الشعر في الشمال المغربي

الموسيقى ليست وحدها ما يميزه

جانب من الأنشطة الشعرية في تطوان
جانب من الأنشطة الشعرية في تطوان
TT

الشعر في الشمال المغربي

جانب من الأنشطة الشعرية في تطوان
جانب من الأنشطة الشعرية في تطوان

اعتاد الشعر العربي في المغرب على العيش منسجماً مع سياقات المشهد الثقافي وعناصره الحية، فضلاً عن تفاعله البناء مع شتى الحساسيات الفنية والإبداعية، ذلك أن الكتابات الشعرية المغربية على اختلاف مراحلها، عبرت دائماً عن تواصلها الثقافي مع روافد التاريخ الإنساني في المنطقة والعالم بصيغ مركبة لكنها ثرية وراسخة... بعض هذه الروافد حملته رياح المشرق إلى فضاء شمال أفريقي متنوع ومنفتح، يحتفي بالثقافات ويفتح قلبه لأسئلة العالم، وبعضها الآخر ينبع من عمق الخصوصيات المحلية مجسداً حالة الكتابة الشعرية الواعية التي تقرأ فيها الذات نفسها من زوايا مختلفة تتحد فيها الغايات وتتكامل، دون أن تفضي بوضوح إلى شيء آخر سوى الشعر. القصد، هو أن الشعر العربي في المغرب بقي في سياق الشمال الثقافي والرمزي مخلصاً لروحه دون أن ينأى بهواجسه عن نبض العالم، ودون أن يبتعد عن بقية الأشكال الأخرى للفن واللغة.
لقد تزينت حدائق الشعر المغربي بقصائد عربية تنضح بسياقات الشمال وتتغنى بمفاتنه وتتساءل عن هويته وقضاياه، وعن رمزياته في الفن والتاريخ... إنها دلالات عالية جعلت الشمال يشكل في ذهنية الشعر وخياله ذلك الفضاء الذي يُقارب هواء المغرب الثقافي بتنوعاته الجمة، ويجعله في حالة من التماهي مع النسمات الأندلسية الدافئة التي حملها الزمن الإيبيري إلى مدن الضفة الأخرى من المتوسط، إنه تماهٍ فني لا يعني انصهار عنصر في العنصر الآخر، بل يمثل قمة التعلق الإيجابي بين حضارتين متناظرتين من حيث الرؤية والمنجز، ليس الصراع وحده هو المهيمن على العلاقة بينهما، وليس الشعر بعيداً عن قراءة جماليات العلاقة ومساجلتها.
لم يكن الشعر المغربي، وهو يحتفي برمزيات الشمال، بعيداً عن ذلك المد النفسي الذي يغلب عليه الحنين، في نوستالجيا شعرية تعانق زمن الوصل القديم بكثير من حساسية الشعر، فلطالما تعلقت أفئدة العرب بالأندلس، والمغرب في هذا السياق النفسي الخاص كان هو حلقة الوصل الأكثر بروزاً في المشهد. لقد عبّر الشعر المغربي عن هذا الدور واحتفى به وأرّخه لغةً وموسيقى وقصائد مقروءة وأخرى بصرية، أصبحت اليوم جزءاً من مادة فنية متكاملة الروح تقدّمها مؤسسات حديثة تُعنى بالشعر وتعتني به، منها دار الشعر في تطوان، التي جاءت ثمرة تعاونٍ بنّاء بين وزارة الثقافة المغربية ودائرة الثقافة في إمارة الشارقة.
تستضيف الدار على امتداد السنة لقاءات وبرامج وأماسِيَ وندوات، كلها تستضيف الشعر في الفضاء العام، وهذا هو المميز في الفكرة، لقد استطاعت أن تُخرج الشعر إلى الشارع والحدائق والمسارح المفتوحة، وجعلت القصيدة كائناً متنقلاً بين الأجيال، يقرأه الشاعر والباحث والطالب، كما تقرأه ربات البيوت، ويكسر به العمال روتين يومهم الوظيفي الطويل، وفي ورشات تربوية يتعلمه الأطفال في المدارس، ويتدربون على إلقائه بكثير من الزهو الطفولي، كل ذلك ضمن محاولات تسعى بكدّ إلى خلق ثقافة جديدة يصبح فيها الشعر كائناً بديهياً في الحياة الاجتماعية لمدن الشمال المغربي. لقد حدث ذلك من بوابة التقاء الشعر باليوميّ الـمَعِيش، ومن خلال تواصله مع الفنون الأخرى في سعي دؤوب لإضفاء طابع شمالي واضح على مادة الشعر الثقافية التي تُقدّم للجمهور والمشاركين في الفعاليات، ولرواد السياحة الثقافية في الشمال. يمكن القول إن الشعر هنا مغربي شمالي، وهذا هو ما يمكن لأي زائر أن يميزه في أنشطة دار الشعر بتطوان.
