الصومال: «حرب شاملة» تطمح لكسر صحوة «الشباب»

يتحالف فيها الجيش والمواطنون بدعم أفريقي ـ أميركي

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)
TT

الصومال: «حرب شاملة» تطمح لكسر صحوة «الشباب»

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (أ.ف.ب)

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود تعهّد مع بداية ولايته الأولى عام 2012 بإلحاق الهزيمة بحركة «الشباب» المتطرفة الموالية لتنظيم «القاعدة» في غضون عامين، ولكن بعد مرور عشر سنوات ما زال المسلحون يشكلون تحدياً صعباً في بلد يموج بالاضطرابات الأمنية والسياسية، بل إنه ووفقاً لمراقبين زادت الحركة «تطوراً وقوة» عما كانت عليه عام 2012. في ظل سيطرتها على مساحات شاسعة من الأراضي مكّنتها من تأسيس حكومة موازية. واليوم، مع عودته للحكم مجدداً، في مايو (أيار) الماضي، يطمح شيخ محمود في أن يتمكن، عبر الفرصة الثانية التي سنحت له، من كسر «الشباب»، معتبراً القضاء عليها «أولوية قصوى» من خلال «حرب شاملة»، مستنداً في ذلك إلى ظهير شعبي داعم ومشارك في الحرب، بجانب قوى دولية تدرك أهمية استعادة الاستقرار في ذلك البلد الاستراتيجي بمنطقة القرن الأفريقي.
ترتكز استراتيجية الحكومة الصومالية الجديدة، التي أعلن عنها شيخ محمود، في سبتمبر (أيلول) الماضي، للقضاء على خطر حركة «الشباب»، على أربعة محاور أساسية، تشمل عملية عسكرية واسعة مشتركة مع قوات التحالف الأفريقي والأميركي، وإعادة صيغة الخطاب الديني بما يحد من الفكر المتطرف، وتحجيم القدرات الاقتصادية للحركة، وأخيراً التضييق الإعلامي على الحركة، خصوصاً عبر مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي.
وجاء الإعلان عن الاستراتيجية الجديدة بعد فترة قصيرة من شن مقاتلي الحركة واحدة من أكبر عملياتها على الإطلاق، حين اقتحموا فندقاً قريباً من القصر الرئاسي، في العاصمة مقديشو، وتحصن المهاجمون داخل الفندق لمدة 30 ساعة.
وقال مسؤولون إن أكثر من 20 شخصاً قُتلوا في الهجوم على الفندق، كما أُصيب 117. وراهناً، يعمل الرئيس محمود على حشد الجيش الصومالي وعشائر مدعومة من الحكومة، في محاولة لاسترداد القرى والبلدات من أيدي التنظيم الذي يسيطر على مساحات شاسعة من البلاد.

تطوّر محفوف بالمخاطر
يمكن اعتبار إعلان الرئيس حسن شيخ محمود «الحرب الشاملة على حركة الشباب»، تطوراً مهماً ومطلباً أمنياً للشعب الصومالي، إلا أن المحلل السياسي خالد أيجيح، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، المقيم في كيان «صوماليلاند» المتاخم للصومال، يرى أن ثمة مخاطر وعيوباً تشوب هذه العملية، أبرزها أن «الحكومة الصومالية في مقديشو تستعين بالميليشيات القبلية في حربها ضد حركة الشباب في وسط وجنوب الصومال، وسلّمت كميات ضخمة من الأسلحة والمعدات المملوكة للحكومة، وهو ما قد يؤدي إلى استخدام الميليشيات هذه الأسلحة والمعدات، بعضها ضد بعض، أو ضد الحكومة، أثناء أو بعد هزيمة الحركات الإرهابية».
وما يعزز هذه الفرضية استخدام الميليشيات عينها الأسلحة التي كانت حصلت عليها بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، بعضهم ضد بعض، وضد الحكومة أيضاً.
ثمة نقطة أخرى مهمة، وفق تصريحات أيجيح لـ«الشرق الأوسط»، هي مهمة القوات الأفريقية المنشورة في الصومال إذا لم تشارك في المعارك الجارية بجدية ضد حركة «الشباب»؛ إذ يبلغ عدد القوات الأفريقية التي جُلبت لمهمة السلام في الصومال نحو 20 ألف جندي من جنسيات أفريقية كثيرة، لكن الملحوظ أن هذه القوات لا تشارك في المعارك المباشرة ضد الحركة المتطرفة، بل تكتفي بحراسة المقرات الحكومية والمطارات وما إلى ذلك. ويلفت المحلل السياسي إلى أهمية التركيز على الجوانب العقائدية والفكرية والاقتصادية للحركة، بقدر البعد الاستخباراتي والأمني نفسه، خاصة أن الحركة تحصل على 80 في المائة من تمويلها عبر جمع الضرائب والزكاة من رجال الأعمال والتجار في مقديشو وجنوب ووسط الصومال، وبالتالي، يستحيل الانتصار على الحركة فقط بالتركيز على الشق العسكري.
وهنا، لوقف مصادر تمويل حركة «الشباب»، أعلنت الحكومة الصومالية إلغاء ترخيص أي شركة تدفع الضرائب التي تطلبها الحركة، كما أعلنت الولايات المتحدة عن تقديم نحو عشرة ملايين دولار أميركي، مقابل أي معلومات تسمح «بتعطيل الآليات المالية».

