الصومال: «حرب شاملة» تطمح لكسر صحوة «الشباب»

يتحالف فيها الجيش والمواطنون بدعم أفريقي ـ أميركي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)
TT

الصومال: «حرب شاملة» تطمح لكسر صحوة «الشباب»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تعهّد مع بداية ولايته الأولى عام 2012 بإلحاق الهزيمة بحركة «الشباب» المتطرفة الموالية لتنظيم «القاعدة» في غضون عامين، ولكن بعد مرور عشر سنوات ما زال المسلحون يشكلون تحدياً صعباً في بلد يموج بالاضطرابات الأمنية والسياسية، بل إنه ووفقاً لمراقبين زادت الحركة «تطوراً وقوة» عما كانت عليه عام 2012. في ظل سيطرتها على مساحات شاسعة من الأراضي مكّنتها من تأسيس حكومة موازية. واليوم، مع عودته للحكم مجدداً، في مايو (أيار) الماضي، يطمح شيخ محمود في أن يتمكن، عبر الفرصة الثانية التي سنحت له، من كسر «الشباب»، معتبراً القضاء عليها «أولوية قصوى» من خلال «حرب شاملة»، مستنداً في ذلك إلى ظهير شعبي داعم ومشارك في الحرب، بجانب قوى دولية تدرك أهمية استعادة الاستقرار في ذلك البلد الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي.
ترتكز استراتيجية الحكومة الصومالية الجديدة، التي أعلن عنها شيخ محمود، في سبتمبر (أيلول) الماضي، للقضاء على خطر حركة «الشباب»، على أربعة محاور أساسية، تشمل عملية عسكرية واسعة مشتركة مع قوات التحالف الأفريقي والأميركي، وإعادة صيغة الخطاب الديني بما يحد من الفكر المتطرف، وتحجيم القدرات الاقتصادية للحركة، وأخيراً التضييق الإعلامي على الحركة، خصوصاً عبر مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي.
وجاء الإعلان عن الاستراتيجية الجديدة بعد فترة قصيرة من شن مقاتلي الحركة واحدة من أكبر عملياتها على الإطلاق، حين اقتحموا فندقاً قريباً من القصر الرئاسي، في العاصمة مقديشو، وتحصن المهاجمون داخل الفندق لمدة 30 ساعة.
وقال مسؤولون إن أكثر من 20 شخصاً قُتلوا في الهجوم على الفندق، كما أُصيب 117. وراهناً، يعمل الرئيس محمود على حشد الجيش الصومالي وعشائر مدعومة من الحكومة، في محاولة لاسترداد القرى والبلدات من أيدي التنظيم الذي يسيطر على مساحات شاسعة من البلاد.

تطوّر محفوف بالمخاطر
يمكن اعتبار إعلان الرئيس حسن شيخ محمود «الحرب الشاملة على حركة الشباب»، تطوراً مهماً ومطلباً أمنياً للشعب الصومالي، إلا أن المحلل السياسي خالد أيجيح، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، المقيم في كيان «صوماليلاند» المتاخم للصومال، يرى أن ثمة مخاطر وعيوباً تشوب هذه العملية، أبرزها أن «الحكومة الصومالية في مقديشو تستعين بالميليشيات القبلية في حربها ضد حركة الشباب في وسط وجنوب الصومال، وسلّمت كميات ضخمة من الأسلحة والمعدات المملوكة للحكومة، وهو ما قد يؤدي إلى استخدام الميليشيات هذه الأسلحة والمعدات، بعضها ضد بعض، أو ضد الحكومة، أثناء أو بعد هزيمة الحركات الإرهابية».
وما يعزز هذه الفرضية استخدام الميليشيات عينها الأسلحة التي كانت حصلت عليها بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، بعضهم ضد بعض، وضد الحكومة أيضاً.
ثمة نقطة أخرى مهمة، وفق تصريحات أيجيح لـ«الشرق الأوسط»، هي مهمة القوات الأفريقية المنشورة في الصومال إذا لم تشارك في المعارك الجارية بجدية ضد حركة «الشباب»؛ إذ يبلغ عدد القوات الأفريقية التي جُلبت لمهمة السلام في الصومال نحو 20 ألف جندي من جنسيات أفريقية كثيرة، لكن الملحوظ أن هذه القوات لا تشارك في المعارك المباشرة ضد الحركة المتطرفة، بل تكتفي بحراسة المقرات الحكومية والمطارات وما إلى ذلك. ويلفت المحلل السياسي إلى أهمية التركيز على الجوانب العقائدية والفكرية والاقتصادية للحركة، بقدر البعد الاستخباراتي والأمني نفسه، خاصة أن الحركة تحصل على 80 في المائة من تمويلها عبر جمع الضرائب والزكاة من رجال الأعمال والتجار في مقديشو وجنوب ووسط الصومال، وبالتالي، يستحيل الانتصار على الحركة فقط بالتركيز على الشق العسكري.
وهنا، لوقف مصادر تمويل حركة «الشباب»، أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء ترخيص أي شركة تدفع الضرائب التي تطلبها الحركة، كما أعلنت الولايات المتحدة عن تقديم نحو عشرة ملايين دولار أميركي، مقابل أي معلومات تسمح «بتعطيل الآليات المالية».

