بوتين يرفض شروط بايدن للمحادثات حول أوكرانيا... ويتمسك بالأراضي المحتلة

يبلغ شولتس أن ضرب البنى التحتية الأوكرانية «لا مفر منه»

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)
TT

بوتين يرفض شروط بايدن للمحادثات حول أوكرانيا... ويتمسك بالأراضي المحتلة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ب)

رفضت موسكو شروط الرئيس الأميركي جو بايدن لإجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، إن موسكو ليست مستعدة للدخول في محادثات إذا كان شرط واشنطن أن تغادر روسيا أوكرانيا، وطالب بيسكوف الولايات المتحدة بقبول أن تحتفظ روسيا بالأراضي الأوكرانية التي احتلتها، في حين ندد بوتين (الجمعة) بالسياسات الغربية «المدمرة» الداعمة لكييف، وقال للمستشار الألماني أولاف شولتس، إن الضربات الروسية المكثفة على البنى التحتية للطاقة في أوكرانيا، «ضرورية ولا مفر منها».
وقال المتحدث باسم الكرملين، إن الرئيس فلاديمير بوتين سوف يواصل العملية العسكرية في أوكرانيا، لكنه منفتح، في الوقت نفسه، على إجراء مفاوضات.
وجاء تصريح بيسكوف خلال مؤتمر عُقد عبر الهاتف، في رد على سؤال بشأن تصريح الرئيس الأميركي جو بايدن، عن إمكانية إجراء محادثات مع بوتين حال انسحبت روسيا من أوكرانيا.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن بيسكوف القول: «تتواصل العملية العسكرية الخاصة (في أوكرانيا)، ولكن في نفس الوقت من المهم أيضاً التأكيد أن الرئيس بوتين كان، ولا يزال، منفتحاً للتواصل من أجل إجراء مفاوضات».
وأضاف: «بالطبع أفضل في سبيل تحقيق مصالحنا أن يكون من خلال الوسائل الدبلوماسية».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1598726974415208448
وكان الرئيس الأميركي بايدن، قال إنه سوف يتحدث مع نظيره الروسي بشأن الحرب في أوكرانيا إذا ما كان بوتين جاداً بشأن إنهاء الغزو، بعدما اكتفى بالقول سابقاً إنه يمكن لقادة أوكرانيا أن يقرروا متى يجرون محادثات سلام.
وقال بايدن، الخميس، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون: «أنا مستعد للتحدث مع السيد بوتين إذا كان لديه اهتمام بالبحث عن وسيلة لإنهاء الحرب».
وأفاد الكرملين، في بيان صدر بعد مكالمة هاتفية بين بوتين وشولتس هي الأولى منذ منتصف سبتمبر (أيلول): «تمت الإشارة إلى أن القوات المسلحة الروسية تفادت لفترة طويلة الضربات الصاروخية العالية الدقة على بعض الأهداف في أوكرانيا، لكن هذه التدابير باتت ضرورية ولا مفر منها بمواجهة هجمات كييف الاستفزازية».
وقال الكرملين، في بيان (الجمعة)، إن «الرئيس الروسي دعا الجانب الألماني إلى إعادة النظر في مقارباته في سياق الأحداث الأوكرانية».
وجرت المكالمة الهاتفية بين بوتين وشولتس بمبادرة من الجانب الألماني.
وجاء في البيان: «تم لفت الانتباه إلى الخط المدمر للدول الغربية، بما في ذلك ألمانيا التي تزود نظام كييف بالأسلحة وتدرب الجيش الأوكراني».
وشدد بوتين على أن الضربات الروسية على أهداف في أوكرانيا كانت رد روسيا الحتمي على استفزازات كييف، بما في ذلك الهجوم الإرهابي على جسر القرم.
وأشار الرئيس الروسي إلى أن القوات المسلحة الروسية امتنعت منذ فترة طويلة عن شن ضربات صاروخية موجهة ضد أهداف معينة على أراضي أوكرانيا، ولكن هذه الإجراءات أصبحت الآن رداً قسرياً وحتمياً على الهجمات الاستفزازية التي تشنها كييف على البنية التحتية المدنية الروسية، بما في ذلك جسر القرم ومنشآت الطاقة الروسية.
