صوفي بطرس لـ«الشرق الأوسط»: لبنان يلعب دوراً ريادياً في صناعة الدراما

تدخل عالم الدراما للمرة الأولى بمسلسل «الغريب»

«الغريب» أول عمل درامي للمخرجة صوفي بطرس
«الغريب» أول عمل درامي للمخرجة صوفي بطرس
TT

صوفي بطرس لـ«الشرق الأوسط»: لبنان يلعب دوراً ريادياً في صناعة الدراما

«الغريب» أول عمل درامي للمخرجة صوفي بطرس
«الغريب» أول عمل درامي للمخرجة صوفي بطرس

تنتمي صوفي بطرس إلى جيل المخرجين الشباب في لبنان الذين استطاعوا ترك أثر ملحوظ في صناعة الأفلام السينمائية. فيلمها «محبس» من إنتاج عام 2017 حقق نجاحاً واسعاً، وحصد جوائز في مهرجانات سينمائية عالمية.
اليوم تنتقل بطرس إلى ضفة الإخراج الدرامي ضمن تجربة تعد الأولى من نوعها من خلال مسلسل «الغريب». وهو من إنتاج شركة الصباح ويلعب دور البطولة فيه بسام كوسا وفرح بسيسو. ويعد من المسلسلات القصيرة المطلوبة من المنصات الإلكترونية، ويتألف من 12 حلقة.
دخول بطرس هذه التجربة الدرامية زودها بالمتعة، وهي كما تقول لـ«الشرق الأوسط» جاهزة للقيام بتجارب أخرى في المستقبل. لماذا قررت اليوم القيام بهذه الخطوة؟ ترد في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أرغب في القيام بتجربة درامية أحضر لها بنفسي، خصوصاً أن الإنتاجات اللبنانية كانت محدودة في السابق. اليوم توسعت وكبرت بفضل الطلب عليها من قبل المنصات الإلكترونية. كما أن كتابته من قبل لانا الجندي ولبنى حداد، شجعني على ذلك. فأنا ولبنى تربطنا صداقة قديمة. وهي تعرفني عن كثب. وعندما شاركت في كتابة النص كانت تسمح لي بإلقاء نظرة عليه، فتأخذ بآرائي. النص أعجبني كثيراً، والشركة المنتجة الرائدة التي اختارتني لهذا العمل مشكورة، وافقت من دون تردد».
تجد بطرس أن كثافة الإنتاجات الدرامية أسهمت في التنويع وفي تحريك عناصرها بشكل ممتاز. فقد فتحت آفاقاً، أمام الممثلين والكتاب وكذلك المخرجين وفريق التصوير والعاملين في مجال الإضاءة وغيرها. وتوضح: «كانت هذه الصناعات في الماضي أقل، وترتبط ارتباطاً مباشراً بموسم رمضان. وغالبية العناصر الفنية تنتظر الفرص من موسم إلى آخر. اليوم تبدل هذا الوضع تماماً وحضرت نسبة عرض وطلب جيدة أعادت النبض لهذا المجال وعلى المستوى المطلوب».
وترى صوفي بطرس أن النصوص والمسلسلات تعمر على أساس ميزانيات مالية جاهزة. وهذا الأمر لا نصادفه مثلاً في الأفلام السينمائية. فعندما يؤخذ القرار بتصوير دراما معينة تكون جميع حسابات العمل قد أنجزت وحاضرة، وما على المخرج إلا أن ينفذها. وهو ما يسهل من الرواج لهذه الصناعة بشكل أوسع.
في مسلسل «الغريب» الذي انتهت من تصويره أخيراً، اختارت بطرس فريق الـ«كاستينغ» بنفسها. «حاولت قدر الإمكان أن أقوم بخلطة مناسبة جداً لقصة العمل، فتألفت العائلة صاحبة المحور الأساسي في المسلسل من وجوه تمثيلية تلائمها تماماً. ولم يخطر على بالي إلا بسام كوسا كي يؤدي دور يوسف بطل العمل. والأمر نفسه بالنسبة لفرح بسيسو وساندي نحاس وآدم شامي. فألفوا خلطة عائلة متناغمة تماماً، كما تخيلتها».
وتشير إلى أنها قامت بمناقشات عديدة مع الممثلين ولا سيما المتخرجين حديثاً من معاهد التمثيل كآدم شامي. «اختياري لفرح جاء عن سابق تصور وتصميم، إذ لم يأتِ على بالي غيرها للقيام بهذا الدور. ومع هذا الفريق بنيت ركيزة عائلة جميلة تليق ببعضها البعض. وهذا الأمر طبقته أيضاً على باقي فريق الممثلين كسعيد فرحان في دور خليل ومحمد عقيل في دور الرجل البيروتي العريق».
سبق وتعاونت المخرجة اللبنانية مع الممثل السوري بسام كوسا في فيلمها «محبس». ولذلك لم تتردد في إعادة الكرة معه. وهي توضح هذه النقطة: «عندما أتحدث عنه فالأمر لا يقتصر على حرفيته أمام الكاميرا، بل أيضاً على أدائه خلفها. فهو شخص يتمتع بالطبيعية والعفوية وبتواضع كبير، رغم نجوميته في العالم العربي. يفرض احترامه على الجميع بشكل تلقائي لأنه صادق وحقيقي بالفعل. كنت مصممة على التعامل معه من جديد خصوصاً، وأنه على المستوى العملي يعيش كل تفصيل بالدور ويحدث الفرق. فهو شخص يتمتع بالجدية ويخرج الشخصية من الورق إلى الشاشة بشكل محترف، سيما وأنه يصغي للآخر ويأخذ بآرائه. فكل هذه الأسباب تدفعك إلى حب العمل معه وتكرارها أكثر من مرة».
