تستعد بريطانيا لإحياء الذكرى العاشرة لهجمات السابع من يوليو (تموز) اليوم (الثلاثاء)، وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة بعد الهجمات الإرهابية الأخيرة في عدد من الدول، خصوصا هجوم تونس الذي خلف 30 قتيلا بريطانيا. وتفجيرات لندن أو هجمات السابع من يوليو، سلسلة عمليات انتحارية متزامنة وقعت في العاصمة البريطانية استهدفت وسائل النقل ومحطات القطارات أثناء ساعة الذروة، وتسببت في مقتل 52 شخصا، وإصابة العشرات. ومنذ هجمات عام 2005، أعادت السلطات تخطيط مناطق في شوارع لندن والمناطق العامة الرئيسية لمنع حدوث هجمات بسيارات مفخخة. كما نشرت فرق الشرطة المسلحة واطمأنت لوجود شبكة أمنية واسعة النطاق تغطي المدينة لتقليل الفترة الزمنية اللازمة للوصول إلى حادث مهم وأيضا تقليل احتمالات انطلاق مسلح دون اعتراضه لفترة طويلة.
وتنشر الحكومة البريطانية نصائح بشأن كيفية حماية المناطق المزدحمة، كما تشكل بصفة دورية اللجان المعنية بالبحث العلمي فضلا عن إجراء تدريبات مستمرة لمساعدة أجهزة الطوارئ في تحسين مهاراتها. ورغم عدم رفع السلطات البريطانية مستوى التهديد الإرهابي في البلاد، فإن شرطة اسكوتلانديارد، بالتعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات والقوات الخاصة، نظمت أكبر عملية تدريب لمحاكاة تعرض العاصمة البريطانية لهجوم إرهابي، لقياس سرعة رد أجهزة الأمن على التهديد وإحباط الهجمات وتقليل عدد الضحايا المحتملين. ويبقى مستوى التهديد الإرهابي في بريطانيا عند مستوى «خطير»، مما يعني أن وقوع هجوم إرهابي محتمل جدا.
وأغلقت قوات الأمن خلال التدريبات كثيرا من المنافذ الموصلة إلى مؤسسات ومراكز حكومية قد يتسلل منها مهاجمون عند تنفيذهم هجمات إرهابية. وتأتي هذه التدريبات الأمنية في وقت لم يستبعد فيه جهاز الشرطة البريطاني ما ردده رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بأن الإرهابيين في العراق وسوريا يخططون لعمليات كبيرة في بريطانيا.
ويشعر المسؤولون الأمنيون في بريطانيا بالقلق بسبب ما سموها «هجمات الذئب المتوحد» التي يشنها أفراد دون انتماء لمنظمات إرهابية أو تخطيط مسبق أو تخطيط لفترة قليلة قبلها، وهي ما تؤكد أجهزة الأمن صعوبة رصدها وإيقافها. ومن بين الهجمات التي تم إحباطها، تلك التي كشفت الشرطة عنها مؤخرا وتشمل إحباط قوات الأمن مؤامرة لشن «هجوم إرهابي» يستهدف استعراضا عسكريا احتفاليا في جنوب لندن منذ أسبوعين، إضافة إلى ما أكدته التحريات عن رغبة متطرف في قتل ولي عهد المملكة المتحدة، الأمير تشارلز، ومؤامرة أخرى لقتل جندي بريطاني على غرار قتل متطرفين الجندي لي ريجبي في عام 2013، بجانب إلقاء قوات مكافحة الإرهاب القبض على عدد من المشتبه بإعدادهم لتنفيذ هجمات إرهابية في البلاد. كما أثار رجل يرتدي علم تنظيم داعش الإرهابي أمام مقر البرلمان البريطاني أمس ذعرا بين المارة، قبل استجوابه من قبل ضباط الشرطة وتركه يرحل دون إلقاء القبض عليه.
ويمثل العدد المتزايد من البريطانيين الذين يتوجهون إلى سوريا للانضمام إلى تنظيم داعش مصدر قلق مستمر للبريطانيين، خوفا من تسللهم والعودة إلى البلاد دون أن تكتشفهم السلطات. وكشف رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، عن أن بلاده أحبطت أربعة أو خمسة مخططات إرهابية كبيرة استهدفتها، خلال الأشهر الماضية. وأثارت التهديدات التي تواجهها المملكة المتحدة قلق خبراء أمنيين في البلاد، حيث حذر الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب في اسكوتلانديارد، بيتر كلارك، من أن بريطانيا ستكون عرضة للهجمات الإرهابية بشكل أكبر عن ذي قبل ما لم يتم تحديث قدرتها على إبقاء المشتبه بهم تحت المراقبة. وأعرب بيتر كلارك، الذي قاد التحقيق في هجمات السابع من يوليو 2005 في لندن، عن تشاؤمه بشأن النظرة الأمنية في البلاد بسبب ما سماها «قبضة الفكر المتطرف» على عقول آلاف الأشخاص في الداخل والخارج في السنوات العشر الماضية ومنذ تفجيرات لندن. ومن المنتظر أن تنشر الحكومة مشروع قانون في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل لاستبدال القوانين الحالية، التي يصفها خبراء مكافحة الإرهاب بأنها قديمة ولا تناسب التحديات الحالية التي تواجه العالم. ويشمل التشريع الجديد صلاحيات أوسع لأجهزة الأمن لرصد الاتصالات وتخزين بيانات المشتبه بهم، في إطار خطوات أسرع وإجراءات أشمل لتتبع حركة الإرهابيين وإحباط هجمات محتملة.