ونوّه الرئيس الروسي إلى أن حادث تخريب أنابيب خط «نورد ستريم» يجب أن يخضع لتحقيق تشترك فيه الكيانات الروسية المختصة. وأوضح بوتين: «العمل الإرهابي ضد خطوط أنابيب الغاز (نورد ستريم 1) و(نورد ستريم 2) تتطلب ظروفه إجراء تحقيق شفاف بمشاركة الهياكل المتخصصة الروسية».
كما ناقش الطرفان «صفقة الحبوب»، وشددا على ضرورة تنفيذها بعناية مع إزالة الحواجز أمام الشحنات والإمدادات الروسية.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1598689462342791168
وينظر المحللون إلى أن استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا قد يدفع لحدوث انشقاقات في الوحدة الأوروبية - الأميركية التي يحرص بايدن على التمسك بها.
وقد وضع كل طرف شروطه لرؤية مسار دبلوماسي تفاوضي؛ إذ تصر واشنطن على الانسحاب الروسي الكامل من أوكرانيا ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم حرب.
وكان الرئيس زيلينسكي قد قال في وقت سابق، إنه منفتح على «محادثات سلام حقيقية» مع روسيا، ووضع شروطاً لإجراء المحادثات تتضمن إعادة السيطرة الأوكرانية على أراضيها، وتعويض كييف عن غزو موسكو، وتقديم مرتكبي جرائم الحرب إلى العدالة.
وفي المقابل، تضع موسكو شروطها الخاصة بالاعتراف بسيطرتها على الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها في منطقتي زابوريجيا وخيرسون في الجنوب، بالإضافة إلى لوهانسك ودونيتسك.
وقال بوتين، إنه لا يشعر بأي ندم على ما يسميه «العملية العسكرية الخاصة» لروسيا ضد أوكرانيا، ووصفها بأنها لحظة فاصلة مع وقوف روسيا في وجه الهيمنة الغربية المتغطرسة بعد عقود من الإذلال في السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1991.
وفي حديثه للصحافيين، قال بيسكوف: «إن الولايات المتحدة لا تعترف بالأراضي الجديدة كجزء من الاتحاد الروسي، مما يعقد بشكل كبير البحث عن أسباب محتملة للنقاش المتبادل».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1598405321717940232
وتصر روسيا على أن رفض الغرب الاعتراف بضم تلك الأراضي هو العائق أمام إجراء محادثات سلام والتوصل إلى حل وسط محتمل.
وذهبت تحليلات الخبراء والدبلوماسيين إلى أن الجانبين، الأوكراني والروسي، يعتقدان أنهما قادران على الانتصار؛ فالجانب الروسي مستمر في حملة لاستهداف البنية التحية المدنية في أوكرانيا، وضرب شبكات الطاقة الأوكرانية بالصواريخ، وتعتقد موسكو أيضاً أن بإمكانها إضعاف كييف وتقويض الدعم الغربي لأوكرانيا مع حلول فصل الشتاء.
وأفاد الموقع الإلكتروني للحكومة الألمانية، بأن برلين تستعد لتسليم 7 دبابات من طراز «جيبارد» لأوكرانيا، لتضاف إلى 30 دبابة للدفاع الجوي تُستخدم بالفعل لمحاربة الجيش الروسي.
وذكرت مجلة «دير شبيغل»، التي كانت أول من أورد عدد الدبابات الإضافية التي كان من المقرر في البداية تكهينها، أنها ستصل إلى أوكرانيا في ربيع عام 2023. وأضافت المجلة أن إرسال الدبابات السبع، التي تخضع حالياً لعملية إصلاح لدى شركة تصنيع الأسلحة «كراوس مافاي فيجمان»، ومقرها ميونيخ، يهدف لمساعدة أوكرانيا في حماية مدنها وبنيتها التحتية من القصف الروسي.
ولم تذكر الحكومة متى تعتزم تسليم الدبابات، التي قالت إنها جاءت من مخازن الشركات المصنعة.
وأوضحت «دير شبيغل»، أن الحكومة تعتزم إرسال المزيد من الذخيرة لدبابات «جيبارد» مع الدبابات الإضافية. وينطوي توريد هذه الذخيرة على إشكالية؛ لأن سويسرا التي تمتلك مخزوناً من الذخيرة، ترفض توريدها، وتؤكد على وضعها المحايد.


