التحدي صيني... لكن العالم العربي حاضر في حملة تجنيد للاستخبارات الأميركية

ندوة في ذكرى تأسيس «سي. آي. إيه» بمشاركة «جاسوس» في الشرق الأوسط ومسؤولة «ملف السنّة» في لبنان

من اليمين: ديفيد مارلو وليندا وايزغولد ومايكل موريل خلال الندوة في «مركز هايدن» (الشرق الأوسط)
من اليمين: ديفيد مارلو وليندا وايزغولد ومايكل موريل خلال الندوة في «مركز هايدن» (الشرق الأوسط)
TT

التحدي صيني... لكن العالم العربي حاضر في حملة تجنيد للاستخبارات الأميركية

من اليمين: ديفيد مارلو وليندا وايزغولد ومايكل موريل خلال الندوة في «مركز هايدن» (الشرق الأوسط)
من اليمين: ديفيد مارلو وليندا وايزغولد ومايكل موريل خلال الندوة في «مركز هايدن» (الشرق الأوسط)

«إذا كنتم مهتمين بالعمل في وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إيه)، فهناك مجنّدون موجودون في البهو وسيلتحقون بنا في القاعة... رجاء التحدث معهم. وسيكونون حاضرين أيضاً في حفلة الاستقبال».
بهذه العبارة، رحّب المتحدث لاري فايفر، بالطلاب المشاركين في ندوة أقامها قبل أيام «مركز هايدن» بكلية «شار» التابعة لجامعة ميسون بولاية فيرجينيا الأميركية. قال: «إذا كنتم تعرفون أي شخص لديه اهتمام بالدراسات الأمنية فـ(شار سكوول) في جامعة جورج ميسون هي المكان الذي يجب أن تلتحقوا به»، مشيراً إلى برنامج جديد أطلقته الجامعة وسيبدأ تدريسه العام المقبل.
يعمل فايفر حالياً مديراً لـ«مركز هايدن»، وهو موظف سابق في الـ«سي آي إيه». وكما هو واضح، يحمل المركز المقام في الجامعة منذ خمس سنوات اسم الجنرال السابق مايكل هايدن، الرئيس السابق لـ«سي آي إيه» والذي كان حاضراً في الندوة، لكنه كان يعاني صحياً، كما يبدو؛ إذ تحدث بصعوبة ولم يستطع الوقوف من دون مساعدة.
تناولت الندوة التحديات التي تواجهها وكالة الاستخبارات المركزية بعد 75 سنة من إنشائها (عام 1947)، وتم خلالها، للمرة الأولى، استضافة اثنين من كبار القادة الحاليين للوكالة، وهو أمر نادراً ما يحصل من على «منصة عامة»؛ إذ يمكن أن يمثل قادة الاستخبارات في العادة أمام جلسات استجواب في الكونغرس، ولكن ليس أمام جمهور من عامة الشعب. وكان اللافت أن المسؤولين كلاهما جاء بـ«خلفية عربية»؛ إذ درس أحدهما اللغة العربية وكان يعمل ويعيش في دول عربية، فيما الآخر كان يتابع ملف لبنان، وتحديداً «ملف السنّة» فيه.
المتحدث الأول كان نائب مدير العمليات في «سي آي إيه» ديفيد (دايف) مارلو الذي تولى منصبه هذا في العام 2021، بعدما شغل سابقاً منصب مسؤول «مركز الشرق الأدنى» (بما في ذلك الشرق الأوسط) في وكالة الاستخبارات المركزية من العام 2017 إلى العام 2020. قام مارلو بثلاث مهمات في الخارج بوصفه «رئيس محطة» لـ«سي آي إيه»، كما خدم كرئيس للعمليات في فرع مكافحة الإرهاب. لكنه لم يبدأ عمله في «سي آي إيه»، بل في الجيش الأميركي، كمشغّل إشارة للاستخبارات (سيغينت) في الفرقة 101 المجوقلة والفرقة 82 المجوقلة، وهي مهمة استدعت عمله في السعودية والعراق خلال حرب الخليج في العامين 1990 و1991.
المتحدث الثاني في الندوة كانت نائبة مدير فرع التحليل في «سي آي إيه»، ليندا وايزغولد التي التحقت بالوكالة منذ العام 1986. وعملت محللة، ثم قادت لاحقاً وحدات التحليل في «سي آي إيه»، بما في ذلك «مكتب تحليل الإرهاب». كما عملت لسنتين في منصب «مقدم الإيجاز الاستخباراتي» اليومي للرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.