طموحات توسعية
للعلم، حركة «الشباب» تسعى إلى الإطاحة بالحكم المدني في الصومال، وإرساء حكم جديد يقوم على تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية. بيد أن طموحها لا يتوقف عند هذه المرحلة، كما يحذر عثمان باونين، السياسي السوداني وخبير شؤون القرن الأفريقي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحركة تعمل في الوقت نفسه على زعزعة الأمن في منطقة البحر الأحمر ومحيطها، ولديها أفكارهم للتوغل في دول الجوار في القرن الأفريقي».
وراهناً تسيطر الحركة على جزء كبير جنوب ووسط الصومال، لكنها استطاعت بسط نفوذها في مناطق تسيطر عليها حكومة مقديشو. وهاجم مقاتلو الحركة أهدافاً على طول الحدود بين الصومال وإثيوبيا في وقت سابق من العام، ما أثار المخاوف بشأن احتمال وجود استراتيجية جديدة لديها. ويضيف باونين: «الآن على الحكومة الحالية في الصومال، وبالتعاون مع المجتمع الدولي، السعي لاجتثاث جذور حركة (الشباب المجاهدين) من أجل استقرار الصومال، وأيضاً لتأمين منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي»، لافتاً إلى الإمكانيات المحدودة لدى الحكومة الصومالية، ما يستوجب التزام المجتمع الدولي بتكثيف الدعم اللوجيستي والمالي للقوات الصومالية.
حركة «الشباب» تجمع حالياً أموالاً تضاهي ما تجنيه السلطات الرسمية، باستخدامها التخويف والعنف. ووفق تقرير نشره «معهد هيرال»، المتخصص في الشؤون الأمنية، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يجبي مسلحوها نحو 15 مليون دولار في الشهر، ويأتي أكثر من نصف المبلغ من العاصمة مقديشو. ويصف التقرير الطريقة التي تأخذ بها الجماعة الأموال من سكان الريف بـ«الوحشية».
وأورد التقرير أنّ «الخوف والتهديد الحقيقي لحياتهم هو الدافع الوحيد الذي يجعل الناس يدفعون أموالاً لحركة (الشباب)».
وحسب «معهد هيرال»، بعكس الحكومة الصومالية، فإنّ حركة الشباب «تدر فائضاً مالياً كبيراً»؛ إذ يزداد مقدار الأموال التي تجمعها سنوياً، بينما تظل تكاليفها التشغيلية ثابتة إلى حدّ ما. ويضيف التقرير المستند إلى مقابلات مع أعضاء الحركة المتطرفة ورجال أعمال ومسؤولين حكوميين وغيرهم، أنّ جميع الشركات الكبرى في الصومال تقدم للحركة المال، سواء على شكل مدفوعات شهرية، أو «زكاة» سنوية، بنسبة 2.5 في المائة من الأرباح السنوية. ويشتكي رجال الأعمال في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة من أنه يتوجب عليهم دفع المال لكل من المسلحين والحكومة، ويشمل ذلك رجال الأعمال في مقديشو، حيث مقر الحكومة، وفي مدينتي بوساسو وجوهر، وبدرجة أقل في كل من كيسمايو وبايدوا، وجميعها مناطق تقع رسمياً خارج سيطرة المتشددين. وبينما يمثل ميناء مقديشو مصدراً أساسياً لإيرادات الحكومة الصومالية، فإن الحركة «تفرض ضرائب» على الواردات، وتحصل على بيانات سفن الشحن من مسؤولين بالميناء. يذكر هنا «معهد هيرال» أن العديد من موظفي الحكومة يقدمون جزءاً من رواتبهم للحركة بأمل أن يتركهم مسلحوها وشأنهم، رغم اعتبارهم أهدافاً مشروعة. ويفصّل موظفو الدولة وغيرهم من العاملين في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة كيفية اتصال المسلحين بهم عبر الهواتف الجوالة للمطالبة بالمال.
نجاحات نسبية
في هذه الأثناء، رغم الخسائر الكبيرة التي تسببها العمليات الإرهابية للحركة، التي تحظى بتغطية إعلامية دولية بارزة، تسوّق الحكومة الصومالية الجديدة عدداً من النجاحات النسبية منذ قدومها، بينها تصفية عدد من قيادات الحركة البارزين، واستعادة عدد من معاقلها. ومع إقراره بأنه لا يمكن هزيمة حركة «الشباب» بالقوة وحدها، أقدم الرئيس حسن شيخ محمود، على خطوة جريئة، يوم 2 أغسطس (آب) الماضي، عندما عيّن مختار روبو، النائب السابق لقائد الحركة والناطق باسمها قبل انشقاقه، وزيراً للشؤون الدينية، كجزء من استراتيجية جديدة لإنهاء الصراع.
ويُعدّ روبو أحد الأعضاء المؤسسين لحركة «الشباب»، وتلقى تدريبات في أفغانستان، كما كان مُدرجاً على «القائمة الأميركية للإرهابيين المطلوبين»، مع مكافأة مقدارها 5 ملايين دولار.
لكن روبو اختلف مع الحركة عام 2013، وندّد بها علناً، بل وتبرّع بالدم لضحايا انفجار ضخم نجم عن شاحنة مفخخة في مقديشو، خلال أكتوبر 2017، وأودى بحياة ما يقرب من 600 شخص. وفي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2018، اعتقل روبو، وظل رهن الإقامة الجبرية حتى تعيينه وزيراً في الحكومة. وقال إنه تلقى خبر تعيينه بالهاتف أثناء وجوده رهن الاحتجاز.
