نقص العمالة يهدد تحول ألمانيا إلى مصادر الطاقة المتجددة

المستهلكون يغيرون عاداتهم الشرائية نتيجة ارتفاع التضخم

عامل على خط إنتاج في مصنع ماكينات ثقيلة بألمانيا (رويترز)
عامل على خط إنتاج في مصنع ماكينات ثقيلة بألمانيا (رويترز)
TT

نقص العمالة يهدد تحول ألمانيا إلى مصادر الطاقة المتجددة

عامل على خط إنتاج في مصنع ماكينات ثقيلة بألمانيا (رويترز)
عامل على خط إنتاج في مصنع ماكينات ثقيلة بألمانيا (رويترز)

كشفت دراسة ألمانية حديثة أن النقص في العمالة الماهرة يهدد بإبطاء انتقال ألمانيا إلى الطاقة المتجددة.
وجاء في نتائج الدراسة، التي أجراها معهد الاقتصاد الألماني (آي دابليو)، أن هناك حاليا نقصا يُقدر بحوالي 216 ألف فرد من العمال المهرة، والذي يعوق مواصلة تطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ووفقا للدراسة التي نشرتها صحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية، السبت، هناك نقص في العمال المتخصصين في الكهرباء وفنيي التدفئة وتكييف الهواء وعلماء الكمبيوتر. وقالت الدراسة إن فنيي الكهرباء على وجه الخصوص هم «عنق الزجاجة في تحول الطاقة».
وقالت معدة الدراسة أنيكا يانسن: «من أجل عدم تعريض انتقال الطاقة للخطر، يجب أن يكون تأمين العمالة الماهرة أولوية قصوى لجميع الأطراف المعنية». وتأتي الدراسة في ظل النقص الحالي واسع النطاق في العمالة الماهرة في ألمانيا.
من جهته دافع وزير الاقتصاد الألماني عن خطط الحكومة لكبح أسعار الكهرباء والغاز، واصفا الإجراءات بأنها «جدار حماية من نيران ارتفاعات الأسعار الهائلة».
وقال هابيك، وفق وكالة الأنباء الألمانية، إن الدولة تتخذ إجراءات حاسمة ضد أسعار الغاز والتدفئة والكهرباء، التي انفجرت نتيجة الهجوم الروسي على أوكرانيا، مضيفا أن هذا يساعد الصناعة وكذلك الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم ويؤمن الوظائف.
ومهدت الحكومة الألمانية يوم الجمعة الطريق لكبح أسعار الغاز والكهرباء المخطط لها العام المقبل. ووافق مجلس الوزراء على مشروعي قانونين خاصين بإغاثة عملاء الطاقة. ويجب أن يوافق البرلمان الاتحادي (بوندستاج) ومجلس الولايات (بوندسرات) على الخطط خلال ديسمبر (كانون الأول) المقبل حتى تدخل حيز التنفيذ كما هو مخطط في العام المقبل.
وتتفاعل الحكومة مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بمكابح أسعار تقدر بالمليارات، والتي تهدف إلى تخفيف العبء على الأسر والشركات. ومن المخطط أن يكون هناك حد أقصى لأسعار الكهرباء والغاز والتدفئة لشريحة كبيرة من الاستهلاك.
أمام هذا، انتقدت مفوضة الحكومة الألمانية المعنية بشؤون سياسة المناخ الدولية، جينيفر مورغان، بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالفحم في الصين. وفي مقابلة مع صحف مجموعة «فونكه» الألمانية الإعلامية الصادرة أمس السبت، دعت مورغان بكين إلى بذل المزيد من الجهود لحماية المناخ الدولي، مشيرة إلى أن الصين تعاني أيضا من أزمة المناخ وتكافح الجفاف.
وقالت مورغان، التي تشغل أيضا منصب وكيلة وزارة الخارجية الألمانية إن هذا يسبب «انعداما في الاستقرار ومشكلات للأمن الغذائي»، وأضافت: «وإذا كانت الصين تريد حقا أن تكون لاعبا عالميا مسؤولا، فعليها أن تبذل المزيد من الجهود لمعالجة أزمة المناخ».
وذكرت مورغان أن الصين «لم تعد دولة نامية، بل إنها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مصدر لانبعاثات الاحتباس الحراري بفارق كبير»، موضحة أنه يتعين لذلك أن تتحمل بكين مسؤولية حماية المناخ العالمي وأن تمول أيضا تدابير حماية المناخ في جميع أنحاء العالم «أكثر من ذلك بكثير».
في غضون ذلك، دفع الارتفاع الكبير في الأسعار المستهلكين في ألمانيا إلى شد أحزمتهم وتغيير عاداتهم الاستهلاكية بطرق متعددة، بحسب مسح أجرته شركة أبحاث السوق «نيلسن آي كيو».
وأظهر المسح، الذي نُشرت نتائجه أمس، وشمل أكثر من 10 آلاف شخص، أن 52 في المائة من المستهلكين في ألمانيا يشترون الآن المنتجات التي يحتاجونها حقا فقط.
وقال حوالي 44 في المائة ممن شملهم الاستطلاع إنهم يتخلون عن المنتجات «الترفيهية أو الفاخرة»، بينما يحاول 31 في المائة تقليل زيارات المطاعم وتناول الطعام في المنزل بدلا من ذلك، ووافق حوالي 30 في المائة على العبارة التالية: «أنا أتسوق أقل».
وقال لوتار شتايبلين الخبير لدى «نيلسن آي كيو»: «يستخدم الأفراد أيضا العديد من استراتيجيات التقشف الأخرى؛ فهم يقارنون بين الأسعار بشكل أكبر، ويولون المزيد من الاهتمام للعروض الخاصة، ويتحولون إلى منتجات أرخص مثل منتجات ذات علامات تجارية غير مشهورة أو يشترون من متاجر الأسعار المخفضة في كثير من الأحيان».
ويقوم العديد من المستهلكين أيضا بتغيير عاداتهم الاستهلاكية، على سبيل المثال استبدال الزبدة بالسمن والمياه المعدنية بماء الصنبور.
ووفقا للمسح، فإن حوالي 10 في المائة فقط من المستهلكين غير قلقين على الإطلاق بشأن التضخم - خاصة أصحاب الدخل المرتفع.
وفي إطار مكافحة أزمة الطاقة تقترض الحكومة الاتحادية الألمانية حوالي 45 مليار يورو في العام المقبل وتمول العديد من المعونات للمواطنين وللمؤسسات الاقتصادية. وقد وافق البرلمان الألماني «بوندستاج» يوم الجمعة على موازنة عام 2023، وأكد وزير المالية كريستيان ليندنر (الحزب الديمقراطي الحر) قائلا: «سنتغلب على الأزمة، لكننا لن نتجاهل المهام المستقبلية لهذا البلد».