من ناحية الـ«كاستينغ» تشدد بطرس على ثقتها بحدسها الذي لا يخونها. فهي وبغالبية الأحيان وعندما تقتنع بفريق ممثلين معين، تأتي نتائج العمل على قدر تطلعاتها. ومرات عندما تفشل بعملية «كاستينغ» مع ممثلين غير الذين في بالها يسعدها الأمر لأن توقعاتها تكون صائبة. وعن هذا الموضوع توضح: «هذا الحدس يحضر عندي بقوة، إذ أكثر ما يهمني في عملية الـ(كاستينغ) هو المصداقية التي يعكسها كل مشارك فيها. فأكون بذلك قطعت شوطاً لا يستهان به من أجل بداية ناجحة. ومن بعدها تأتي دون شك أدوات الممثل التي يتميز بها. فيخرج أحاسيسه من الداخل إلى الخارج ومن دون مبالغة، فأنا أرفضها تماماً».
أحياناً يلاحظ المشاهد مبالغة في أداء ممثل محترف، فلماذا يمكن أن يقع في هذا الخطأ؟ ترد: «إذا تعلق الأمر بفروقات في الأداء بين عمل وآخر، فالأمر لا شك يتعلق بمخرج العمل. الممثل ومهما بلغ من حرفية يجب ألا يترك لوحده. فهو لن يستطيع رؤية نفسه، وهنا يلعب المخرج دوره فيكون الداعم الأهم له. وإذا حصل هذا النوع من الأخطاء، فلأن المخرج لم يعطهِ الوقت الكافي بل اكتفى بإدارته بشكل سطحي وليس بعمق الشخصية التي يجسدها. فالممثل يعاني من ضغوطات كثيرة أثناء التصوير، لأن الكاميرا مركزة عليه. من هنا تأتي أهمية هذا التعاطي الوثيق بين الممثل والمخرج، ومهمة هذا الأخير هي الإضاءة على هذه الأخطاء فيما لو حصلت».
وعن تراجع عمل المخرجين التقليديين بفعل اجتياح الشباب منهم دراما المنصات ترد: «المساحات اليوم صارت أكبر من تلك التي شهدناها قبل سنتين أو ثلاث. والمنصات أسهمت في ذلك بالطبع على مدار السنة التي احتاجت لعناصر فنية أكثر. الفرص تأمنت للشباب ولكن حتى المخرجين التقليديين برأي لا يزالون حاضرين على الساحة. وهذا التنويع مطلوب، وهو صحي وسليم والناس يجب أن تتعلم منه الأفضل. تماماً، كالأتراك الذين حظوا بالاحترافية التي يجيدونها اليوم بفضل إنتاجاتهم المتعددة والكثيفة إذ تصل إلى نحو 80 مسلسلاً بالعام الواحد. فهذه الكثافة تنعكس إيجاباً على الجميع من كتاب ومخرجين وممثلين. وبرأيي لبنان لا يزال الرائد في صناعة المسلسلات وتصويرها. فمنطقتنا انتعشت بفضل الطلب على هذه الصناعة وفي ظل أوضاع اقتصادية متدهورة. فالدنيا لا تزال بألف خير في لبنان، بدءاً من طبيعته الخلابة، وصولاً إلى الخبرات الفنية الحاضرة فيه، وهو استفاد من هذه الموجة بشكل إيجابي».
وبالعودة إلى مسلسل «الغريب» فتصفه بالدراما الأكشن التي تدور في أجواء يوميات عائلة ويتخللها الأكشن والإثارة. وعن الموضوعات التي تنقص اليوم الدراما اللبنانية توضح: «يجب الاهتمام أكثر بالنص ككل لأنه عامل رئيسي في صناعة المسلسلات. فهو له وزنه ويجب عدم اللعب فيه اعتباطياً بحيث يكون إلى حد ما مقدساً. وأعتقد أنه إذا أعطي الكُتاب الوقت اللازم والكافي سنشهد تطوراً في نصوصنا في المنطقة ككل. وأنا مع فكرة وجود (مطور النص) وما نسميه بالأجنبية (Script doctor). فبإمكانه لفت نظر الكاتب إلى أمور لم يلحظها ويأخذ إلى آفاق أوسع وأهم. فالإبداع لا ينقصنا ولكن على القيمين على صناعة الدراما تعزيز فكرة رصد ميزانية خاصة بالكتابة تسمح لأصحابها بأخذ الوقت الكافي لولادة نصوصهم».
وعندما تتحدث صوفي بطرس عن النص بحماس فلأنها أستاذة في هذه المادة في الجامعة الأميركية في دبي. «لدينا مواهب كثيرة ناشئة في هذا الإطار ولكنهم لا يملكون الفرص اللازمة لإبرازها. والشركات المنتجة تفضل الكاتب الجاهز وصاحب الخبرات بدل تضييع الوقت مع كاتب صاعد لأنه أيضاً يعد عاملاً مادياً في النهاية. فإذا لم نرصد ميزانيات خاصة للكتاب فستبقى الأسماء المعروفة في مجال الكتابة هي نفسها».
تابعت صوفي بطرس عدة مسلسلات درامية كـ«لا حكم عليه» و«الكاتب» و«بارانويا» ولكنها تعترف بأنها مقصرة إلى حد ما في هذا الشأن. وعن رأيها بمسلسلات أجنبية يعاد تصويرها بنسخة عربية تختم: «هي فورمات تضمن نصف المسافة التي تنتظر أي دراما لاكتمال عناصرها. ولكن أجدها لا تشبه عاداتنا وتقاليدنا مرات كثيرة ولبنان يتمتع بمجتمع ملون يمكنه أن يولد قصصاً كثيرة. ولكن في النهاية هذه الظاهرة أي الدراما الأجنبية المعربة لا تلغي اجتهادنا بالصناعات المحلية».
«الغريب» المتوقع أن يعرض مع بدايات عام 2023 لن يكون الأول والأخير لصوفي بطرس. فهي جاهزة كما تقول للقيام بخطوات مشابهة في المستقبل. وترغب في أن تبقى في العمل الأكاديمي والاستمرار بعملها الإخراجي مع توفر العوامل والعناصر الضرورية لهذه الصناعة لأن المخرج وحده لا يستطيع أن يحرز إنجازات مطلوبة».