قالت ليندا في الندوة التي أدارها المدير السابق بالوكالة لـ«سي آي إيه»، مايكل موريل، إن مهمة المحلل في الوكالة هي أن يقدم «تحليلاً موضوعياً»، موضحة: «نحن ننظر إلى خارج الحدود... نتابع أشخاصاً وجماعات واتجاهات خارج حدودنا لكنها تؤثر على أمننا القومي. كمحلل في (سي آي إيه) مهمتك أن تقدم المعلومة لكنك لا تصنع السياسة». أما ديفيد فشرح أن المهمة الأساسية لضباط العمليات «هي أننا نذهب خارج الحدود، إلى بلدان أخرى، ونفهم (أهلها) في ظروفهم وكيف يرون أنفسهم في العالم. نحن منظمة غير سياسية. الفرق بين السياسة والاستخبارات هو أن السياسة تتعلق بكيف تريد أن يكون العالم، بينما الاستخبارات هي كيف هو العالم. مهمتنا أن نذهب إلى دول، ونراهم كما هم، وكيف يرون مشاكلهم، وكيف يروننا نحن، ونفهم ماذا يدور في ذهنهم، ونجلب معنا بعض الأشياء التي تكون مفيدة للعاملين مع ليندا (قسم التحليل) كي يفهموها».
وتحدث ديفيد أيضاً عن طريقة التحاقه بالاستخبارات، فقال إنه كان يتطلع للعمل في مجال الأمن القومي، ولكن «ليس تحت الأضواء»، وهو ما قاده إلى فرع العمليات في «سي آي إيه»، موضحاً أنه التحق بالجيش لاكتساب خبرة عسكرية قبل الانتقال للاستخبارات. أضاف: «علموني (في الجيش) اللغة العربية لمدة سنة ونصف سنة في كاليفورنيا، ثم ذهبت إلى مدرسة الإشارة لبضعة أعوام، ثم جئت إلى هنا (سي آي إيه) عام 1991، بعد حرب الخليج». وأوضح أنه قام بـ«مهمات في الشرق الأوسط. في بعض تلك الأماكن، لم يكن هناك أحد يتكلم الإنجليزية... كانت تجربة رائعة. عشت على الطعام المحلي. تحدثت بالعربية كل يوم. كنت أعرف أسماء كل صنف من أصناف السمك في سوق السمك، وفي سوق الفاكهة والخضار. كنت بمثابة جزء جاسوس، وجزء دبلوماسي، وجزء مغامر، وجزء عالم آثار، وجزء عالم اجتماع».
أما ليندا، فتحدثت بدورها عن عملها قائلة: «أحد أول الأعمال التي قمت بها كان يتعلق بالشرق الأوسط. كنت أعمل على ملف لبنان. كنت بدأت في هذا العمل لفترة قصيرة جداً -بضعة شهور- عندما تم اغتيال رئيس الوزراء السنّي. جزء من المهمة التي كنت أقوم بها كان يتعلق بكل ما يرتبط بالسنّة. وكان ذلك يُعتبر ملفاً أقل أهمية من غيره». لم توضح ليندا من هو رئيس الوزراء السني الذي تم اغتياله، علماً أن رئيس الوزراء الذي اغتيل في الثمانينات كان رشيد كرامي الذي اغتيل عام 1987، أي بعد سنة من التحاقها بوكالة الاستخبارات المركزية عام 1986. وتم اغتيال رئيس وزراء آخر عام 2014 هو رفيق الحريري.
وعن الأشخاص الذين تبحث الوكالة عن تجنيدهم حالياً، قالت ليندا: «نبحث في (سي آي إيه) عن أشخاص يمكنهم أن يقوموا بأشياء مختلفة: نوظف مصممي غرافيك، محاسبين، مهندسين، مختصين بالأمور اللوجيستية، علماء داتا». وأضافت: «إذا كنت طالباً ولديك وقت قبل التخرج، فأشجعك جداً على المشاركة في برنامجنا للطلبة. إنها فرصة كبيرة كي تنظر إلينا ونحن ننظر إليك».
وليس واضحاً سبب اختيار «سي آي إيه» هذين المسؤولين تحديداً، ليندا وديفيد، للحديث عن مجالات العمل في الاستخبارات. فهما، كما بات واضحاً، ينتميان إلى «جيل مختلف» هو جيل «الحرب على الإرهاب» عندما كانت «أولوية الأولويات» للأميركيين التصدي للتهديد المرتبط بتنظيم «القاعدة»، ولاحقاً «داعش»، بينما «الأولوية» الآن باتت للصين بحسب ما يتضح من إنشاء وكالة الاستخبارات المركزية «مركز مهمة» جديداً مخصصاً فقط للتحديات الآتية من هذه الدولة. وقد أقر كل من ديفيد وليندا بهذه الحقيقة؛ إذ أكد الأول «أن الصين هي الخصم الأساسي لأميركا اليوم»، بينما قالت ليندا إن «الصين انتقلت من كونها قوة صاعدة إلى أن تكون على الطريق لتكون قوة عالمية... ومع نتائج مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني، بات شي (جينبينغ) يشعر بالتأكيد بأنه في موقع أقوى من السابق».
ولكن هل هذا يعني أن «التهديد الإرهابي» قد انتهى بالنسبة للأميركيين بعدما حزموا حقائبهم ورحلوا من أفغانستان؟ ردت ليندا قائلة: «التهديد (الإرهابي) لم يرحل. لقد حققنا تقدماً كبيراً في مجال التقليل منه، لكنه لم ينته ولا يمكننا أن نزيح أعيننا عنه، ولن نزيح أعيننا عنه». أما ديفيد فعلّق قائلاً إن أميركا ستواصل ملاحقة الإرهابيين، مضيفاً: «كما سيخبركم الظواهري: لا يمكنك الاختباء»، في إشارة إلى إعلان الولايات المتحدة نجاحها في قتل زعيم «القاعدة» في كابول قبل شهور، بعد 20 سنة من ملاحقته.


