«ترجف الجبال شوقاً»... حتمية التغيير برؤية فنية

معرض في جدة يجسّد التغيرات المتلاحقة التي عاشتها السعودية

المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
TT

«ترجف الجبال شوقاً»... حتمية التغيير برؤية فنية

المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين
المناظر الطبيعية مصدر إلهام للفنانين المشاركين

عندما كتبت الفنانة والشاعرة العالمية إيتيل عدنان قصيدتها «صباح ما بعد وفاتي»، لم يدُر بخلدها أنها حين ترحل ستتحوّل نصوصها عناوين لمعارض فنيّة، وهو ما حدث في حي جميل بمدينة جدة، حيث افتتح هذا الأسبوع معرض «ترجف الجبال شوقاً»، الذي يستمر إلى نهاية شهر أبريل (نيسان) المقبل، وهو عنوان مستوحى من قصيدة الشاعرة اللبنانية - الأميركية الراحلة.
تتحدث روتانا شاكر، القيّم الفني للمعرض، لـ«الشرق الأوسط»، مبينة، أنه يستلهم من نص إيتيل عدنان الذي قالت فيه «تغير لون القمر... وارتجفت الجبال بعد السحر... شوقاً يغلفه الحنين... ليكتسي البحر بلونين: أزرق بلون الموج الودود، وأزرق بلون الورود». ومن هذا المنطلق، تشير شاكر إلى أن «المعرض الذي يضم مجموعة من الفنانين السعوديين الصاعدين، سبقه عقد حوارات معهم؛ لاستكشاف تفاعلاتهم المتنوعة مع محيطهم دائم التغير».
وتوضح روتانا شاكر، أن الأعمال الفنية المشاركة تدور حول حتمية التغيير، بالتزامن مع ما تمر به المملكة العربية السعودية حالياً من مراحل متلاحقة ومتداخلة، وما تحمله هذه المتغيرات من تقدم وازدهار قادر على إلهام الفنانين، على حد وصفها.

القيّمة الفنية روتانا شاكر

وهذا التعاطي الفني لا يقتصر على التغييرات المجتمعية والثقافية فقط، بل يتضمن أيضاً تطويرات البنية التحتية التي ألقت بظلالها على المشاهد الطبيعية والحضرية في البلاد. وتتابع «يعرض المعرض أعمالاً قائمة وتكليفات فنية جديدة تشمل الأفلام والرسم والتصوير والنحت والتركيب، ليقدم للجمهور لمحة عن الطرق المعاصرة لتواصل الجيل الجديد من الفنانين السعوديين مع العالم من حولهم».
ويلحظ زائر المعرض هذه الأفكار الكثيفة التي يقدمها الفنانون في أعمالهم ويستكشفون خلالها كل تغيير حدث، سواء كان تغييراً مجتمعياً، أو سياسياً، أو ثقافياً، أو بيئياً، أو حتى شخصياً، في المعرض الذي يشارك فيه كل من: علياء أحمد، وعبد المحسن آل بن علي، ومحمد الفرج، وبدر علي، وزهرة بندقجي، وبشائر هوساوي، وآلاء طرابزوني وفهد بن نايف.
المناخ... سأفتقدك
يتوقف زائر المعرض طويلاً أمام العمل «المناخ، سأفتقدك» لكلٍ من آلاء طرابزوني وفهد بن نايف، وهو عمل فني يتتبع خلاله الفنانان منهجاً وثائقياً لتصوير المناظر الطبيعية المعاصرة؛ إذ يسجلان ويجمعان مواد من حي المناخ في ضواحي الرياض، حيث تقع شركة إسمنت اليمامة السعودية والمجتمع المحيط بها.
وفي هذا العمل الفني، تُسجل وتُدون شبكات الصور والمواد التفصيلية المكتشفة للموقع، ويسلط عمل طرابزوني وبن نايف الضوء على مثل هذه المناظر الطبيعية المحيطية غير المرئية غالباً، والتي نستعين بها للحفاظ على تطوير المراكز الحضرية المتألقة. إذ يلمح المتلقي كيف تتجاور صور محجر الإسمنت مع صور المصنع ذاته، وتتخللها مجموعة مفهرسة من المواد المستوحاة من البيئة المحيطة. ويوضح الفنانان أنهما وجدا أثناء توثيقهما المشهد الطبيعي للمنطقة المحيطة بالمحجر والمصنع، أنه رغم قسوة أحوال وظروف المنطقة، فإنها تتمتع بنظام بيئي مميز خاص بها، لا يقتصر تكوينه على الأفراد العاملين بها والمنتجات المصنعة المبعثرة هنا وهناك فقط، بل يشمل أيضاً النباتات والحيوانات التي تنمو في هذه البيئة على نحو غير متوقع.