مقالات ذات صلة

اعتقالات باريس 1941... تاريخ أول عملية ترحيل جماعي في فرنسا

أوروبا سجناء يهود في معسكر بوخينفالد - ألمانيا (موسوعة الهولوكوست)

اعتقالات باريس 1941... تاريخ أول عملية ترحيل جماعي في فرنسا

عندما تحولت «عاصمة الأنوار» إلى مسرح للاعتقال... قصة الفجر الأسود في باريس المحتلة.

كوثر وكيل (لندن)
أوروبا أديلايد إليزابيث أنينا بروكسبانك ابنة الأميرة البريطانية يوجيني (الأميرة يوجيني)

الأميرة البريطانية يوجيني تكشف اسم مولودتها الثالثة

أعلنت الأميرة البريطانية يوجيني، حفيدة الملكة الراحلة إليزابيث الثانية وابنة الأمير أندرو، تسمية مولودتها الجديدة أديلايد إليزابيث أنينا بروكسبانك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا قذائف من الحرب العالمية الثانية في لو بورج جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

حرائق غابات تكشف قذائف من الحرب العالمية الثانية في قرية فرنسية

كشفت حرائق غابات ضخمة قرب مدينة بوردو في جنوب غربي فرنسا عن قذائف تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية في بلدة لو بورج.