مقالات ذات صلة

وكالة الاستخبارات المركزية تنشر دليلاً بالفارسية للمعارضين الإيرانيين

شؤون إقليمية شعار وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (رويترز)

وكالة الاستخبارات المركزية تنشر دليلاً بالفارسية للمعارضين الإيرانيين

نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) دليلاً إرشادياً باللغة الفارسية للمعارضين الإيرانيين للتواصل معها بشكل سري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ متظاهرون يطالبون بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس بعد اعتقالهما من قبل القوات الأميركية (رويترز) p-circle

تقرير: «سي آي إيه» تقود خطط إدارة ترمب لفرض نفوذ جديد على مستقبل فنزويلا

تعمل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) بهدوء على ترسيخ وجود أميركي دائم داخل فنزويلا، وتقود خطط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفرض نفوذ جديد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - كراكاس)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف خلال متابعتهما عملية اعتقال مادورو من بالم بيتش، فلوريدا يوم 3 يناير (رويترز)

إدارة ترمب توازن علاقتها مع الحكومة والمعارضة في فنزويلا

تحاول إدارة ترمب الموازنة بين توجيه رسالة تعاون للحكومة المؤقتة في كاراكاس، من دون تجاهل المعارضة التي يشعر أنصارها بالإحباط.

علي بردى (واشنطن)
أميركا اللاتينية مُسيرة أميركية من طراز «إم كيو 9 ريبر» تقترب للهبوط في بورتوريكو (أ.ف.ب)

غارة الـ«سي آي إيه» داخل فنزويلا تنذر بتصعيد أميركي كبير

نفّذتها «سي آي إيه» أول «ضربة» علنية ضد منشأة وقوارب بميناء داخل فنزويلا، في تصعيد هو الأكبر منذ بدء حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضد عصابات المخدرات.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مشاركاً في نشاط داخل قصر ميرافلوريس بكركاس (رويترز)

ترمب يوافق على خطط سرية لـ«سي آي إيه» في فنزويلا

وصلت الحشود العسكرية الأميركية في منطقة البحر الكاريبي إلى مستويات لا سابق لها منذ عقود

علي بردى (واشنطن)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».