هكذا تصبح مواسم القصيدة الشعرية في شمال المغرب معجونة بكلاسيكيات الطرب الأندلسي الذي تعكف على تقديمه فرق تراثية من تطوان وطنجة وأصيلة وشفشاون وباقي ربوع الشمال المغربي، لا يكتمل مشهد الشعر في أي أمسية إلا والموسيقى تملأ بصداها فضاء المسرح فتصل إلى مدى تختلط فيها الأصوات بحكايات الممالك الغراء، يرى الزائر ويندهش من منظر النساء وهن ينشدن مع الفرقة مقاطع طويلة من قصائد أندلسية خالدة تتغنى بزمن الوصل القديم في الأندلس... إنه مشهد لا يُرى إلا في الشمال. وفي مدينة تطوان مثلاً، أصبح للشعر سياقه المسرحي عالي الحساسية، والذي لا يستقيم العرض الشعري من دونه، قبل بضعة أسابيع اختُتِمَت فعاليات مهرجان الشعراء المغاربة في تطوان، وقد عملت دار الشعر هناك على اختيار فضاء مسرحي بديع يليق بالطابع الأندلسي القريب من روح أوروبا، فاختارت «سينما إسبانيول» الذي احتضن أكثر من ألف متابع للشعر جاء ولم يغادر إلا بعد انتهاء الأمسية الافتتاحية، إنه عدد يعيد إلى الأذهان سؤال أزمة المتلقي في الأنشطة الثقافية التي تُعنى بالشعر، أي دور يمكن أن يلعبه اختيار المسرح وحضور الموسيقى وتماهي الشعر مع جماليات العناصر الفنية الأخرى في محاولات الخروج من أزمة العزلة الجماهيرية للشعر في عالمنا؟
نفس الأمر يحدث طوال السنة في دار الصنائع والفنون بتطوان، حيث الشعر ونغمات الموسيقى الأندلسية، وحيث الجمهور الغفير، لكن قد لا يكون توصيفنا هنا للحالةِ دقيقاً إنْ نحن نظرنا إلى أهمية الطابع الشمالي للشعر في المغرب من زاوية الجماهيرية وحضور المتلقي كمّاً، فالأمر ليس كذلك، إنه يتجاوز هذا الحد إلى مستوى معقول من النجاح في خلق تفاعل نوعي جاد مع المادة الشعرية، وتتجلى مظاهر هذا النجاح في حالة الاستمتاع التي يعبر عنها الجمهور بتلقائية وهو يتفاعل مع ألوان مختلفة من القصائد، فالأمر بعيد تماماً عن التهليل العام لأبيات منبرية لا تُقراُ عادة إلا في المناسبات، كما أن الأمر لا يتعلق مطلقاً بأسماء معينة تُستدعى كي تجذب الجمهور بوهج حضورها النادر، بل إن جوهر الفكرة بقي هو إضفاء نوع من الرمزية الثقافية للشمال في مادة الشعر المقدمة لغةً وعرضاً، ويمكن أن نجمل كل وصفنا للمشهد في كلمة واحدة، هي الاستمتاع، الاستمتاع بالشعر.
الموسيقى ليست وحدها ما يميز الشعر المغربي في الشمال، فهنالك قصائد بصرية أصبح حضورها عادة مرسخة في كل فعاليات دار الشعر بتطوان، إذ تُستضاف قصائد الشعراء في لوحات حرة تتحول عبرها من حالة اللغة إلى حالة التشكيل، بألوان وحروف يحافظ فيها الشعر على حضوره متنقلاً من الكتابة إلى الرسم، عبر هذا النوع الآخر من التفاعل، والذي لا يحضر إلا شمال المغرب، يتواصل الشعراء بالفنانين التشكيليين ويتعرفون على بعضهم البعض، فتخرج إلى العلن مشاريع ورؤى تزاوج بين روح الشعر وأدوات الرسم، مساهمةً في خلق نوع آخر من الجسور بين الأشكال الفنية، ومشكلةً بدلالاتها حضوراً مميزاً لرمزيات الشمال في الشعر المغربي الذي يبدو اليوم عنواناً للثقافة في تطوان، كما في أصيلة وفي غيرها من المدن التي جعلت ضفاف المتوسط الجنوبية تنضح بروح الشعر من جديد.

