«ترجف الجبال شوقاً»... حتمية التغيير برؤية فنية

معرض في جدة يجسّد التغيرات المتلاحقة التي عاشتها السعودية

المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
TT

«ترجف الجبال شوقاً»... حتمية التغيير برؤية فنية

المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين

عندما كتبت الفنانة والشاعرة العالمية إيتيل عدنان قصيدتها «صباح ما بعد وفاتي»، لم يدُر بخلدها أنها حين ترحل ستتحوّل نصوصها عناوين لمعارض فنيّة، وهو ما حدث في حي جميل بمدينة جدة، حيث افتتح هذا الأسبوع معرض «ترجف الجبال شوقاً»، الذي يستمر إلى نهاية شهر أبريل (نيسان) المقبل، وهو عنوان مستوحى من قصيدة الشاعرة اللبنانية - الأميركية الراحلة.
تتحدث روتانا شاكر، القيّم الفني للمعرض، لـ«الشرق الأوسط»، مبينة، أنه يستلهم من نص إيتيل عدنان الذي قالت فيه «تغير لون القمر... وارتجفت الجبال بعد السحر... شوقاً يغلفه الحنين... ليكتسي البحر بلونين: أزرق بلون الموج الودود، وأزرق بلون الورود». ومن هذا المنطلق، تشير شاكر إلى أن «المعرض الذي يضم مجموعة من الفنانين السعوديين الصاعدين، سبقه عقد حوارات معهم؛ لاستكشاف تفاعلاتهم المتنوعة مع محيطهم دائم التغير».
وتوضح روتانا شاكر، أن الأعمال الفنية المشاركة تدور حول حتمية التغيير، بالتزامن مع ما تمر به المملكة العربية السعودية حالياً من مراحل متلاحقة ومتداخلة، وما تحمله هذه المتغيرات من تقدم وازدهار قادر على إلهام الفنانين، على حد وصفها.

القيّمة الفنية روتانا شاكر

وهذا التعاطي الفني لا يقتصر على التغييرات المجتمعية والثقافية فقط، بل يتضمن أيضاً تطويرات البنية التحتية التي ألقت بظلالها على المشاهد الطبيعية والحضرية في البلاد. وتتابع «يعرض المعرض أعمالاً قائمة وتكليفات فنية جديدة تشمل الأفلام والرسم والتصوير والنحت والتركيب، ليقدم للجمهور لمحة عن الطرق المعاصرة لتواصل الجيل الجديد من الفنانين السعوديين مع العالم من حولهم».
ويلحظ زائر المعرض هذه الأفكار الكثيفة التي يقدمها الفنانون في أعمالهم ويستكشفون خلالها كل تغيير حدث، سواء كان تغييراً مجتمعياً، أو سياسياً، أو ثقافياً، أو بيئياً، أو حتى شخصياً، في المعرض الذي يشارك فيه كل من: علياء أحمد، وعبد المحسن آل بن علي، ومحمد الفرج، وبدر علي، وزهرة بندقجي، وبشائر هوساوي، وآلاء طرابزوني وفهد بن نايف.
المناخ... سأفتقدك
يتوقف زائر المعرض طويلاً أمام العمل «المناخ، سأفتقدك» لكلٍ من آلاء طرابزوني وفهد بن نايف، وهو عمل فني يتتبع خلاله الفنانان منهجاً وثائقياً لتصوير المناظر الطبيعية المعاصرة؛ إذ يسجلان ويجمعان مواد من حي المناخ في ضواحي الرياض، حيث تقع شركة إسمنت اليمامة السعودية والمجتمع المحيط بها.
وفي هذا العمل الفني، تُسجل وتُدون شبكات الصور والمواد التفصيلية المكتشفة للموقع، ويسلط عمل طرابزوني وبن نايف الضوء على مثل هذه المناظر الطبيعية المحيطية غير المرئية غالباً، والتي نستعين بها للحفاظ على تطوير المراكز الحضرية المتألقة. إذ يلمح المتلقي كيف تتجاور صور محجر الإسمنت مع صور المصنع ذاته، وتتخللها مجموعة مفهرسة من المواد المستوحاة من البيئة المحيطة. ويوضح الفنانان أنهما وجدا أثناء توثيقهما المشهد الطبيعي للمنطقة المحيطة بالمحجر والمصنع، أنه رغم قسوة أحوال وظروف المنطقة، فإنها تتمتع بنظام بيئي مميز خاص بها، لا يقتصر تكوينه على الأفراد العاملين بها والمنتجات المصنعة المبعثرة هنا وهناك فقط، بل يشمل أيضاً النباتات والحيوانات التي تنمو في هذه البيئة على نحو غير متوقع.

