الأسد يلوذ بـ«سوريا المفيدة»

معالمها لم تُحسم بسبب تبدل خريطة السيطرة الميدانية.. وتوقعات باعتماد الفيدرالية

الأسد يلوذ بـ«سوريا المفيدة»
TT

الأسد يلوذ بـ«سوريا المفيدة»

الأسد يلوذ بـ«سوريا المفيدة»

ترسم التطورات الميدانية في سوريا خريطة جديدة للبلاد، يفرضها «الأمر الواقع». نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ينكفئ إلى عمق البلاد، وتتمدد قوات المعارضة ومتشددون على الأطراف. تستعيد الوقائع الميدانية تجربتين اختُبرتا قبل مائة عام؛ هما: «سوريا المفيدة» التي حاولت تنفيذها سلطات الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، وفشلت فيها، إضافة إلى «حماية الأقليات» التي كانت سبب ضرب بريطانيا وفرنسا قواعد الجيش العثماني قبيل الحرب العالمية الأولى، ومهدّت بعدها لاتفاقية «سايكس - بيكو» لترسيم الحدود الحديثة للمنطقة عام 1916.

تكاد تنتهي اليوم مفاعيل اتفاقية «سايكس - بيكو» في سوريا بعد قرن على توقيعها، بل تتغيّر معالمها بالدم والنار؛ فالحدود على العراق، فتحها تنظيم «داعش»، فيما تقف الجغرافيا السورية في رمال متحركة: ينحسر نفوذ النظام على المناطق الحدودية، باستثناء لبنان، وتتبادل أطراف النزاع السيطرة على المناطق، وتتمدد في محيطها. أما النظام السوري، فيبدو أنه يلوذ مجددًا بـ«سوريا المفيدة» الممتدة من العاصمة دمشق إلى وسطها شمالاً، ثم نزولاً إلى البحر المتوسط في الغرب. وهي المنطقة الأكثر كثافة ديموغرافية، والأكثر حيوية، فيما يخلي المناطق الصحراوية والزراعية، مما يسمح لتنظيمات متشددة بأن «تتمدد في الخواء».
لم تستقر الجغرافيا السورية، بعد أربع سنوات على الأزمة، على خريطة واحدة. تشير الوقائع الميدانية إلى اختيار نظام الأسد عمق البلاد ومعقله في الساحل، ملاذًا، ويعده البعض خط الدفاع الأخير للنظام السوري. ويعيد خبراء في الشأن السوري تلك التطورات الميدانية إلى لجوئه لـ«سوريا المفيدة». غير أن قياديين في المعارضة المسلحة، لا يرون الأمر قد تحقق بعد؛ إذ «يحتاج هذا الخيار إلى وقت إضافي ليتبلور»، مستندين إلى «استشراس النظام بالدفاع عن مدينة درعا (جنوب البلاد)، ومدينة الحسكة (شمال شرقي البلاد) ومدينة حلب (شمالها)، وحشد النظام قوات إضافية على حدود اللاذقية الشرقية مع إدلب وحماه، مما يتيح له توقيف التمدد المعارض إلى الساحل». ويرى قيادي معارض، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن النظام «يقاتل للحفاظ على المدن والتخلي عن الأرياف في الشمال والشرق والجنوب»، وهي استراتيجية اتبعها منذ عام 2013، وانكسرت في مارس (آذار) الماضي، حيث سيطرت قوات المعارضة على مدينتي إدلب وجسر الشغور، وهددت مدينة درعا.
ويشير سلوك النظام العسكري، إلى توسعة مفهوم «سوريا المفيدة» التي تمتد على ربع المساحة الجغرافية السورية، ويسكنها أكثر من ثلث السوريين، عما كانت عليه إبان حقبة الانتداب الفرنسي. فقد طبق الفرنسيون آنذاك خطة أمنية خلال الثورة التي قادها الزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش في العشرينات من القرن الماضي، قضت بتقسيم سوريا إلى ثلاث مناطق؛ الأولى تخضع لسيطرة القوات الفرنسية، والثانية يسيطر عليها المقاتلون السوريون المناهضون لفرنسا، والثالثة منطقة اشتباك ويتقاسم فيها الطرفان السيطرة. أما المنطقة الخاضعة لسيطرة القوات الفرنسية، فتشمل دمشق وحمص وطرطوس المحاذية لساحل البحر المتوسط، وتربطها خطوط اتصال، وترفع عليها القوات الفرنسية أعلامها.