- شاعر وكاتب من المغرب


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«ذا فويس كيدز» يصل إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور»

أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)
أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)
TT

«ذا فويس كيدز» يصل إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور»

أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)
أندريا طايع قدمت مسابقات «ذا فويس» (إم بي سي)

وصلت النسخة الرابعة من برنامج اكتشاف المواهب «ذا فويس كيدز» إلى المحطة الأخيرة بانتظار «حسم الجمهور» للفائز بلقب الموسم الجديد، بين 3 مواهب واعدة خاضت تدريبات مكثفة على مدار شهور مع مدربي البرنامج الثلاثة السعودية داليا مبارك، والمصري رامي صبري، والسوري عبد الرحمن فواز (الشامي).

وأكدت «الشرق الأوسط» تصوير الحلقة في استوديوهات «أوليفوود» بالعاصمة الأردنية عمّان، والتي شهدت تسجيل كل حلقات الموسم الجديد، مع تجهيزات متعددة للتعامل مع الأطفال المشاركين في البرنامج بشكل يتناسب مع احتياجاتهم ومرافقة العائلات لهم لحضور التدريبات وحتى التشجيع في الأماكن المخصصة قبل صعودهم على المسرح.

وشهدت أجواء التسجيل عدداً من المواقف التي جمعت المتسابقين مع أسرهم في الكواليس، مع حصولهم على استراحات قبل الصعود على المسرح في المنطقة المواجهة لاستوديو التسجيل، والعودة قبل الصعود على المسرح بوقت قصير، مع تخصيص أماكن لمتسابقي كل فريق.

وصل محمد عادل من فريق رامي صبري إلى النهائي (إم بي سي)

وقدّمت الفنانة اللبنانية أندريا طايع موسماً كانت حريصة فيه خلال الحلقات على التفاعل مع الأطفال وتشجيعهم في الكواليس، والوقوف إلى جانبهم ودعمهم، لا سيما عند مغادرتهم البرنامج، إذ كانت تحفّزهم بكلمات حماسية تؤكد أهمية وصولهم إلى هذه المرحلة الحاسمة من البرنامج.

وشهدت الحلقة مفاجأة «الفرصة الثانية» من العيار الثقيل، بعد أن قرر المدربون كسر قواعد اللعبة المتعارف عليها، وضخ دماء جديدة، مع إعادة موهبة مستبعدة من كل فريق، ما أشعل الأجواء داخل الاستوديو، وقلب الحسابات رأساً على عقب، واضعاً الجميع أمام تحدٍّ يحبس الأنفاس في الأمتار الأخيرة للسباق على اللقب.

وخلف الستار، لم تكن هناك منافسة جماعية تقليدية، بل فُرضت حالة من العزلة والتركيز الشديد؛ حيث صعدت كل موهبة إلى المسرح بشكل منفرد ومستقل عن البقية، في أجواء لم تخلُ من الترقب حتى اللحظات الأخيرة، في حين بدأت منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالبرنامج الترويج لدور التصويت في حسم اللقب فور انتهاء الحلقة.

والتحضير للحلقة قبل الأخيرة لم يكن فقط بالمسرح وقت التسجيل، ولكن أيضاً خارجه، فالفنانة داليا مبارك فضلت كسر حدة التوتر النفسي والرهبة، عبر اصطحاب فريقها في رحلة تخييم ليلية تحت النجوم. وبينما خطفت لما قيس بطاقة الفريق للتأهل إلى النهائي، استطاع ساري الصليبي الفوز في المواجهة الختامية مع زملائه في فريق الشامي، كما وصل محمد عادل من فريق رامي صبري إلى النهائيات، لتكون المنافسة المحتدمة بين الثلاثي ليس فقط على الفوز باللقب بتصويت الجمهور، ولكن أيضاً على منحة تعليمية بقيمة 20 ألف دولار جرى الإعلان عنها من «الحلم».