تغيرات الجيولوجيا السعودية تنطق بصورة فنية

سحر الذاكرة
الفنانة بشاير هوساوي تستكشف بدورها عبر عملها المشارك دورات البناء والهدم وإعادة البناء التي يتسم بها واقع التطوير في العديد من المدن على مستوى العالم، وتتعامل بالأخص مع حالة التغير المستمر في المشهد الحضري بجدة، وتستلهم أفكارها من ذكريات منزلها القديم والأحياء المحيطة به.
تقدم هوساوي «سحر الذاكرة»، وهو عمل تستخدم فيه الطوب الجديد والقديم في إعداد دراسات نحتية تطرقت فيها لذكريات الماضي وبناء المستقبل في محاولة للحفاظ على الذكريات وإعادة تصورها، وتوحي بعض تشكيلاتها بشخصيات بشرية استلهمتها من ذكرياتها بالحي الذي كانت تسكنه في الماضي. في حين جاء البعض الآخر بمثابة أشكال مجردة لم تتمكن من الحفاظ على توازنها كثيراً، كشظايا الطوب الصغيرة التي تطفو برقة بين أشكال متعرجة بالكاد تلامس بعضها بعضاً.
المسارات المتقاطعة
أما الفنانة زهرة بندقجي، فتشارك بالعمل «المسارات المتقاطعة»، وهي سلسلة مستمرة من الصور الفوتوغرافية التي توثق جولاتها في أحياء جدة وحولها. وكانت قد بدأت السلسلة في عام 2009، قبل أن يُسمح للمرأة بقيادة السيارات في السعودية، وتستمر حتى يومنا هذا. وتصور تلك الصور العاطفية والتي تبدو خالية من أي مشاهد مؤذية، وتغلب عليها روح الدعابة أحياناً، تجربة اختيار المشي في مدينة صممت شوارعها خصيصاً للسيارات؛ وتطرح أسئلة حول سبل التنقل والوصول داخل المشهد الحضري، وكيف يمكن لعوامل مثل الطبقة الاجتماعية والنوع الاجتماعي أن تقوم بدور الوسيط في علاقتنا بالبيئات التي نعيش فيها.
في تلك الصور، تبدأ الأرصفة وتنتهي فجأة؛ تقف بندقجي مرتدية عباءة أمام شجرة تعيق طريقها. وفي إحدى الصور، وضعت الفنانة إطاراً لصورة ظلها مستخدمة نافذة ترسم إطاراً في الوقت ذاته مشهد الحي الخارجي: وكأنها تسترق النظر إلى المدينة. أما في الصور التي تلتقط تفاصيل المناظر الطبيعية مثل الحصى الحبيبي على الطريق أو زهور الأشجار التي تنمو بمحاذاة الرصيف؛ أصبحنا على دراية بكيفية سرعة السفر ووسيلته، بالسيارة أو سيراً على الأقدام، ما يجعلنا نصادف بنوداً مختلفة في البيئات المحيطة بنا. ما هي الروائح والأصوات والأنسجة الغائبة على طول الطريق؟
مشراق
تقدم الفنانة علياء بنت أحمد عملها «مشراق»، وهي التي تقع لوحاتها في مكان ما بين الواقع والخيال، حيث تصور أماكن من نسج الخيال باستخدام عناصر من الزخارف والإيماءات المستمدة من المناظر الطبيعية المحلية في مدينتها الأم؛ الرياض. في حين يعدّ «مشراق» المصمم على الحرير خروجاً عن أسلوبها المعتاد في رسم لوحاتها على القماش.
ويلحظ المتلقي كيف تستعيد الفنانة المناظر الطبيعية من خيالها وذاكرتها لتصور بها أرض الأحلام، كما يثير منهج علياء الذي يعتمد على الأشكال العضوية غير المتساوية، والحدود الانطباعية، والألوان التي تتداخل مع بعضها، السؤال التالي: ما هي العناصر التي تميز رسومات المناظر الطبيعية وتوجهها؟ وفي هذا العمل، تصبح المناظر الطبيعية اندماجاً للتجارب الحسية للشكل واللون والضوء، وهذه التجارب لا يمكن التعبير عنها أو احتوائها كلياً. وربما تتحدث هذه التجربة الطبيعية التي يصعب فهمها بعض الشيء عن كيفية تعاملنا مع العالم الحقيقي.
