة لأجله». حوّل قعبور الأشياء الرتيبة المكرورة إلى ألحان اختلط فيها الفرح بالشجن، ونسج حكايات يتماهى معها الهامشيون والمنسيون.

كما واكب قعبور مآسي فلسطين، ونازحي المخيمات، وأهل الجنوب اللبناني، والهجمات الغادرة عليهم. لم يتوقف جمهوره عن تكرار «الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس، من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس يطلعون، من وجه القمر، إنهم جنوبيون». بقيت أغنياته هذه تسطع مع كل قصف وغزو. وها هي «يا رايح صوب الليطاني دخلك وصللي السلام، صبّح أهالي النبطية، وطلّ شوية عالخيام»، تعود وكأنها تُكتب اليوم لبلدات تُجتاح وتُهدم من جديد.

وكما الكبار، كان للصغار منه حصة وافية؛ إذ ساهم في تلحين وغناء مسرحيات عديدة مثل «كلو من الزيبق» و«شو صار بكفر منخار». كما أدى دور الصحافي في مسرحية زياد الرحباني «شي فاشل»، وأدى أدواراً تمثيلية، في السينما في فيلم «ناجي العلي» و«كارلوس»، وفي مسلسل «النار بالنار».

ورغم أنه عمل في أكثر من تلفزيون وإذاعة، فإنه برز بشكل خاص حين انخرط في «تلفزيون المستقبل» راسماً هويته الموسيقية، بأغنيات أثارت الكثير من الجدل، وكأنها تتناقض مع توجهاته اليسارية، النضالية الأولى. وأشهر تلك الأغنيات التي بقيت في ذاكرة الناس هي «لعيونك بتمون»، وسلسلة أخرى من الأغنيات التي رافقت حياة هذه المحطة ووسمت إطلالتها.

وانتشر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيديو لأحمد قعبور، ظهر خلاله وقد فقد توازنه واضطر إلى الجلوس قبل مساعدته من قبل بعض الحضور. كان ذلك خلال مشاركته في حفل «قلوب تغني لحن العطاء»، لرعاية «دار الأيتام الإسلامية». وأثناء غنائه «أناديكم»، بدا عليه التأثر والتعب، وكأنه سيهوي، فهرع الحضور لمساعدته. يومها أثارت حالته قلق محبيه، وخاصة أنه كان يخضع لعلاج سرطان أصيب به.

رحل باكراً أحمد قعبور الذي بقي، رغم مرضه، لا تفارق السيجارة يده، ولا يكف عن تلبية الدعوة للغناء أو المساعدة في أمر خيري. وبغيابه يُطوى اسم أساسي، ضمن كوكبة صنعت مجد الأغنية الملتزمة في لبنان والعالم العربي. ومع أنه كان يكرّر أن التزامه لم يعد نضالياً، حاراً، كما سبق، وأن له معنى مختلفاً، فإن أغنياته بقيت في مجملها ذات طعم وطني، نقدي، متمرد، وإن تغلفت بوشاح رومانسي هادئ.


«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)
مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت 28 مارس (آذار) الحالي ولمدة شهر، والذي ينصُّ على إغلاق جميع صالات السينما في تمام التاسعة مساءً، ضمن حزمة إجراءات أوسع تستهدف خفض استهلاك الكهرباء في قطاعات عدة، على خلفية تداعيات الحرب الإيرانية.

وبموجب القرار الجديد، ستتأثر خريطة عرض الأفلام بشكل مباشر، حيث ستبدأ آخر الحفلات السينمائية في الأيام العادية في السابعة مساءً، بينما تكون آخر العروض في عطلة نهاية الأسبوع عند الثامنة مساءً، ما يعني تقليص عدد الحفلات اليومية، خصوصاً في فترة السهرة التي تُمثِّل عادةً النسبة الأكبر من إيرادات شباك التذاكر.

ويثير هذا التغيير مخاوف لدى المنتجين وأصحاب دور العرض، الذين يعتمدون بشكل أساسي على حفلات المساء لتحقيق أعلى نسب حضور، مع وجود 4 أفلام مصرية تُحقِّق إيرادات جيدة في شباك التذاكر.