المنافسة النهائية تدور بين 3 متسابقين (إم بي سي)

الإعلان عن المتسابقين الذين سيصلون إلى التصفية النهائية جرى فيها تحييد مدرب الفريق من أعضاء لجنة التحكيم ليختار العضوان الآخران الموهبة المتألقة للنهائي، وسط تفاعل وحماس من الجمهور بالمسرح، فيما أثنى المدربون على تطور المواهب خلال حلقات البرنامج، وقدرتهم على تقديم ألوان غنائية مختلفة خلال الرحلة.

وفي كواليس التصوير كانت الأجواء حماسية بين عازفين يقومون بالتحضير للعزف «لايف» خلف المواهب الشابة، وكاميرات تصوير تستغل فترات التوقف القصيرة في الفواصل من أجل التسجيل مع المدربين أو المواهب، وبين مقدمة البرنامج أندريا طايع التي وقفت تُراجع المرحلة التالية، مع التركيز في الحركة على المسرح والتعامل بشكل دقيق مع كل خطوة.

ورغم أن حلقة البرنامج سجّلت قبل إذاعتها فإن الانضباط في الاستوديو كان يسير بشكل دقيق وكأن الحلقة تبث على الهواء مباشرة من دون توقف يذكر، مع بروفات مكثفة سبقت الوصول إلى مرحلة التسجيل، في حين لم يتوقف المدربون الثلاثة عن النقاشات بشكل مستمر بينهم خلف الكاميرا بفترات الفواصل.

ولم يتوقف حماس الجمهور تجاه المواهب خلال تقديمهم الأغنيات، فيما كانت العائلات تتابع من مقاعد المتفرجين ردود الفعل بترقّب، وسط إشادات باختيار أغنيات ملائمة لقدرات المشاركين، ما زاد من صعوبة قرار المحكّمين رغم ثنائهم على جميع المواهب.

سيحدد الجمهور عبر التصويت هوية الفائز في الموسم الجديد (إم بي سي)

وعبّرت مقدمة البرنامج أندريا طايع لـ«الشرق الأوسط» عن سعادتها بالتجربة مع وصولها إلى المرحلة قبل الأخيرة، وردود الفعل التي لمستها على البرنامج، مشيرة إلى أنه على الرغم من كونها المرة الأولى التي تخوض فيها تجربة التمثيل فإنها سعدت بالخبرة التي اكتسبتها، وبالمواهب التي تعرفت عليها وشهدت تطورها حلقة بعد الأخرى.

وأكد مخرج البرنامج، وسيم سكر، لـ«الشرق الأوسط» أن «التطور الذي شهده الموسم الجديد من البرنامج تطلب تغييراً في طريقة العمل، مع مراعاة طريقة التعامل مع الأطفال المشاركين حال خروجهم، بالإضافة إلى توفير وتهيئة المسرح لهم ليقوموا بالغناء من دون رهبة مع فرقة موسيقية محترفة من العازفين»، مشيراً إلى أن الترتيبات التي سبقت التصوير والبروفات التي جرت والتأكد من جاهزية المسرح بشكل كامل لعبت دوراً في خروج التصوير بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)
قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

فينشو نتشوغو: «امرأة واحدة» يفتش عن إرث الاستعمار بأفريقيا

قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)
قدّم سكان القرية التي شهدت التصوير مساعدات لوجيستية إلى صناع الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أقل من عام على انطلاقته العالمية الأولى في مهرجان «فينيسيا السينمائي»، واصل الفيلم الكيني «امرأة واحدة... حمالة صدر واحدة» رحلته الدولية عبر عرضه للمرة الأولى في أميركا الشمالية ضمن الدورة الحالية من مهرجان «ترايبيكا» في نيويورك، ليحصد تنويهاً خاصاً من لجنة تحكيم المهرجان الأميركي البارز بعد عرضه ضمن برنامج «وجهات نظر».

الفيلم الذي يحمل توقيع المخرجة الكينية فينشو نتشوغو، ويُعدّ أول أعمالها الروائية الطويلة، يروي قصة امرأة تعيش على هامش مجتمعها الريفي وتخوض رحلة شاقة بحثاً عن جذورها وهويتها، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بالانتماء وإرث الاستعمار وموقع المرأة داخل المجتمعات الأفريقية المعاصرة.