وفي مقابل فرحة شعبية عدتها انتصاراً، وصفت حركة «الشباب» قبول نائب قائدها السابق منصباً حكومياً «جريمة شنعاء» تستوجب العقوبة القصوى. وقال المتحدث باسم الجماعة علي دهيري، في بيان مسجل مدته 10 دقائق، إن «روبو مرتدّ ودمه مهدور»، إلا أن الرئيس شيخ محمود يؤمن بأن تعيين روبو وتجديد الهجوم العسكري على معاقل الحركة سيضعفانها بدرجة كافية لإرغامها على الدخول في مفاوضات.
ولكن إلى حين التيقن من نتيجة رهان الحكومة الصومالية، وما إذا كانت ستنجح في كبح جماح الحركة أم تفجّر عمليات انتقامية جديدة، أعلنت الحكومة، يوم 3 أكتوبر الماضي، عن عدد من النجاحات العسكرية على الأرض، بينها قتل القيادي عبد الله نذير، الرجل الثاني في تسلسل القيادة، والخليفة المحتمل لقائد حركة «الشباب»، أحمد ديري، الملقب بأبي عبيدة، نتيجة غارة جوية في إقليم جوبا الوسطى بجنوب البلاد، نفذتها القوات الصومالية والقوات الدولية المتحالفة معها لمحاربة «الشباب»، في منطقة شرق أفريقيا. ويُعتبر نذير من أخطر عناصر الحركة، وشغل سابقاً منصب مسؤول الدعوة فيها، إضافة إلى رئاسة «مجلس شورى الجماعة»، ومسؤول شؤونها المالية.
كذلك، أعلنت الحكومة الصومالية، يوم 4 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اعتقال عبد الصمد ليبان محمد، مسؤول الحركة في مدينة دوسمريب عاصمة ولاية غلمدغ، ومسؤول قاعدة البيانات والمعلومات للحركة في دائرة وسط الصومال. وجاءت عملية الاعتقال بمشاركة الجيش الصومالي والميليشيات القبلية. وأيضاً، أثمرت المواجهات تكبيد القوات الحكومية حركة «الشباب» خسائر كبيرة، خلال أكتوبر الماضي، في منطقة جنالي بإقليم شبيلي السفلي قرب العاصمة مقديشو، حيث قتل محمد نور شري، المسؤول الأول للحركة في الإقليم، بالإضافة إلى 13 فرداً من الحركة.
وشملت النجاحات استعادة أراضٍ تابعة للحركة المسلحة، بمساندة من مسلحي العشائر، منها نحو 40 موقعاً في غضون ثلاثة أشهر من قبل التحالف الذي يضم الجيش الصومالي وقوات بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، والعديد من الميليشيات المدنية والمزارعين، وبدعم القوات العسكرية الأميركية. وكان الجيش الصومالي، بعد عملية سابقة، قد أعلن عن قتل 3 من عناصر الحركة بمنطقة مقوكوري التابعة لبلدة محاس بإقليم هيران، وسط الصومال، ووفق قيادة الفرقة 27 من الجيش، فإن القتلى هم المسؤولون عن جمع الضرائب (الإتاوات) لصالح الحركة. وجاءت تصفية مسؤولي الإتاوات بعد أيام من استعادة الجيش السيطرة الكاملة على عدة قرى في محافظة شبيلي الوسطى، بعد يوم واحد من إعلانه قتل العشرات من المسلحين قرب شبيلي وهيران.
تأتي هذه العمليات العسكرية، بالتزامن مع تنفيذ أحكام قضائية بالإعدام على عناصر من «الشباب»، بعد إدانتهم في قضايا قتل وإرهاب، كان آخرها مطلع نوفمبر (تشرين الثاني)، بعدما أعدمت محكمة عسكرية صومالية عنصرين من عناصر الحركة، إثر إدانتهما في قضية اغتيال ضابطي أمن في 2019. كذلك أعلن الجيش، في الأسبوع الأول من نوفمبر، مقتل أكثر من 100 عنصر من عناصر الحركة في عمليات بوسط البلاد بمساعدة الأهالي، منها معركة وُصفت بـ«الضارية»، في منطقة عيل هريري التابعة لناحية مقوكوري بمنطقة هيران. ووفق الناطق باسم وزارة الدفاع، الجنرال عبد الله علي عانود، فإن الجيش شن هجوماً برياً وجوياً على منطقتين في محافظة هيران، بعد تجمُّع «الإرهابيين»، بمشاركة قوات محلية عشائرية مناهضة للحركة.
لكن الضربات التي تلقتها الحركة ليست فقط من الداخل، بل فرضت وزارة الخزانة الأميركية في أكتوبر الماضي عقوبات على 6 أعضاء في «الشباب» كوَّنوا شبكة لشراء الأسلحة وعمل التسهيلات المالية واستقطاب الأفراد. وأعلنت واشنطن، منتصف نوفمبر، عن زيادة بمبلغ 10 ملايين دولار أميركي لمكافأة مَن يدلي بمعلومات عن ثلاثة من قادة الحركة. وأشار «برنامج المكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأميركية (...) إلى زيادة عروض المكافآت التي تصل إلى 10 ملايين دولار «بهدف الحصول على معلومات تؤدي إلى تحديد مواقع القادة البارزين: أحمد ديرية ومهاد كاراتيه وجهاد مصطفى».

