فيليب لام: الكرة الألمانية بحاجة إلى إعادة اكتشاف نفسها

فيليب لام: الكرة الألمانية بحاجة إلى إعادة اكتشاف نفسها

قائد «الماكينات» السابق تحدث عن مستقبل المنتخب بعد الخروج المبكر من مونديال قطر
الأربعاء - 13 جمادى الأولى 1444 هـ - 07 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [ 16080]
لاعبو المنتخب الألماني ومرارة وداع المونديال من دور المجموعات (إ.ب.أ)

في هذا المقال يتحدث فيليب لام، قائد ألمانيا وفريق بايرن ميونيخ السابق، عن الخروج المبكر لمنتخب بلاده، مشيراً إلى أن توديع «الماكينات» لكأس العالم من دور المجموعات للمرة الثانية على التوالي، كشف عن أن ألمانيا ليس لديها استراتيجية واضحة أو نظام محدد، وهو ما يعني أنها لم تعد قادرة على تحقيق الفوز دائما في النهاية كما كان يقال.

كان النجم الإنجليزي غاري لينيكر يقول دائماً «كرة القدم لعبة بسيطة؛ فهي عبارة عن 22 لاعباً يركضون خلف الكرة لمدة 90 دقيقة ثم يفوز الألمان في نهاية المطاف». لكن مقولة لينيكر لم تعد صحيحة الآن، فالألمان لم يعودوا قادرين على تحقيق الفوز في النهاية، وخرجت «الماكينات الألمانية» من دور المجموعات بكأس العالم 2022 بقطر، تماماً كما حدث خلال آخر بطولتين كبيرتين. ويمكن ملاحظة نقطة واضحة للغاية في جميع إخفاقات المنتخب الألماني خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية، وهي أن ألمانيا فقدت الاستقرار الدفاعي، حيث لم يعد الفريق قادراً على إبعاد أي منافس عن مرماه، وبات بإمكان كل المنافسين - حتى كوستاريكا، وفي المباراة الودية الوحيدة أمام عمان – خلق فرص وتشكيل خطورة كبيرة على المرمى الألماني.


مدافع ألمانيا أنطونيو روديغر وأحزان الخروج المبكر (أ.ب)


وفي المباريات الثلاث التي لعبتها في دور المجموعات بمونديال قطر، أظهرت ألمانيا حماساً والتزاماً وشراسة، وشعرت الفرق المنافسة بأن المنتخب الألماني يضم لاعبين أصحاب قدرات وفنيات كبيرة. لكن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في عدم وجود استراتيجية واضحة أو نظام محدد، وبالتالي لم تكن أدوار اللاعبين واضحة داخل المستطيل الأخضر. وكان من الواضح للجميع أن المنتخب الألماني، بقيادة المدير الفني هانسي فليك، لم يكن منظماً بشكل جيد في قطر.

ولكي ندرك ذلك، دعونا نضرب مثلاً بالمنتخب الأرجنتيني، الذي خسر في مباراته الافتتاحية في دور المجموعات بشكل مفاجئ أمام المنتخب السعودي بهدفين مقابل هدف وحيد. لقد سجلت السعودية هدفين، لكن تم إلغاء ثلاثة أهداف للأرجنتين بداعي التسلل لتقدم مهاجمي الأرجنتين بفارق بسيط للغاية عن مدافعي السعودية. دعونا نعترف بأن الحظ هو جزء أساسي من هذه اللعبة، لكن حتى خلال تلك الخسارة كان بإمكاننا أن نرى أن المنتخب الأرجنتيني، بقيادة المدير الفني ليونيل سكالوني، كان مسيطراً على مجريات الأمور لأنه كان منظماً بشكل جيد. وفي المباراتين التاليتين، حاصرت الأرجنتين كلاً من المكسيك وبولندا في نصف ملعبها في بعض الفترات من أجل تسجيل أهداف، وحققت ما أرادت في نهاية المطاف. وتكرر الأمر أيضاً أمام أستراليا، وفاز «راقصو التانغو» بهدفين مقابل هدف وحيد وعبروا إلى دور الثمانية.