وسجَّلت إيرادات السينما المصرية أداءً قوياً خلال الفترة الماضية مع انطلاق موسم عيد الفطر، حيث حقَّقت إيرادات اقتربت من 100 مليون جنيه في 10 أيام فقط، مدفوعة بعرض 3 أفلام رئيسية هي «برشامة» بطولة هشام ماجد، و«فاميلي بيزنس» لمحمد سعد، و«إيجي بيست» لأحمد مالك. وانضم إليها لاحقاً فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بطولة أحمد الفيشاوي، والذي شهد أزمةً رقابيةً أدت إلى سحبه مؤقتاً من دور العرض لنحو أسبوع قبل إعادة طرحه.

الملصق الترويجي لفيلم «برشامة» (الشركة المنتجة)

وقال الموزِّع السينمائي محمود الدفراوي لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثير القرار سيكون كبيراً للغاية على إيرادات السينما، لكون حفلات ما بعد التاسعة وحتى منتصف الليل تمثل عادة ما بين 60 و70 في المائة من إجمالي الإيراد اليومي، وهو ما يعني فقدان النسبة الأكبر من الدخل اليومي لدور العرض، مع إلغاء الحفلات التي تُمثِّل الركيزة الأساسية لشباك التذاكر، في ظلِّ ضعف الإقبال على الحفلات الصباحية بطبيعتها».

وأوضح أن «الأزمة لن تقتصر على تراجع الإيرادات فقط لأفلام العيد، بل ستمتد إلى قرارات الإنتاج والتوزيع لكون الصناعة تعتمد على عدد كبير من العاملين. ومع تقليص عدد الحفلات اليومية لن يكون هناك حافز كافٍ لطرح أفلام جديدة، الأمر الذي سيدفع صُنَّاع السينما للتريث ومراقبة تطورات الوضع، في وقت لن يغامر فيه أي منتِج بطرح فيلم جديد في ظلِّ عدد حفلات محدود، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في حركة السوق».

وأضاف الدفراوي أن «هذا الوضع قد يدفع إلى إعادة النظر في طرح عدد من الأفلام، خصوصاً ذات الميزانيات الكبيرة، نظراً لاعتماد الصناعة بشكل أساسي على كثافة الحفلات اليومية، وهو ما يجعل أي تقليص فيها مؤثراً بشكل كبير».

صناع فيلم «برشامة» في العرض الخاص (الشركة المنتجة)

ووصف المنتِج والموزع السينمائي جابي خوري القرار بـ«الكارثة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «سيؤدي إلى مشكلات كبيرة داخل صناعة السينما ويفاقم أزماتها لكونه يؤثر على منظومة العمل بشكل كامل، وفي ظلِّ خسائر متوقعة لن تقل عن 50 إلى 60 في المائة»، لافتاً إلى أن «تداعيات القرار ستنعكس سريعاً على حركة طرح الأفلام، ولن يكون هناك إقبال من المنتجين على تقديم أعمال جديدة في ظل هذه الظروف، بما يهدد استقرار السوق السينمائية خلال الفترة المقبلة».

رأي دعمه المستشار الإعلامي لـ«الشركة العربية للإنتاج والتوزيع» عبد الجليل حسن، الذي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «القرار تسبَّب فعلياً في إلغاء ما لا يقل عن 3 حفلات يومياً بدور العرض»، موضحاً أن «الحفلة الوحيدة التي تشهد إقبالاً ملحوظاً هي التي تبدأ في السادسة مساءً، بينما تظل الحفلات الصباحية ضعيفة من حيث الحضور».

وأضاف أن «هذا الوضع سيؤدي إلى خسائر كبيرة لن تقل عن 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مع تقليص فرص تحقيق إيرادات كافية لتغطية تكاليف التشغيل داخل صالات السينما ذاتها».


ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
TT

ألوان ماتيس «المحلّقة» في معرض باريسي

لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)
لوحة «الحزمة» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

قال الفنان الفرنسي هنري ماتيس، عام 1950، وهو في الثمانين من عمره: «آمل أن نموت شباباً حتى إن عشنا عمراً طويلاً». رغم أنه عاش لـ4 سنوات أخرى بعد ذلك، كان قد شعر بالفعل طوال عقد، منذ اقترابه من الموت خلال عملية جراحية لمحاربة سرطان الأمعاء، أنه كان يمر بمرحلة جديدة من النمو الإبداعي العميق، أو «حياة ثانية» كما وصفها في خطاب إلى ابنه بيير.