ضربات موجعة
وحقاً، يبدو أن نجاح استراتيجية «الحرب الشاملة»، حسب الخبير باونين، «أمر يحتاج إلى أمد طويل»، كما أنه محفوف بالمخاطر والمخاوف من فقدان الأمل والصبر. ورغم المكاسب العسكرية الأخيرة، نجحت حركة «الشباب» في تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية الدموية والموجعة، لعل أبرزها مقتل 100 شخص وإصابة 300 آخرين بجروح في تفجير سيارتين أمام وزارة التعليم في مقديشو، نهاية أكتوبر الماضي. وهو التفجير الذي علق عليه الرئيس شيخ محمود بالقول: «أهلنا الذي قُتِلوا، بينهم أمهات يحملن أولادهن بين أذرعهن، وآباء يعانون من مشاكل طبية، وطلاب ذاهبون إلى مدارسهم، ورجال أعمال يشقون من أجل عائلاتهم». ولقد وقعت العملية، التي أعلنت الحركة مسؤوليتها عنها، في مكان تفجير شاحنة عام 2017؛ ما سبب مقتل 500 شخص، وكان الاعتداء الأشد دموية في تاريخ البلاد.
وبنهاية نوفمبر الماضي، حسمت قوات الأمن الصومالية معركة استمرت أكثر من 20 ساعة، مستعيدة السيطرة على فندق قريب من القصر الرئاسي في العاصمة تحصن فيه مسلحون من الحركة. ولقي ما لا يقل عن 15 شخصاً، بينهم ثمانية مدنيين، حتفهم أثناء حصار فرضه المسلحون على الفندق، قبل سيطرة الشرطة على الوضع. كذلك نجحت قوات الأمن في إنقاذ نحو 60 مدنياً، دون أن يصاب أي من المدنيين بجروح. وإلى جانب المدنيين الثمانية القتلى، قُتل عنصر من الشرطة، وسقط خمسة قتلى من مسلحي الحركة.
ويرى مراقبون أن تكرار هذه الهجمات الدموية يأتي رداً على التهديد الوجودي الذي تتعرض له الحركة حالياً. وهو الأمر الذي أقره الرئيس شيخ محمود، حين قال، في منتصف نوفمبر، إنّ «العودة إلى الوراء أو الهزيمة ليستا خياراً»... لكنّ «تحرير البلاد» الموعود ستتخلّله تحدّيات كبرى.