طموحات توسعية
للعلم، حركة «الشباب» تسعى إلى الإطاحة بالحكم المدني في الصومال، وإرساء حكم جديد يقوم على تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية. بيد أن طموحها لا يتوقف عند هذه المرحلة، كما يحذر عثمان باونين، السياسي السوداني وخبير شؤون القرن الأفريقي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحركة تعمل في الوقت نفسه على زعزعة الأمن في منطقة البحر الأحمر ومحيطها، ولديها أفكارهم للتوغل في دول الجوار في القرن الأفريقي».
وراهناً تسيطر الحركة على جزء كبير جنوب ووسط الصومال، لكنها استطاعت بسط نفوذها في مناطق تسيطر عليها حكومة مقديشو. وهاجم مقاتلو الحركة أهدافاً على طول الحدود بين الصومال وإثيوبيا في وقت سابق من العام، ما أثار المخاوف بشأن احتمال وجود استراتيجية جديدة لديها. ويضيف باونين: «الآن على الحكومة الحالية في الصومال، وبالتعاون مع المجتمع الدولي، السعي لاجتثاث جذور حركة (الشباب المجاهدين) من أجل استقرار الصومال، وأيضاً لتأمين منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي»، لافتاً إلى الإمكانيات المحدودة لدى الحكومة الصومالية، ما يستوجب التزام المجتمع الدولي بتكثيف الدعم اللوجيستي والمالي للقوات الصومالية.
حركة «الشباب» تجمع حالياً أموالاً تضاهي ما تجنيه السلطات الرسمية، باستخدامها التخويف والعنف. ووفق تقرير نشره «معهد هيرال»، المتخصص في الشؤون الأمنية، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يجبي مسلحوها نحو 15 مليون دولار في الشهر، ويأتي أكثر من نصف المبلغ من العاصمة مقديشو. ويصف التقرير الطريقة التي تأخذ بها الجماعة الأموال من سكان الريف بـ«الوحشية».
وأورد التقرير أنّ «الخوف والتهديد الحقيقي لحياتهم هو الدافع الوحيد الذي يجعل الناس يدفعون أموالاً لحركة (الشباب)».
وحسب «معهد هيرال»، بعكس الحكومة الصومالية، فإنّ حركة الشباب «تدر فائضاً مالياً كبيراً»؛ إذ يزداد مقدار الأموال التي تجمعها سنوياً، بينما تظل تكاليفها التشغيلية ثابتة إلى حدّ ما. ويضيف التقرير المستند إلى مقابلات مع أعضاء الحركة المتطرفة ورجال أعمال ومسؤولين حكوميين وغيرهم، أنّ جميع الشركات الكبرى في الصومال تقدم للحركة المال، سواء على شكل مدفوعات شهرية، أو «زكاة» سنوية، بنسبة 2.5 في المائة من الأرباح السنوية. ويشتكي رجال الأعمال في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة من أنه يتوجب عليهم دفع المال لكل من المسلحين والحكومة، ويشمل ذلك رجال الأعمال في مقديشو، حيث مقر الحكومة، وفي مدينتي بوساسو وجوهر، وبدرجة أقل في كل من كيسمايو وبايدوا، وجميعها مناطق تقع رسمياً خارج سيطرة المتشددين. وبينما يمثل ميناء مقديشو مصدراً أساسياً لإيرادات الحكومة الصومالية، فإن الحركة «تفرض ضرائب» على الواردات، وتحصل على بيانات سفن الشحن من مسؤولين بالميناء. يذكر هنا «معهد هيرال» أن العديد من موظفي الحكومة يقدمون جزءاً من رواتبهم للحركة بأمل أن يتركهم مسلحوها وشأنهم، رغم اعتبارهم أهدافاً مشروعة. ويفصّل موظفو الدولة وغيرهم من العاملين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة كيفية اتصال المسلحين بهم عبر الهواتف الجوالة للمطالبة بالمال.
نجاحات نسبية
في هذه الأثناء، رغم الخسائر الكبيرة التي تسببها العمليات الإرهابية للحركة، التي تحظى بتغطية إعلامية دولية بارزة، تسوّق الحكومة الصومالية الجديدة عدداً من النجاحات النسبية منذ قدومها، بينها تصفية عدد من قيادات الحركة البارزين، واستعادة عدد من معاقلها. ومع إقراره بأنه لا يمكن هزيمة حركة «الشباب» بالقوة وحدها، أقدم الرئيس حسن شيخ محمود، على خطوة جريئة، يوم 2 أغسطس (آب) الماضي، عندما عيّن مختار روبو، النائب السابق لقائد الحركة والناطق باسمها قبل انشقاقه، وزيراً للشؤون الدينية، كجزء من استراتيجية جديدة لإنهاء الصراع.
ويُعدّ روبو أحد الأعضاء المؤسسين لحركة «الشباب»، وتلقى تدريبات في أفغانستان، كما كان مُدرجاً على «القائمة الأميركية للإرهابيين المطلوبين»، مع مكافأة مقدارها 5 ملايين دولار.
لكن روبو اختلف مع الحركة عام 2013، وندّد بها علناً، بل وتبرّع بالدم لضحايا انفجار ضخم نجم عن شاحنة مفخخة في مقديشو، خلال أكتوبر 2017، وأودى بحياة ما يقرب من 600 شخص. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2018، اعتقل روبو، وظل رهن الإقامة الجبرية حتى تعيينه وزيراً في الحكومة. وقال إنه تلقى خبر تعيينه بالهاتف أثناء وجوده رهن الاحتجاز.