تغيرات الجيولوجيا السعودية تنطق بصورة فنية

سحر الذاكرة
الفنانة بشاير هوساوي تستكشف بدورها عبر عملها المشارك دورات البناء والهدم وإعادة البناء التي يتسم بها واقع التطوير في العديد من المدن على مستوى العالم، وتتعامل بالأخص مع حالة التغير المستمر في المشهد الحضري بجدة، وتستلهم أفكارها من ذكريات منزلها القديم والأحياء المحيطة به.
تقدم هوساوي «سحر الذاكرة»، وهو عمل تستخدم فيه الطوب الجديد والقديم في إعداد دراسات نحتية تطرقت فيها لذكريات الماضي وبناء المستقبل في محاولة للحفاظ على الذكريات وإعادة تصورها، وتوحي بعض تشكيلاتها بشخصيات بشرية استلهمتها من ذكرياتها بالحي الذي كانت تسكنه في الماضي. في حين جاء البعض الآخر بمثابة أشكال مجردة لم تتمكن من الحفاظ على توازنها كثيراً، كشظايا الطوب الصغيرة التي تطفو برقة بين أشكال متعرجة بالكاد تلامس بعضها بعضاً.
المسارات المتقاطعة
أما الفنانة زهرة بندقجي، فتشارك بالعمل «المسارات المتقاطعة»، وهي سلسلة مستمرة من الصور الفوتوغرافية التي توثق جولاتها في أحياء جدة وحولها. وكانت قد بدأت السلسلة في عام 2009، قبل أن يُسمح للمرأة بقيادة السيارات في السعودية، وتستمر حتى يومنا هذا. وتصور تلك الصور العاطفية والتي تبدو خالية من أي مشاهد مؤذية، وتغلب عليها روح الدعابة أحياناً، تجربة اختيار المشي في مدينة صممت شوارعها خصيصاً للسيارات؛ وتطرح أسئلة حول سبل التنقل والوصول داخل المشهد الحضري، وكيف يمكن لعوامل مثل الطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي أن تقوم بدور الوسيط في علاقتنا بالبيئات التي نعيش فيها.
في تلك الصور، تبدأ الأرصفة وتنتهي فجأة؛ تقف بندقجي مرتدية عباءة أمام شجرة تعيق طريقها. وفي إحدى الصور، وضعت الفنانة إطاراً لصورة ظلها مستخدمة نافذة ترسم إطاراً في الوقت ذاته مشهد الحي الخارجي: وكأنها تسترق النظر إلى المدينة. أما في الصور التي تلتقط تفاصيل المناظر الطبيعية مثل الحصى الحبيبي على الطريق أو زهور الأشجار التي تنمو بمحاذاة الرصيف؛ أصبحنا على دراية بكيفية سرعة السفر ووسيلته، بالسيارة أو سيراً على الأقدام، ما يجعلنا نصادف بنوداً مختلفة في البيئات المحيطة بنا. ما هي الروائح والأصوات والأنسجة الغائبة على طول الطريق؟
مشراق
تقدم الفنانة علياء بنت أحمد عملها «مشراق»، وهي التي تقع لوحاتها في مكان ما بين الواقع والخيال، حيث تصور أماكن من نسج الخيال باستخدام عناصر من الزخارف والإيماءات المستمدة من المناظر الطبيعية المحلية في مدينتها الأم؛ الرياض. في حين يعدّ «مشراق» المصمم على الحرير خروجاً عن أسلوبها المعتاد في رسم لوحاتها على القماش.
ويلحظ المتلقي كيف تستعيد الفنانة المناظر الطبيعية من خيالها وذاكرتها لتصور بها أرض الأحلام، كما يثير منهج علياء الذي يعتمد على الأشكال العضوية غير المتساوية، والحدود الانطباعية، والألوان التي تتداخل مع بعضها، السؤال التالي: ما هي العناصر التي تميز رسومات المناظر الطبيعية وتوجهها؟ وفي هذا العمل، تصبح المناظر الطبيعية اندماجاً للتجارب الحسية للشكل واللون والضوء، وهذه التجارب لا يمكن التعبير عنها أو احتوائها كلياً. وربما تتحدث هذه التجربة الطبيعية التي يصعب فهمها بعض الشيء عن كيفية تعاملنا مع العالم الحقيقي.