وشهدت هذه الحقبة أعمال الفنان، التي يضمّها معرض باريسي مبهر، يخطف الأنفاس بعنوان «ماتيس... 1941 - 1954». وهو تعاون بين مركز «بومبيدو»، الذي تم إغلاق مقره لأعمال التجديد حتى 2030، وصالة عرض «غراند باليه»، ويستمر حتى يوليو (تموز) 2026.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (رويترز)

الحياة الثانية لماتيس

يضم المعرض أكثر من 300 عمل مستعار من جميع أنحاء العالم، وبعضها يُعرض لأول مرة، توضح جميعها كيف تجاوزت الأعمال الفنية الرائعة لذلك الفنان الفرنسي المتميز نطاق لوحاته الشهيرة، لتضم رسوماً ابتكارية وقصاصات من الجواش، وكتباً مصورة، ومنسوجات، ونوافذ من الزجاج الملون المعشّق.

كذلك يتحدى النظرة التقليدية للسنوات «الأخيرة» من حياة أي فنان، كفترة اضمحلال حتمي، حيث نرى هنا دافعاً مزدهراً دؤوباً لتجربة وسائط جديدة وبساطة شديدة يتطلب إنجازها عمراً بأكمله.

جانب من معرض «ماتيس: 1941-1954» المقام في غراند باليه بباريس (إ.ب.أ)

كانت بداية العقد الرابع من القرن العشرين فترة ثرية مشحونة بالنسبة لماتيس، لأسباب بعيدة عن مرضه الشخصي. عندما غزا النازيون فرنسا في يونيو (حزيران) 1940، كان الفنان يزور باريس، لكنه سرعان ما عاد إلى منزله بجنوب فرنسا، التي كانت لا تزال منطقة حرة آنذاك. وظل في هذه المدينة النابضة بالحياة المطلّة على البحر حتى عام 1943، عندما دفعه اقتراب التهديد الألماني باتجاه الشمال نحو التلال حيث وجد الاسترخاء في فيلا مستأجرة تحمل اسم «لا ريف» (الحلم).

ولم تكن الأمور على ما يرام، رغم أن ماتيس كان محاطاً بالخضرة الكثيفة والضوء الذي ذكّره برحلة مؤثرة سابقة إلى تاهيتي. في ربيع 1944، ألقى «الغيستابو» (جهاز أمن الدول الألماني) القبض على زوجته إيميلي وابنته مارغريت للقيام بأعمال مقاومة، وسُجنت إيميلي 6 أشهر، وعُذبت مارغريت ورُحّلت. ورفض ماتيس، الذي صنّفه النازيون بأنه «فنان منحلّ وفاسد»، عرض أعماله أثناء الحرب، بل رفض أيضاً مغادرة فرنسا، في خطوة شعر أنها سوف تكون تخلياً عن البلد وعن مستقبله. مع ذلك، واصل ماتيس العمل بإصرار ومثابرة على نطاق خاص ضيق.

ألوان ومزهريات

يفتتح معرض «غراند بالي»، الذي تُرتب فيه الأعمال زمنياً، العرض بلوحات مضيئة على قماش القنب تتحدى قليلاً الفوضى والخطر الذي أحاط بفترة إبداعها. مع ذلك، تظل ألوان الأحمر والأخضر والأصفر والمغرة (درجة لونية تتراوح بين الأصفر الداكن والأحمر والبني الفاتح) تهيمن على حياة مزهريات، منثور عليها زهر الليمون على طاولات.

لوحة «القميص الروماني» لهنري ماتيس في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتوجد سلسلة من التصميمات الفنية الداخلية بدرجات لونية مماثلة ومحددة بخطوط سميكة مبسّطة لإظهار غرف تغمرها أشعة الشمس، بها نساء يتكئّن باسترخاء وحدهن على مقاعد مخططة، أو يجلسن في باريس على طاولة.

إنهن يقرأنّ أو يأكلنّ سوياً، بينما توجد وراءهن نافذة مفتوحة على مصراعيها، وتظهر أوراق الشجر المتساقطة على بعد.

«موضوعات وتنويعات»

في الوقت ذاته، اتجه الفنان إلى الرسم والعمل على المطبوعات، التي أشار إليها بأنها كتب «مزيّنة» أكثر من كونها «مصوّرة»، حيث كان يعتقد أن العناصر البصرية مكافئة للنص، ولا تقلّ عنه أهمية. ورسم ماتيس بغزارة، حيث أنتج مئات الصور الشخصية، التي كانت تشهد تكراراً للوجوه نفسها، مع بعض الاختلافات الطفيفة الثانوية.