أما اليوم، فإن خطة النظام يبدو أنها تشمل السيطرة على سائر المدن، بما فيها مدن الأطراف، رغم أن مفهوم التقسيم لم يتبلور حتى الآن، كما يقول مراقبون. ويرى سفير لبنان السابق في واشنطن عبد الله بوحبيب، أنه «في الوقت الحاضر، لا أحد يفكر بالتقسيم»، مشيرًا في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «النظام والمعارضة يريدان كامل الأراضي السورية». ويضيف: «التقسيم يعني الفرز على الأرض، رغم أن هناك فرزًا مذهبيًا قائمًا بحكم الأمر الواقع، لكن النظام يبدو أنه متمسك بخط درعا حلب، والمناطق الواقعة غرب هذا الخط، نظرًا إلى أنه يعتبر أن المساحة ليست لصالحه في هذا الوقت»، في إشارة إلى الإنهاك العسكري الذي يترتب على القتال في مناطق متباعدة وواسعة.
ولا يرى بوحبيب أن التقسيم سيعود بالنفع على الدولة السورية، موضحا: «لا تمتلك الدولة الدرزية أو الدولة العلوية مقومات النجاح». ورغم أنه لا ينفي قوة النظام في «مناطق وجود الأقليات» أي «في المناطق العلوية والمسيحية» فإن ذلك، من وجهة نظره، «لا يعني تفكير النظام حتى هذا الوقت بالتقسيم». ويضيف: «إذا سيطر النظام على المنطقة الواقعة غرب خط درعا - حلب، فستكون المناطق الشرقية بلا معنى، لأنها ستتبع تلقائيًا العراق والأردن، فيما يعاني النظام من مشكلة ديموغرافية في مناطقه، بسبب التدفق الكبير للنازحين من مختلف الأطياف».
ويشير بوحبيب إلى أن «الخريطة الميدانية اليوم، متحركة، مما يصعّب التكهن بنتائج القتال»، لافتًا إلى أن «السوريين لا يفكرون الآن بتسوية، لا تقسيم، ولا كيان واحد، ولا فيدرالية، لأن الطرفين يسعيان لتحقيق فوز ميداني». ويعرب عن اعتقاده أن «السيناريو الممكن في هذا الوقت، هو رسم خطوط تماس تنشئ حدودًا مؤقتة، على غرار بيروت في الحرب الأهلية اللبنانية، أما في مرحلة لاحقة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا، هو التفكير بالفيدرالية على الطريقة العراقية، إذا لم يغلب أي من الطرفين الآخر».
ويكثر الحديث عن «سوريا المفيدة» منذ هجمات قوات المعارضة للسيطرة على مدينة درعا، بالتزامن مع هجمات «داعش» للسيطرة على مدينة الحسكة. وجاءت تلك الهجمات عقب تقدم استراتيجي حققته قوات المعارضة السورية، تمثل في السيطرة على مدينة إدلب، والقواعد العسكرية في محيطها، إضافة إلى مدينة جسر الشغور، فيما سيطر تنظيم «داعش» على مدينة تدمر في الريف الشرقي لمحافظة حمص في شرق البلاد.
وبعد مرور أربع سنوات على بدء الأزمة في سوريا، لم يعد بوسع الأسد الدفاع عن البلاد بكاملها أو أن يأمل في استعادة الأراضي التي فقدها، مما يؤدي إلى أن قواته تتقهقر وتعزز معاقلها الرئيسية بدءا من العاصمة دمشق إلى الشريط الساحلي في شمال غربي سوريا.
ويقول رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن «سوريا في مرحلة تقسيم غير معلن»، موضحًا في تصريحات نقلتها وكالة «رويترز» أن «هناك نقاط اشتباك كثيرة. النظام الآن يحاول أن يخفف انتشاره في مناطق الاشتباكات الكثيرة حتى يركز قوته بمناطق محدودة لها أهمية استراتيجية»، ويضيف: «السلطات تحاول تحصين المنطقة الساحلية من خلال تشكيل (لواء درع الساحل) ومهمته الدفاع عن القرى ذات الأغلبية العلوية».
وفي الشمال الشرقي، استطاع المقاتلون الأكراد السوريون السيطرة على مساحة من الأرض تمتد لمسافة طويلة انتزعوها من أيدي تنظيم «داعش» قرب الحدود التركية فسيطروا على كوباني أولاً، ثم تل أبيض هذا الشهر ليقطعوا خطوط الإمداد من تركيا إلى الرقة، العاصمة الفعلية للتنظيم.