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
يهتم الفنان عبد المحسن البين بدراسة العلاقات الإنسانية وإدراك الإنسان للعالم الطبيعي، وقد استوحى عنوان عمله المشارك في المعرض «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» من كتابات رسام الخرائط وعالم الجغرافيا الشهير في القرن الثاني عشر محمد الإدريسي، والذي تضمن كتابه الرحلات الممتعة إلى الأراضي البعيدة، ويعتقد الكثيرون، أن هذا الكتاب يُعدّ واحداً من بين النسخ المرجعية الأكثر دقة في هذا المجال لقرون عدة. ومن هذه النقطة، يسلط الفنان الضوء على محاولات الإنسان المستمرة لتخيل المناظر الطبيعية وقياسها وفهمها وتصويرها، ويركز على هذا الدافع في عمله؛ إذ يصور جبلاً يتقلص حجمه ليدخل في خزان في محاولة لإدارته وملاحظته والسيطرة عليه. ومن خلال هذا المشهد، ينظر الفنان في علاقة الإنسان بالأرض ومحاولاته لفهمها بالكامل، وكذلك رغبته في المطالبة بملكيتها، روحياً وعملياً.
تضاريس
يعتمد الفنان بدر علي على تدريبه الفني الكلاسيكي وعوالمه الداخلية في رسم مناظر طبيعية مدهشة، وكسابق أعماله التي تصور المناظر الطبيعية، تأتي لوحته «تضاريس» مستوحاة كلياً من خياله؛ إذ يستخدم المناظر الطبيعية وعناصرها المختلفة كأدوات لإثارة ردود فعل عاطفية محددة لدى المشاهدين، ويستخدم الضوء والظل لخلق إحساس قوي بالحركة؛ مما يوجه نظر المشاهد إلى قلب اللوحة. وعند تقسيم اللوحة إلى أجزائها التركيبية والتركيز على القوة المعادلة للنطاق واللون والملمس والضوء، يصنع الفنان بعناية مشهداً غامراً يثير الرهبة. إذ يستوحي من الذاكرة والخيال مزيجاً من المرجعيات للفنانين القدماء وتفسيره الخاص للمشهد العقلي والعاطفي. وقد تمكّن بدر علي من الجمع بين التقنية والمخزون العقلي العميق للمراجع التاريخية للفن، وابتكر تفسيراته الخاصة للمناظر الطبيعية الرائعة التي تعمل على إلهام الشعور.
لمحات من الآن
في فيديو مدته 70 دقيقة، جمع الفنان محمد الفرج صوراً من الهاتف المحمول ومن الكاميرا ملتقطة منذ عام 2015 وحتى يومنا هذا ليصور لحظات من الحياة العادية ولحظات من احتفالات في حياة الناس في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. وتعكس هذه الصور المتدرجة لمحات من الحياة اليومية في كواليس غير متجانسة، تراها في شوارع المدينة أو من عبر النافذة، أو على البحر على طول المناطق الساحلية، أو من فوق جبل يطل على المدينة، أو في حقول الجنوب. وبهذا، يصور الفرج مساحة شاسعة من المناظر الطبيعية ويعرضها عرضاً مفعماً بالحيوية، كما ويأتي هذا العمل الذي أسماه «لمحات من الآن» باعتباره فيلماً وثائقياً شعرياً، تتنقل مشاهده من مكان إلى آخر، ومن لحظة حاضرة إلى لحظة مستقبلية. كما يلتقط صورة آنية للثواني العابرة التي تشكل هذه الفترة من التغيرات التي تطرأ على الناس بوتيرة متسارعة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
TT