وفي المقابل، لم تكن ألمانيا قادرة على القيام بذلك، فقد فشلت في التحكم في زمام المباريات. ولكي يتحكم أي فريق في المباراة، يتعين عليه بناء اللعب من الخلف ومن عمق الملعب، وهذا شيء أساسي ومحوري في كرة القدم. وبالتالي، يجب أن يكون هناك تفاهم كبير للغاية بين لاعبي خطي الدفاع والوسط، وأن يكمل كل منهم الآخر. من المعروف أن الاستقرار يأتي من الاستمرارية. ومع ذلك، فإن مشكلة المنتخب الألماني، على مدار فترة طويلة، تتمثل في عدم وجود لاعب قوي قادر على القيام بالواجبات الدفاعية في عمق الملعب. ولم يقدم لاعبو خط الوسط أداءً جيداً، على الرغم من وجود لاعبين جيدين. لقد كنت على يقين من أن جوشوا كيميتش وليون غوريتزكا وإيلكاي غوندوغان سوف يكملون بعضهم بعضاً لتشكيل خط وسط قوي إذا لعبوا معاً لثلاث أو أربع مباريات، لكن الأمر لم يكن كذلك على الإطلاق.

وهناك مشكلة أخرى تتمثل في أنه لم يكن من الواضح من هو الظهير الذي كان يتعين عليه التقدم للأمام للقيام بواجباته الهجومية. ويضم المنتخب الألماني أربعة مهاجمين يمتلكون مهارات جيدة للغاية وهم سيرغ غنابري، وجمال موسيالا، وكاي هافرتز، وليروي ساني، بالإضافة إلى البدلاء توماس مولر ونيكلاس فولكروغ، لكنه لم يستغل أبداً القدرات والفنيات الكبيرة لهؤلاء اللاعبين، ولم يوظفهم فليك بالشكل الذي يمكنهم من تقديم أفضل ما لديهم داخل الملعب.

تلعب التفاصيل الصغيرة دوراً مهماً وحاسماً للغاية في كرة القدم، ففي خط الهجوم مثلاً، يكون من المهم للغاية إيجاد طريقة ما لاختراق دفاعات الفريق المنافس والدخول إلى منطقة الجزاء من دون أن تعرض فريقك لأي خطورة. وكيف يمكن للفريق أن يقلل من خطورة الهجمات المرتدة السريعة على مرماه في حال خسارة الكرة أثناء المراوغة؟ لا يمكن لأي فريق التغلب على مثل هذه المخاطر إلا من خلال اللعب الجماعي والتفاهم الواضح والتنسيق التام بين جميع اللاعبين، وهي الأمور التي يجيدها منتخب الأرجنتين.

وفي المقابل، يفتقر المنتخب الألماني إلى هذه المقومات أو للقدرة على اللعب بطريقة تتسبب في «خنق» المنافس، إن جاز التعبير، وهي الأمور التي تتسبب في اهتزاز شباك المنتخب الألماني في نهاية المطاف. وبناءً على ذلك، سيكون من الصعب للغاية على ألمانيا بناء فريق قوي قادر على المنافسة على بطولة كأس الأمم الأوروبية التي تستضيفها بعد عام ونصف العام من الآن. في الحقيقة، يتعين على ألمانيا أن تعيد اختراع نفسها حتى تعود المقولة الشهيرة للينيكر كما كانت وحتى يتمكن الألمان من تحقيق الفوز في نهاية المطاف.

لقد واجهت جميع المنتخبات صعوبات خلال هذه البطولة، بما في ذلك المنتخب الفرنسي حامل اللقب وأقوى المرشحين للفوز بالمونديال. لقد كان المنتخب الفرنسي هو الأكثر إقناعاً بالنسبة لي؛ نظراً لأنه فريق متكامل يمتلك كل مقومات الفوز، بما في ذلك القوة البدنية الهائلة والتنظيم داخل الملعب والالتزام الخططي والتكتيكي. وعلاوة على ذلك، تمتلك فرنسا خط دفاع مستقراً، وخط وسط يقوم بواجباته الدفاعية على أكمل وجه، وخط هجوم قوياً ومبدعاً للغاية بقيادة النجم المتألق كيليان مبابي. لكن الفريق يحب أن يُظهر تفوقه على المنافسين، وهو الأمر الذي يجعلني أتساءل عما سيقوم به المنتخب الفرنسي إذا تأخر في النتيجة أو إذا لم تسر الأمور على ما يرام. ولا يزال يتعين على مبابي إثبات أن لديه النضج الذي يمكنه من القيام بالأشياء الصحيحة في اللحظات الصحيحة.