«الشرق الأوسط» (لو بورج (فرنسا))
العالم العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

القوة الرقميّة ترسم حدود إمبراطوريات القرن الـ21

إذا كان لكل ثورة في تاريخ العالم نموذجها الخاص من الإمبراطوريات، فكيف ستكون عليه إمبراطورية القرن الحادي والعشرين؟

المحلل العسكري (لندن)
تحليل إخباري سقوط جدار برلين... محطة تاريخية ووعد لم يتحقق (أرشيفية - رويترز)

تحليل إخباري أوروبا و«الستار الحديدي» الجديد... انقسام بلا جدار

عندما سقط جدار برلين عام 1989، اعتقد كثيرون أنها «نهاية التاريخ»، كما زعم فرانسيس فوكوياما، مع دخول أوروبا مرحلة من التكامل السياسي والاقتصادي والأمني.

أنطوان الحاج

السوق السعودية تسجل أعلى إغلاق منذ مايو بمكاسب 5.5 % خلال أغسطس

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تسجل أعلى إغلاق منذ مايو بمكاسب 5.5 % خلال أغسطس

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» جلسة الاثنين مرتفعاً بنسبة 0.9 في المائة، ليغلق عند 11174 نقطة، بمكاسب 95 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ مايو (أيار) الماضي، وسط تداولات بلغت نحو 6 مليارات ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى عند 11188 نقطة، وأدنى مستوى عند 11077 نقطة. وبمكاسب اليوم، ارتفع المؤشر بنحو 600 نقطة منذ بداية أغسطس (آب)، ما يعادل 5.5 في المائة.

وارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بنسبة 1 في المائة و2 في المائة عند 26.58 ريال و67.25 ريال على التوالي، بينما صعد سهم «أكوا باور» بأكثر من 2 في المائة.

وقفزت أسهم «الفخارية» و«الإعادة السعودية» و«الخليجية العامة» و«الأبحاث والإعلام» و«نسيج» و«متكاملة» بنسب تراوحت بين 5 و10 في المائة.

وارتفع سهم «أسمنت الشمالية» بنسبة 6 في المائة عند 7.06 ريال، وسط تداولات بلغت نحو 2.7 مليون سهم، عقب إعلان الشركة توزيعات نقدية على المساهمين.

في المقابل، أغلق سهم «الغاز القابضة» عند 59.50 ريال، منخفضاً بنسبة 3 في المائة، عقب نهاية أحقية توزيعات نقدية على المساهمين.

وتصدر سهم «رعاية» الشركات المتراجعة بنسبة 4 في المائة.


وزير الاستثمار السعودي: اقتصادنا يوفر فرصاً كبيرة أمام الشركات الفرنسية

السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)
السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)
TT

وزير الاستثمار السعودي: اقتصادنا يوفر فرصاً كبيرة أمام الشركات الفرنسية

السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)
السيف وإلى جانبه وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور (الشرق الأوسط)

أكد وزير الاستثمار السعودي فهد السيف أن رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الفرنسي في السعودية بلغ 16.3 مليار يورو، مشيراً إلى أن فرنسا تعد رابع أكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية المباشرة في المملكة، في وقت يتسع فيه حضور الشركات الفرنسية ليشمل أكثر من 18 قطاعًا.

وقال السيف، خلال كلمته الافتتاحية في اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي–السعودي للاستثمار الذي تستضيفه باريس اليوم والذي يحضره أيضاً وزير الاقتصاد والمالية والسيادة الصناعية والرقمية في فرنسا هو رولان ليسكور، إن الشركات الفرنسية لديها نحو 650 رخصة استثمارية في المملكة، بما يعكس اتساع قاعدة الأعمال الفرنسية وتنامي الفرص المتاحة أمامها في الاقتصاد السعودي.