ودفع التقدم الكردي على الحدود السورية - التركية، مدعومًا بغطاء جوي أميركي، مراقبين لتوقع استعدادات أكراد سوريا لإعلان كيانهم الذاتي، والانفصال عن سوريا، وتأسيس دولتهم. غير أن تلك التوقعات، ينفيها المسؤولون الأكراد. ويؤكد مدير المركز الكردي للدراسات في ألمانيا، نواف خليل، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «ليس هناك تصريح أو تلميح من جانب أي مسؤول كردي عن الاستقلال أو الانقسام»، متهمًا تركيا «بالترويج لتلك الكذبة بهدف إخافة السوريين، وخشية أنقرة من انهيار (الخلافة الداعشية)» التي يتهم الأكراد أنقرة بدعمها.
ويقول خليل القيادي في حزب «الاتحاد الديمقراطي» الناشط في شمال سوريا، والمقرب من «حزب العمال الكردستاني» المناهض لتركيا، إن أنقرة «عملت على تشتيت الأنظار إعلاميا عن الانتصارات التي حققها مقاتلو (وحدات حماية الشعب) الكردي و(وحدات حماية المرأة) إلى جانب مقاتلين في الجيش السوري الحر، وتمثلت في تحرير مناطق تناهز مساحتها 6500 كيلومتر مربع»، موضحا: «بما أن هذه المساحة تعادل ضعف مساحة قبرص التركية، زاد قلق تركيا». ويتابع: «تركيا تخشى من استعادة القرار السوري، تخشى انضمام قوى أخرى من الجيش الحر إلى الجبهة ضد (داعش)، فيتشكل جسم سياسي آخر، لا يتوافق مع الجسم السياسي السوري المعارض الذي تدعمه أنقرة».
ويشرح خليل أن «هناك برنامجا سياسيا وإدارة ذاتية في منطقة الجزيرة السورية، يشارك فيها العرب والكرد، وتعتبر مثالاً للتعايش بين القوميات والطوائف»، في إشارة إلى الأكراد والآشوريين والسريان والعشائر العربية. ويقول: «ما حققناه هو نصر لكل السوريين ضد النظام و(داعش)، ولا نبحث عن دولة خاصة، فبرامج الأحزاب الكردية تثبت ذلك، لكن إذا كان من قرار دولي بالتقسيم، فلا يستطيع الأكراد منعه».
وإذ يشدد على أن سوريا يجب أن تكون دولة لا تلتزم بأي هوية عرقية ودينية في دستورها وقوانينها الناظمة للحياة العامة، يؤكد خليل أن «الأكراد يسعون إلى دولة ديمقراطية وعلمانية واتحادية وفيدرالية في سوريا، يعترف فيها بالوجود الكردي»، موضحًا أنهم يسعون للاحتفاظ بتجربة الإدارة الذاتية المشتركة بين العرب والأكراد في منطقة الجزيرة القائمة اليوم التي يتشارك فيها ممثلون عن الأقليات والأعراق والطوائف. ويقول: «نحن نسعى لفيدرالية على الطريقة الألمانية، تكون فيها سوريا دولة اتحادية، تطبق مشروع اللامركزية». ويشدد على أن «سوريا المستقبل، سيتم التوافق فيها بين مختلف فصائلها، ونوقع عقدًا اجتماعيًا جديدًا، وهو المشروع الذي يتدخل فيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بعنف، لمنعه، فيما نحن نعمل لإيجاد شركاء حقيقيين لنا في سوريا لتطبيق هذا المشروع».
في هذا الوقت، يرجح متابعون أن تقسيم سوريا يمكن أن يتوقف على المنافسة بين دول إقليمية نافذة، وهو ما قد يعني أن الحرب قد تستمر لسنوات.
ويقول فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، إن «سوريا القديمة.. الدولة القومية والدولة نفسها لم يعد لها وجود. ما لدينا الآن هو اقتتال وعشائر متنافسة وكيانات غير تابعة للدولة وقادة فصائل». ويضيف جرجس، الخبير في الشأن السوري، لوكالة «رويترز»: «سيكون من الصعب للغاية إعادة سوريا لتكون دولة واحدة. انفصمت عرى النسيج الاجتماعي والصلات القوية التي تحافظ على تماسكه»، معتبرا أن «حكم الأسد قضية تتصل بطريقة أو بأخرى بالهوية. نعم هناك كثير من السنة والمسيحيين الذين يعيشون هناك، لكنهم يعتبرون أنفسهم جزءا من هذه الهوية.. السنة والمسيحيون من الطبقة المتوسطة والعليا».
ولا تخفي المعارضة السورية إخفاقها في الدعوة لحوار واضح وتبني مشروع جدي لمناقشة المسائل بين الأقليات. وتعرب شخصيات منها عن مخاوفها من أن يتحول المشروع الوطني السوري إلى مشروع حلم مثل الوحدة العربية.