تقول المخرجة الكينية لـ«الشرق الأوسط»، في مقابلة عبر «زووم»، إن فكرة الفيلم ولدت من انشغال طويل بأسئلة الهوية الأفريقية وما آلت إليه القارة بعد عقود من الاستعمار والتحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة، لافتة إلى أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم سياسي مباشر أو خطاب آيديولوجي، بل فضلت الاقتراب من تلك القضايا عبر حكاية إنسانية بسيطة تبدو في ظاهرها شخصية للغاية، قبل أن تكشف تدريجياً عن أبعاد أوسع تتعلق بالمجتمع والتاريخ والذاكرة الجماعية.

وأضافت أن شخصية «ستار» جاءت بوصفها نموذجاً لإنسان يبحث عن مكانه داخل عالم لا يمنحه إجابات واضحة، فالبطلة، وهي امرأة في الثامنة والثلاثين من عمرها، لا تعرف شيئاً تقريباً عن والديها أو جذورها العائلية، الأمر الذي يجعلها غريبة داخل مجتمع ريفي يقوم في الأساس على الروابط العائلية والقبلية.

وأوضحت أنها من خلال هذه الشخصية، أرادت طرح تساؤلات حول معنى الانتماء، ومن يملك الحق في الأرض، وكيف يمكن للفرد أن يثبت وجوده في مجتمع يربط الحقوق بالأنساب والعلاقات العائلية، لافتة إلى أن الفيلم لا يتناول الاستعمار بوصفه حدثاً تاريخياً انتهى، بل يحاول رصد تأثيراته المستمرة على الحياة اليومية للأفارقة.

يواصل الفيلم الكيني رحلة عروضه بالمهرجانات (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن كثيراً من الأزمات التي تواجه المجتمعات المحلية اليوم ترتبط بصورة أو بأخرى بإرث طويل من الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية، مؤكدة أن السينما قادرة على مناقشة هذه القضايا عبر قصص إنسانية مؤثرة أكثر من قدرتها على ذلك عبر الخطابات المباشرة.

وأضافت أن كثيراً من المشاهدين الذين تابعوا الفيلم بالمهرجانات التي عرض بها وجدوا أنفسهم داخل القصة رغم أنهم لا ينتمون إلى أفريقيا أو يعرفوا الكثير عن المجتمع الكيني، لافتة إلى أن نساء كثيرات تحدثن معها بعد العروض عن شعورهن بالقرب من تجربة البطلة، وهو ما اعتبرته دليلاً على أن القضايا التي يناقشها الفيلم تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية وتلامس أسئلة إنسانية مشتركة.

وأكدت نتشوغو أن علاقتها بأفريقيا لم تتأثر بإقامتها في الولايات المتحدة لأن الجزء الأكبر من مسيرتها المهنية ارتبط بالقارة السمراء، مؤكدة أنها عملت لسنوات منتجة لمشاريع سينمائية وإعلامية في كينيا ونيجيريا وملاوي وتنزانيا، كما شاركت في تدريب وتطوير عدد من المنتجين الشباب داخل أفريقيا، الأمر الذي جعل ارتباطها بالواقع الأفريقي قائماً على نحو يومي ومستمر.

وأضافت أنها تنظر إلى نفسها بوصفها ابنة عالمين مختلفين، فمن جهة نشأت في قرية كينية صغيرة وتحمل داخلها الكثير من تفاصيل الثقافة المحلية، ومن جهة أخرى عاشت سنوات طويلة في الولايات المتحدة واكتسبت خبرات متنوعة من العمل والدراسة هناك، معتبرة أن هذا التداخل بين الثقافتين منحها زاوية نظر خاصة انعكست بوضوح على أسلوبها في صناعة الأفلام.

المخرجة الكينية فينشو نتشوغو (حسابها على «فيسبوك»)

وعن رحلة إنتاج الفيلم، أوضحت نتشوغو أن المشروع تلقى دعماً مهماً من برنامج «بينالي كوليدج سينما» التابع لمهرجان فينيسيا، وهو البرنامج الذي يختار عدداً محدوداً من المشاريع المستقلة ويوفر لها فرص التطوير والتمويل، مؤكدة أن حصول الفيلم على هذا الدعم منح الفريق دفعة معنوية كبيرة، لكنه لم يكن كافياً وحده لإنجاز المشروع بالشكل الذي تطمح إليه.

وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي تمثل في بناء فريق قادر على تنفيذ العمل بإمكانات محدودة، لذا لجأت إلى إقناع عدد من المحترفين بالمشاركة في المشروع انطلاقاً من إيمانهم بالفكرة نفسها، لافتة إلى أن بعض أعضاء الفريق سبق لهم العمل في مشاريع عالمية ضخمة، لكنهم قبلوا الانضمام إلى الفيلم لأنهم رأوا فيه صوتاً مختلفاً يستحق الدعم.

وتحدثت المخرجة مطولاً عن صعوبات التصوير في المناطق الريفية البعيدة عن العاصمة نيروبي، مؤكدة أن الوصول إلى مواقع التصوير كان يتطلب ساعات طويلة من السفر عبر طرق وعرة وفي ظروف مناخية قاسية، موضحة أن الفريق واجه منذ الأيام الأولى تحديات غير متوقعة، من بينها الفيضانات التي قطعت الطريق المؤدي إلى موقع التصوير، وأجبرت أفراد الطاقم على قضاء الليل داخل عيادة صحية محلية.

ورغم تلك الصعوبات، أوضحت نتشوغو أن سكان القرية لعبوا دوراً محورياً في نجاح المشروع، لأن الأهالي تعاملوا مع الفيلم باعتباره مشروعاً يخصهم أيضاً، فقدم المجتمع المحلي دعماً كبيراً للفريق وساهم في حل كثير من المشكلات اللوجستية التي واجهتهم خلال التصوير.

واجه الفيلم صعوبات في التصوير (الشركة المنتجة)

وتطرقت نتشوغو إلى اختيار الممثلة سارة كاري لتجسيد شخصية «ستار»، مؤكدة أن هذه الخطوة كانت من أصعب القرارات التي واجهتها أثناء التحضير للفيلم، لكونها كانت تبحث عن ممثلة قادرة على حمل العمل بأكمله، نظراً إلى أن الشخصية الرئيسية تظهر في معظم مشاهد الفيلم وتشكل محوره الأساسي.

وأكدت أن مستقبل السينما الأفريقية لا ينبغي أن يظل مرتبطاً حصراً بالأسواق التقليدية في أوروبا وأميركا الشمالية مع وجود فرصاً واسعة للتعاون مع العالم العربي وآسيا، مشيرة إلى أن التجربة التي عاشتها خلال عرض الفيلم في الصين أقنعتها بأن القصص المحلية الصادقة قادرة على الوصول إلى أي جمهور مهما اختلفت خلفيته الثقافية.

وأضافت أنها كلما سافرت بالفيلم إلى مكان جديد، ازدادت اقتناعاً بأن الناس يبحثون عن المشاعر الإنسانية نفسها. قد تختلف اللغات والثقافات، لكن الرغبة في الانتماء والبحث عن الهوية والدفاع عن الكرامة تبقى قضايا يفهمها الجميع، مؤكدة قناعتها بأن السينما الأفريقية ما زالت تمتلك الكثير لتقدمه للعالم.


تراكيب غريبة وسماء من الملح تحيط بـ«الكوكب الوردي»

تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)
تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)
TT

تراكيب غريبة وسماء من الملح تحيط بـ«الكوكب الوردي»

تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)
تصور فني للكوكب الوردي وهو يدور حول نجمه المضيف (ناسا - مركز غودارد لرحلات الفضاء)

اكتشف علماء فلك بقيادة جامعة نورث وسترن سماءً ملحية تحيط بما يعرف بـ«الكوكب الوردي» الشهير الذي يعد من الأجرام الفلكية الفريدة من نوعها في الكون. فلأكثر من عقد من الزمان، أبقى هذا الجرم النادر ذو اللون الوردي الضبابي علماء الفلك في حيرة من أمرهم.

ويُعد هذا الجرم، الذي يُعتبر من أبرد الأجرام المعروفة بكتلة كوكبية، والتي تم تصويرها مباشرةً، خافتاً جداً، بحيث لا يستطيع علماء الفلك تحليل ضوئه القادم إلى الأرض. لكن رصداً جديداً من تلسكوب جيمس ويب الفضائي JWST)) يكشف عن غلاف جوي مليء بتركيبات كيميائية غريبة، وسحب ملحية لم يسبق لها مثيل.