ويأتي الاجتماع في إطار الزيارة الرسمية لولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا، وتنظمه وزارة الاستثمار بمشاركة مسؤولين حكوميين وقادة أعمال ورؤساء تنفيذيين لكبرى الشركات من البلدين. ويتناول الاجتماع فرص تطوير الشراكات في قطاعات تشمل الصناعة، والنقل والخدمات اللوجستية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب قطاعات أخرى، مع توقع توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة.

الطاقة تتصدر مجالات التعاون

وأشار وزير الاستثمار إلى أن قطاع النفط والغاز يأتي في مقدمة القطاعات المرشحة للاستفادة من تعزيز العلاقات السعودية–الفرنسية، في ظل الحضور التاريخي للشركات الفرنسية في قطاع الطاقة بالمملكة.

ويمتد التعاون إلى مجالات أوسع في منظومة الطاقة، بما يشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين والبنية التحتية للشبكات، بالتوازي مع استمرار الشركات الفرنسية في تعزيز حضورها في قطاعات الطاقة والصناعة والنقل والبناء والتشييد والمياه والخدمات.

وتعد الطاقة من أبرز مجالات الحضور الفرنسي في السعودية، إلى جانب تنامي فرص التعاون في قطاعات جديدة ترتبط مباشرة بمسار التنويع الاقتصادي الذي تقوده رؤية السعودية 2030.

من الطاقة والصناعة إلى الذكاء الاصطناعي

وتتجه الشراكة الاستثمارية بين البلدين إلى تجاوز القطاعات التقليدية نحو مجالات الاقتصاد الجديد، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والثقافة والصناعات الإبداعية والتعدين.

ويعكس إدراج هذه القطاعات على جدول أعمال الطاولة المستديرة توجه الجانبين إلى تحويل العلاقات الاقتصادية القائمة إلى شراكات استثمارية في القطاعات الأسرع نموًا، مستفيدين من الطلب المتزايد في السوق السعودية ومن القدرات التقنية والصناعية للشركات الفرنسية.

وتعمل شركات فرنسية بالفعل في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والمياه والبيئة والضيافة والصحة، فيما يفتح توسع الاقتصاد السعودي فرصاً إضافية أمامها في مجالات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة.


الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

الخزانة الأميركية قد تستخدم 950 مليار دولار لدعم سوق السندات

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

تدرس وزارة الخزانة الأميركية الاستفادة من رصيد حسابها العام لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، البالغ نحو 950 مليار دولار، لتمويل عمليات شراء السندات الحكومية، في خطوة يمكن أن تمنح الوزير سكوت بيسنت قدرة أكبر على التأثير في عوائد الديون طويلة الأجل، بعدما أثارت عمليات إعادة الشراء التي أعلنتها الوزارة الأسبوع الماضي شكوكاً بشأن محدودية حجمها.

ونقلت شبكة «سي إن بي سي» عن مسؤولين كبيرين في وزارة الخزانة، أن الحساب العام للخزانة، المعروف باسم Treasury General Account (TGA)، يُعد مصدراً متاحاً لتمويل مشتريات السندات. ولم يحدد المسؤولون مقدار الأموال التي قد تستخدمها الوزارة، ولا موعد أي تحرك من هذا النوع، ولكنهم أوضحوا أن الرصيد يُنظر إليه بوصفه متاحاً لهذا الغرض.

ويأتي ذلك بعد أن فاجأت الخزانة الأسواق الأسبوع الماضي بإعلانها مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، مقارنة بنحو ملياري دولار سابقاً. وقال بيسنت لاحقاً إن قيمة العمليات قد تتجاوز هذا الحد.

حساب بـ950 مليار دولار يغيِّر حسابات السوق

يُعد حساب الخزانة العام بمنزلة الحساب النقدي للحكومة الأميركية لدى «الاحتياطي الفيدرالي»، وتُحفظ فيه الإيرادات الحكومية، بما في ذلك حصيلة الضرائب. وقد رفع بيسنت رصيد الحساب إلى نحو 950 مليار دولار، مقارنة بهدف تراوح بين 550 و600 مليار دولار خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وفق المسؤولين الذين تحدثوا إلى «سي إن بي سي».