مقالات ذات صلة

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

العالم ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

ألمانيا تسحب قواتها من مالي... وتؤكد أنها «باقية»

عشية بدء المستشار الألماني أولاف شولتس زيارة رسمية إلى أفريقيا، هي الثانية له منذ تسلمه مهامه، أعلنت الحكومة الألمانية رسمياً إنهاء مهمة الجيش الألماني في مالي بعد 11 عاماً من انتشاره في الدولة الأفريقية ضمن قوات حفظ السلام الأممية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الحكومة الألمانية شددت على أنها ستبقى «فاعلة» في أفريقيا، وملتزمة بدعم الأمن في القارة، وهي الرسالة التي يحملها شولتس معه إلى إثيوبيا وكينيا.

راغدة بهنام (برلين)
العالم ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

ألمانيا لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا

منذ إعلانها استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا، العام الماضي، كثفت برلين نشاطها في القارة غرباً وجنوباً، فيما تتجه البوصلة الآن شرقاً، عبر جولة على المستوى الأعلى رسمياً، حين يبدأ المستشار الألماني أولاف شولتس، الخميس، جولة إلى منطقة القرن الأفريقي تضم دولتي إثيوبيا وكينيا. وتعد جولة المستشار الألماني الثانية له في القارة الأفريقية، منذ توليه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021. وقال مسؤولون بالحكومة الألمانية في إفادة صحافية، إن شولتس سيلتقي في إثيوبيا رئيس الوزراء آبي أحمد والزعيم المؤقت لإقليم تيغراي غيتاتشو رضا؛ لمناقشة التقدم المحرز في ضمان السلام بعد حرب استمرت عامين، وأسفرت عن مقتل عشرات

العالم ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

ألمانيا تشن حملة أمنية كبيرة ضد مافيا إيطالية

في عملية واسعة النطاق شملت عدة ولايات ألمانية، شنت الشرطة الألمانية حملة أمنية ضد أعضاء مافيا إيطالية، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وأعلنت السلطات الألمانية أن الحملة استهدفت أعضاء المافيا الإيطالية «ندرانجيتا». وكانت السلطات المشاركة في الحملة هي مكاتب الادعاء العام في مدن في دوسلدورف وكوبلنتس وزاربروكن وميونيخ، وكذلك مكاتب الشرطة الجنائية الإقليمية في ولايات بافاريا وشمال الراين - ويستفاليا وراينلاند – بفالتس وزارلاند.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الرياضة مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

مدير دورتموند: لن أخوض في نقاش ضربة الجزاء غير المحتسبة أمام بوخوم

لا يرغب هانز يواخيم فاتسكه، المدير الإداري لنادي بوروسيا دورتموند، في تأجيج النقاش حول عدم حصول فريقه على ركلة جزاء محتملة خلال تعادله 1 - 1 مع مضيفه بوخوم أول من أمس الجمعة في بطولة الدوري الألماني لكرة القدم. وصرح فاتسكه لوكالة الأنباء الألمانية اليوم الأحد: «نتقبل الأمر.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شؤون إقليمية الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

الاتحاد الأوروبي يطالب طهران بإلغاء عقوبة الإعدام بحق مواطن ألماني - إيراني

قال الاتحاد الأوروبي إنه «يدين بشدة» قرار القضاء الإيراني فرض عقوبة الإعدام بحق المواطن الألماني - الإيراني السجين جمشيد شارمهد، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وأيدت المحكمة العليا الإيرانية يوم الأربعاء حكم الإعدام الصادر بحق شارمهد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
TT