فرنسيس الأسيزي بين الأمس واليوم... روسيليني واستحالة البراءة الحديثة

كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)
كأنّ فرنسيس يمشي خارج زمننا تماماً (IMDb)

800 عام على ولادة القديس الإيطالي فرنسيس الأسيزي تبدو كأنها زمنٌ يكفي كي يتحوّل إنسان إلى أسطورة أو صورة دينية مُعلّقة على جدار كنيسة. وإنما العودة إلى فيلم «فرانشيسكو، ملاك الله» للمخرج روبرتو روسيليني ضمن أسبوع احتفالي نظّمته سينما «متروبوليس» في بيروت، تُعيد النظر في الطريقة التي يمكن للسينما أن تقترب فيها من القداسة من دون أن تغرق في التبجيل أو تُحوّل الشخصية إلى رمز جامد خارج الحياة.

فيلم هادئ عن عالم فَقَد هدوءه (IMDb)

كان روسيليني (1906 - 1977) من أبرز الأصوات التي صنعت الواقعية الإيطالية الجديدة بعد الحرب العالمية الثانية، حين خرجت السينما من الاستوديوهات إلى الشوارع والوجوه المُتعَبة ويوميات الناس البسطاء. اهتمّت هذه السينما بالفقر والانكسار والجروح الإنسانية، مُستخدمةً مواقع تصوير غير مُصطَنعة وممثلين خارج نجومية الشاشة أحياناً، في محاولة لالتقاط الحقيقة كما هي. بين أبناء هذه الحركة، بدا روسيليني الأكثر ميلاً إلى تحويل الواقعية من موقف اجتماعي فقط إلى بحث أخلاقي وروحي في معنى الإنسان بعد الخراب.

الفيلم الذي أُنجز عام 1950، وعُرض ضمن مجموعة أفلام تناولت القديس فرنسيس، لا يُشبه الأعمال الدينية المألوفة التي اعتادت صناعة البطولات الروحية عبر الموسيقى المُتصاعدة والانفعالات الثقيلة والوعظ المباشر. روسيليني اقترب من الشخصية بطريقة تكاد تكون مُعاكسة تماماً لفكرة السيرة السينمائية. التقط شذرات من حياة جماعة صغيرة تمشي في الحقول وتضحك أحياناً وتجوع أحياناً أخرى، وتحاول أن تعيش الفقر على أنه خيار روحي وليس عقاباً. لم يصنع دراما عن رجل غيَّر العالم.

8 قرون مرَّت ولا يزال العالم يبحث عن السلام نفسه (IMDb)

يبدو الفيلم كأنه يرفض الإغواء منذ مَشاهده الأولى. الحبكة لا تجعل المُشاهد أسير الانفعال العاطفي. فالإيقاع بطيء إلى حدّ يكاد يستنزف صبر المُتفرّج المُعاصر. جمالها في أنها لا تُظهر فرنسيس بطلاً مركزياً يبتلع الشاشة. يذوب وسط الرهبان الآخرين، كأنّ روسيليني أراد إسقاط فكرة البطل لمصلحة روح جماعية تقوم على البساطة والطاعة والفرح الداخلي.

الفيلم مختلف وقاسٍ. اختلافه في محاولته تحرير السينما الروحية من المَسْرحة الدينية الرائجة. وقسوته أنّ هذا التحرير يجعل الفيلم اليوم يبدو خارج الزمن، أو على الأقلّ خارج الحساسية البصرية والنفسية للمُشاهد المُعاصر.

المتفرّج الحالي ابن عالم مختلف تماماً. عالم قائم على السرعة والتحليل النفسي والتناقضات الحادّة داخل الشخصيات. اعتادت السينما الحديثة الحَفْر في العنف الداخلي والرغبات المكبوتة والتمزُّق الإنساني. أمّا روسيليني، فيتعمَّد الابتعاد عن هذه المناطق. شخصياته شفَّافة إلى حدّ كبير، تكاد تتحرَّك بخفّة روحية منفصلة عن ثقل الجسد وأسئلته. لهذا يشعر كثيرون اليوم بأنّ الفيلم جميل بصرياً لكنه بعيد عاطفياً. كأنّ المتفرّج يكتفي بمشاهدة حياة لا يستطيع لمسها.

القداسة عند روسيليني تتحرَّك في مساحة البراءة أكثر مما تتحرَّك في مساحات الصراع. الرهبان يضحكون كثيراً ويتقبّلون الإهانة من دون غضب، ويتعاملون مع العالم بخفّة طفولية. هذه النظرة كانت تحمل بعد الحرب العالمية الثانية معنى أخلاقياً عميقاً. أوروبا المُثقَلة بالجراح كانت تبحث عن نقاء ما وطريقة للتخفُّف من العنف الذي التهم القارة. لذلك بدا فرنسيس في سينما روسيليني أشبه باقتراح أخلاقي لاستعادة الإنسان.

القداسة عند روسيليني تُشبه البساطة أكثر من المعجزة (IMDb)

اليوم، بعد عقود طويلة من الحروب والانهيارات النفسية والاغتراب الحديث، لم يعد هذا الصفاء يُقنِع بسهولة. المُشاهد الحالي يريد رؤية الجرح وليس صورته المُصفَّاة فقط. يريد الاقتراب من تناقضات الإنسان وانكساراته، وليس من روحه بعدما بلغت السلام. بذلك تتشكَّل المسافة التي يخلقها الفيلم مع جزء من جمهوره المُعاصر. إنه عمل يُحتَرم أكثر مما يمكن الشعور به عاطفياً.