ومن شأن الاستفادة من جزء من هذا الرصيد أن تمنح الخزانة قوة أكبر من الاعتماد فقط على إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل، لتمويل عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل.

وكان بيسنت قد وصف استراتيجية الخزانة بأنها «انعطافة للخزانة» في إشارة إلى عمليات يجري فيها شراء السندات طويلة الأجل وتمويلها بإصدارات قصيرة الأجل. وهذا الأسلوب من شأنه إعادة تشكيل هيكل الدين من دون زيادة مباشرة في إجمالي الدين القائم.

لكن المسؤولين لم يستبعدوا استمرار استخدام أذون الخزانة قصيرة الأجل إلى جانب حساب الخزانة العام.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

خطوة تتجاوز تأثير عملية الـ4 مليارات دولار

خطوة تتجاوز تأثير عملية الـ4 مليارات دولار

جاء التفكير في استخدام حساب الخزانة بعدما تلاشى سريعاً التأثير الأولي لإعلان زيادة عمليات إعادة الشراء. فقد هبطت عوائد السندات عقب الإعلان، قبل أن تعود إلى الارتفاع، وسط شكوك في الأسواق بشأن قدرة عمليات بقيمة بضعة مليارات من الدولارات على التأثير بصورة مستدامة في سوق الخزانة الأميركية الضخمة.

وتراجعت عوائد السندات الأميركية مجدداً اليوم بعد تقرير «سي إن بي سي» بشأن احتمال استخدام حساب الخزانة، مع انخفاض عائد السندات لأجل 10 سنوات بنحو 3 نقاط أساس. كما تراجعت عوائد الآجال الطويلة وسط توقعات بإجراءات إضافية من وزارة الخزانة.

ويعكس ذلك حساسية السوق تجاه حجم القوة النارية التي يمكن أن تستخدمها الخزانة. فمجرد الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى جزء من رصيد يقترب من تريليون دولار، قد تكون لها آثار أكبر على توقعات المستثمرين من برنامج إعادة شراء محدود.

لا حاجة إلى «الاحتياطي الفيدرالي»

ومن شأن استخدام حساب الخزانة أيضاً أن يخفف المخاوف بشأن احتمال طلب مساعدة «الاحتياطي الفيدرالي» في دعم سوق السندات. فـ«الاحتياطي الفيدرالي» يحتفظ بحساب الخزانة العام، ولكنه لا يعتبره أداة من أدوات السياسة النقدية. وبالتالي، فإن استخدام أموال الحساب لشراء السندات سيكون تحركاً من جانب وزارة الخزانة، وليس برنامجاً لشراء الأصول من جانب البنك المركزي.

ويكتسب هذا التفصيل أهمية خاصة في ظل التباين بين أهداف وزارة الخزانة وسياسة «الاحتياطي الفيدرالي»؛ إذ قد يؤدي انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل بفعل عمليات شراء حكومية واسعة إلى ظروف مالية أكثر تيسيراً، في وقت يظل فيه البنك المركزي حريصاً على إبقاء التضخم تحت السيطرة. وقد حذَّر محللون بالفعل من أن تدخل الخزانة في سوق السندات قد يعقِّد مهمة «الاحتياطي الفيدرالي».

مبنى وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

مساحة للمناورة قبل أزمة سقف الدين

ولا يبدو أن خفض رصيد حساب الخزانة قليلاً سيشكل خطراً فورياً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها. ويمنح التوقيت الحالي وزارة الخزانة مساحة للمناورة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن سقف الدين الأميركي لن يشكل قيداً ملحّاً قبل الشتاء المقبل، وربما حتى أوائل الربيع، ما يتيح للحكومة وقتاً لإعادة بناء الرصيد إذا قررت استخدام جزء منه.