تعرض مجموعة من 12 لوحة، تصور الكاتب الفرنسي لوي آراغون في أوضاع متباينة، وبتعبيرات وزوايا متنوعة. ومجموعات أخرى، تصور بعضها امرأة متكئة أو حياة ساكنة، وكل صورة مختلفة قليلاً، مثل حركة الكادرات والصور السينمائية المتتابعة. وتوضح تلك المجموعة المتسلسلة، التي أطلق عليها ماتيس «موضوعات وتنويعات»، الخط المتموج المميز للفنان المختزل لأبسط صور من الضربات المفردة الواثقة للحبر على الورق.

عالم من القصاصات

ويخصص المعرض غرفة دائرية مظلمة تذاع فيها مقطوعة صوتية معدّة خصيصاً، لعرض مجموعة من 20 مطبوعة تتمحور حول موضوع السيرك، مصنوعة من القصاصات الورقية الملونة بالجواش والألوان المائية، تتميز بلمساتها النهائية غير اللامعة والدرجات اللونية المشبّعة بكثافة.

تلك الأعمال ذات الألوان المشبّعة العميقة المشعّة المستلهمة من ألوان الأحجار الكريمة صغيرة الحجم، لكنها مذهلة من حيث المضمون والألوان، حيث تتناوب بين الأنماط البسيطة ذات اللونين، وبين التصميمات المعقّدة والمزخرفة بشدة لأشكال ورموز مجردة موجزة.

لوحة «إيكاروس» لهنري ماتيس في المعرض المقام بباريس (رويترز)

من تلك الرسومات «إيكاروس» التي أعاد ماتيس إنتاجها مرات عديدة، وتصور شخص إيكاروس الطائر نحو الشمس، في هيئة جسد أسود بذراعين في وضع ممتد، ونقطة حمراء صغيرة تمثل القلب، ويمثل وضعية السقوط عبر سماء بلون حجر اللازورد الأزرق، مرصّعة بنجوم صفراء مسننة.

وبحلول عام 1948، كانت جدران مرسمه في «لا ريف» قد تغطت بأعمال الكولاج المستخدمة بها ألوان الجواش بمختلف الأحجام، التي كان أحياناً ما تكون كبيرة الحجم، وكثيراً ما تكون مع صور تستدعي الطبيعة مثل سعف النخيل والمرجان والطيور والسمك والنجوم والشمس.

الألوان المحلّقة الطائرة

كان المرسم بالنسبة إلى ماتيس مكاناً لإنتاجية لا تتوقف أو تنتهي. وكان يطلق عليه اسم «المصنع». ويوضح فيلم نادر يعود إلى عام 1951 استخدام ماتيس لمقصات ضخمة، عادة ما تستخدم في تفصيل الفساتين، من أجل قصّ أشكال من الورق الملون، وكانت حركاته سلسة وغريزية، مثل ضربات الفرشاة أو القلم الرصاص، في امتداد مستمر لعمله باستخدام وسائط أخرى.

وقال الفنان عام 1952: «لا يمكن تصور المدة التي قضيتها في فترة أعمال القصاصات. لقد ساعدني الشعور بالتحليق الذي تفجر داخلي في تهذيب حركة يدي، عندما كانت هي المرشد على طريق المقصات». ويظهر هذا الاقتباس في أحد الأقسام الأخيرة للمعرض، الذي يتجلى من خلاله هذا الشعور بالألوان المحلّقة الطائرة، في سلسلة من الخطوط البصرية المبهرة مع عمل واحد كبير متألق يقود إلى التالي ثم التالي.

جدارية من الزجاج الملون في معرض «ماتيس: 1941-1954» بباريس (رويترز)

وتمهد المربعات ذات اللون المتداخل في لوحة «ذا سنيل» (الحلزون) لأوراق النبات المنسابة في لوحة «أفنثوس» (نبات الأفنثوس)، وسعف النخيل المتألق في لوحة «ذا شيف» (الحزمة)، وأخيراً للأشكال المتعرجة في لوحة «ذا أكروبات» (الألعاب البهلوانية)، و4 أعمال باسم «بلو نيود».

في تلك الأعمال الأخيرة، يظهر شكل امرأة تموجات من خلال أوضاع متنوعة محددة ببراعة بدرجة لونية برّاقة وبعض القصاصات الورقية الملصقة على لوحة خالية من قماش القنب.

إنه لأمر منعش ومطمئن بشكل غريب أن نشاهد كيف خلقت البساطة المكتسبة بمشقة 84 عاماً من الفن.

* خدمة «نيويورك تايمز»