وفي مقابل فرحة شعبية عدتها انتصاراً، وصفت حركة «الشباب» قبول نائب قائدها السابق منصباً حكومياً «جريمة شنعاء» تستوجب العقوبة القصوى. وقال المتحدث باسم الجماعة علي دهيري، في بيان مسجل مدته 10 دقائق، إن «روبو مرتدّ ودمه مهدور»، إلا أن الرئيس شيخ محمود يؤمن بأن تعيين روبو وتجديد الهجوم العسكري على معاقل الحركة سيضعفانها بدرجة كافية لإرغامها على الدخول في مفاوضات.
ولكن إلى حين التيقن من نتيجة رهان الحكومة الصومالية، وما إذا كانت ستنجح في كبح جماح الحركة أم تفجّر عمليات انتقامية جديدة، أعلنت الحكومة، يوم 3 أكتوبر الماضي، عن عدد من النجاحات العسكرية على الأرض، بينها قتل القيادي عبد الله نذير، الرجل الثاني في تسلسل القيادة، والخليفة المحتمل لقائد حركة «الشباب»، أحمد ديري، الملقب بأبي عبيدة، نتيجة غارة جوية في إقليم جوبا الوسطى بجنوب البلاد، نفذتها القوات الصومالية والقوات الدولية المتحالفة معها لمحاربة «الشباب»، في منطقة شرق أفريقيا. ويُعتبر نذير من أخطر عناصر الحركة، وشغل سابقاً منصب مسؤول الدعوة فيها، إضافة إلى رئاسة «مجلس شورى الجماعة»، ومسؤول شؤونها المالية.
كذلك، أعلنت الحكومة الصومالية، يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اعتقال عبد الصمد ليبان محمد، مسؤول الحركة في مدينة دوسمريب عاصمة ولاية غلمدغ، ومسؤول قاعدة البيانات والمعلومات للحركة في دائرة وسط الصومال. وجاءت عملية الاعتقال بمشاركة الجيش الصومالي والميليشيات القبلية. وأيضاً، أثمرت المواجهات تكبيد القوات الحكومية حركة «الشباب» خسائر كبيرة، خلال أكتوبر الماضي، في منطقة جنالي بإقليم شبيلي السفلي قرب العاصمة مقديشو، حيث قتل محمد نور شري، المسؤول الأول للحركة في الإقليم، بالإضافة إلى 13 فرداً من الحركة.
وشملت النجاحات استعادة أراضٍ تابعة للحركة المسلحة، بمساندة من مسلحي العشائر، منها نحو 40 موقعاً في غضون ثلاثة أشهر من قبل التحالف الذي يضم الجيش الصومالي وقوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، والعديد من الميليشيات المدنية والمزارعين، وبدعم القوات العسكرية الأميركية. وكان الجيش الصومالي، بعد عملية سابقة، قد أعلن عن قتل 3 من عناصر الحركة بمنطقة مقوكوري التابعة لبلدة محاس بإقليم هيران، وسط الصومال، ووفق قيادة الفرقة 27 من الجيش، فإن القتلى هم المسؤولون عن جمع الضرائب (الإتاوات) لصالح الحركة. وجاءت تصفية مسؤولي الإتاوات بعد أيام من استعادة الجيش السيطرة الكاملة على عدة قرى في محافظة شبيلي الوسطى، بعد يوم واحد من إعلانه قتل العشرات من المسلحين قرب شبيلي وهيران.
تأتي هذه العمليات العسكرية، بالتزامن مع تنفيذ أحكام قضائية بالإعدام على عناصر من «الشباب»، بعد إدانتهم في قضايا قتل وإرهاب، كان آخرها مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، بعدما أعدمت محكمة عسكرية صومالية عنصرين من عناصر الحركة، إثر إدانتهما في قضية اغتيال ضابطي أمن في 2019. كذلك أعلن الجيش، في الأسبوع الأول من نوفمبر، مقتل أكثر من 100 عنصر من عناصر الحركة في عمليات بوسط البلاد بمساعدة الأهالي، منها معركة وُصفت بـ«الضارية»، في منطقة عيل هريري التابعة لناحية مقوكوري بمنطقة هيران. ووفق الناطق باسم وزارة الدفاع، الجنرال عبد الله علي عانود، فإن الجيش شن هجوماً برياً وجوياً على منطقتين في محافظة هيران، بعد تجمُّع «الإرهابيين»، بمشاركة قوات محلية عشائرية مناهضة للحركة.
لكن الضربات التي تلقتها الحركة ليست فقط من الداخل، بل فرضت وزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر الماضي عقوبات على 6 أعضاء في «الشباب» كوَّنوا شبكة لشراء الأسلحة وعمل التسهيلات المالية واستقطاب الأفراد. وأعلنت واشنطن، منتصف نوفمبر، عن زيادة بمبلغ 10 ملايين دولار أميركي لمكافأة مَن يدلي بمعلومات عن ثلاثة من قادة الحركة. وأشار «برنامج المكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأميركية (...) إلى زيادة عروض المكافآت التي تصل إلى 10 ملايين دولار «بهدف الحصول على معلومات تؤدي إلى تحديد مواقع القادة البارزين: أحمد ديرية ومهاد كاراتيه وجهاد مصطفى».