ومع ذلك، يبقى له أثر خاص يتجاوز بروده الظاهري، خصوصاً حين يُعرض في بيروت الآن. فاختيار إعادة هذه الأعمال إلى الشاشة في لحظة لم يتعافَ فيها لبنان من الحرب، يحمل معنى يتعدَّى الاحتفاء السينمائي.

في كلمتها الافتتاحية، تحدَّثت مديرة «متروبوليس»، هانيا مروّة، عن الرغبة في استعادة فكرة السلام في أيام لا تزال مشبَّعة بالخوف والمجهول. بدا كأنّ المدينة المُتعَبة من صُور الموت والقلق تحاول أن تسترجع قدرتها على التأمُّل ولو عبر فيلم أبيض وأسود عن رجل اختار الفقر والسكينة قبل 8 قرون.

قد لا يندمج المُشاهد المُعاصر بالكامل مع عالم روسيليني الزاهد والمُتحرّر من الإبهار. وقد يشعر بأنّ العمل ينتمي إلى زمن آخر. وإنما إعادة عرضه اليوم تستدعي التمهُّل أمام علاقتنا نحن بفكرة السلام. كأنّ الفيلم يكشف من دون أن يقصد عن حجم التحوّل الذي أصاب الإنسان الحديث. لم نعد نعرف كيف ننظر طويلاً إلى البساطة ولا كيف نمنح البطء وقته، ولا كيف نُصدّق أنّ الخفّة قد تكون موقفاً أخلاقياً في وجه عالم يزداد عنفاً يوماً بعد يوم.


أندريا بوتشيلي: يوجد رغبة واضحة في السعودية لوصول موسيقاها للعالم

الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)
الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)
TT

أندريا بوتشيلي: يوجد رغبة واضحة في السعودية لوصول موسيقاها للعالم

الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)
الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي خلال الحفل (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

أكد الفنان الإيطالي أندريا بوتشيلي أن مشاركته في حفل «روائع الأوركسترا السعودية» بالعاصمة الإيطالية روما شكّلت تجربة استثنائية على المستويين الفني والإنساني، مشيراً إلى أن الموسيقى تصبح أكثر تأثيراً عندما تتحول مساحةً حقيقية للحوار بين الثقافات والشعوب.

وقال أندريا بوتشيلي لـ«الشرق الأوسط» إن الوقوف إلى جانب الأوركسترا والكورال الوطني السعودي في قلب روما منحه إحساساً خاصاً بالمسؤولية الفنية والإنسانية، في ظل ما يحمله المكان من قيمة تاريخية ورمزية كبيرة، لافتاً إلى أن الغناء بالقرب من الكولوسيوم يحمل دائماً مشاعر مختلفة بالنسبة إليه.

وأوضح أن هذا الموقع التاريخي يجعل الفنان يشعر بأنه يدخل في حوار مباشر مع التاريخ والحضارة والذاكرة الإنسانية، ومن ثم جاء إقامة الحفل في ساحة مفتوحة وسط هذا المشهد الأثري منح الأمسية طابعاً مميزاً، وأصبحت أجواء الليل الروماني والحجر العتيق والهواء المحيط جزءاً من التجربة الموسيقية نفسها.

شارك الفنان الإيطالي في الحفل الذي أقيم بروما (حسابه على فيسبوك)

وأوضح الفنان الإيطالي أن أكثر ما أثار إعجابه خلال الحفل هو قدرة الموسيقى السعودية والإيطالية على الالتقاء من دون أن تفقد أي منهما هويتها الخاصة، مؤكداً أن هذا النوع من اللقاءات الفنية يفتح أبواباً جديدة للفهم والتقارب الثقافي. وأشار إلى أن الموسيقى الإيطالية تعتمد بشكل كبير على اللحن والصوت القادر على مخاطبة المشاعر مباشرة، بينما اكتشف في الموسيقى السعودية والعربية عالماً مختلفاً من الإيقاعات والزخارف الصوتية والمسافات اللحنية الغنية.

حساسية تعبيرية

وأكد بوتشيلي أن الموسيقى العربية تمتلك حساسية تعبيرية خاصة، لافتاً إلى أن التنوع اللحني والانحناءات الصوتية الموجودة فيها تخلق حالة فنية مختلفة تماماً بالنسبة للمستمع الغربي، عادَّاً أن هذا الثراء الموسيقي منحه شعوراً بأنه يكتشف طريقة جديدة للإصغاء والتفاعل مع الموسيقى؛ وهو ما جعل التجربة بالنسبة إليه أكثر عمقاً وتميزاً.