موقع انفجار في العاصمة الصومالية في 30 أكتوبر الماضي (رويترز)

«المجاعة» تطرق أبواب الصومال وتزاحم خطر الإرهاب
> وسط التحديات الأمنية الملحة، تطرق المجاعة أبواب الصومال بقوة، مزاحمة الخطر الإرهابي الذي تشكله حركة «الشباب»، وسط مخاوف من تأثيرها على تقويض جهود مكافحته. ووفق تحذير رسمي للأمم المتحدة، فإن مجاعة وشيكة ستحل على مناطق بالصومال نهاية العام الحالي، في ظل تفاقم الجفاف وارتفاع أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات قياسية. وقال مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، إن «المجاعة على الأبواب».
حالياً، تشهد منطقة القرن الأفريقي أسوأ موجة جفاف منذ 40 سنة، ويقول الخبراء إن المنطقة في طريقها إلى تسجيل شحّ في الأمطار، للموسم الخامس على التوالي.
وهنا يقول غريفيث إن الأوضاع الحالية تشبه تلك التي حدثت عامي 2010 و2011، لكنها الآن أسوأ، بسبب أربعة مواسم من شح الأمطار وعقود من الصراعات. معلوم أنه عام 2011، عانى الصومال من مجاعة أودت بحياة أكثر من ربع مليون شخص، معظمهم من الأطفال. وتتهم الحكومة الصومالية حركة «الشباب»، بإعاقة جهود الإغاثة الدولية، عبر تنفيذ التفجيرات والاعتداء على المزارعين، ومنع جماعات الإغاثة من الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.
وفي حين تطالب منظمات إغاثية الحكومة في مقديشو بالإعلان رسمياً عن وجود مجاعة في البلاد، بغية جذب المساعدات الدولية والإنسانية لإنقاذ حياة الملايين، ترفض الحكومة ذلك خشية أن يقوِّض الإعلان مصداقيتها أمام الرأي العام الذي يدعمها أو يعطي مزيداً من النقاط لحركة «الشباب»، كما لفتت مصادر لـ«نيويورك تايمز»، في تقرير سابق، الشهر الماضي.
كذلك تخشى الحكومة الصومالية أن يؤدي إعلان المجاعة إلى نزوح الناس من المناطق المتضررة إلى المدن والبلدات الرئيسية، ما يعجّل باستنفاد الموارد الشحيحة أصلاً، وزيادة معدلات الجريمة.
وبحسب أرقام الأمم المتحدة والحكومة الصومالية، فإن نحو 7.8 مليون من مجموع سكان الصومال (16 مليوناً تقريباً) يحتاجون إلى مساعدة غذائية. وكشف تقرير نشره الصيف الماضي «مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية»، التابع للأمم المتحدة، أن 1.5 مليون طفل صومالي يعانون من سوء التغذية بسبب ظروف الجفاف، منهم 356 ألفاً سيواجهون خطر الموت بسبب سوء التغذية الحاد.
ويقول الخبراء إن الجفاف في الصومال يحدث بسبب التغيرات المناخية، مع تعاقب 4 مواسم أمطار غير كافية، في ظاهرة غير مسبوقة منذ 40 سنة على الأقل، وسط توقع موسم خامس جاف.
وتقع المناطق الأكثر تضرراً من الجفاف جنوب ووسط الصومال. وفي يونيو (حزيران) الماضي، نشر مكتب رئاسة الوزراء الصومالية تقريراً ذكر فيه أن الجفاف شرد نحو 700 ألف قروي من مناطقهم، وتوجهت أعداد من هؤلاء إلى المدن، خصوصاً العاصمة مقديشو، بحثاً عن الغذاء، علماً بأن عائدات المحاصيل الزراعية تشكل مصدر الدخل الأساسي لنحو 80 في المائة من الصوماليين.