ضربات موجعة
وحقاً، يبدو أن نجاح استراتيجية «الحرب الشاملة»، حسب الخبير باونين، «أمر يحتاج إلى أمد طويل»، كما أنه محفوف بالمخاطر والمخاوف من فقدان الأمل والصبر. ورغم المكاسب العسكرية الأخيرة، نجحت حركة «الشباب» في تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية الدموية والموجعة، لعل أبرزها مقتل 100 شخص وإصابة 300 آخرين بجروح في تفجير سيارتين أمام وزارة التعليم في مقديشو، نهاية أكتوبر الماضي. وهو التفجير الذي علق عليه الرئيس شيخ محمود بالقول: «أهلنا الذي قُتِلوا، بينهم أمهات يحملن أولادهن بين أذرعهن، وآباء يعانون من مشاكل طبية، وطلاب ذاهبون إلى مدارسهم، ورجال أعمال يشقون من أجل عائلاتهم». ولقد وقعت العملية، التي أعلنت الحركة مسؤوليتها عنها، في مكان تفجير شاحنة عام 2017؛ ما سبب مقتل 500 شخص، وكان الاعتداء الأشد دموية في تاريخ البلاد.
وبنهاية نوفمبر الماضي، حسمت قوات الأمن الصومالية معركة استمرت أكثر من 20 ساعة، مستعيدة السيطرة على فندق قريب من القصر الرئاسي في العاصمة تحصن فيه مسلحون من الحركة. ولقي ما لا يقل عن 15 شخصاً، بينهم ثمانية مدنيين، حتفهم أثناء حصار فرضه المسلحون على الفندق، قبل سيطرة الشرطة على الوضع. كذلك نجحت قوات الأمن في إنقاذ نحو 60 مدنياً، دون أن يصاب أي من المدنيين بجروح. وإلى جانب المدنيين الثمانية القتلى، قُتل عنصر من الشرطة، وسقط خمسة قتلى من مسلحي الحركة.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الهجمات الدموية يأتي رداً على التهديد الوجودي الذي تتعرض له الحركة حالياً. وهو الأمر الذي أقره الرئيس شيخ محمود، حين قال، في منتصف نوفمبر، إنّ «العودة إلى الوراء أو الهزيمة ليستا خياراً»... لكنّ «تحرير البلاد» الموعود ستتخلّله تحدّيات كبرى.