ويفنّد عضو الائتلاف الوطني السوري والرئيس السابق للمجلس الوطني السوري عبد الباسط سيدا، الإخفاقات التي أحاطت بهذه المسألة، منذ قيام أول جسم سياسي معارض. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «منذ البداية، تنبّهنا إلى مسألة التقسيم، لأن سوريا بلد متعدد، والنظام سيستخدم ورقة العلويين والمسيحيين والكرد، إضافة إلى الدروز. لذلك ناقشنا القضية في المجلس الوطني، كي لا تتحول الثورة إلى طائفية، في وقت كان فيه النظام يدفع إلى ذلك الاتجاه». وأضاف: «للأسف، قراءاتنا كانت خاطئة بالنسبة للثورة. أنا أعترف بخطأ في التقديرات. كنا فرحين بإنجازات الثورات العربية، وناقشنا المسائل الاستراتيجية. وقلنا إن المفروض أن نركز على الملفات الأخرى، فقلنا إنه علينا أن نطرح مشروعا وطنيا يقوم على 3 ركائز: الأولى تتمثل في طمأنة الجميع بعقود واضحة ومكتوبة لإزالة الهواجس، والثانية تتمثل في تعزيز الثقة بممارسات فعلية على الأرض، والثالثة ضرورة الاتفاق على آلية لحل الخلافات بين مكونات الشعب السوري». ويشير سيدا إلى أنه طرح الركائز الثلاث مع وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون بحضور رئيس المجلس الوطني الأسبق برهان غليون، أثناء أول اجتماع تعارفي بين الطرفين. ويضيف: «كانت تستمع.. ولم تعط وجهة نظرها، رغم أن التصريحات التي صدرت عن واشنطن بعد ذلك اللقاء، كانت تشدد على أن سوريا للجميع». ويشير إلى أن «المشكلة تكمن في أننا لم ندخل بحوارات مع العلويين. كانت لدينا مفاتيح وحاولنا، لكننا لم نستطع تحقيق إنجاز مثل الذي حققناه مع المكون السوري الكردي». ويلفت إلى «أننا وصلنا اليوم إلى حالة أن العلوي لا يثق بالجانب الآخر»، مشيرًا إلى أن «عدم رضا العلويين عن الأسد، لا يعني تأييد المعارضة، بل يبحثون عن مخرج بين الاثنين، وهو العزلة».
نتيجة ذلك، يقول سيدا إن سوريا ذهبت باتجاه تقسيم غير معلن، «يشبه انقسام بيروت في الحرب»، موضحًا: «خطوط التماس قائمة فعلاً. يعتبر الفاعلون ذلك حلاً ظرفيًا ويجب أن ننتظر، لكن الواضح أن كيانات ومقاطعات تتشكل، ومع الوقت ستظهر شرائح وفئات تستثمر الواقع، ونتخوف من أن تعتاد الناس هذه المسألة، وتستعد نفسيًا لها».
وينفي سيدا أن يكون «التقسيم» قد طرح على قيادات المعارضة في اجتماعاتها مع ممثلين للمجتمع الدولي. ويؤكد أنه «رغم ذلك، فإن سلبية المجتمع الدولي في التعاطي مع تلك المسائل الدقيقة، أوصلتنا إلى هذه النهاية». ويكشف أنه «حين كنا نسأل عن نية لتقسيم سوريا، كان الجميع ينفي. لكن تطور الأحداث، ومسار علاقة المجتمع الدولي بالنظام، قادت إلى مؤشرات على وجود نية لتفتيت البلاد».
ورغم أن هذا الواقع يلبي مصالح غالبية الأطراف، وقادر على خلق توازن في المصالح بين جميع الأطراف الدولية المنخرطة بالنزاع، فإن سيدا يتخوف من قيام «مجموعة كيانات ضعيفة وغير قوية وغير مؤثرة، وستضطر لتعمل علاقات مع القوى الإقليمية لتتفاعل وتتكامل عبر علاقات اقتصادية»، مشيرًا إلى أن ذلك «سيكون على حساب التعايش والمشروع الوطني السوري».
ويضيف: «خطر التقسيم بات جديًا وواقعيًا. تصريحات (السفير الأميركي السابق في سوريا) روبرت فورد وغيره من مسؤولين دوليين تؤكد ذلك، وللأسف، لا تتعامل المعارضة بمؤسساتها مع الموضوع بجدية، ولا تتبنى حوارًا حقيقيًا بين السوريين، والكل ينتظر إذا ما كان المجتمع الدولي سيقبل بالتقسيم أم لا». ويضيف: «إذا استمر الموضوع لفترة، فستتشكل قوى أمر واقع وتتفاعل وتفرض حقيقة جديدة».



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».