هل تدفع تهديدات ترمب حول غرينلاند إلى انهيار «الناتو»؟

صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)
صورة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لرئيس الولايات المتحدة دونالد ترمب مع شعار حلف «الناتو» في الخلفية (رويترز)

لم يكن السؤال عن مصير التحالف الدبلوماسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مطروحاً من قبل. فهذا التحالف العسكري - الدبلوماسي الغربي ظل موحداً على مدى 77 عاماً، ليقف اليوم على شفا الانهيار والتفكك بسبب تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنشوراته الاستفزازية التي تطالب بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك، مع تهديدات اقتصادية وعسكرية تجاه حلفائه الأوروبيين الذين يحضرون لعقد قمة دبلوماسية طارئة الأربعاء لمناقشة التهديدات، ومحاولة تهدئة الأزمة المتصاعدة حول غرينلاند.

وقال ترمب مراراً وتكراراً إن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند من منظور الأمن القومي، وفي تصريحات للصحافيين، وفي منشورات عبر منصة «تروث سوشيال»، قبل سفره إلى «منتدى دافوس» الاقتصادي، أكد ترمب إصراره على ضرورة أن تأخذ الولايات المتحدة جزيرة غرينلاند.

وفي حديثه مع الصحافيين، فجر الثلاثاء، أشار ترمب إلى التمارين العسكرية المشتركة التي أجرتها ثماني دول أوروبية (بما في ذلك فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، والدنمارك) في غرينلاند وقال: «لم يكن ذلك تمريناً عسكرياً. أرسلوا بضعة أشخاص. ليس لي، بل لحماية أنفسهم من روسيا. (الناتو) يحذر الدنمارك من التهديد الروسي منذ 20 عاماً أو أكثر... سنرى ما سيحدث. لكن أقول لكم إن (دافوس) سيكون مثيراً جداً».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ونشر ترمب صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر قادة أوروبيين جالسين في المكتب البيضاوي، ينظرون إلى خريطة، حيث رسمت غرينلاند بعلم أميركي.

وفي منشور آخر انتقد ترمب بريطانيا بشدة لقرارها عام 2024 تسليم جزر تشاغوس (بما فيها دييغو غارسيا) إلى موريشيوس، واصفاً ذلك بـ«غباء كبير» يبرر الاستحواذ على غرينلاند لمواجهة «الضعف أمام الصين وروسيا». وقال: «تنازل المملكة المتحدة عن هذه الأرض عمل في غاية الحماقة، وهو سبب آخر من بين أسباب كثيرة تتعلق بالأمن القومي تجعل من الضروري الاستحواذ على غرينلاند». وفي عبارة تهديدية قال ترمب: «على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين أن يتصرفوا بحكمة».

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال»

ونشر أيضاً صورة وهو يحمل العلم الأميركي على أرض تحمل لافتة تقول: «غرينلاند منطقة أميركية تمت إقامتها عام 2026»، وخلفه كل من نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو.

ونشر ترمب أيضاً لقطات لرسائل خاصة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الذي عبّر عن «عدم فهمه لما يفعله ترمب في غرينلاند»، وعرض تنظيم اجتماع لـ«مجموعة السبع» (G7) في دافوس يوم الخميس، مع اقتراح عشاء مشترك. (وقد أكد مكتب ماكرون صحة الرسالة، مما أثار غضباً دبلوماسياً بسبب كشف مراسلات خاصة)، ونشر ترمب رسالة مشابهة من الأمين العام لـ«الناتو» مارك روته، يطلب فيها بإعادة النظر في استخدام القوة للاستحواذ على الجزيرة.

حجج ترمب

وإذا نفذ ترمب تهديده المعلن بالاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، سيؤدي ذلك إلى تقويض هدف ووظيفة «الناتو» الأساسية وهي التصدي الجماعي لأعضاء الحلف ضد أي دولة عضو تتعرض للهجوم.