ووفق الدراسة المنشورة، الخميس، في المجلة الفلكية، توفر هذه الرصدات بعضاً من أول الأدلة المباشرة على وجود سحب ملحية في الغلاف الجوي لجرم بارد، وهي ظاهرة افترضها العلماء نظرياً منذ أكثر من 15 عاماً. كما يُمثل هذا الاكتشاف خطوةً مهمة نحو دراسة الأجرام الباردة بشكل متزايد.

ويقول أنيش بابوراج، من جامعة نورث وسترن، والذي قاد الدراسة: «يُعدّ الكوكب الوردي أبرد جرم سماوي تم اكتشافه على الإطلاق باستخدام أجهزة أرضية. وقد أجرت فرق عديدة حول العالم عمليات رصد لاحقة لدراسة ضوئه، لكنه كان خافتاً جداً بحيث لا يمكن رصده بالأجهزة الأرضية».

وأضاف في بيان الخميس: «وهذا ما جعله هدفاً مثالياً لتلسكوب جيمس ويب الفضائي. عندما حصلنا أخيراً على طيفه، بدا مثيراً للاهتمام على الفور. ولكن بمجرد أن بدأنا في تحليل البيانات بتعمق، أدركنا أنه لا يشبه أي شيء قمنا بتحليله من قبل».

واكتُشف الكوكب الوردي المُسمى GJ504b)) عام 2013، وهو يدور حول نجم شبيه بالشمس يقع على بُعد 57 سنة ضوئية من الأرض. ورغم تسميته، لا يزال علماء الفلك غير متأكدين مما إذا كان كوكباً أم لا.

ووفق النتائج تبلغ كتلة GJ504b نحو 25 ضعف كتلة المشتري، مما يجعله يقع بالقرب من الحد الفاصل بين الكواكب العملاقة والأقزام البنية. لذلك يُشير إليه علماء الفلك باسم «الرفيق ذي الكتلة الكوكبية»، أي أنه جرم بحجم كوكب يدور حول نجم.

ومما يزيد الأمر تعقيداً أن المحاولات المتكررة لدراسته باستخدام التلسكوبات الأرضية باءت بالفشل. بينما تتراوح درجة حرارة معظم الكواكب الخارجية التي تم تصويرها مباشرةً بين 1000 و2000 درجة فهرنهايت، فإن درجة حرارة الكوكب GJ504b تبلغ 550 درجة فهرنهايت فقط (290 درجة مئوية)، أي ما يعادل تقريباً درجة حرارة فرن للخبز.

وأوضح بابوراج أن عمر الكوكب المرافق هو المسؤول عن انخفاض درجة حرارته. فرغم أن الكواكب العملاقة تولد شديدة الحرارة، فإنّها تبرد مع تقدمها في العمر. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن عمر GJ504b يتراوح بين 2.5 و4 مليارات سنة.

باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي، تمكن بابوراج وفريقه من التقاط الضوء الخافت للكوكب، ثم استخدموا تقنيات متقدمة لمعالجة البيانات لإزالة الوهج الناتج عن نجمه المضيف الأكثر سطوعاً. وكشف هذا الجمع أخيراً عن طيف الكوكب المرافق، وهو رسم بياني يُحلل الضوء المتناثر إلى ألوانه المكونة. يُمثل كل لون عنصراً مختلفاً. وبالتالي، من خلال تحليل طيف أي جسم، يستطيع العلماء الكشف عن وجود عناصر وجزيئات محددة.

وكشفت البيانات عن مزيج غني من المواد الكيميائية، بما في ذلك بخار الماء، والميثان، وثاني أكسيد الكربون، والأمونيا، وجزيئات أخرى.

وقال بابوراج: «أجرينا محاكاة مع السحب، وتوافقت النتائج مع ما نعرفه عن الكواكب الباردة». وتابع: «جربنا ثلاثة أنواع مختلفة من السحب، وكانت السحب الملحية هي الأنسب».

كما أشار الطيف إلى أن GJ504b غني بشكل غير عادي بالعناصر الثقيلة، أو المعادن. مع ذلك، لا يزال لغز تكوين هذا الجسم قائماً، إذ تشير البيانات الحالية إلى أنه ربما يكون قد تشكل ككوكب، أو نجم صغير، مشدداً على أن التقنيات المستخدمة في الدراسة قد تساعد في كشف ألغاز أخرى.