وحسب المسؤولين، فإن الهدف من الاحتفاظ بمستوى مرتفع من السيولة يتمثل في ضمان قدرة الحكومة على مواجهة احتياجاتها النقدية، وليس بالضرورة الحفاظ على رقم ثابت للحساب في جميع الأوقات.

وبالتالي، فإن استخدام جزء من الـ950 مليار دولار يمكن أن يوفر للخزانة أداة مؤقتة لدعم سوق السندات، مع إمكانية إعادة تكوين الرصيد لاحقاً من خلال إصدار سندات جديدة.

ارتفاع الدين يضع بيسنت أمام اختبار صعب

ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه سوق سندات الخزانة ضغوطاً قوية، بعدما تجاوز إجمالي الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار، بينما تقترب تكاليف خدمة الدين من مستويات قياسية.

وقد بلغت مدفوعات الفائدة على الدين الحكومي خلال السنة المالية الحالية نحو 1.2 تريليون دولار، وفق تصريحات بيسنت التي نقلتها «رويترز»، مع بقاء شهرين على نهاية السنة المالية. كما أدى ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل إلى زيادة تكاليف الاقتراض للحكومة والشركات والأسر على حد سواء.

وكان عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً قد اقترب الأسبوع الماضي من أعلى مستوياته منذ عام 2007، قبل أن تتدخل الخزانة من خلال زيادة عمليات إعادة الشراء. إلا أن أثر الخطوة كان قصير الأجل؛ إذ عادت العوائد للارتفاع سريعاً مع استمرار المخاوف بشأن حجم الدين والعجز وحجم الإصدارات الحكومية المقبلة.

«أداة» جديدة في ترسانة الخزانة

ولا يعني احتمال استخدام حساب الخزانة أن الوزارة قررت ضخ مئات المليارات في سوق السندات. فالمسؤولون لم يحددوا مبلغاً ولا جدولاً زمنياً، كما لم يشيروا إلى استخدام الرصيد خارج نطاق السندات التي تستهدفها عمليات إعادة الشراء الحالية.

لكن مجرد إدخال حساب الخزانة العام في معادلة السوق يوسع نطاق الأدوات المتاحة أمام بيسنت، الذي قال إن لدى الوزارة «مجموعة كبيرة من الأدوات» للتعامل مع ارتفاع العوائد، معتبراً أن المستويات الحالية لا تعكس بصورة كاملة قوة الاقتصاد الأميركي.

وتتركز عمليات إعادة الشراء الحالية على السندات طويلة الأجل التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، بهدف تحسين السيولة في أجزاء أقل تداولاً من السوق، ودعم الطلب على هذه السندات.

وفي المقابل، لا تعالج هذه الإجراءات الأسباب الهيكلية وراء ارتفاع العوائد، وفي مقدمتها ضخامة العجز المالي، وارتفاع حجم الاقتراض الحكومي، وازدياد الطلب على رأس المال من شركات التكنولوجيا ومشروعات مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.

الخزانة أمام معادلة دقيقة

إذا استخدمت وزارة الخزانة جزءاً من رصيدها البالغ نحو 950 مليار دولار، فقد تتمكن من منح سوق السندات دعماً أكبر من برنامج إعادة الشراء الحالي، وربما تهدئة العوائد في الأجل القصير.

لكن نجاح الاستراتيجية على المدى الأطول سيظل مرتبطاً بقدرة واشنطن على معالجة العجز والدين؛ إذ لا يمكن لعمليات إعادة الشراء وحدها تغيير حجم الاحتياجات التمويلية للحكومة الأميركية.

وبذلك، يتحول حساب الخزانة العام الذي كان يُنظر إليه أساساً كاحتياطي نقدي للحكومة، إلى ورقة محتملة في معركة بيسنت لاحتواء عوائد السندات طويلة الأجل، في وقت تزداد فيه حساسية الأسواق تجاه قدرة واشنطن على إدارة دين يتجاوز 40 تريليون دولار.