وقال إن حفل «روائع الأوركسترا السعودية» لم يكن مجرد عرض موسيقي تقليدي، بل مثّل حواراً ثقافياً حقيقياً بين حضارتين عريقتين، مؤكداً أن الموسيقى تمتلك قدرة استثنائية على تجاوز الحدود السياسية واللغوية، فالجمهور لا يحتاج دائماً إلى فهم الكلمات حتى يتأثر بالموسيقى؛ لأن اللحن والإيقاع والصوت قادرة وحدها على خلق حالة إنسانية مشتركة تجمع الناس مهما اختلفت خلفياتهم وثقافاتهم.

الفنان الإيطالي أكد أن تجربته مع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي كانت مهمة (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وأكد بوتشيلي أن تقديم الموسيقى السعودية في مدينة مثل روما يحمل دلالات رمزية وثقافية مهمة، فهي تُعدّ واحدة من أبرز العواصم المرتبطة بتاريخ الحضارات الإنسانية، موضحاً أن ظهور الأوركسترا والكورال الوطني السعودي في هذا السياق يعكس رغبة حقيقية في تقديم الثقافة السعودية إلى العالم بصورة حديثة ومتوازنة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جذورها وهويتها الأصيلة.

احترافية وانضباط

وتحدث الفنان الإيطالي عن الموسيقيين السعوديين المشاركين في الحفل، مشيداً بما لمسه لديهم من احترافية وانضباط ووعي فني وثقافي كبير، لافتاً إلى أنهم لم يكونوا يؤدون مقطوعات موسيقية فحسب، بل كانوا يحملون معهم تراثاً فنياً يعبّر عن هوية وطنية وثقافية واضحة، وهو أمر ظهر في طريقة الأداء والتركيز والحرص على تقديم صورة راقية للموسيقى السعودية أمام الجمهور العالمي.

وأضاف أن «العمل المشترك بين الموسيقيين السعوديين وأوركسترا (فونتاني دي روما) خلق حالة فنية ثرية، مع التقاء مدارس موسيقية مختلفة داخل مساحة واحدة من الاحترام والتفاهم الفني، وهو نوع من التعاون يؤكد أن الموسيقى تستطيع أن تجمع بين أساليب متنوعة من دون أن تُلغي خصوصية أي طرف، بل تمنح كل تجربة فرصة أكبر للوصول والتأثير».

بوتشيلي أكد قدرة وصول الموسيقى السعودية للعالم (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وكشف بوتشيلي عن أن علاقته بالسعودية ليست جديدة، موضحاً أن زياراته السابقة إلى «العلا» ومشاركته في فعاليات «شتاء طنطورة» تركت لديه ذكريات خاصة ومشاعر عميقة، ويتذكر جيداً طبيعة الصحراء والهدوء الاستثنائي للمكان، إلى جانب كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال، عادّاً أن تلك التفاصيل الإنسانية تمنح الفنان ارتباطاً مختلفاً بالمكان الذي يقدم فيه عروضه الفنية.

وأشار إلى أن السعودية تشهد خلال السنوات الأخيرة حراكاً ثقافياً وفنياً متسارعاً، لا سيما في المجال الموسيقي، ويلاحظ وجود رغبة واضحة في بناء مشهد موسيقي قادر على الوصول إلى الجمهور العالمي، مؤكداً أن المشاريع الفنية الكبرى والتعاونات الدولية التي تشهدها المملكة تعكس مستوى متقدماً من الطموح والرؤية الثقافية، وهو ما يظهر بوضوح في مشروع «روائع الأوركسترا السعودية».

حظي الحفل بردود فعل إيجابية (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وأكد بوتشيلي أن تقديم الهوية الموسيقية السعودية في عواصم ثقافية كبرى مثل باريس ولندن ونيويورك وروما يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالمياً، مؤكداً أن الموسيقى تتحول في مثل هذه المناسبات وسيلةً للتواصل الإنساني والتعريف بالحضارات، فالجمهور الأوروبي يتعامل باهتمام كبير مع أي تجربة موسيقية تحمل طابعاً أصيلاً وصادقاً.

وأضاف أن إحدى اللحظات الأكثر تأثيراً بالنسبة إليه خلال الحفل كانت ملاحظته تفاعل الجمهور تدريجياً مع الموسيقى السعودية، فحالة الفضول والانبهار بدأت تظهر بوضوح مع تطور الأمسية، عادَّاً أن هذا التفاعل أكد له أن الموسيقى قادرة بالفعل على إزالة الحواجز النفسية والثقافية، وتحويل الاختلاف مساحةً مشتركة من الدهشة والتقدير المتبادل.