ويجيء ذلك في وقت تسعى فيه حكومة كاميرون لتعزيز سلطاتها هذا العام حتى تحظر الجماعات «المتطرفة» وتغلق المساجد التي ازدهر فيها المتشددون وتوقف الإذاعات والقنوات التلفزيونية التي تروج للفكر المتطرف، وتعطي الشرطة والمخابرات سلطات أوسع لمراقبة الاتصالات. ويقول الوزراء إن هناك حاجة ملحة لهذه السلطات للتعامل مع الخطر الذي تشكله تنظيمات مثل «داعش» ومنع هجوم آخر بحجم تفجيرات السابع من يوليو 2005 حين قتل أربعة متطرفين 52 شخصا في ثلاثة قطارات وحافلة. وقال النائب ديفيد ديفيز، الذي هزمه كاميرون في انتخابات حزب المحافظين عام 2005: «يمكننا أن نأمل في التعامل مع خطر التطرف من خلال التعامل فقط مع وجهات النظر المتطرفة هذه ومعارضتها وإلحاق الهزيمة بها من خلال الحجة». وأضاف: «الدرس المستفاد منذ قرون من التاريخ البريطاني هو أن أفضل دفاع عن الحرية هو الحرية ذاتها، وآخر شيء يجب أن نفعله ونحن نحاول إلحاق الهزيمة بأعداء الحضارة الغربية، هو التخلي عن أقوى أسلحتنا.. حرية التعبير».
وتقول الحكومة إن تنظيم داعش الذي سيطر على مناطق كبيرة من سوريا والعراق، يشكل الخطر الأكبر، وإن نحو 700 بريطاني سافروا للانضمام إليه مدفوعين بما وصفها كاميرون بأنها «عقيدة مسممة». وقال كاميرون للبرلمان: «علينا أن نعطي الشرطة وأجهزة الأمن الأدوات التي يحتاجونها لاقتلاع هذا السم». وتتضمن خطط كاميرون التعامل مع التطرف الذي قال إن بعض مسلمي بريطانيا، الذين يصل عددهم إلى 2.8 مليون مسلم، يغضون الطرف عنه، كما تتضمن توسيع نطاق المراقبة.
ويقول رؤساء الأجهزة الأمنية إن المراقبة ضرورية، لكن في أعقاب ما كشفه المتعاقد الأميركي السابق إدوارد سنودن، يتشكك كثيرون في الأمر؛ بل إن السلطات الرقابية قالت إن الحكومة فشلت في طرح أسباب مقنعة لقوى إضافية.
وقالت البارونة سيدة وارسي، الوزيرة السابقة في حكومة كاميرون وأول مسلمة تشارك في الحكومة البريطانية: «سؤالي للحكومة هو كالتالي: هل ما تقدمه الحكومة سيساعد في محاربة التطرف أم إنه سينفر المجتمعات التي نحتاجها تحديدا في الصفوف الأمامية؟». ويتفق مع هذا الرأي مسلمون آخرون. وتقول بانا جورا من «مجلس المرأة المسلمة»، في برادفورد بشمال إنجلترا التي سافرت منها أسرة تضم تسعة أطفال إلى سوريا في الآونة الأخيرة: «لا يمكنك أن تدمغ كل أتباع دين واحد بناء على ما قام به شخص أو اثنان، وهذا ما يبدو أنه حادث هنا».
من جهته، قال إيان بلير، الذي كان مسؤولا عن شرطة لندن وقت هجمات يوليو عام 2005 لـ«بي بي سي»: «إذا عزلنا أنفسنا وامتنعنا عن التحدث مع بعض الناس ممن لا تعجبنا آراءهم لكن يستمع إليهم ملايين الشبان، فهذه ستكون مسألة صعبة جدا بالنسبة لنا».
وقال رشاد علي، مدير مركز استشاري لمكافحة التطرف وعضو سابق في الحزب الإسلامي العالمي (حزب التحرير) الذي يطالب عدد كبير من أعضاء حزب المحافظين كاميرون بحظره، إن السعي لحظر «أفكار تفتقر إلى الليبرالية» وفي الوقت نفسه الترويج لقيم ليبرالية، هو توجه مغلوط.
بريطانيا تستعد لإحياء الذكرى العاشرة لهجمات لندن وسط إجراءات أمنية مشددة
حملة كاميرون ضد المتشددين تشعل معركة بشأن الحريات
ممثلون عن الديانات المختلفة يحضرون لإحياء الذكرى العاشرة لهجمات لندن بالدعوة لوحدة الصف أمام محطة قطارات «كنغز كروس» التي تعرضت لهجوم إرهابي في مثل هذا اليوم عام 2005 (أ.ف.ب)
بريطانيا تستعد لإحياء الذكرى العاشرة لهجمات لندن وسط إجراءات أمنية مشددة
ممثلون عن الديانات المختلفة يحضرون لإحياء الذكرى العاشرة لهجمات لندن بالدعوة لوحدة الصف أمام محطة قطارات «كنغز كروس» التي تعرضت لهجوم إرهابي في مثل هذا اليوم عام 2005 (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