يتعجب المحللون من موقف ترمب، فهو بالتأكيد يعلم أن تهديداته تعني تدمير «الناتو»، ما من شأنه منح كل من روسيا والصين أعظم انتصار، كما أن حججه العلنية بضرورة الاستيلاء على غرينلاند لحمايتها من الأطماع الروسية والصينية ليس لها أساس واقعي، فلا توجد أي إجراءات عسكرية من روسيا أو الصين، سواء على الجزيرة أو في البحار المحيطة بها، إضافة إلى أن معاهدة الدفاع الموقعة بين الدنمارك والولايات المتحدة عام 1951 تمنح الولايات المتحدة حق إنشاء ما تشاء من القواعد العسكرية في غرينلاند، ونشر ما تريد من جنود ومعدات عسكرية.

وخلال الحرب الباردة نشرت الولايات المتحدة حوالي 30 قاعدة ومنشأة عسكرية في غرينلاند، ثم أغلقتها باستثناء قاعدة بيتوفيك، التي كانت تعرف سابقاً باسم «قاعدة ثول الجوية»، التي يوجد فيها أنظمة إنذار مبكر لرصد أي هجمات صاروخية روسية. ويؤكد المسؤولون في كل من الدنمارك وغرينلاند أنه إذا قرر ترمب إعادة فتح أي من هذه القواعد الأميركية القديمة فلن يقف شيء أمامه، ويستطيع أيضاً إبرام معاهدة دفاع مع الدنمارك تمنحه كل ما يريد من ضمانات أمنية وقدرات عسكرية.

حتى الحجج، التي يشير إليها المسؤولون الأميركيون، من توافر المعادن النادرة في غرينلاند التي تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية، والتي تساعد في كسر اعتماد الولايات المتحدة على الصين في الحصول على هذه المعادن، لا تستند إلى منطق ما دام لا توجد أي موانع أمام شركات التعدين الأميركية للاستثمار في غرينلاند وإقامة مشروعات هناك، خصوصاً أن السلطات في الجزيرة أعربت عن استعدادها لمنح كل التراخيص اللازمة.

مظاهرة ضمت ما يقرب من ثلث سكان غرينلاند للاحتجاج على خطط ترمب للاستيلاء على الجزيرة في 17 يناير 2026 (أ.ف.ب)

التفسير الوحيد الذي تقدمه بعض الدوائر السياسية، هو أن الرئيس ترمب يريد الهيمنة، ويريد أن يكون أول رئيس أميركي منذ عهد أندرو جونسون (الذي اشترى ألاسكا من روسيا عام 1867) يضم مساحة شاسعة من الأراضي للولايات المتحدة. لكن هل يخاطر الرئيس الأميركي بتدمير «الناتو» من أجل هذا التوسع الإقليمي؟

مزيج من الضغوط

جنود دنماركيون أثناء تدريب على الرماية بموقع غير محدد في غرينلاند 18 يناير 2025 (أ.ف.ب)

يعتمد ترمب على مزيج من الضغوط الاقتصادية والسياسية لفرض إرادته للاستحواذ على غرينلاند. اقتصادياً، هدد بفرض تعريفات جمركية تصاعدية: 10 في المائة بدءاً من 1 فبراير (شباط)، ترتفع إلى 25 في المائة في 1 يونيو (حزيران) على الدول الثماني التي شاركت في التمارين العسكرية في غرينلاند. هذا فضلاً عن التعريفات الحالية بنسبة 15 في المائة على الاتحاد الأوروبي بشكل عام.

وسياسياً، يستخدم ترمب الدبلوماسية الشخصية والإهانات العلنية، فعندما رفض ماكرون دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» هدد ترمب بفرض تعريفات بـ200 في المائة على النبيذ والشمبانيا الفرنسية. كما ربط تهديداته بعدم فوزه بجائزة «نوبل للسلام»، متهماً النرويج (التي تمنح الجائزة) بالمسؤولية، في رسالة إلى رئيس وزرائها. وتشير تقارير صحافية أميركية إلى أن الخطوات المقبلة قد تشمل تصعيداً عسكرياً.