نتائج الدمج

كما تحدث الفنان الإيطالي عن الدمج بين الموسيقى التراثية والتوزيعات الأوركسترالية الحديثة، لافتاً إلى أن هذه التجربة تمنح الموسيقى التقليدية فرصة للوصول لشرائح أوسع من الجمهور، شرط الحفاظ على روحها الأصلية.

وأوضح أن التوزيع الموسيقي يجب أن يبقى في خدمة التراث لا أن يطغى عليه؛ لأن القيمة الحقيقية لأي موسيقى تكمن في صدقها وأصالتها الإنسانية.

بوتشيلي أكد أن تقديم الموسيقى السعودية في روما يحمل دلالات رمزية وثقافية مهمة (حساب بوتشيلي على فيسبوك)

وقال بوتشيلي إن الموسيقى بالنسبة إليه كانت دائماً «هدية من السماء»؛ لأنها تمتلك القدرة على تهدئة الروح وتقريب الناس من بعضهم بعضاً، مؤكداً أن العالم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الفنون القادرة على بناء جسور التفاهم والثقة، خصوصاً في ظل ما يشهده من انقسامات وتوترات متزايدة.

واختتم أندريا بوتشيلي حديثه بالتأكيد على أن تجربته مع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي فتحت أمامه آفاقاً جديدة للتعاون الفني والثقافي، معرباً عن ترحيبه بأي مشاريع مستقبلية تجمعه بالموسيقيين السعوديين، وسيحتفظ دائماً في ذاكرته بصورة تلك الأمسية التي جمعت بين روما والعلا، وبين الموسيقى الإيطالية والسعودية، داخل لحظة إنسانية وفنية استثنائية.


«مانجا العربية» توقّع اتفاقية شراكة استراتيجية مع مجموعة «جراميديا» الإندونيسية

تهدف الاتفاقية إلى توسيع حضور المحتوى العربي وتعزيز التبادل الثقافي والإبداعي مع إندونيسيا (الشرق الأوسط)
تهدف الاتفاقية إلى توسيع حضور المحتوى العربي وتعزيز التبادل الثقافي والإبداعي مع إندونيسيا (الشرق الأوسط)
TT

«مانجا العربية» توقّع اتفاقية شراكة استراتيجية مع مجموعة «جراميديا» الإندونيسية

تهدف الاتفاقية إلى توسيع حضور المحتوى العربي وتعزيز التبادل الثقافي والإبداعي مع إندونيسيا (الشرق الأوسط)
تهدف الاتفاقية إلى توسيع حضور المحتوى العربي وتعزيز التبادل الثقافي والإبداعي مع إندونيسيا (الشرق الأوسط)

وقَّعت شركة «مانجا العربية»، إحدى شركات «المجموعة السعودية للأبحاث الإعلام (SRMG)»، اتفاقية شراكة استراتيجية مع مجموعة «جراميديا» الإندونيسية، في خطوة تهدف إلى توسيع انتشار المحتوى المصوَّر العربي، وتعزيز حضور الأعمال الإبداعية الموجَّهة للأطفال والشباب في إحدى أكبر أسواق النشر في جنوب شرقي آسيا.

وتُعدُّ مجموعة «جراميديا» الذراع التجارية والتجزئة لمجموعة «Kompas Gramedia»، أكبر مجموعة إعلامية ونشر في إندونيسيا، حيث انطلقت بوصفها مكتبةً صغيرةً في جاكرتا عام 1970 قبل أن تتحوَّل إلى شبكة تضم أكثر من 120 فرعاً فيما يزيد على 50 مدينة إندونيسية، إضافة إلى منصاتها الرقمية، كما تُصنَّف اليوم أكبر سلسلة مكتبات ومجموعة نشر في جنوب شرقي آسيا من حيث حجم الشبكة وعدد العناوين المنشورة، كما تقدم عبر منظومتها خدمات بيع الكتب بمختلف أنواعها، بما يشمل الروايات، وكتب الأطفال، والتعليم، والأعمال، وتطوير الذات، إلى جانب القصص المصوَّرة والمانجا، كما توسَّعت لتشمل منتجات غير الكتب؛ مثل الأدوات المدرسية والمكتبية والرياضية، والآلات الموسيقية، والإلكترونيات، كما أنَّها تدير تحت مظلتها عدداً من أبرز دور النشر الإندونيسية.