مقالات ذات صلة

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

العالم العربي الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

أعلن الجيش الصومالي نجاح قواته في «تصفية 60 من عناصر حركة (الشباب) المتطرفة»، في عملية عسكرية مخططة، جرت صباح الثلاثاء، بمنطقة علي قبوبي، على مسافة 30 كيلومتراً جنوب منطقة حررطيري في محافظة مذغ وسط البلاد. وأكد محمد كلمي رئيس المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية، أن «الجيش نفذ هذه العملية بعد تلقيه معلومات عن سيارة تحمل عناصر من (ميليشيات الخوارج) (التسمية المتعارف عليها حكومياً لحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة) وأسلحة»، مشيراً إلى أنها أسفرت عن «مقتل 60 من العناصر الإرهابية والاستيلاء على الأسلحة التي كانت بحوزتهم وسيارتين عسكريتين». ويشن الجيش الصومالي عمليات عسكرية ضد «الشباب» بدعم من مقات

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

(حوار سياسي) بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إليها مستقبلاً...

خالد محمود (القاهرة)
العالم رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار حمزة بري أكد ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إ

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

رفض مجلس النواب الأميركي مشروع قانون، قدمه أحد النواب اليمينيين المتشددين، يدعو الرئيس جو بايدن إلى سحب جميع القوات الأميركية من الصومال في غضون عام واحد. ورغم هيمنة الجمهوريين على المجلس، فإن المشروع الذي تقدم به النائب مات غايتس، الذي لعب دوراً كبيراً في فرض شروط الكتلة اليمينية المتشددة، قبل الموافقة على انتخاب كيفن مكارثي رئيساً للمجلس، رفضه غالبية 321 نائباً، مقابل موافقة 102 عليه. وعلى الرغم من أن عدد القوات الأميركية التي تنتشر في الصومال، قد تراجع كثيراً، عما كان عليه في فترات سابقة، خصوصاً منذ عام 2014، فإن البنتاغون لا يزال يحتفظ بوجود مهم، في الصومال وفي قواعد قريبة.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

عقدت الدول المشاركة في بعثة قوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال (أتميس)، اجتماعاً (الثلاثاء)، بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لبحث «سبل تعزيز العمليات العسكرية الرامية إلى القضاء على (حركة الشباب) المتطرفة». ويأتي الاجتماع تمهيداً للقمة التي ستعقد في أوغندا خلال الأيام المقبلة بمشاركة رؤساء الدول المنضوية تحت بعثة «أتميس»، وهي (جيبوتي، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا)، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية. وناقش الاجتماع «سبل مشاركة قوات الاتحاد الأفريقي في العمليات العسكرية الجارية للقضاء على فلول (حركة الشباب)، كما تم الاستماع إلى تقرير من الدول الأعضاء حول ذلك»، مشيدين بـ«سير العمليات

خالد محمود (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.