ماذا ستفعل أوروبا؟

يصعب على الدول الأعضاء في «الناتو» تجاهل كلمات ترمب وتهديداته وعدّها مجرد غطرسة أميركية، بل تزداد التساؤلات حول السيناريوهات التي يمكن أن تحدث إذا أقدمت دولة عضو بالحلف، مثل الولايات المتحدة، على غزو عسكري لدولة أخرى عضوة بالحلف. ويبحث الحلفاء كيفية الرد على تهديدات ترمب الاقتصادية وفرض الرسوم الجمركية «العقابية» ومقاومة النفوذ والشروط التي يفرضها ترمب على الأوروبيين للخضوع لأهوائه ورغباته.

وتدرس أوروبا «بازوكا اقتصادية» للرد، بما في ذلك على تعريفات انتقامية تصل إلى 107.7 مليار دولار. وأعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عن رفض «شديد» للتعريفات، محذرة من أنها «خطأ بين حلفاء تاريخيين». وأشار الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب إلى ضرورة البحث عن «حل وسط» يركز على تعزيز الأمن في القطب الشمالي، بينما حذر نائب المستشار الألماني، لارس كلينغبايل، من أن أوروبا «ممدودة اليد للحوار» لكنها مستعدة للرد.

وتنظر الدوائر السياسية إلى ما يمكن أن ينجم من لقاءات ترمب مع القادة الأوروبيين خلال «منتدى دافوس» الاقتصادي، فإذا نجحت اجتماعات «دافوس» في تهدئة التوترات، فقد ينجو «الناتو» من الانهيار، وإذا فشلت فإننا قد نشهد بداية نهاية عصر التحالفات التقليدية.


وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
TT

وزير الخزانة الأميركي واثق بإمكان التوصل لحل مع أوروبا بشأن غرينلاند

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث في دافوس (أ.ب)

عبَّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، ‌عن ‌ثقته ⁠ب​أن الحكومات ‌الأوروبية لن «تصعد» التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية ⁠رغبة الأخيرة في ‌شراء غرينلاند.

وقال ‍بيسنت للصحافيين ‍على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في ​دافوس بسويسرا: «أنا واثق بأن القادة لن يصعدوا، وأن هذا الأمر سينتهي بصورة جيدة للغاية للجميع».

وهو كان قد حذّر الدول الأوروبية، الاثنين، من فرض رسوم جمركية مضادة رداً على الرسوم التي هدّد بها الرئيس دونالد ترمب من أجل الاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي.

وأعلن ترمب رغبته في السيطرة على غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي، وهدد بفرض رسوم جمركية على الدول المعارضة له. ويدرس الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال بيسنت في دافوس: «أعتقد أن ذلك سيكون خطوة غير حكيمة». وأضاف أن ترمب يريد السيطرة على الإقليم الدنماركي؛ لأنه يعده «استراتيجياً»، و«لن نَكِلَ أمن نصف الكرة الأرضية الغربي لأي طرف آخر».

ورداً على سؤال حول رسالة وجهها ترمب إلى رئيس الوزراء النرويجي، وبدا فيها أنه يربط مطالبته بغرينلاند بفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام، أجاب بيسنت بأنه لا يعلم شيئاً عن هذه الرسالة. وقال: «لكنني أعتقد أنه من السخف الظنّ بأن الرئيس سيفعل ذلك بسبب جائزة نوبل».

وأشار ترمب في هذه الرسالة إلى أنه لم يعد مضطراً للتفكير «فقط في السلام» بعد فشله بالفوز بجائزة نوبل، مشيراً إلى أن العالم لن يكون آمناً حتى تصبح غرينلاند تحت سيطرة الولايات المتحدة.