جانب من توقيع الاتفاقية بين «مانجا العربية» و«جراميديا» الإندونيسية (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه الشراكة ضمن استراتيجية «مانجا العربية» الهادفة إلى تعزيز وتمكين انتشار الأعمال الإبداعية، وتوسيع قاعدة جمهورها عالمياً، من خلال عقد شراكات مع أبرز المنصات والشركات التي تنشط في ترويج وتقديم الأعمال الإبداعية حول العالم، وهي امتداد لسلسلة النجاحات التي حقَّقتها مانجا العربية خلال السنوات الماضية، والتي شهدت إطلاق مجلتيها الموجَّهتين للشباب والصغار، بنسختيهما المطبوعة والرقمية، إضافةً إلى النمو المتواصل في قاعدة مستخدمي تطبيقاتها التي تجاوزت 12 مليون تحميل في أكثر من 190 دولة حول العالم، ما أسهم في ترسيخ حضورها وجماهيريتها الواسعة في العالم العربي.

كما تهدف الاتفاقية إلى ترخيص مزدوج وحصري بين الطرفين، بحيث تقوم «مانجا العربية» بترجمة ونشر الأعمال الإندونيسية للجمهور العربي، في حين تمنح «جراميديا» حقوق ترجمة وتوزيع أعمال «مانجا العربية» باللغة الإندونيسية، كما تشمل الشراكة إنتاج أعمال مشتركة، والتعاون عبر الفعاليات الثقافية والإبداعية، وتبادل المواهب بين الجانبين، إضافة إلى برامج تدريبية وزيارات ميدانية تسهم في تطوير القدرات الإبداعية لدى الطرفين.

تأتي هذه الشراكة ضمن استراتيجية «مانجا العربية» الهادفة إلى تعزيز وتمكين انتشار الأعمال الإبداعية وتوسيع قاعدة جمهورها عالمياً (الشرق الأوسط)

وأكد الدكتور عصام بخاري، المدير العام رئيس تحرير «مانجا العربية» أنَّ هذه الشراكة تمثل محطةً مهمةً في مسار التوسُّع الدولي للشركة. وقال: «نحن سعداء بتوقيع هذه الاتفاقية مع (جراميديا)، بوصفها إحدى أكبر الجهات المؤثرة في صناعة النشر في جنوب شرقي آسيا. هذه الخطوة تجسد التزامنا بتعزيز حضور المحتوى العربي الإبداعي في الأسواق الدولية، كما تتيح لنا فرصة تقديم قصصنا وشخصياتنا لجمهور واسع ومتنوع، والمساهمة في بناء جسور معرفية ممتدة بين الشعوب».

في حين قال مدير النشر والتعليم في «جراميديا»، آدي إكاتاما: «يسرّ جراميديا أن تعلن عن تعاونها الاستراتيجي مع مانجا العربية؛ الشركة الرائدة في إنتاج المحتوى الإبداعي، والمتخصصة في المانجا العربية واليابانية، وتمثل هذه الشراكة خطوةً مهمةً نحو تعزيز التعاون العابر للحدود، بما في ذلك مبادرة تبادل الحقوق بين إندونيسيا والمملكة العربية السعودية، كما تعكس رؤية مشتركة لتعزيز التبادل الثقافي، ودعم نمو الصناعات الإبداعية، وبناء روابط مستدامة بين منظومتي النشر في كلا البلدين، بما يسهم في ربط المبدعين والقراء عبر مختلف المناطق».

من جانبه، أكد المهندس فارس آل رشود، نائب المدير العام بشركة «مانجا العربية» أنَّ الشراكة مع مجموعة «جراميديا»، أبرز دار نشر ومؤسسة إعلامية كبرى في إندونيسيا خطوة مميزة ستسهم في تعزيز التواصل الثقافي المتبادل بين البلدين الصديقين. وأضاف: «نسعى من خلالها إلى تصدير أعمالنا السعودية الإبداعية إلى الأسواق في جنوب شرقي القارة باللغة الإندونيسية؛ إحدى أكبر الأسواق الدولية استهلاكاً لمحتوى القصص المصوَّرة عالمياً».

وتأتي هذه الاتفاقية ضمن توجه «مانجا العربية» نحو تعزيز حضورها العالمي وتطوير شراكات دولية تدعم صناعة المحتوى العربي الإبداعي، وتمكِّن المواهب الإبداعية من الوصول إلى جمهور أوسع في واحدة من أكثر البيئات النشطة في مجال القراءة والنشر على مستوى العالم.