نزهة المشتاق في اختراق الآفاق
يهتم الفنان عبد المحسن البين بدراسة العلاقات الإنسانية وإدراك الإنسان للعالم الطبيعي، وقد استوحى عنوان عمله المشارك في المعرض «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» من كتابات رسام الخرائط وعالم الجغرافيا الشهير في القرن الثاني عشر محمد الإدريسي، والذي تضمن كتابه الرحلات الممتعة إلى الأراضي البعيدة، ويعتقد الكثيرون، أن هذا الكتاب يُعدّ واحداً من بين النسخ المرجعية الأكثر دقة في هذا المجال لقرون عدة. ومن هذه النقطة، يسلط الفنان الضوء على محاولات الإنسان المستمرة لتخيل المناظر الطبيعية وقياسها وفهمها وتصويرها، ويركز على هذا الدافع في عمله؛ إذ يصور جبلاً يتقلص حجمه ليدخل في خزان في محاولة لإدارته وملاحظته والسيطرة عليه. ومن خلال هذا المشهد، ينظر الفنان في علاقة الإنسان بالأرض ومحاولاته لفهمها بالكامل، وكذلك رغبته في المطالبة بملكيتها، روحياً وعملياً.
تضاريس
يعتمد الفنان بدر علي على تدريبه الفني الكلاسيكي وعوالمه الداخلية في رسم مناظر طبيعية مدهشة، وكسابق أعماله التي تصور المناظر الطبيعية، تأتي لوحته «تضاريس» مستوحاة كلياً من خياله؛ إذ يستخدم المناظر الطبيعية وعناصرها المختلفة كأدوات لإثارة ردود فعل عاطفية محددة لدى المشاهدين، ويستخدم الضوء والظل لخلق إحساس قوي بالحركة؛ مما يوجه نظر المشاهد إلى قلب اللوحة. وعند تقسيم اللوحة إلى أجزائها التركيبية والتركيز على القوة المعادلة للنطاق واللون والملمس والضوء، يصنع الفنان بعناية مشهداً غامراً يثير الرهبة. إذ يستوحي من الذاكرة والخيال مزيجاً من المرجعيات للفنانين القدماء وتفسيره الخاص للمشهد العقلي والعاطفي. وقد تمكّن بدر علي من الجمع بين التقنية والمخزون العقلي العميق للمراجع التاريخية للفن، وابتكر تفسيراته الخاصة للمناظر الطبيعية الرائعة التي تعمل على إلهام الشعور.
لمحات من الآن
في فيديو مدته 70 دقيقة، جمع الفنان محمد الفرج صوراً من الهاتف المحمول ومن الكاميرا ملتقطة منذ عام 2015 وحتى يومنا هذا ليصور لحظات من الحياة العادية ولحظات من احتفالات في حياة الناس في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية. وتعكس هذه الصور المتدرجة لمحات من الحياة اليومية في كواليس غير متجانسة، تراها في شوارع المدينة أو من عبر النافذة، أو على البحر على طول المناطق الساحلية، أو من فوق جبل يطل على المدينة، أو في حقول الجنوب. وبهذا، يصور الفرج مساحة شاسعة من المناظر الطبيعية ويعرضها عرضاً مفعماً بالحيوية، كما ويأتي هذا العمل الذي أسماه «لمحات من الآن» باعتباره فيلماً وثائقياً شعرياً، تتنقل مشاهده من مكان إلى آخر، ومن لحظة حاضرة إلى لحظة مستقبلية. كما يلتقط صورة آنية للثواني العابرة التي تشكل هذه الفترة من التغيرات التي تطرأ على الناس بوتيرة متسارعة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».