وشنّ ترمب حملة شرسة للفوز خلال العام الفائت بجائزة نوبل للسلام مكافأة له على جهوده في إنهاء 8 حروب، بحسب قوله.

ومُنحت الجائزة للمعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي توجهت إلى أوسلو، الشهر الماضي، في اليوم التالي لتسليم الجائزة، بعد أن فرّت من فنزويلا على متن قارب.


تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة، تمثّلت في توسّع غير مسبوق في صلاحيات الرئاسة، وتراجع واضح في استقلالية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها الكونغرس ووزارة العدل وأجهزة الأمن الفيدرالية، وفق تقرير لصحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، اليوم الثلاثاء.

اعتمد ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض على فريق من المقرّبين والموالين، بدل الشخصيات الجمهورية التقليدية، ما سمح له بإحكام السيطرة على مفاصل الدولة التنفيذية. وقد ترافق ذلك مع إصدار كثيف للأوامر التنفيذية، مكّنته من فرض إرادته على الإدارات الفيدرالية وتقليص أي معارضة داخلية محتملة.

وشمل هذا التوسّع في النفوذ إخضاع وزارة العدل، والتأثير المباشر في عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي، إضافة إلى توسيع صلاحيات الرئاسة في مجالات لم يسبق لرؤساء أميركيين أن تدخلوا فيها بهذا الشكل خلال فترات السلم.

صورة من جلسة للكونغرس الأميركي (رويترز - أرشيفية)

تراجع دور الكونغرس

شهد الكونغرس تهميشاً غير مسبوق، حيث باتت جلساته تُعلّق لتفادي النقاشات، بينما تحوّل مجلس الشيوخ إلى مؤسسة ضعيفة التأثير، مع بقاء عدد محدود فقط من الأصوات الجمهورية المنتقدة دون قدرة فعلية على تعطيل قرارات البيت الأبيض.

استخدام الطوارئ

وسّع ترمب صلاحياته عبر إعلان حالات طوارئ اقتصادية سمحت له بفرض رسوم جمركية واسعة على دول عدة، ما أجبر شركاء واشنطن، بمن فيهم حلفاء تقليديون، على الدخول في مفاوضات تجارية جديدة بشروط أميركية.

كما جرى استخدام القوة الفيدرالية ضد ولايات أميركية يُسيطر عليها الديمقراطيون، من خلال نشر الحرس الوطني وتوسيع دور وكالة الهجرة والجمارك، التي أصبحت لاعباً أمنياً أساسياً داخل المدن الأميركية، مع هامش واسع للتحرّك وقيود قانونية أقل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال فعالية للإعلان عن تعريفات جمركية جديدة في «حديقة الورود» بالبيت الأبيض في واشنطن... 2 أبريل 2025 (أ.ب)

الضغوط على الإعلام والجامعات والاقتصاد

شهدت وسائل الإعلام تراجعاً في قدرتها على المواجهة، وسط ضغوط سياسية وقضائية ومالية متزايدة. كما طالت الإجراءات الجامعات الكبرى عبر تقليص التمويل الفيدرالي، في إطار إعادة ضبط ما يُعتبر معاقل فكرية معارضة.

وفي المجال الاقتصادي، تم تجاوز قواعد التجارة الحرة التقليدية، مع تدخل مباشر للرئاسة في توجيه السوق وفرض قيود حمائية واسعة.

عناصر إنفاذ القانون يحرسون مبنى في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية... في 17 يناير 2026 (رويترز)

مرحلة سياسية شديدة الحساسية

مع دخول السنة الثانية من ولاية ترمب، تتزايد المخاوف من غياب آليات فعالة لكبح قرارات الرئيس أو مراجعتها، في ظل ضعف المؤسسات الرقابية. ويأمل الديمقراطيون في استعادة جزء من السيطرة عبر انتخابات الكونغرس المقبلة هذا العام، لكن هناك مخاوف من احتمال الطعن في نتائجها أو تعطيل مسارها.