مقالات ذات صلة

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

يوميات الشرق ترحيب في مصر بعودة «ماسبيرو» للإنتاج الدرامي (الشرق الأوسط)

مصر: عرض «جلال الدين السيوطي» في رمضان المقبل

«ماسبيرو» يستعد لتقديم مسلسل تلفزيوني تاريخي عن سيرة حياة وفكر الإمام المصري جلال الدين السيوطي، على أن يُعرض خلال موسم رمضان المقبل.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الممثلة المصرية إنجي كيوان تراهن على الأدوار الجديدة (حسابها على فيسبوك)

إنجي كيوان: «وننسى اللي كان» نقطة تحول في مسيرتي

قالت الممثلة المصرية إنجي كيوان إن دورها في مسلسل «وننسى اللي كان» كان محطة فارقة في مسيرتها الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق جسّد شخصية زوج كارين رزق الله في العمل (ميشال حوراني)

ميشال حوراني يرفض تنميط أدواره ويُقدّم «الشرير الأنيق» في «المحافظة 15»

لم يعد الشرّ مرتبطاً باسم ممثل بعينه، بل بات جزءاً من أدوار يؤدّيها ممثلون من خلفيات متنوّعة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق إسلام وسط عائلته (فيسبوك)

البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» يعثر على أهله

أخيراً، وبعد أن صار عمره 43 عاماً عثر البطل الحقيقي للمسلسل المصري «حكاية نرجس» على أسرته.

انتصار دردير (القاهرة )
خاص الممثلة السورية كاريس بشَّار بشخصية «سماهر» في مسلسل «بخمس أرواح» (شركة الصبّاح للإنتاج)

خاص كاريس بشَّار لـ«الشرق الأوسط»: «سَماهر» صدَمتني وأنا أغار منها

حديث خاص مع الممثلة السورية كاريس بشَّار عن شخصية «سماهر»، وتفاصيل عن الوصلات الغنائية المباشرة واللهجة الخاصة ببطلة مسلسل «بخمس أرواح».

كريستين حبيب (بيروت)

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.