موقع انفجار في العاصمة الصومالية في 30 أكتوبر الماضي (رويترز)

«المجاعة» تطرق أبواب الصومال وتزاحم خطر الإرهاب
> وسط التحديات الأمنية الملحة، تطرق المجاعة أبواب الصومال بقوة، مزاحمة الخطر الإرهابي الذي تشكله حركة «الشباب»، وسط مخاوف من تأثيرها على تقويض جهود مكافحته. ووفق تحذير رسمي للأمم المتحدة، فإن مجاعة وشيكة ستحل على مناطق بالصومال نهاية العام الحالي، في ظل تفاقم الجفاف وارتفاع أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات قياسية. وقال مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إن «المجاعة على الأبواب».
حالياً، تشهد منطقة القرن الأفريقي أسوأ موجة جفاف منذ 40 سنة، ويقول الخبراء إن المنطقة في طريقها إلى تسجيل شحّ في الأمطار، للموسم الخامس على التوالي.
وهنا يقول غريفيث إن الأوضاع الحالية تشبه تلك التي حدثت عامي 2010 و2011، لكنها الآن أسوأ، بسبب أربعة مواسم من شح الأمطار وعقود من الصراعات. معلوم أنه عام 2011، عانى الصومال من مجاعة أودت بحياة أكثر من ربع مليون شخص، معظمهم من الأطفال. وتتهم الحكومة الصومالية حركة «الشباب»، بإعاقة جهود الإغاثة الدولية، عبر تنفيذ التفجيرات والاعتداء على المزارعين، ومنع جماعات الإغاثة من الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.
وفي حين تطالب منظمات إغاثية الحكومة في مقديشو بالإعلان رسمياً عن وجود مجاعة في البلاد، بغية جذب المساعدات الدولية والإنسانية لإنقاذ حياة الملايين، ترفض الحكومة ذلك خشية أن يقوِّض الإعلان مصداقيتها أمام الرأي العام الذي يدعمها أو يعطي مزيداً من النقاط لحركة «الشباب»، كما لفتت مصادر لـ«نيويورك تايمز»، في تقرير سابق، الشهر الماضي.
كذلك تخشى الحكومة الصومالية أن يؤدي إعلان المجاعة إلى نزوح الناس من المناطق المتضررة إلى المدن والبلدات الرئيسية، ما يعجّل باستنفاد الموارد الشحيحة أصلاً، وزيادة معدلات الجريمة.
وبحسب أرقام الأمم المتحدة والحكومة الصومالية، فإن نحو 7.8 مليون من مجموع سكان الصومال (16 مليوناً تقريباً) يحتاجون إلى مساعدة غذائية. وكشف تقرير نشره الصيف الماضي «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية»، التابع للأمم المتحدة، أن 1.5 مليون طفل صومالي يعانون من سوء التغذية بسبب ظروف الجفاف، منهم 356 ألفاً سيواجهون خطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد.
ويقول الخبراء إن الجفاف في الصومال يحدث بسبب التغيرات المناخية، مع تعاقب 4 مواسم أمطار غير كافية، في ظاهرة غير مسبوقة منذ 40 سنة على الأقل، وسط توقع موسم خامس جاف.
وتقع المناطق الأكثر تضرراً من الجفاف جنوب ووسط الصومال. وفي يونيو (حزيران) الماضي، نشر مكتب رئاسة الوزراء الصومالية تقريراً ذكر فيه أن الجفاف شرد نحو 700 ألف قروي من مناطقهم، وتوجهت أعداد من هؤلاء إلى المدن، خصوصاً العاصمة مقديشو، بحثاً عن الغذاء، علماً بأن عائدات المحاصيل الزراعية تشكل مصدر الدخل الأساسي لنحو 80 في المائة من الصوماليين.