وأظهرت إسبانيا قدرة كبيرة على اللعب بطريقتها المعتادة التي تعتمد على الاستحواذ على الكرة والتمريرات القصيرة. ويقدم المنتخب الإسباني كرة قدم ممتعة ومثيرة، وتواجه المنتخبات الصغيرة مثل كوستاريكا صعوبات هائلة في الحصول على الكرة عندما تواجه إسبانيا. لكن في بعض الأحيان يبالغ المنتخب الإسباني بعض الشيء في هذا الأمر؛ لدرجة أن اللاعبين يمررون الكرة كثيراً حتى داخل منطقة جزائهم، بما في ذلك حارس المرمى، الذي دائماً ما يكون أضعف لاعب في الفريق. ويخلق هذا الكثير من المشاكل بالنسبة لإسبانيا، خاصة أنه لم يعد لديها لاعبون من أمثال كارليس بويول وسيرخيو راموس وتشافي وأندريس إنييستا. كما أن المنتخب الإسباني يواجه بعض الصعوبات في النواحي الدفاعية.

ويمتلك المنتخب البرازيلي كوكبة من اللاعبين المميزين للغاية، سواء في خط الهجوم أو الدفاع أو حتى حراسة المرمى. ولم يعد الفريق يعتمد بشكل كامل على نيمار، كما كان يحدث في السابق، لكن المنتخب البرازيلي لم يلعب منذ وقت طويل ضد أي منتخب أوروبي كبير. وبالتالي، لا يمكننا أن نعرف كيف سيكون رد فعل المنتخب البرازيلي عندما يلعب أمام منتخب قوي، وهل سيظهر اللاعبون قدراتهم وإمكانياتهم بالكامل داخل الملعب أم لا. وبعد خروج ألمانيا من البطولة، لا يمكن التنبؤ على الإطلاق بما يمكن أن يقدمه المنتخب البرازيلي.

ويتمتع المنتخب الإنجليزي بالقوة البدنية الهائلة، بسبب مشاركة اللاعبين في الدوري الإنجليزي الممتاز القوي، كما يملك العديد من الخيارات الرائعة في النواحي الهجومية. من المؤكد أن وجود هذه القائمة القوية يعد ميزة كبيرة لأي فريق، لكن ليس من السهل على الإطلاق استغلال قدرات هؤلاء اللاعبين معاً وتسخيرها من أجل مصلحة الفريق في نهاية المطاف. لم يشارك فيل فودين في التشكيلة الأساسية للمنتخب الإنجليزي إلا في المباراتين الثالثة والرابعة، لكنه أثبت أنه يستحق دائماً أن يكون أساسياً؛ نظراً لأنه يشكل ثنائياً هجومياً قوياً للغاية مع هاري كين. لكن المنتخب الإنجليزي يواجه مشكلة أخرى تتعلق بقدرة لاعبي خط الوسط المدافعين على نقل الهجمات بسرعة إلى نصف ملعب الفريق المنافس. وإذا كان الخصم يلعب بتكتل دفاعي، فإن المنتخب الإنجليزي يستغرق الكثير من الوقت في بناء الهجمات، ويبدو في كثير من الأحيان عاجزاً عن اختراق الدفاعات المنظمة.

في المقابل، يُعد منتخب كرواتيا نموذجاً لكيفية تحقيق النجاح في ظل الإمكانيات المتاحة، إذ لا يزال الفريق يعتمد بشكل كبير على النجم المخضرم لوكا مودريتش البالغ من العمر 37 عاماً، والذي يواصل تقديم مستوياته الرائعة بشكل مثير للإعجاب، بتمريراته السحرية وقدرته الفائقة على إبعاد الضغوط على لاعبي فريقه ونقلها إلى لاعبي الفريق المنافس. كما يعد جوسكو غفارديول أحد أفضل المدافعين في البطولة. تبدو كرواتيا فريقاً جيداً ومقنعاً مرة أخرى، لكن قائمة الاختيارات محدودة نظراً لقلة عدد السكان.


قطر كأس العالم

اختيارات المحرر

فيديو