مقالات ذات صلة

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

العالم العربي الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

أعلن الجيش الصومالي نجاح قواته في «تصفية 60 من عناصر حركة (الشباب) المتطرفة»، في عملية عسكرية مخططة، جرت صباح الثلاثاء، بمنطقة علي قبوبي، على مسافة 30 كيلومتراً جنوب منطقة حررطيري في محافظة مذغ وسط البلاد. وأكد محمد كلمي رئيس المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية، أن «الجيش نفذ هذه العملية بعد تلقيه معلومات عن سيارة تحمل عناصر من (ميليشيات الخوارج) (التسمية المتعارف عليها حكومياً لحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة) وأسلحة»، مشيراً إلى أنها أسفرت عن «مقتل 60 من العناصر الإرهابية والاستيلاء على الأسلحة التي كانت بحوزتهم وسيارتين عسكريتين». ويشن الجيش الصومالي عمليات عسكرية ضد «الشباب» بدعم من مقات

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

(حوار سياسي) بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إليها مستقبلاً...

خالد محمود (القاهرة)
العالم رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار حمزة بري أكد ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إ

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

رفض مجلس النواب الأميركي مشروع قانون، قدمه أحد النواب اليمينيين المتشددين، يدعو الرئيس جو بايدن إلى سحب جميع القوات الأميركية من الصومال في غضون عام واحد. ورغم هيمنة الجمهوريين على المجلس، فإن المشروع الذي تقدم به النائب مات غايتس، الذي لعب دوراً كبيراً في فرض شروط الكتلة اليمينية المتشددة، قبل الموافقة على انتخاب كيفن مكارثي رئيساً للمجلس، رفضه غالبية 321 نائباً، مقابل موافقة 102 عليه. وعلى الرغم من أن عدد القوات الأميركية التي تنتشر في الصومال، قد تراجع كثيراً، عما كان عليه في فترات سابقة، خصوصاً منذ عام 2014، فإن البنتاغون لا يزال يحتفظ بوجود مهم، في الصومال وفي قواعد قريبة.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

عقدت الدول المشاركة في بعثة قوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال (أتميس)، اجتماعاً (الثلاثاء)، بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لبحث «سبل تعزيز العمليات العسكرية الرامية إلى القضاء على (حركة الشباب) المتطرفة». ويأتي الاجتماع تمهيداً للقمة التي ستعقد في أوغندا خلال الأيام المقبلة بمشاركة رؤساء الدول المنضوية تحت بعثة «أتميس»، وهي (جيبوتي، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا)، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية. وناقش الاجتماع «سبل مشاركة قوات الاتحاد الأفريقي في العمليات العسكرية الجارية للقضاء على فلول (حركة الشباب)، كما تم الاستماع إلى تقرير من الدول الأعضاء حول ذلك»، مشيدين بـ«سير العمليات

خالد محمود (القاهرة)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.